مرتبة القرف الأولى

كلما شاهدت محاولة لتحطيم الرقم القياسي لموسوعة غينيس في المطبوخات أو المعجنات أو أي نوع من أنواع الطعام رثيت لحال من يشاهد المحاولة من الفقراء، ولا تقل لي إن الفقراء ليس لديهم وسيلة المشاهدة والمتابعة فالمشكلة أن وسائل إغاضة الفقراء تزداد يوما بعد يوم وأن الفقراء العاجزين عن إيجاد قوت يومهم لم يعد وجودهم مقتصرا على الدول الفقيرة أو المناطق المنكوبة أو أن تواجدهم محصور في الأحياء الفقيرة، فهم موجودون في دول غنية ودول فاحشة الثراء ودول متقدمة ومناطق محظوظة (غير منكوبة) ويتواجدون في الأحياء الغنية بحثا عن دخل يشترون به قوت يومهم ويجوبون الشوارع الرئيسة والأسواق والمراكز التجارية جنبا إلى جنب مع الأغنياء وهذا معناه أنهم يشاهدون ما يشاهده الغني، لكنهم لا يملكونه ولا يمكنهم الحصول عليه.
هم يشاهدون محاولة تحطيم الرقم القياسي لموسوعة غينيس في الأطعمة عبر شاشة تلفاز ضخمة في ميدان راق في إحدى المدن، وهم يشاهدون تحطيم الرقم عبر الزجاج الخارجي لمطعم وجبات سريعة شاشات تلفزيوناته تغطي كل الاتجاهات ورائحة طعامه تشمها قلوبهم قبل أنوفهم فلا هم حصلوا على الطعام ولا سلموا من قهر مشاهدة تبذيره في محاولة تحطيم رقم الموسوعة.
وحتى لو بقي الفقراء في عششهم فإنهم سيشاهدون صور محاولة تحطيم الرقم في ورق الصحف التي تصلهم ليس لأنهم مشتركون ولكن تدخل بيوتهم حاملة بقايا طعام!!.
وكعادتنا نحن العرب في محاولة تحطيم الأرقام القياسية في الإسراف فإن جل المحاولات لتحطيم رقم الطهي محاولات عربية فمن رقم (غينيس) في عدد الفلافل إلى الحمص ثم أكثر كمية شوربة وأكبر كيكة ثم أضخم قدر أرز، ودائما ينجح العرب في تحطيم رقم الإسراف وقبله ينجحون وبامتياز ومرتبة القرف الأولى في تحطيم قلوب فقرائهم الذين يتابعون الحدث، والمشكلة أن أكثر الدول تباهيا بهذا السفه والتبذير سبق أن جربت الجوع أو الحروب أو الأزمات أو الحصار وعرفت يوما ما قيمة الغذاء والأمن الغذائي لكنها لم تعرف قط قيمة الإنسان، ناهيك عن قيمة مشاعره.

