رقيب لا يقرأ

أوضح الأدلة على وجود النظم والإجراءات والقنوات النظامية الكفيلة بحل مشكلة ما أو إتمام إجراء معقد هو حلها فورياً عندما تطرح إعلامياً، أي أن سبل الحل كانت متوفرة وسهلة وممكنة لو رغب الموظف في حلها أو لو شعر بأن أحداً سيحاسبه على قصوره وتخاذله بينما بقيت لعدة أشهر أو عدة سنوات عالقة عندما كانت متابعتها تتم بعيداً عن عين الرقيب وبالتعامل مع موظف أو مدير أو مدير عام في معزل عن أي عامل من شأنه هز الكرسي.
أقصد أن مشاكلنا لا تكمن في غياب النظم والإجراءات على الدوام، بل تتمثل في عدم توفر الحماس والإخلاص في إنجاز معاملات الناس وحل مشاكلهم والتعامل مع احتياجاتهم النظامية كلها وكأنها جميعاً نشرت في صحيفة أو تابعها وسيط عزيز أو حاول دفعها شفيع نَفيع.

إذاً فإن المشكلة تكمن فينا نحن وليس في النظم والإجراءات وما دام الأمر كذلك فإننا، أو غالبيتنا، نعاني من نفس المشكلة كمراجعين، ونمارس نفس الخطأ الفادح كموظفين، إلا من رحم ربي ورزقه الإحساس بأن الوظيفة أمانة، وأنه أمام معاملات ومصالح الناس راعٍ ومسئول عن رعيته من المراجعين، ويفترض أن يتعامل مع كل معاملة أو مصلحة أو مشكلة لمواطن في يده حلها وكأنها نشرت في الصحف اليوم، ولو طبقنا ذلك فإن النسبة العظمى من مشاكل الناس التي تسبب الاستياء والشكوى سوف تنتهي تماماً دون ضجة إعلامية أو شكوى في الصحف.

في الوقت الذي أؤكد فيه أن الحل الفوري للمشاكل المنشورة يدل على أن العيب في المدير أو الموظف وليس النظم والإجراءات، وأن السبب في سرعة وقوة التفاعل هو الخوف من إطلاع الرقيب على القصور المنشور، فإنني أنصح بأن لا نعتمد على النشر كوسيلة حل، وأتمنى أن نفعل دور الرقيب دون نشر، الرقيب الذي ليس بالضرورة أن يقرأ في الصحف ليتفاعل وإنما يتفاعل حتى لا يقرأ شيئاً سلبياً في الصحف.

لعبة الكراسي الطبية والدوارة

لفت نظري عنوان في صفحة المحليات في هذه الجريدة يقول (مواطن مصاب بالقدم لم يتم منحه كرسياً متحركاً والكراسي المكتبية تحل بدل الطبية في مدينة الملك فهد)،
اعتقدت للوهلة الأولى أن العنوان يشير إلى أن الكراسي المكتبية أخذت نصيب الكراسي الطبية من الميزانية، وهذا هو الواقع في كثير من الدوائر، ولعلنا نذكر الموقف الشهير عندما كان د. غازي القصيبي وزيرا للصحة وسأل مدير الشؤون الصحية في المنطقة الوسطى آنذاك عن سبب تواضع غرف المرضى وأسرّتهم وحجرات الانتظار المخصصة لمرضى العيادات فكان رد المدير بأنه يعود لشح بنود الميزانية وعندما دخل مكتبه وجد اثاثا فاخرا ودورة مياه تصلح مكتبا فاتخذ الوزير موقفا حازما تجاه المدير وحدد درجة ونوعية اثاث المكاتب.

ونلاحظ كثيرا هذه الأيام على المستشفيات الحكومية عدم وجود تناسب بين التقتير على المرضى والبذخ على الأثاث المكتبي، فيتم التقتير على المريض ومطالبته بالدفع أو الشراء من السوق بحجة شح الموارد وهو ادعاء غير صحيح بدليل أن تكلفة الديكورات الخشبية “السنديانية” وتزيين المكاتب الفخمة لبعض الموظفين تكفي لتوفير احتياجات مئات المرضى من الأجهزة والأدوات الطبية والكراسي المتحركة في حين نجد أن غرف الطوارئ لا تتوفر فيها كراسي متحركة لنقل المرضى من سياراتهم!!.

