حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنوات فإنك عندما توشك على دخول الولايات المتحدة الأمريكية تواجه بسؤال من ضابط الجوازات يقول «هل تنتمي إلى منظمة إرهابية»؟، والسؤال يأتي ضمن مجموعة أسئلة لكنه يبدو في الوهلة الأولى سؤالا ساذجا، فالإرهابي لا يمكن أن يخبرك بأنه إرهابي أو ينتمي إلى منظمة إرهابية، ولا يمكن أن يجيب على هذا السؤال بنعم إلا شخص يحب المزح (عيار) وبالمناسبة ونحن ندخل فصل السفر يتوجب علينا توعية المسافرين إلى أمريكا وأوروبا بترك «العيارة» وعدم المزح في الإجابات مهما سخف السؤال فقد تؤدي بك هذه المزحة إلى غياهب السجن ولا يمكنك التراجع عنها.
السؤال الذي يبدو ساذجا يهدف إلى ما هو أهم وهو أخذ إفادة إذا ثبت في أي لحظة أنها كاذبة فإن الكذب في هذه الدول يستوجب محاكمة قد تنتهي بالسجن ومن المؤكد أنها تنتهي بالاستقالة، والسؤال وسيلة لتبرير وتسهيل اعتقال مستقبلي إذا ثبت الكذب حتى لو لم تثبت الجريمة.
الدول المتقدمة حضاريا وحقوقيا وتقنيا أخذوا من دين الإسلام كثيرا من الأخلاقيات ومنها نبذ الكذب والكاذب واعتباره شخصا لا ثقة فيه وليس جديرا بالمسؤولية تماما كما يعتبره ديننا من المنافقين غير المأمونين.
في تلك الدول تعتبر الاستقالة هي أول خطوة حقيقية صادقة تتلو اكتشاف أصغر كذبة، وليس ضروريا أن تكون الكذبة على رئيس العمل أو جهة العمل أو في شأن يتعلق بالوظيفة، بل حتى من يثبت أنه كذب على زوجته أو أحد أصدقائه أو أبنائه يعتبر مجردا من الثقة لأنهم يعتبرونه ممن إذا حدث كذب وإذا أؤتمن خان وإذا وعد أخلف.
كم أتمنى أن نطبق مفهوم توثيق الإفادات والتصاريح والوعود والأحاديث واختلاق الأعذار بشكل رسمي، فإذا ثبت أنها غير صحيحة أو مغالطة أو كاذبة يتم محاسبة ومعاقبة الكاذب وسحب الثقة منه لأن الكذب في مجتمعنا لا يزال عملا مشينا لا عقوبة له ولا تداعيات رغم خطورته واستخدامه توطئة لممارسات خطيرة جدا وغطاء لممارسة فساد كبير وخداع للمجتمع وتمويه عليه وإيهام للناس وللوطن.
لا أريد أن أكون قاسيا وأطلب تطبيق عقوبة الكذب على الوطن بأثر رجعي، أريد أن نشرع لنظام دقيق يمكن من تقرير واقعة الكذب والتمكين من رصدها وإثباتها والتعامل مع الكذب وظيفيا أو اجتماعيا أو وطنيا بما يردع تفشي الوعود والأعذار والأوهام الكاذبة.
لا تظلموا المواطن
الملاحظ أننا نطالب بتطور الناس الذين نتعامل معهم أو نخدمهم دون أن نلتفت إلى أهمية أن نطور أنفسنا ومؤسساتنا التي تقدم لهم الخدمة.
أيضا نحن نجني كثيرا على المواطن عندما نستعرض سلوكياته وتصرفاته دون أن نضع أنفسنا سببا، ودون أن نضع في الاعتبار أن هذا المواطن ماهو إلا جزء من مجتمع متكامل وبيئة مؤثرة، بل دون أن نتذكر أن المواطن هو نحن.