مسؤول حكومي ومسؤول خاص وبقاء الأصلح

لاحظت أن المسؤول الكبير في القطاع الخاص ذي العلاقة بالجمهور والعملاء من عامة الناس وخاصتهم، يكون على درجة عالية من الاهتمام بخدمة الناس وحرص شديد على رضاهم وتجاوب كبير مع مطالبهم يفوق حرص صغار موظفيه، فهو يرد على (تحويلة) هاتفه عند أي اتصال وفي أي وقت وإذا كان الطرف الآخر صاحب شكوى فإن المدير يتفاعل مع شكواه ويحرص على حلها بنفسه ومتابعة موضوع الشكوى حتى النهاية مع أنها هاتفية وليست شكوى منشورة في الصحف، والمسؤول في القطاع الخاص مهما ارتفع شأنه وبلغ منصبه يفتح أبوابه للمراجعين وطالبي المقابلة والمشتكين في كل وقت، وأحيانا يخرج لهم حتى من اجتماعاته بصرف النظر عن جاههم أو مركزهم الاجتماعي أو منصبهم الوظيفي، ويتفاعل فوريا مع الشكوى أو الطلب حتى يصل إلى عذر مقنع وحجة مقبولة من موظفيه أو استجابة فورية وإنهاء للمشكلة إذا كان الحق للمشتكي.
في المقابل فإن المسؤول الحكومي بمجرد توليه المنصب والمسؤولية فإن أول ما يبادر بإنشائه هو جدار عازل عن الجمهور، يتكون من مدير مكتب معروف بالتصريف وسكرتير مشهود له بالقدرة على التمثيل والحلف والزحلقة، وبذلك فإن المسؤول الحكومي يدعي تحديد ساعات مقابلة الجمهور ولا يلتزم بها، وإن التزم بها فأغلبها لمقابلة صحافيين، وإن حدث وصاح مواطن بالصوت الرفيع وأزبد وهدد بالشكوى لولاة الأمر أو الصحافة فإنه يحظى بالدخول، لكنه لا يخرج لا بإقناع ولا بسرعة حل، ويختلف المسؤول في القطاع الحكومي عنه في القطاع الخاص في محاسبة الموظفين الصغار وتأديبهم؛ فالأول لا يهتم بالشكوى عليهم وإذا كانت شكوى منشورة في الصحف فإنه يدافع عنهم ويوجد الأعذار لهم، بل يربيهم على عدم الصدق بأن يلقنهم حجة واهية منشورة في الصحف يقرؤونها مثل غيرهم، لأنه بذلك يدافع عن نفسه ويوهم الآخرين ممن يطلعون على الصحف بأن الأمور تمام، بينما الثاني في القطاع الخاص يحرص على محاسبة موظفيه جهرا وسرا ويبادر بالتحقيق في الشكوى ويتابع مجرياته، فإن صدقت اعتذر للشاكي وعاقب الموظف وإن كذبت وهي منشورة في صحيفة قاضاها على عيون الأشهاد.
أما لماذا الفرق؟ فلأن المسؤول الحكومي يعتقد أنه لا يسقط إلا بفضيحة مجلجلة، أما المسؤول في القطاع الخاص فيدرك أن بقاءه مرهون برضى الناس وبنجاحه في عمله.
وغني عن القول إن هذه المقارنة تنطبق على البعض وليس الكل ولا يجوز فيها التعميم، ولكن ألا يجدر بنا الاستفادة من القطاع الخاص في طريقة التعامل وطرق المحاسبة ورضى الجمهور؟!

بين كارثة جلاجل ورمح الحصمة

كلما قرأت خبرا عن سقوط سقف مدرسة أو حدوث تشققات فيه أو تساقط قطع من الأسمنت على رؤوس الطالبات، وجميعها نذر انهيار كامل للسقف أو المدرسة، تذكرت حادثة انهيار مدرسة جلاجل في منطقة سدير، وهي الحادثة التي ذهب ضحيتها 17 زهرة وأصيبت أخريات، فهزت المجتمع بأسره، بل العالم من حولنا، ونظمت فيهن قصائد الرثاء (أشهرها بحكم قوتها وقائلها قصيدة لغازي القصيبي ــ رحمه الله)، وكتبت المقالات وعم الحزن والندم حيث لا ينفع الندم.
حدث ذلك منذ أكثر من ثلاثين عاما دون سابق إنذار إعلامي ولا تحذير صحافي، وإني أتساءل: هل طالبات مدرسة جلاجل كن أقل حظا لعدم وجود إعلام فاعل شفاف لينذر بقرب الخطر، أم أنهن كن أسعد حظا فأصابهن الحدث فجأة ودون توجس أو خوف يومي، مثلما يحدث اليوم مع عدة مبانٍ مدرسية آيلة للسقوط، وترسل نذر سقوطها كل يوم بسقوط قطع أسمنتية أو حدوث تشققات أو ميلان سقف أو انحناء عامود، أعتقد شخصيا، وبحكم ما نشاهده اليوم من عدم تحرك مع نذر الخطر ومؤشرات قرب وقوع الكارثة، أنه لا فرق، بل إن الحادث الفجائي أرحم، خاصة على صغيرات قلوبهن الهشة البريئة لا تتحمل الرعب اليومي وتوجس حدوثه، طالما أن أحدا لن يرحمك ويسعى لانتشالك من الرعب، وقديما قال المثل الشعبي في منطقة سدير التي تقع فيها جلاجل، حيث حادثة مدرسة البنات الشهيرة قال: «رمح تزرق به ولا رمح توعد به»، أي أن تطعن بالرمح فجأة خير من أن توعد بالطعنة.
وأنا أطالع خبر تساقط قطع أسمنتية وخشبية على رؤوس طالبات مدرسة الحصمة الابتدائية والمتوسطة للبنات في قرية الحصمة شرقي منطقة جازان، المنشور في هذه الصحيفة الغراء «عكاظ» أمس الأحد، وما روته الطالبات والمعلمات من حالة الرعب والذهول من سقوط قطع السقف على رؤوسهن، وخرير ماء المطر على دفاترهن، وتحول الفصول الدراسية إلى برك ماء تتلف المقاعد واللوحات، وإضافة من عندي أنها تنذر بخطر امتزاج الماء بالكهرباء (إن وجدت) لتحدث الصدمة الكهربية الكبرى، ثم وأنا أصل في قراءتي إلى تصريح مدير الإعلام التربوي في جازان معلقا على حال طالبات ومعلمات هذا المبنى المستأجر بالقول «عليهن الانتظار إلى حين الانتهاء من المبنى الجديد»، تمنيت أن الأمر بيدي لكنت طلبت من كل موظفي إدارة التربية والتعليم في جازان نقل مكاتبهم لتلك المدرسة، وأن (يداوموا) فيها لحين انتهاء المبنى الجديد، على أن يكون أكثر الفصول الدراسية تضررا وتساقطا للأسمنت وخريرا للماء مكتبا، ليس لمدير الإعلام التربوي، بل للمدير العام، فما ذلك إلا ناطق رسمي يقول ما يمليه عليه المدير.
أعتقد أنه في غياب التجاوب، لا فرق بين غياب النذر الإعلامية في كارثة جلاجل وتوفرها في الرمح الموعود لمدرسة الحصمة، والفرق الوحيد هو غياب شاعر فحل هو غازي القصيبي الذي قال ــ رحمه الله:
بسط الموت يا جلاجل كفيه ..
فماذا أعطيته يا جلاجل؟
كل هذي الزهور؟ ما أفجع الزهر ..
صريعا على نيوب المناجل!
كل هذا العبير من طيب مريول ..
ومن خفقه الصبا في الجدائل؟
كل هذا الجمال؟ ما رأت الأحلام ..
أبهى مـن الصبايا الغوافل