أعود للخبر فعندما نظرت للصورة المرافقة للخبر وجدت أن العكس هو ما يحدث في مدينة الملك فهد الطبية، فقد استخدمت كراسي الموظفين الدوارة لنقل المرضى بدلاً عن الكراسي المتحركة وهذا أيضا يعكس سوء ادارة وسوء تقدير للاحتياجات وإهمالاً لسلامة المريض أثناء النقل، وان كان لا يعكس استغلالا للميزانية في الصرف على أثاث المكاتب على حساب الرعاية الصحية.

شخصيا ليس لدي اعتراض على أن يكون مكتب الموظف مهيئا ومجهزا لقيامه بمهامه الوظيفية، وجميلا يمنحه الجو النفسي للعمل، ولكنني ألحظ مبالغة كبيرة في تأثيث بعض المكاتب، وترك ذلك لهوى الموظف احيانا مما يثير حزازات بين الموظفين وتفرقة محبطة، والمؤكد لدي بحكم تجربة طويلة ورصد دقيق أن ثمة علاقة عكسية بين قدرات الموظف و أثاث مكتبه، فكلما كان الموظف اكثر تأهيلا وأكثر تمكنا وأكثر ثقة في قدراته كان مكتبه أقل كلفة، والعكس صحيح فالمبالغة في تأثيث المكتب وتزيينه بالديكورات المكلفة ترتبط ارتباطا مباشرا بضعف الثقة بالنفس ونقص المؤهلات والقدرات ولذا فمن غير المنطقي ترك الأمر للموظف أيا كانت درجته.

دعونا معا نجرب وندون ملاحظاتنا على العلاقة بين كفاءة الموظف و أثاث مكتبه، ونربط بينهما وإن كان الأهم أن تكون العلاقة بين الصرف على الأثاث المكتبي الترفيهي والصرف على الخدمات الأساسية ومنها خدمات المرضى متوازنة والأولوية فيها للخدمة الأساسية التي تمس المواطن أو المقيم.

قضية فتاة تكساس

يمهل ولا يهمل، فبعد التناول المغالط وغير الحيادي الذي تناول به الإعلام الأمريكي قضية فتاة القطيف، وبإثارة ومغالطة من عضو كونغرس أمريكية صورتها على أنها فتاة حكم عليها بالجلد لمجرد أنها اغتصبت، وتجاهلت حقيقة أنه حكم عليها لأنها اختلت خلوة غير شرعية بنية خيانة زوجية تعاقب عليها كل الأديان والقوانين في جميع الدول التي تؤمن بالقيم والأخلاق وتقدس الحياة الزوجية، ولا زلت أكرر ما سبق أن اقترحته بأن تقاضي وزارة العدل السعودية الإعلام الأمريكي لمغالطته وإخفائه للحقائق وتجبره قضائياً على إبراز حقيقة سبب الحكم، وإبراز العفو الملكي بحيثياته بالغة الحكمة التي أوردها معالي وزير العدل.
أقول إنه بعد التناول غير المحايد لقضية فتاة القطيف، برزت على السطح وباستحياء شديد قضية تمثل قمة غياب العدالة الأمريكية وانتهاك حقوق الإنسان حتى لمواطنيها والكيل بمكيالين من قبل الإعلام الأمريكي، الذي يسيره المال والنفوذ، هي قضية جيمي جونز التي اسعد بتسميتها (فتاة تكساس).