ونظرا لغياب هذه المفاهيم الضرورية، فإنك تجد أن مسؤول المرور يلوم المواطن على مخالفاته المرورية وكأنه يتحدث عن مخلوق غريب، بينما نفس المسؤول ربما خالف نظام البلديات، ومسؤول البلدية يتكلم باستغراب عن تحايل المواطن على أنظمة البلدية، ولعله أي المسؤول تحايل للتو على أنظمة مالية، نفس الشيء يقال عن مسؤول الصحة، فقد تجده يتهكم بعدم القبول في الجامعات، ومراجعوه من المرضى يبكون عدم القبول في المستشفيات، وهكذا فإن المسؤول في التعليم قد يتهكم بسلوكيات بعض أولياء الأمور أو أمهات الطالبات ويفعل الشيء نفسه كمراجع للجامعة في ما يخص ابنه أو ابنته.
الذي أريد الوصول إليه ليس إثبات أننا جميعا نخالف الأنظمة والقوانين، لأن طبيعتنا كذلك أو كما يحلو للبعض الادعاء بأنه ينقصنا الوعي (معاذ الله أن أتهم المواطن بذلك فلدي قناعة كتبتها عدة مرات أن وعي عامة المواطنين وإخلاصهم يفوق كثيرا من المسؤولين القائمين على الخدمة)، لكن ما أريد إثباته أن غياب الأنظمة والإجراءات التي تسري على الجميع في كافة مناحي الحياة (باستثناء إدارة الجوازات) هو ما يجعلنا نلهث بحثا عن الحلول، فنبدو هواة مخالفة أو تخطي أنظمة والحقيقة أننا هواة مساواة حتى لو كان في موضوع التجاوز.
ولمزيد من الإيضاح دعوني أرد على حجة للرجل النشط الذي اعتبره صديقا لي وللجميع، مدير مرور الرياض العميد عبدالرحمن المقبل فقد ذكر في برنامج (أمن وأمان) حجة ظن أنها دامغة ولا أظنها كذلك فقال (لماذا لا يخالفون عندما يعبرون الجسر إلى البحرين، هل قاموا بتوعيتهم بالأنظمة عند المدخل؟!) أقول للصديق العزيز: لا لم يوعوهم لكنهم لم يشاهدوا في البحرين سيارة تسير بدون لوحة دون أن توقف، ولم يشاهدوا أن السيارات تقف تحت ظلال لوحة ممنوع الوقوف ولم يشاهدوا سيارة مرور تكسر أحقية من في الدوار فعرفوا أن ثمة نظاما شاملا ورقابة حاضرة وتطبيقا لا استثناء فيه وليس مجرد (كميرات) ساهر الذي نقدره ونسعد به ولكن لا نرضى له أن يكون يتيما.
في نفس البرنامج ذكر أحدهم أن رجلا غربيا قال أستغرب أنكم عند السير مع بعضكم على الأقدام في السوق وعند المسجد هادئين وتقدمون بعضكم عليكم باحترام، ولكن في الشارع وبالسيارات أجدكم تتعاملون بعصبية وعدم احترام لأحقية السائق الآخر.
قلت إذا عليك أن تعلم أن السر في الشارع وغياب نظامه وليس فينا نحن.
تعرفة بلا كهرباء
تصدر الصفحة الأولى لجريدة «عكاظ» أمس تصريحان نشرا بالخط العريض، كلاهما يتعلقان بقطاع الكهرباء، (بالمناسبة كلمة قطاع مناسبة جدا للكهرباء والماء لأنها تشبه كلمة انقطاع التي أصبحت سمة للكهرباء والماء).
في العنوان الأول «الوزير الحصين يقول: التعديل في تعرفة الاستهلاك لن يمس القطاع السكني»، وفي العنوان الثاني «الكهرباء تتراجع وتجيب «عكاظ»: نتوقع انقطاعات التيار هذا الصيف»، أما الشيء المخيف في الربط بين التصريحين أو العنوانين أو السطرين هو ما بين السطرين، وهو (التراجع) ويا خوف المشترك من التراجع، فما دام قطاع الكهرباء تراجع عن وعد عدم الانقطاع، فما الذي يضمن أنه لن يتراجع عن الوعد بأن التعديل في تعرفة الاستهلاك لن (يمس) القطاع السكني؟!.