مسؤول شديد الامتصاص

استغرب الأستاذ الفاضل حمد القاضي في جداوله في جريدة الجزيرة أمس السبت، تصريح مسؤول كبير في وزارة التجارة في صحيفة المدينة، عندما برر زيادة الأسعار وجشع التجار، وأكد أن ذلك يعود إلى التباين الملموس في الأسعار في طرق الحصول على السلعة وفروق الإيجارات بين المحال، وأن المملكة تتبع سياسة السوق الحر، وزداد الأستاذ حمد القاضي دهشة أن ذات المسؤول بدلا من طمأنة المستهلكين بأن الوزارة تراقب الأسعار، فقد أوكل ذلك إلى جمعية حماية المستهلك قائلا بالحرف الواحد «إن الوزارة لن تتدخل في تحديد الأسعار» ودعى المتضررين إلى الشكوى لجمعية حماية المستهلك عبر رقمها المجاني.
أقول لأبي بدر لا تستغرب ولا تندهش يا أستاذنا فنحن نعيش ــ على ما يبدو ــ في حقبة البراءة من المسؤولية بالتبرير والوقوف في صف التاجر ضد المستهلك الفقير، فقد أصبح التهرب من المسؤولية وتبرئة النفس والمنصب منها أمر شائع للأسف، حتى أكاد أن أشعر أن سبب الغبار الكثيف الذي يجتاح مدننا، ناجم عن نفض كثير من المسؤولين ثيابهم و(بشوتهم) للتعبير عن تبرئة أنفسهم من المسؤولية، وكأن الكرسي وما صاحبه من مرتبة ومميزات و(إكسسوارات) من بشوت وصور وبروز إعلامي وشرهات هي حق مكتسب لا علاقة له بالمسؤولية، وكأن (البشت) درع واقٍ من المسؤولية والعقال تاج البراءة منها.
أما التبرير للتجار وكبار المستثمرين فقد أصبح وسيلة علاقات عامة وكسب ثقة وتأييد من يفيد تأييده، وهو أمر شاع هو الآخر، فقد أصبح مسؤول التجارة يبرر للتاجر جشعه ومسؤول الزراعة يبرر للمزارع احتكاره ومسؤول الصحة يبرر للطبيب أخطاءه، بل إن بعض التبريرات جاءت استباقية وقبل المصيبة بمدة؛ فارتفاع أسعار الشعير مثلا تحدثت عنه الزراعة ومهدت لحدوثه فكان لا بد أن يحدث حتى لو انتفى تبرير حدوثه.
أشاطرك الدهشة أبا بدر وأستطيع فهم غضبك من تصريح مسؤول التجارة، وأشهد ــ وأنا أحد قرائك الدائمين ــ أنني لم اقرؤك غاضبا مثل أمس ومعك كل الحق فقد مللنا التبرير والتسويف والتصريف إلى درجة أن مسؤول التجارة يريدنا أن نشتكي لحماية المستهلك وهو للتو قال (إن الوزارة لن تتدخل) وإذا كانت الوزارة لن تتدخل فما فائدة الشكوى لحماية المستهلك التي لو افترضنا أنها جمعية فاعلة فهي سترفع الأمر لوزارة التجارة التي لن تتدخل!
إذا فهو مجرد تسويف وامتصاص غضب حتى لا (يطفح) الكيل وتبتل الوزارة بماء اللوم، أي أن المسؤول مجرد وسيلة حماية شديدة الامتصاص.