جيمي جونز ( 23سنة) كانت تعمل في الشركة المتعاقدة مع الجيش الأمريكي في العراق (هالبيورتون) تعرضت للاغتصاب في عام 2005م وهي في ربيعها الحادي والعشرين في وسط المنطقة الخضراء ببغداد، اغتصبها عدد من زملائها الذين ربتهم أمريكا على اغتصاب المساحات الشاسعة مثل أرض العراق، فأدمنوا اغتصاب المساحات الصغيرة أيضاً فاغتصبوا زميلتهم عدة مرات، حتى مزقوا أعضاءها، وأجري لها أكثر من عملية رتق جراحية على يد طبيب عسكري، وحرمت من استلام تقاريرها الطبية وصور جسدها المهتوك فقد سلم الطبيب تقاريرها وصورها يداً بيد لرب العمل المتعاقد مع الجيش الأمريكي!!، ليس هذا وحسب بل سجنت في حجرة بشاحنة (تريلة) يحرسها حارسان، ولم يسمح لها حتى بإجراء مكالمة هاتفية إلا بتعاطف من أحد الحراس (قد يعاقب عليه) سمح لها بمكالمة لوالدها في تكساس. وبعد أن قام والدها بإبلاغ عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي السيد تيد بوي توسط لاعتاقها وإعادتها إلى تكساس.

إدارة أو وزارة العدل الأمريكية تخلت عن جيمي جونز ولم تنتدب محامياً لمساعدتها، وعجزت جيمي عن الحصول على العدالة، فحاولت حبيا مع (هاليبورتون) ولم يعبروها أدنى اهتمام، لأن الشركات المتعاقدة مع الجيش الأمريكي في العراق تحصل على تعهد خطي من العاملين فيها بعدم مقاضاة الشركة (خوش عدالة أمريكية!!).

وعندما ضاقت حيلة جيمي (المغتصبة جنسياً وحقوقياً!!) لجأت للإعلام وقوبلت بالصدود ولم تحض إلا بحوار مقتضب مع تلفزيون (أي. بي. سي) أخرج المتعاقد عن صمته فوزع خطاباً موقعاً من رئيس شركة هاليبورتون ومديرها التنفيذي مفاده أنه لا يقر بجزء مما ذكرته جيمي!!

تقول فتاة تكساس المغتصبة والمهدر حقها أن أكثر من إحدى عشرة فتاة من العاملات مع الجيش الأمريكي في العراق تعرضن للاغتصاب ولم ينصفن، أي أن ( 11كتيف قيرل) أهملتهن إدارة العدل الأمريكية والإعلام الأمريكي!!، وأعتقد شخصياً أنه كان عليهن أن يدعين أنهن من القطيف حتى يلتفت لهن الإعلام الأمريكي!!

سعدت أيضاً بأن عضو مجلس شيوخ ديمقراطي آخر هو روبرت سكوت مستاء جداً ويقول إن ثمة قوانين يمكن لإدارة العدل الأمريكية فرضها على المتعاقدين مع الجيش لو أرادت، لكنها لم تفعل، ولا بد (حسب رأيه) من حملة إعلامية تجبرهم على الخجل مما يحدث، لكن الحملة الإعلامية لم تحدث!!

هذه فزعة مني معك يا روبرت ومع فتاة تكساس، وإن كنت أرى أن يستغل إعلامنا قضية فتاة تكساس أفضل استغلال علنا نقنع الشعب الأمريكي أن إعلامكم ومجلسكم الموقر يغتصبهم يومياً بل كل دقيقة!!

توت و(إندومي)

بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية وخاصة الأرز والذي قد يجبر بعضنا على التحول إلى “الإندومي”، ما عسانا أو ما عسى فقراؤنا أن يفعلوا لو ركب المنتجون المحليون للألبان والحليب موجة رفع الأسعار ورفعوا سعره بنفس النسبة التي لا يطيقها متوسط الدخل؟!!.
ساورني هذا الشعور وأنا أرقب أسعار الألبان والحليب المنتجة محلياً والتي لم ترتفع منذ حوالي ست سنوات فقلت لا بد أن نشكر منتجي الألبان والحليب على عدم ركوب موجة رفع الأسعار في هذا المنتج الحيوي والعنصر الأساسي للحياة والذي لو حرم منه الفقراء فقد لا ينمو الأطفال ويصاب الكهول بهشاشة العظام، خصوصا اذا ما علمنا أن حليب البودرة المستورد لا يحقق الأمن الغذائي مقارنة بالمنتج محليا، ولو رفعت الإعانة، ولا العنصر الغذائي السليم مقارنة بالطازج ولو بالغت الدعايات.