المشترك الآن تعود على (الانقطاع في هذا القطاع) وأصبح خوفه الشديد من المساس بأمر حساس قد يؤدي إلى الإفلاس، خصوصا وأن الكهرباء شديدة البأس إذا حدث التماس، وأكثر الحرائق بدأت بماس نشأ من تماس أسلاك النحاس فكيف إذا تراجعت وزارة الكهرباء عن أمر عدم المساس بتعرفة استهلاك الصغار من الناس؟!.
إذا استمر انقطاع التيار الكهربائي ورافق الانقطاع المتكرر للتيار الحديث عن تعرفة جديدة مرتفعة سواء للمصانع أو الشركات أو المتاجر فإنني أخشى أن لا يكون التوقيت مناسبا على الإطلاق، لأن الإعلان عن زيادة التعرفة سيكون في بداية شهر يوليو المقبل، وبالرغم من أن انقطاعات التيار بدأت من الآن إلا أن شهر يوليو يشهد أكثر الانقطاعات تكرارا وهو ما يحمل المصانع والمتاجر والشركات والمواطنين خسائر فادحة، لذا فإن إعلان التعرفة الجديدة في هذا التوقيت غير مناسب لسببين، الأول أن انقطاع التيار سيجعل (التلفزيونات) تنطفئ أثناء إعلان التعرفة ولن تحقق شركة الكهرباء (إيلام) الناس بسماع الخبر، والثاني أنه سينطبق علينا قول الممثل عادل إمام في مسرحيته الشهيرة (شاهد ما شفش حاجة) عندما خاف وسدد فواتير الهاتف لأنهم هددوه بقطع حرارة الهاتف وهو لم تصله خدمة الهاتف، وخاف عندما أخافوه بسحب العدة مع أنه (ما فيش عدة).
أما عودة على الوعد بعدم انقطاع الكهرباء ثم التراجع بالوعد بعدم انقطاعه الشامل عن كل المناطق وليس عدم الانقطاع عن الأحياء فهو ضمن الوعود التي لن يصدم الناس بالتراجع عنها.
أخـلاق الـوزراء
لا أميل إلى الكتابة عن المناسبات والاحتفالات ولا الكتب التي تهدى ولا الشخصيات، لأنني أرى أن العامود الصحفي هو مساحة دفع القارئ ثمنها ضمن قيمة الجريدة أو اشتراك النت وهي حق من حقوقه إما لحمايته أو المطالبة له أو تثقيفه.
المناسبات والاحتفالات والكتب والشخصيات لها مساحات مخصصة لم تبخل بها الصحف في صفحات المحليات والثقافة وأخبار المجتمع.
حفل مدينتي جلاجل للاحتفاء بالمتميزين من الطلاب وتكريم المواطنين المخلصين عبدالعزيز بن عبدالعزيز المنقور وعبدالله بن سعد المزروع على شرف سمو الأمير سلطان بن محمد بن سعود الكبير ليس استثناء مما ذكرت فقد قامت الصحف بتغطيته بما يليق بالمناسبة، لذا فإنني لم أقصد الكتابة اليوم عن ذلك الحفل بل عن صورة أو عدة صور وطنية وأخلاقية أراها هامة وأرى أن مشاركة القراء بها واجب لتحقيق الاقتداء.
لو أن المواطن الذي تكفل بكل تكاليف وجهد الحفل عبدالعزيز بن علي الشويعر اجتهد بكل ما يملك من مال وذاكرة وطاقة ومساعدين وسخرها جميعا لتنظيم حفل زواج فلذة كبده والدعوة له لما أسعفته الذاكرة ولا الطاقة لجمع كل ذلك العدد الكبير من الحضور، فلم أشاهد في حياتي حفل مدينة تبعد عن العاصمة 200 كيلو متر يقام في يوم إجازة وبعد صلاة الظهر يشهد حضورا شاملا ومتنوعا ومكثفا وبتلك الصورة، خصوصا أن معظم الحضور هم من أصحاب الفضيلة المشايخ والوزراء الحاليين والسابقين وأعضاء مجلس الشورى الحاليين والسابقين وكبار المسؤولين ورجال الأعمال وجميع هؤلاء يعتبرون ظهيرة يوم الخميس الوقت الوحيد للراحة الأسرية، لكن سرا جعلهم يضحون بلذة راحة ضحى الخميس ويتجشمون عناء السفر في مغادرة طويلة وعودة أطول (بحكم الإرهاق) لحضور مناسبة تكريم طلاب في مدينة في وسط الصحراء هي أقرب إلى القرية أو المركز، لكننا نفضل تسميتها مدينة بحكم الطموح.