شقراء الصحافة تسر المقصرين

لا أتخيل أحدا أكثر سعادة من مسؤول مقصر تعاني إدارته من (سوء الدبرة) وموظف فاسد إداريا أو ماليا أو أخلاقيا هذه الأيام، ومصدر السعادة لهؤلاء ليس لأننا نحتفل باليوبيل الذهبي للمقصرين ولا باليوم العالمي لسوء (الدبرة) ولا لأننا نحيي الذكرى السنوية للفساد، مصدر السعادة والاطمئنان هو أن صحافتنا التي يفترض أن تواصل سعيها الدؤوب للإسهام مع جهود الدولة في مشروع الإصلاح وكشف مواطن القصور وأشكال سوء الدبرة ومحاربة الفساد الذي تصل نتائجه إلى حد إزهاق العديد من الأرواح أو ضياع المال العام أو تشتت الأسر أصبحت هذه الصحافة تشغل نفسها بالتركيز على قضايا سطحية واختلاف في الرأي بين تيارين والتعامل مع هذه القضايا السطحية أو (توافه) الأمور التي يدور حولها خلاف في توجهات كل طرف على أنها فرصة مواتية لكل تيار أن يغيظ الآخر وينال منه في شكل مطالبة ملحة بأشياء غير أساسية ولا تشكل هما حقيقيا للمواطن ولا مطلبا أساسيا للمجتمع ولا حلا لمشكلة أرهقت الغالبية أو معضلة استعصت على الحل.
مقالات متعددة وعناوين عريضة ومتابعة رأي ورأي آخر ومقالات جماعية في يوم واحد جميعها تستهدف شأنا غير هام وغير ذي أولوية أو صعب التطبيق أو يستحيل أن يقبل به المجتمع أو أن حسمه لا يمكن أن يتم إلا في أروقة القضاء أو حلقات النقاش العلمي المتخصص ولا يقدم أو يؤخر في القرار الذي سيتخذ بشأنه كتابة مقال أو نشر تصريح أو عنوان عريض ومع ذلك يتم التركيز عليه وتكراره وتداوله في أكثر من صحيفة لماذا ؟! لأنه نقطة اختلاف بين تيارين، أما المستفيد من هذا الانشغال الإعلامي وإشغال الصفحات بهذه القضايا غير الأساسية فهو المسؤول المقصر والوزير سيئ الدبرة والموظف الفاسد الذين يتسبب قصورهم وإخفاقاتهم وفسادهم في خسائر في الأرواح والممتلكات والمال العام وبإمكاننا بنصف التركيز على الأمور التافهة أن نعين على كشف قصورهم وحثهم على العمل ومحاربة الفساد الحقيقي المقلق للمجتمع بدلا من أن نهدر الحبر في موضوع خلاف فقهي أو من يبيع الملابس النسائية أو قيادة المرأة للسيارة أو عمل (كاشيرة) أو ادعاء قاض أنه مسحور والقضاء كفيل به كتبنا أم لم نكتب فبدلا من أن تركض شقراء الصحافة مع خيل القضايا السطحية وتهدر الجهد والحبر فيها علينا أن نركز على قضايا أساسية ومشكلات مؤثرة.. المجتمع في أمس الحاجة إلى حلها والدولة بقيادتها الحكيمة ورغبتها الجادة في الإصلاح تريد كشفها واقتراح الحلول التي تخلص المجتمع منها ومن آثار استمرارها دون اكتشاف أو إيجاد حل، وعدا ذلك فإن المقصر وسيئ الدبرة والفاسد هو السعيد بركض شقراء الصحافة مع خيل تركض في الاتجاه غير الصحيح بعيدا عن تقصير هذا وفساد ذاك.