بل ما هو بديل وزارة التجارة التي تريدنا أن نتحول إليه لتغيير نمط أطفالنا الغذائي؟! فلا عوض عن الحليب بالنسبة للأطفال ولا للبن بديلاً يحمي عظام العجائز والشيّاب!! هل سنعود إلى عصر استئجار المرضعات؟! أم نعود إلى المثل الشعبي القديم الذي يقول “البيت اللى ما به مره ولا بقره ما به ثمره”.

لا أرى أن تشكر الصحافة أحداً على السلوك الطبيعي والقيام بالواجب العادي، طالما أنه لم يكن خارقاً للعادة، ولكن عندما يتوجه كل الناس أو جلهم إلى ممارسة سلوك سلبي تمليه عليهم أهواؤهم ولا يجدون رادعا، فإن السلوك الطبيعي أو عدم مسايرتهم يصبح شيئاً يستحق الإشادة، خصوصا أنه يأتي زمان يصبح فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر!!. ومن هذا المنطلق، وعلى أساس افتقاد المستهلك لمرجعية الحماية صار لزاما علينا أن نشجع منتجي الألبان على موقفهم بل يجب أن نشكرهم ونشد على أيديهم وندعو الله أن يثبت قلوبهم، وأن يكتفوا بما فعله بعضهم من رفع سعر العصير لأن العصائر تبقى بالنسبة للفقراء عنصراً ترفيهياً يمكن الإستغناء عنه إلى أن يفرجها ربي، أما الحليب لو افتقدناه فسوف نعيش على توت وإندومي .

عبدالله .. كله بركة

الأجيال الحالية في حاجة إلى العبر ، والتذكير بالتنبؤات المبنية على فروسية الرجال ، وليس تنبؤات المنجمين ، والمؤسسة على قراءة طباع الأفذاذ وليس قراءة الكف.
اسمحوا لي بأن أستشهد بكلمة قالها لي والدي (رحمه الله) منذ حوالي ثلاثين سنة ، ليس لأنه والدي ، ولكن لكونه رجلاً عاصر الوطن منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن ( رحمه الله) ، ولأنه كان كهلا علمته سنوات الفقر والخوف والمرض كيف يحسن تقييم النعمة ، وليس استغلالا للزاوية في شأن شخصي ولكنه استغلال للحقيقة في شأن وطني.

كان والدي عسكرياً في الحرس الوطني (تقاعد وتوفي وهو برتبة وكيل رقيب ، بكل فخر) ولم يكن يجرؤ على قيادة السيارة في الرياض فاشترى لي سيارة وأنا في مرحلة الكفاءة (وانيت داتسون غمارة) وكنت أوصله صباحا إلى مقر عمله في ما كان يسمى آنذاك ( قراش الحرس ) في العود وأعيده منه بعد الظهر وأجالس زملاءه ولازلت أذكر أسماء بعضهم.

بيت القصيد أنه ما أن يصل مقر عمله لابد أن يلتفت إلي ويقول : “إذا تخرجت وأنا أبوك توظف في الحرس ، ترى عبدالله كله بركه ، مبروك وما جاء فيه تبارك” ولم تبارح عبارته تلك ذهني ومخيلتي ، ولا تزال ترن في أذني مثلما أن دلالاتها وشواهدها تتجسد واضحة في أنحاء وطني.

كنا ، أقصد جيلنا ، نقدس نصيحة الوالد ولا نخالفها لأننا كنا ندرك أن أحداً لن يخلص النصح لك أكثر من والديك ، وأنك لن تجد رجلا يمنحك عصارة خبرته وحكمته وتجربته في الحياة مثل والدك ، (أتمنى من شباب هذا الزمان أن لا يهملوا هذه الحقيقة الثابتة) لذا فبعد حصولي على الماجستير من جامعة الملك سعود عملت محاضرا لسنتين ثم انتقلت للعمل في الحرس الوطني.