قد يكمن السر في حب ضيف الحفل أو المنظم أو المدينة أو المحتفى بهم أو حبهم جميعا، لكن الحب وحده لا يكفي، إنها أخلاق المحب فهؤلاء الناس (من هو على رأس المسؤولية ومن ترك منصبه ومن هو بلا منصب) يجمع بينهم قاسم مشترك أعظم هو حب هذا الوطن وحب كل شبر فيه وحب كل ذرة رمل تستقر في أرضه أو تحملها رياحه، والمحب إذا أحب محبوبته أحب كل شيء فيها وكل شيء يمت لها بصلة.
حب الوطن وحب الأرض لدى رجالاته الذين انتقاهم قادته فأحسنوا اختيارهم لا يرتبط بوظيفة أو منصب أو مكان أو منطقة، لذا فإن جل الحضور لم يكونوا من أهل جلاجل وأكثرهم ليسوا من المنطقة، لكنهم من هذا الوطن.
يصعب حصر الأسماء، لكن اسمحوا لي وأنا صحفي ابتليت بحب التقاط المواقف والتركيز عليها أن أنقل لكم موقفا يؤكد أخلاقيات الوزراء.
الدكتور حمد المانع وصل متأخرا قليلا بعد بداية الحفل بدقائق، وعندما وصل بعد إشغال كل المقاعد تناول كرسيا وجلس في زاوية بعيدة رافضا طلب المنظمين بإجلاسه في الصف الأمامي، فما كان من الدكتور محمد الرشيد إلا أن قام من مكانه وطلب من المانع الجلوس فيه ولأن الأخير رفض فقد أخذ أبا أحمد الرشيد كرسيا صغيرا وجلس بجانب زميله لكي لا يتركه وحيدا في زاوية منعزلة.
شخصيا أعجبني الشعور وأعجبتني الفطنة وامتننت بلمسة الزمالة وقلت إن المنصب أخلاق قبل كل شيء.
مصيبة وإن حكيت أكبر مصيبة
ليس لدى وسائل الإعلام مشكلة مع من يدركون أن الإعلام هو العين الثالثة للدولة، وهو النافذة التي يطل منها المواطن ليستنجد بمن غيب عنه وضعه من المسؤولين، وهو أي الإعلام، الطائرة التي تحلق عاليا لتكشف لصاحب القرار صورة جوية شاملة لمواطن الخلل.
لذلك فإن الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله يحرص قولا وعملا على أن تقوم وسائل الإعلام بدورها على أكمل وجه، بل ويشجعها على ذلك وتشكل كلماته الصادقة ومواقفة الدائمة الدافع لكل من حسنت نيته من القائمين عليها على بذل المزيد من كشف القصور.
مشكلة الإعلام مع طرفين، ساءت نواياهم، إما قائم على وسيلة إعلامية بدأ يشعر أنها إحدى الذبائح في حوش بيته، يقدمها وليمة لمن يشاء من ضيوف علاقاته، يأكلها إن شاء (مفطحا) وإن شاء (بوفيه مفتوح)، أو مسؤول ذاق عسيلة الإعلام ويريد أن يلفظ مره بكل الوسائل، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لأنه يدرك أن ما يرفعك قادر على إسقاطك وأنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، خاصة إذا كانت أجنحته من ورق الصحف.