وقفات أسبوع التصريحات

** نادي الشباب السعودي نادٍ رياضي معروف منذ عقود بالمثالية في جوانب عديدة، حتى أطلق عليه النادي النموذجي والمثالي؛ لأنه جمع بين المستوى الرياضي الرائع والانفتاح على المجتمع بإسهامات إنسانية وثقافية واجتماعية، وحاليا ابتلي برئيس يعشق الشهرة والبروز عن طريق المناكفات والتصريحات الاستفزازية التي تجعل فضائيات الفضول تضطر لتصويره وسؤاله عنها، وكل ما حدث منه أو عليه تجاه أندية أخرى في حيز الخلافات الشخصية لا يعنينا ولا يسيء للوطن والمواطن، لكن أن يجتذب الفضائيات بتصريح يتهم فيه جماهير سعودية بأنها تتجسس لصالح فريق كوري ضد الشباب، فهذا أمر تربوي لا يمكن السكوت عليه؛ لأن جل جماهير الكرة من النشء، فإذا تم تناول إمكانية التجسس لصالح الآخرين بهذه السهولة والسطحية والغث من القول فإن النتائج خطيرة، كما أن المواطن السعودي مشهود له عبر التاريخ بالوطنية وحب كل ما هو وطني والبراءة من هذه الصفة البذيئة، فكيف نسمح لمثل هذا بالنيل من سمعة المواطن عبر الفضائيات لمجرد أنه اشتكى من غياب الإعلام عنه وحبه للفت الأنظار؟!، لا بد يا سادة يا كرام من تلقين من يخلط بين سفه الكرة وحكمة الوطن درسا في الرزانة وصون اللسان، أو أن يبعد عن التأثير في الأجيال القادمة بكلام غير موزون، فسمعة الوطن والمواطن خط أحمر.
** تقول وزارة العمل إن البطالة وصلت للوافدين بتسجيل 14 ألف وافد نظامي يعانون من البطالة، وهنا لا بد من التوقف أمام صفة (نظامي)، فإذا كان المقصود أنه استقدم بتأشيرة نظامية فمسئوليته على من استقدمه حتى وإن تركه سائبا، أما إذا كان دخل نظاميا ولم يغادر فإن من أحصاهم كفيل بالعمل على ترحيلهم، والمشكلة الكبرى إذا كانت بطالتهم وهمية ويسترزقون من أعمال أخرى.
** إذا كنا نعاني من بطالة 14 ألف وافد تضاف إلى بطالة الشباب السعودي التي نختلف دائما حول تقدير نسبتها لكنها عالية، وبالنظر إلى حرص القطاع الخاص على توظيف الأجانب ومقاومتهم بقوة للسعودة، فهل يعني هذا أن أمام شبابنا 14 ألفا في طابور التوظيف؟!.
** مسؤول السكة الحديد الذي يقارن نسبة السلامة في سكتنا الحديدية بدول أوروبا، هل (غفل) عن حقيقة أن لدينا سكة واحدة ولديهم خيوطا من الخطوط الحديدية أشبه بطبق (سباكتي) أم أنه (يستغفل). لقد مللنا من القول إن المقارنة يجب أن تكون بين متشابهين في كل شيء، أي قارن برتقالة ببرتقالة وليس بتفاحة.