البركة التي أيقن بها والدي لمسناها في كل شأن يتعلق بالملك عبدالله بن عبد العزيز ولعل أحد الأمثلة ميزانية هذا العام وهي الأكبر في تاريخ المملكة ، والتي شهدت أرقاما قياسية تسجل لأول مرة وركزت على التنمية والرعاية الصحية والتعليم والرعاية الاجتماعية ومحاربة الفقر فهذه الميزانية مع ماحققته المملكة من تحرك موفق على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والصناعية والاتفاقات الاقتصادية مع عدد من الدول الصديقة ، كلها شواهد وأمثلة تجسد تلك البركة التي طرحها الخالق سبحانه في راعٍ قام بمسؤوليته نحو رعيته بكل إيمان وامتثال لأمر ربه ، وإخلاص وبذل وجهد وحنية صادقة صافية.

عبدالله بن عبدالعزيز رجل مبارك أينما حل ، وفي أي أمر تدخل ، مبارك لوطنه ولأمته العربية والإسلامية وللعالم أجمع ، وهي بركة تلمسها في أفعاله التي تسبق أقواله ، وفي مشاعر قلبه كما هي في تعابير وجهه ، تلك التعابير التي تنطق إخلاصا وحبا لشعبه بلغة لم تكن قراءتها حكراً على والدي منذ ثلاثين سنة ، بل يستطيع كل ذي بصيرة أن يقرأها ، أما شواهدها ونتائجها فقد نظر لها الأعمى وأسمعت من به صمم محليا وعالميا.

حقوق الإنسان الأسهل

لن يكون عمل أي جمعية لحقوق الإنسان في العالم أسهل من عمل جمعية تعمل في بلد يطبق الشريعة الإسلامية كالمملكة، لأن دستور المملكة وأنظمتها مستمدة من شرع الخالق سبحانه وهو أرحم الراحمين بخلقه، وقد وضع لهم أسلوب الحياة الذي يضمن عدم جور أي منهم على الآخر، ويضمن حياة كريمة لا فرق فيها بين عربي ولا عجمي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى.
أقصد أن جمعية حقوق الإنسان التي تعمل في بلد يطبق الشريعة الإسلامية ليست في حاجة إلى تعديل دستور، ولا إلى تغيير أنظمة ولا إلى إقناع حكومة بتطبيق الحد الأدنى مما يحقق كرامة الإنسان، فهي في غنى عن مرحلة التأسيس لقوانين وأنظمة تحمي حقوق الإنسان، كما أنها أمام شرع واضح ثابت، لا يتغير بناءً على تغير الظروف، مثلما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية (أكبر أدعياء وأعداء حقوق الإنسان) عندما لويت أعناق الأنظمة والقوانين الحقوقية بين يوم وليلة لتقبل بالاعتقال التعسفي والتجريد من الحقوق الشخصية واقتحام المنازل، والسجن دون تهمة والتنصت على الخصوصيات، والتعامل حسب الهوية والجنسية، ثم امتلاك اكبر معقل لانتهاك حقوق الإنسان في “غوانتانامو” حيث لا أنظمة ولا قوانين ولا حقوق.

جمعية حقوق الإنسان في بلد كالمملكة وجدت تشريعاً جاهزاً مبنيا على شرع سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يقبل تغييراً ولا يحتاج لتبديل ودور الجمعية ورجالاتها هو متابعة التنفيذ على مستوى الأفراد القائمين على التنفيذ سواء كان مديراً أو وزيراً أو مسؤولاً عن شأن إنساني.

أي أن جمعية حقوق الإنسان في المملكة كفيت الدور المنهك وهو ضمان وجود الأنظمة وأصبح دورها الأهم هو الدور الرقابي على حسن التنفيذ وتمشيه مع التشريع، وملاحقة الحالات التي تنتهك فيها حقوق طفل أو مريض أو عامل أو موظف أو سجين أو زوجة أو حتى طالب وهي انتهاكات تحدث بسبب سلوك فرد وليس نهج دولة، والخلل في سلوك الفرد أمر متوقع ولا يعيب الوطن كله وقد يحدث في أي منشأة فيها أفراد وجماعات بما فيها جمعية حقوق الإنسان نفسها.

ولهذا فإن أهم أولويات جمعية حقوق الإنسان في نظري هو التأكد من أن عناصر الجمعية والعاملين فيها، أنفسهم، لديهم الحماس والقدرة والكفاءة والمبادئ التي تؤهلهم للوقوف مع الآخرين دون التأثر بعلاقة مع موظف أو قرابة لمدير أو صاحب مؤسسة أو موقف شخصي أو فكري أو قبلي تجاه الطرف المحتاج للحماية وأن تعمل على استقطاب الأفراد الأكثر حماسا لحقوق الإنسان لأن في ذلك ما يساعد على الأداء المطلوب.