الخائفون من سطوة الإعلام وشفافيته والسقف العالي الممنوح له مؤخرا عمدوا إلى ابتكار طرق أخرى تعتمد على تنويع وسائلهم، والوسيلة الجديدة التي يواجهها الإعلام المرئي والمسموع والمقروء هو خوف صاحب المشكلة من مغبة الحديث عنها باسمه الصريح والرعب مما سيواجهه من رئيسه إذا اشتكى لبرنامج تلفزيوني أو إذاعي أو كتب في الصحف، وتلاحظ ذلك في أسماء المتصلين أو من يكتب شكواه، رغم أن الوسيلة الإعلامية تحتفظ بالاسم الحقيقي ورقم الجوال وكل ما من شأنه التثبت من حقيقة شخصية المتصل أو كاتب الشكوى أو المصرح للصحيفة، هذا الرعب مبرر بما يجده المشارك من عقوبة و(استقعاد) وربما خسرانه لأكثر مما خسر، لكنه سلوك لا يتناسب مع ما نشهده من توجه كريم للشفافية والحوار وحرية الرأي الهادف، وما ينهجه هؤلاء لحماية أنفسهم يشجع إلى اللجوء إلى الإنترنت والاختفاء في كهوف خفافيش الظلام، والمطلوب حماية من يشتكي من الموظفين حتى لا يكون لسان حاله يقول (مصيبة وان حكيت أكبر مصيبة).
وقفات أسبوع حماية وطن
** من أوضح المخالفات الإدارية وأنتنها رائحة؛ أن يشارك الموظف الإداري زميله الميداني في رزقه، رغم عدم وجود أدنى علاقة بين طبيعة العمل الميداني والوظيفة الإدارية، فمثلا كيف يغيب عن الرقيب مشاركة إداريين في ضبطية جمارك قام بها موظف جمارك ميداني مستخدما إخلاصه وحسه الوطني وحسه الذهني وفراسته وضبط الممنوعات واستحق المكافأة ثم يأتي من يقاسمه رزقه حتى لا يبقى له إلا (عراش) المكافأة ويذهب الهبر للهوامير.
** إذا كنا عجزنا -ولن نيأس- من تصحيح نظرة تقييم أنظمة الخدمة المدنية ولوائحها للموظف الميداني لتكون رواتبه وبدلاته هي الأعلى على أساس أهمية دوره وحساسية وظيفته وطبيعة عمله وتقدير ما يبذله من جهد وطني وأخذ الاعتبار لما يحققه من حماية للوطن، فإننا يجب أن نعمل أيضا على رفع وعي المجتمع بأهمية عمل هؤلاء الميدانيين ونبل أهدافهم وشرف أية مهنة يعملون بها ونستخدم كل وسائل التوعية حتى نصل إلى مرحلة اجتثاث رفض فتاة الزواج من موظف جمارك، بحجة أنه يتعامل مع الوسيلة الحية (الكلب البوليسي) فالكلب هنا مجرد وسيلة وآلة وأداة عمل فما العيب؟!.
** أيضا، وما دام الشيء بالشيء يذكر، فإن التقليل من شأن الشاب العامل في الحراسات الأمنية (سيكيوريتي) ينم عن تخلف وعدم وعي أساسه جاء من ظلم القطاع الخاص له في المرتب المتواضع، وهذه من (جنايات) قطاع التجار هذا الذي امتدت إساءاته ولم تقتصر على الظلم في استغلال الحاجة، بل حتى الإضرار بالسمعة والمكانة الاجتماعية فهذا (السيكيوريتي) يبقى رجل أمن وحفظ نظام وصاحب عمل شريف ومشرف.
** رجال الوطن الأفذاذ يمتطون صهوة المسؤولية ويركضون بها إلى الأهداف السامية ويحققون الهدف تلو الهدف دون ضجيج، ثم يترجلون عنها ليركبوا أخرى ويخوضوا معركة جديدة بصمت وعزيمة ويحققوا الانتصار على المعوقات إلى أن يعتزلوا ركوب المسؤولية ويستريحوا في ظلال الوطن، أما من لا يحظى بأية خاصية غير الإدعاء والتقرب، فإن مطيته الإعلام المستأجر ونتاجه الصوت فقط ولو كان في الصوت خيرا لما كان سلاح الضفدع.
حماة المنافذ محبطون
كشف برنامج 99 في القناة السعودية الأولى وضعا خطيرا يعيشه موظفو الجمارك الذين نعتمد عليهم بعد الله في منع دخول كل أشكال الممنوعات عبر المنافذ.
وطلب مني المشاركة في الجزء الثاني من الموضوع والذي يعنى أكثر بالوضع الوظيفي لهؤلاء الموظفين، فدخلت المنتدى المخصص للبرنامج ومقدمه الزميل صلاح الغيدان وبدأت أطلع على شكاواهم وأتحاور مع بعضهم.