حراس الرذيلة

دعونا نتحدث بلغة الأرقام ونعلق لغة الأخلاق ولو مؤقتا، مع أن لغة الأخلاق يجب أن لا تعلق ولا للحظة.
هل فكرنا جديا وراجعنا حسابيا: ما معنى وجود 112 رجلا وامرأة في سهرات (أنس) هي في واقع الأمر (وحشة) لمجتمعنا؟! إن أول استنتاج يمكن أن تخرج به من هذا الجمع الكبير من العمال والعاملات الآسيويين المختلطين في شقق سكنية بطريقة غير نظامية وفي خلوة محرمة هو تعليب فيروس الإيدز في 112 حاضنا وموبوءا بالمرض ونشره في مدينة جدة وما جاورها، بل في الوطن أجمع، فهذا الجمع الغفير من جنسيات مختلفة إندونيسية وفلبينية وإثيوبية وبنجلاديشية (حسب «عكاظ» أمس) عندما يمارس الرذيلة كفيل بتحضير فيروس إيدز مهجن ومتعوب عليه (فيروس إيدز أفروآسيوي)، وكل واحد منهم بمجرد خروجه يوميا ورغبته في (التغيير) كفيل بتوسيع رقعة هذا المرض ونشره في مزيد من العلب المتنقلة ومتنوعة الجنسيات، حسب طبيعة عمل الناقل إن كان يعمل في مستشفى أو شركة أو مطعم، والطامة الكبرى إن كان سائقا، أما حساب نتائج انتشار هذا المرض في المجتمع فأتركها لمن يهمه الأمر من المتخصصين، مذكرا بأنها اجتماعية، نفسية، صحية، واقتصادية (حشى هذي لوحة نادي).
أكد الخبر أن التحريات الميدانية كشفت عن تواطؤ بعض حراس المباني الأجانب مع جالياتهم بتمكينهم من استئجار الشقق والمنازل دون أوراق ثبوتية، كما أنهم يعاونون هؤلاء المخالفين المجرمين على الفرار بمجرد الإحساس بحملات الجوازات والسلطات الأمنية، أي أنهم يمارسون إيواء المجرم المطلوب وتأمين فراره، وهذا يجب أن يجعلنا نفيق من سباتنا العميق، فالموضوع أكبر من نشر الإيدز (والإيدز كبير ومكلف)، وأكبر من سهرات أنس موحشة للمجتمع، الموضوع ليس مجرد موضوع (صحي اجتماعي نفسي اقتصادي)، الموضوع له بعد أمني، وكل هذه المعطيات يجب أن تنبهنا إلى ضرورة سعودة وظائف حراس العمارات والمباني مهما كلف الثمن؛ لأن التكلفة الصحية والاقتصادية والأمنية أكبر وأثمن من أي تكلفة، ولأن من أشار لهم الخبر من المتواطئين من حراس العمارات والمباني هم في واقع الأمر حراس رذيلة ووسيلة أمن واطمئنان وإقامة مريحة لكل مجرم، مع توفير جرس إنذار مبكر عند كل مداهمة، وفي ذلك خطورة حتى على رجال الأمن والجوازات.
أي أن تكلفة سعودة هذه الحراسات تستحق ثمنها، بل مربحة وطنيا ولها مبرراتها الهامة جدا، ويجب فرضها والتشدد في ذلك رضي من رضي وغضب من غضب، وهي بالمناسبة مطبقة في كل الدول العربية الكبرى الحذرة الحريصة على عنصر المراقبة، والتي اكتوت بنار الدخلاء والمتستر عليهم.

لياقة الصحافة ووهم نجاح «التطنيش»