الوجهة والتوجّه

جميل أن ينتمي الإنسان لمسقط رأسه، أو قريته أو منطقته، والأجمل أن يرسخ هذا الانتماء بزيارتها وقضاء الأعياد فيها والتواصل مع أهلها وبلديتها ويعينهم بالرأي والمشورة والدعم المادي إذا كان مقتدراً .. هذا أمر لا غبار عليه وهو من الوطنية وقوة الانتماء فمن لا خير فيه لقريته لا خير فيه لوطنه.
في الوقت ذاته فإن من القبح بمكان أن ينحاز الإنسان إلى قريته أو منطقته فيما يخص مجال عمله ومسؤولياته، فلا يوظف إلا أبناء ديرته ولا يدعم بالمشاريع إلا منطقته ولا يقف مع أحد إلا إذا كان من قريته، فهذه هي المناطقية المقيتة التي تضر بالوطن الأم، وأعجب كيف لأحد أن يقبل بأن يضر بأمه من أجل إحدى بناتها، وأجزم أن من يتعامل من منطلق المناطقية والانحياز لأهل المنطقة أو القرية على حساب أهل الوطن الكبير ما هو إلا أهوج ليس في نفسه منبت للولاء وإنما هو أقرب للفساد منه للانتماء.

الانتماء للقرية أو المنطقة بالدعم الذاتي من مال الشخص أو أفكاره عامل بناءٍ وازدهار للقرية والمنطقة ومن ثم الوطن، أما التحيز والانحياز الذي يؤثر حتى في قرارات الشخص في مجال وظيفة منحها إياه الوطن فهو عامل هدم وتخلف، وليقعد في قريته ويرى إن جاءه المنصب أم لا!!.

قال لي أحدهم (ذات يوم) بعد أن وجهت لإدارته نقداً لاذعاً قال : ألست من أهل جلاجل ؟! قلت : بلى، قال وكيف تنتقدني وأنا من سدير؟! فتعمدت الضحك بقوة وقلت له: ما العلاقة بين الأمرين؟! فأردف قائلاً ألم نلتق على العشاء في منزل فلان أكثر من مرة ؟! أهو أنت أم أحيدب غيرك؟! قلت بل هو أنا، فصرخ مستغرباً ولماذا إذاً تهاجمني؟!

قلت ضاحكاً : لو كنت أعلم أن هذه عقليتك لهاجمتك في عقلك وليس في أدائك لعملك، وقد فعلت حتى راح وأراح.

وسألني أحدهم عن أحد المحاورين الأفذاذ في قناة الإخبارية قائلاً هل هو من سدير؟! قلت لا أعلم ولم اسأله، فأردف ولكنه استضافك وحاورك ذات مرة !! قلت : أكثر من مرة، ولكنه كان يسألني عن توجهي ولم يسأل قط عن وجهتي.

بيان العدل ومؤتمر الاستخبارات ومتحدث الداخلية

وزارة العدل، وقبلها الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اقتنعتا بإصدار بيانات توضيحية لما تتداوله وسائل الإعلام الخارجية والداخلية ومواقع الانترنت عن بعض القضايا الشائكة والمناسبة لانتشار الشائعات واللغط وسيادة الاصطياد في الماء العكر، وهذا هو عين الصواب الذي كنا نطالب به منذ مدة، لأن الصمت الرسمي هو أفضل وسط لنمو الشائعات وأكبر مسطحات المياه العكرة التي يصطاد فيها أعداء هذا الوطن، بما فيهم القنوات الفضائية التي تدعي الحياد، وتمارس محاربة هذا البلد الأمين بما يشبه “الاستهبال” الإعلامي فهي تعرف الحقيقة وتستغل غيابها، أو الصمت حيالها وعدم إعلانها، فتقوم بإثارة الزوابع، واعتقد جازماً أن قناة CNN التي أفردت ثلاثة أيام متتالية للحديث عن موضوع “فتاة القطيف” سوف يخرسها إيضاح وزارة العدل الذي أتمنى أن تبعث ترجمته لهذه القناة وتطالب بنشره، على الأقل لنفضح عدم حيادية الإعلام الأمريكي عندما يتعلق الأمر بالمملكة.
من جهة أخرى سجلت رئاسة الاستخبارات العامة رقماً قياسياً في مجال الانفتاح على المجتمع لم تسجله “الاستخبارات” في أي دولة أخرى، خاصة دول العالم الثالث، عندما نظمت مؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني، وبذلك أحدث هذا الجهاز نقلة نوعية ووثبة طويلة فتحول خلال أيام معدودة من جهاز يبعث ذكره على الخوف إلى منبر علمي يتسابق العلماء لطرح أوراقهم العلمية في مؤتمره الأول، ومن جهاز يرعب استدعاؤه النفوس إلى جهاز يتفاخر المدعوون باستلام رقاع الدعوة منه لحضور مؤتمر تقني.