حقيقة فإنه أمر لا يصدق أن يكون الوضع الوظيفي لمن أوكل إليهم مهمة حساسة والتهاون أو الإحباط فيها نتائجه خطيرة للغاية بكل المقاييس الاجتماعية والأمنية والأخلاقية بهذا الشكل المهمل تماما.
نسبة كبيرة منهم لم يتم ترسيمهم رغم أنهم أمضوا سنوات في الوظيفة على بند أشبه ببند الأجور وخارج دوامهم زهيد، والبقية المرسمون رواتبهم زهيدة وبدلاتهم لا تليق وانتداباتهم مقارنة بمن يعملون في المكاتب وتحت هواء المكيف المنعش معدومة.
أمر لا يصدق أننا لازلنا نمنح المميزات للموظف وليس لمهام الوظيفة، لذا فنحن نمنح أعلى المميزات لأكثر الموظفين راحة وأقلهم حساسية في عمله وهو المدير، بينما الموظف الذي يقوم عليه العمل وإذا أحبط أو يئس وتكاسل فقد تخرب بصرة هذا لا نفكر فيه إلا بعد خراب بصرة.
متى ندرك أن العمل الميداني أهم وأحرى بالدعم والتشجيع على الأقل حتى لا نتحول جميعا إلى مجتمع بطالة مقنعة تضيق بأفرادها المكاتب وتئن بأوزانهم الكراسي ومواقعنا الحساسة يقبع فيها موظف محبط مثقل بالمشاكل ناقم على المجتمع؟!.
لماذا نحن مجتمع «إيحائي» لا نقدر الأهمية إلا لمن يوحي لنا بأهميته عن طريق حاجتنا له، لذا فإننا نضع كادرا للأطباء ونجدده عدة مرات، وكادر للمعلمين وكادر للقضاة ولا نضع كادرا لأناس لو أهملوا أو باعوا ضمائرهم تحول أفراد المجتمع إلى العلاج لدى الأطباء من المخدرات والعلل النفسية وإلى القضاة للحكم عليهم في جرائم قتل بذخيرة مهربة ولم يجد المعلم من يحضر دروسه؟!.
لم يترحم على والده
من المواقف التي لا تنسى أذكر أنه في إحدى القرى ومنذ أكثر من 35 سنة قاد سائق مخمور شاحنة صغيرة (وانيت) ليلا، وأخذ ينعطف بها يمنة ويسرة داخل أزقة القرية الترابية (لا يوجد إسفلت)، وانتهى به الأمر إلى اقتحام مقبرة القرية، في ذلك العصر الجميل لم يكن للمقابر أسوار، والآن أصبحنا نرفع أسوار المقابر وكأننا نخشى أن يهرب أحد الموتى، ونخفف أسوار مدارس البنات ونوافذها فهل السبب الخوف من حياة الموتى أم موت الحياء والغيرة.
المهم أن السائق المخمور (درعم) بسيارته داخل المقبرة وراح يقفز بها من قبر إلى آخر واستيقظ الناس، ليس على صوت استنجاد الموتى طبعا ولكن صوت ارتطام سنام القبر وعلاماته بأسفل السيارة، وهرع الناس مسرعين ليجدوا أن «الوانيت» قد غرز كفره في أحد القبور ونزل السائق المخمور وهو يردد (أعرفه هذا غثيث في حياته وبعد موته) يقصد صاحب القبر الذي أوقف متعته.
قبض أهل القرية على السائق وحبسوه في إحدى الغرف حتى فرغ الشيخ من صلاة الفجر (في الزمن الجميل لا تستغرق القضايا لنظرها سوى ساعات محدودة وليس سنوات ممدودة)، وعندما حضر أمام الشيخ كان لا يزال بين السكرة والفكرة لم ينعتق من سكرته بعد، فبدأ أهل القرية يقدمون ترافعهم أمام الشيخ معبرين عن اعتراضهم على فعلته ومرددين إنه امتهن حرمة الموتى، ويرددون لقد دهس آباءنا وأجدادنا وأحبابنا.