لا أحد ينكر أن الصحافة المحلية لعبت وتلعب دورا هاما في مشروع الإصلاح، فهي العين الثالثة وهي قناة الشكوى الفعالة والسريعة، وهي التي تضع الإصبع على الجرح أملا في وقف النزف إلى أن يأتي الإسعاف بالعلاج.
ولكل من تولى مسؤولية وتوجس قصورا في قدراته وخشي أن تكتشفها عين الصحافة أسلوبه في التعامل معها سواء بعقد صلح مع صحيفة أو إغراء أخرى بالإعلان أو زرع أقلام في ثالثة، لكنه بالتأكيد لن يفلت من الرابعة والخامسة والسادسة ولن يسلم من الفضائيات المحلية والخارجية ولن تدوم له الحال مع من عقد معهم صلحا أو أغراهم فدوام الحال من المحال، ودور الإعلام في مشروع خادم الحرمين الشريفين للإصلاح ومحاربة الفساد يستعصي على من يحاول التحايل عليه.
الصورة الثانية من التحايل تتمثل في ممارسة (التطنيش) وتجاهل الرد أو الإيضاح أو حتى التعليق والتحاور حول الخلل الذي تكشفه مقالة أو ينقله خبر وهذا الأسلوب يوهم بالنجاح كونه يراهن على أن لياقة الصحافة ضعيفة وذات نفس قصير وتمل بسرعة من تكرار نفس النقد، وما تلبث أن تتوقف فيتنفس المسؤول الصعداء، وهو ما أشار له بعض الزملاء بالتعبير عن مسلك (التطنيش) كسلوك أصبح يتبعه البعض، وأعتقد بل أجزم أن الاعتقاد بنجاح هذا الأسلوب محض وهم لعدة أسباب: الأول أن مشروع خادم الحرمين الشريفين لم يغفل هذا الجانب، فقد تم التأكيد على ضرورة رد الدوائر الحكومية على ما يكتب في الصحف خلال مدة أقصاها 15 يوما من نشره، وهذا وربي أوضح دليل على الاهتمام بوزن ما يكتب ورفض إهماله بأي حال من الأحوال ومن كائن من كان وهذا أحد العلامات المميزة لجدية وحزم مشروع الإصلاح، أما الثاني فإن ما يكتب في الصحف هو تدوين للتأريخ، فإذا لم يعلق عليه فإنه لا يسجل ضد مجهول بل يكتب في صفحة من أهمله على أنه قبل بما جاء فيه، أما السبب الثالث فهو أن الإعلام بطبيعته أو الإعلامي والصحافي تحديدا يتمتع بذاكرة جيدة وقدرة على العودة للأرشيف، فسرعان ما يعود لنبش الماضي والتذكير به مجددا خصوصا بعد نعمة الشيخ (قوقل) وهو الشيخ الوحيد الذي لا تشيب ذاكرته، إذا فإن التجاهل و(التطنيش) لما يكتب لا يخدم صاحبه بل هو للضرر به أقرب وما نجاحه إلا وهم لا يلبث أن يفاجئه بالخيبة فما يكتب في الصحف يقرأ وما يتم طرحه يجد الاهتمام والتجاوب ممن يحترم دور الصحافة ويقدره وجربه وامتن له، وإذا كان تجاوب المستوى الأدنى غاب أو غيب فإن المستويات العليا تتفاعل مع هم المواطن ولا تغفل وإن كانت تراقب بصمت الحكيم، فلا خوف على المواطن ولا أمان للمقصر وإن (طنش).

تقنين النفي لاستعادة المصداقية

بدأ الوطن الآن يدفع ثمن عدم مصداقية بعض المسؤولين في شكل عدم ثقة بلغ 70 % في شأن تشققات جامعة جازان رغم الطمأنة والتقارير الهندسية الصادرة عن ثلاثة مكاتب هندسية متخصصة ومهندس مستقل جميعها أفادت بسلامة المبنى من أي عيوب فنية («عكاظ» أمس الأحد).
غياب 70 % من طالبات جامعة جيزان رغم البيان التطميني الصادر من الجامعة أرجعته المصادر إلى أن هذا الغياب يؤكد عدم ثقة الطالبات وذويهن في البيان الصادر عن الجامعة حول سلامة المبنى، وهذه حقيقة أو نتيجة لا تحتاج إلى جهد لاستنتاجها وإن كان من المهم التذكير بأن عدم الثقة ليس في قدرة المهندسين على تقييم الوضع أو عدم ثقة في علم الهندسة وحقائقه ومعادلاته وحساباته، ولكن عدم الثقة في مصداقية ما نسب إلى التقارير الهندسية أو حقيقة هذه التقارير، أي مصداقية ما ورد في البيان الإداري المطمئن أو الحالم بالطمأنينة وهذا ما حذرنا منه كثيرا، وحذر منه العديد من الكتاب والنقاد والمخلصون من أن فقدان المصداقية لدى البعض أو حتى القلة يضر بالجميع في شكل شك وعدم تصديق وعدم اقتناع بكل شيء وبكل تصريح مطمئن حتى وإن صادف أنه حقيقي وجاد، مما يحدث إرباكا وارتباكا شديدين في كل شأن من شؤون الحياة.
كيف نريد من الناس أن يصدقوا وهم يعيشون أمثلة من التصاريح التي يثبت في اليوم التالي عدم صحتها والتطمينات التي تليها الكوارث وتهوين عظائم الأمور وتهويل الإنجازات وادعاء إنهاء مشاريع ترى الناس أنها لن تنته أو فقدان إنجازات سابقة تراها الناس منفذة أو نفي ما يثبت لاحقا صحته وهو ما سبق أن أشرت إلى شيء منه في مقال سابق في هذه الجريدة بعنوان (لقاح صدق) محذرا من أن عدم الثقة ليس بسبب عدم الوعي بل عدم المصداقية أحيانا.
إننا في أمس الحاجة إلى إعادة الثقة في بيانات التطمين عن طريق المساءلة حول التصاريح الصحفية التي يثبت عكسها والنفي الذي يثبت صحة ما نفي فيه، والوعود التي لا تتحقق وهذا أمر سهل لا يتطلب سوى عودة عشوائية لأعداد السنة الماضية من كل صحيفة ومقارنتها بواقع اليوم، وحال الوعود الماضية وحقيقة المنفي في العام الماضي بل الأسبوع الماضي وهل أصبح حقيقة اليوم (والأمر لا يخص جامعة جازان وحدها إنه سلوك شاع ومصداقية اضمحلت).

هيئة مارلين روبي

كل أدعياء الدفاع عن الحرية الشخصية صامتون، دخلوا في حالة بيات شتوي مبكر جدا مع أن (الوسم) دخل للتو ولم نصل بعد لموسم البيات الشتوي، وكل دعاة عدم التدخل في السلوك الشخصي في الأسواق والشوارع (يا حليلهم اليوم مسبطين هاجدين)، والمسبط في لهجتنا العامية هو القابع ساكتا جالسا وقد وضع رأسه بين فخذيه وينظر لمن حوله بتوجس، و(المسبط) ليس بالضرورة (مبسوط) فقد يكون خائفا وقد يكون خجلا وقد يكون محرجا.
حسنا، من أخرس أدعياء الدفاع عن الحرية الشخصية وأدخلهم في البيات الشتوي المبكر جدا؟!، ومن أخجل دعاة عدم التدخل في السلوك الشخصي في الأسواق والشوارع وجعلهم (يسبطون)؟!، إنها عجوز فرنسية متقاعدة اسمها مارلين روبي، قامت في العاصمة الفرنسية باريس بدور الشرطة (اللادينية)، مع أنها ليست شرطية دينية ولا غير دينية وليست من رجال الحسبة الفرنسية، ولاحقت سائحة إماراتية في الأسواق ومزقت نقابها إثما وعدوانا ودون أدنى مسوغ سلطوي، (ليست من السلطة اللادينية الفرنسية)، واشتاطت غضبا عندما أخرجت السائحة الإماراتية النقاب الاحتياطي ووضعته على وجهها، لأن العجوز الفرنسية على ما يبدو لم تساعدها لياقتها على تمزيق الحجاب الاحتياطي، (حدها نقاب واحد وتعتزل).
وحسب صحيفة (الغارديان)، التي نشرت الخبر أن الحكم الذي طالب به الإدعاء على العجوز المعتدية على الحرية الفردية للسائحة في السوق وأمام (اللي يسوى واللي ما يسوى وأكثرهم ما يسوى التالية من الغنم)، لم يتجاوز غرامة 750 يورو وسجن شهرين مع وقف التنفيذ، هذه مطالبة وقد لا يصدر هذا الحكم.
وعلى وزن أنشودة (وين الملايين الشعب العربي وين)، نتساءل وين (المتلبرلين) أعداء الهيئة وين؟!، لماذا لم يستنكر أدعياء الحرية الشخصية على هذه العجوز (غير الرسمية) فعلتها مثلما فعلوا ويفعلون عندما يمارس رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (شرفهم الله عن مارلين) دورهم الرسمي المطلوب منهم في تنفيذ التعليمات القاضية بالالتزام باللباس المحتشم في الأسواق العامة أو اجتناب الممنوع مثل بنطلون (طيحني) والذي بمجرد مناصحة أحد لابسيه أو حتى تطبيق النظام عليه قامت قيامتهم ولم تقعد.
نحن لا نريدهم أن يكتبوا في الصحف الفرنسية لعل الحرية الدينية تحظى بالاحترام هناك، نحن نريدهم فقط أن ينكروا هذا الاعتداء على مبادئهم نحو حرية الفرد، ويقفوا في صف ذات النقاب على أنها ذي (الطيحني) ضد مارلين روبي وكأنها هيئة الأمر والنهي لمارلين روبي فرع الدخل المحدود بباريس.