فما كان من السائق المخمور إلا أن رد ببرود السكران الذي أوشك على إدراك ما حوله قائلا (لا يكون قصدكم تبوني أدفع ديات ناس ميتين من خمسين سنة؟! أعرفكم تسوونها، يا حبكم للطلايب).
قصور نظر هذا المخمور وضحالة تفكيره وتجاهله لحرمة الموتى وهو ما قصده الأهالي ذكرني بتجاهل أناس يفترض أنهم أصحاء عقول لحرمة الميت وضرورة الترحم عليه عند ذكره خاصة عندما يكون أبا أو رجلا صالحا، فذلك (السكران) ربما لو ذهبت عنه السكرة تماما وحضرت الفكرة فإنه سيدرك ما قصده الناس وسيندم على امتهان حرمة الموتى وحرمة صاحب القبر الذي سبه، لكن المشكلة في من يتناسى حق الموتى في الدعاء لهم والترحم عليهم عند ذكرهم، وضرورة ذكر محاسنهم وليس ما يعتقده هو شيء غير فاضل فيردده عن أناس لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، بئس القوة الاستقواء على ميت وشر العقوق أن لا يترحم الرجل على والده.
المساواة «بمزاييت» الإبـل
عندما طالبنا ونطالب بالنظر في فرض تعويضات مجزية كنا نقصد الإنسان وما يتعرض له من فقد إنسان آخر أو حياته هو جراء الإهمال والاستهتار والأخطاء الطبية وخلافه ولا مانع لدي من أن يجد تعويض الإنسان عن ممتلكاته من أغنام وبعارين وخيول اهتماما مشابها، لكن ليس إلى درجة أن تقدر الناقة بعشرة رجال.
خبر الخبر «حلوة خبر الخبر»، والذي يقول إن محكمة الخبر حكمت بتعويض مليون ريال لصاحب ناقة تدفعه شركة زيت وطنية غرقت الناقة في بقعة زيتها على أساس أن صاحب الناقة كان ينوي إدخالها مسابقة مزاين الإبل، خبر لا يخلو من طرافة وأنا أريد أن استظرف أو «أتميلح»، لأكون من مزاين البشر وأطرح بعض التساؤلات الهامة ولكن بروح النكتة.
أولا: كيف ثبت للقاضي أن الناقة من مزاين الإبل وهي مغمورة بزيت أسود من المؤكد أنه ليس زيت (جل) الذي يتزين به كل مذيع التحق بقناة فضائية، فالناقة لابد أنها أخرجت وهي أبعد ما تكون عن الجمال والمزاين.
ثانيا: من قال للناقة أن «تطب» في بقعة الزيت وهي لا تعرف السباحة في الماء؟!، وهل دخلت وهي حية مدركة، لأنه وحسب علمي المحدود أن البعارين ذكية جدا ولا تخوض في الماء إلا بدفعها فكيف تخوض في الزيت، وهل دفعها أحد لذلك أم أنها سقطت في الزيت بعد أن ماتت؟! أنا لا أدافع عن شركة الزيت الوطنية بل أريد مساواة الإنسان بالناقة وأن تغرم هذه الشركة على رميها الزيت في أحد المراعي الصحراوية وهو ما يعني تلوث البيئة الصحراوية وتسرب الزيت للمياه الجوفية التي ربما يشرب منها الإنسان وأن تكون الغرامة مناسبة عند مقارنتها بدية ناقة أصبحت من (مزاييت) الإبل.
ثالثا: لو أن مقاول طرق سفلت للتو طريقا وجاءت ناقة ووطئت الإسفلت الحار وغاصت أخفافها فيه وتسمرت ثم صدمتها سيارة ومات ركابها الأربعة، فمن يدفع دية الناقة
ومن يدفع دية الركاب؟! (حلوها يا طلاب الفقه)، هل يدفع المقاول دية الناقة وصاحب الناقة يدفع دية الركاب؟، عندها سيكون صاحب الناقة كسبان 600 ألف ريال.
طيب عندما لصقت الناقة في الإسفلت لو أنها بركت ثم جاء بعير وشاهد الناقة المزيونة لاصقة وبرك عليها وجاء صالون به عشرة أشخاص وصدم الناقة والبعير وهم في حالة تلبس، فهل يدفع المقاول دية الناقة والبعير معا أم يدفع المقاول دية الناقة لأنه تسبب في لصقها ويدفع صاحب الناقة دية البعير لأنها أغرته؟! دعك من أهل السيارة الآن، نحن في دية البعارين، أما ركاب السيارة الصالون فسيأتي كاتب ويكتب إنه صالون الهيئة صدم ناقة وبعيرا في خلوة غير شرعية ويدخلنا في قضية جديدة ترهق كاهل الهيئة والقراء.
مشكلتنا من وقف التنفيذ
القرارات مثل الطوب لا بد من وضع الواحدة منها على الأخرى ليكتمل البناء، وما لم يتم تطبيق القرار أو أحد القرارات بحذافيره وبحرص تام وتقيد ملزم فإن أي نظام أو أمر أو قرار آخر قائم عليه لا يمكن التقيد به.
الدكتور عبد الرحمن الزامل وكيل وزارة التجارة سابقا لم يكن ذلك المسؤول الملفت للنظر في تصريحاته وأقواله وربما قراراته أيضا، وقد يعود السبب إلى واقع منصب الوكيل لدينا الذي تطرقت له في مقال الأمس (أغرب منصب)، لكنه أصبح ملفتا للنظر بشدة وهو يتحدث وينتقد ويوجه النصح في الحوارات التلفزيونية معه، ويثير مواضيع هامة جدا في شؤون كثيرة وبجرأة فائقة وصراحة وحجة حاضرة.
ولكي أكون منصفا فإن الرجل يتحدث بإخلاص وحماس في كل موضوع يسأل عنه، لكن المثال الذي استشهد به اليوم يتعلق بإجابة من واقع كونه مالكا لعدد من المشاريع الصناعية أو صاحب مصنع، فعندما سأله الزميل داوود الشريان في برنامجه واجه الصحافة عن نسبة السعودة في مصانعه، قال إنها تتراوح بين 20 ــ 25 في المائة، ولعل داوود استقل الرقم، فرد عليه الزامل على الفور أن الرقم كبير جدا مقارنة بما نعانيه من عدم تنفيذ قرارات الدولة الحكيمة بضرورة الشراء من المصانع الوطنية، وأن كثيرا من الجهات لا تنفذ هذا القرار، وتقوم بالشراء من مصانع خارجية، ونحن تكلفنا السعودة حوالي 50 مليونا سنويا لارتفاع الرواتب، ولو طبق ذلك القرار الحكيم من الدولة، واقتصر تأمين احتياجات الدوائر الحكومية على المصانع الوطنية لأصبح بإمكاننا سعودة الوظائف بنسب أكبر.
لم تكن تلك هي العبارة الوحيدة التي تحدث بها الدكتور الزامل بحماس بالغ وإخلاص خشيت معه أن يتوقف قلبه، فقد أحرج نائب وزير العمل الدكتور عبد الواحد الحميد عندما استشهد بأكثر من تجربة خليجية في نجاح توطين الوظائف، سواء في سيارات الأجرة أو وظائف الباعة في المحلات أو كثير من الأعمال المهنية، مؤكدا أن أنصاف الحلول هي ما يترك مجالا للتحايل وسيطرة غير السعودي على هذه الوظائف، مرددا عبارة (لماذا لا نقفل البزبوز)، والبزبوز لمن لا يعرفه هو الصنبور أو الحنفية، وهو تساؤل مهم جدا يقصد به أننا إذا كنا جادين في سعودة وظيفة فيجب أن نوقف الاستقدام عليها، كما فعلت دول خليجية أخرى ونجحت.
الضيفان الآخران هما الدكتور عبد الواحد الحميد والدكتور علي الغفيص وكل منهما لا يزال على رأس الوظيفة الحكومية؛ لذا فإن الأول كان يدافع كثيرا عن الوزارة ويتهم المجتمع، أما الثاني فكان يتحين الفرص لسرد ما عملت المؤسسة، وهذا فرق كبير في تفاعل الضيوف، فالواحد منهم لا يقول رأيه المستقل عن كونه موظفا.