وقبل هذا وذاك كانت وزارة الداخلية السعودية قد نفذت حكم قطع رأس الشائعات بتعيين متحدث رسمي يخرج في كل مناسبة ليوضح أي لبس قبل حدوثه، ويجيب على التساؤلات قبل رواجها، وبذلك لم تترك الداخلية أدنى فرصة لمن يستمتع بالصيد في الماء العكر لأنها كانت تمارس تنقية فورية للمياه.

كانت تلك جملة من التحولات السريعة إلى الشفافية والانفتاح على المجتمع مارستها الجهات الأكثر حساسية والأكثر أهمية والتي عرفت في دول أخرى بانعزالها وعرفت لدينا بتحفظها الشديد ردهاً من الزمن، لكن هذه الشفافية أتت أكلها سريعاً، فهل تقتدي بها بعض الوزارات الخدمية والإدارات الصغيرة التي لا زالت تمارس المغالطات والتراشق واستغفال العقول، لمحاولة درء سوءتها؟!.

على الجميع الاقتداء بوضوح الداخلية وشفافية العدل وتجاوب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانفتاح رئاسة الاستخبارات العامة إذا ما أرادوا السير في ركب الوطن نحو الشفافية واحترام العقول، ذلك الركب الذي يقوده خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملك الإصلاح.

مَن للمتعففين؟!

في كل دول العالم المتقدمة والنامية والمتخلفة يوجد المشردون ويطلق عليهم صفة “هوملس” أي “بدون مأوى”، لكن التعامل معهم يختلف من دولة لأخرى، ونحن بكل المعطيات الدينية والاجتماعية والمالية والإنسانية ودعم القيادة الحانية أولى منهم جميعاً ولكن أين الموظف الذي يعمل للوظيفة المكلف بها وليس لنفسه فقط؟!
وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية الأخ محمد العقلة قال في حوار تلفزيوني مع قناة الاقتصادية الفضائية ما نصه : إن الوزارة تطبق البحث الآلي عن الفقراء وبذلك قلصت مدة البحث من ستة أشهر إلى 15يوماً)، وعندما سألناه على الهواء أين البحث الآلي من أحد المحتاجين الذي اتصل من جدة بل أين البحث الآلي ممن يكتب عنهم الزملاء مناحي الشيباني و صالح الجميعة وسالم الكنعان يوميا في هذه الجريدة ومن يكتب عنهم في صحف غيرها؟!، استدرك وقال :(إن البحث الآلي لا يشمل الجدد وإنما يشمل المسجلين في الضمان سابقا)، وهذا يؤكد أن الشؤون الاجتماعية لدينا لا تزال تفتقد لآلية الوصول للمتعففين ومن لا يسألون الناس إلحافا.

إلى متى لا ترى وزارة الشؤون الاجتماعية إلا من تنشر عنه الصحف، ولا تتفاعل إلا مع من تفضح صوره قصور أدائها، ولا تتحرك مشاعرها إلا بعد أن تهتز مشاعر القراء، خوفاً من بعضهم؟!

أي عمل هو من صميم عمل هذه الوزارة (بعد فصل العمل عنها) أهم من إيواء المشرد وكفالة اليتيم وسد عوز الفقير؟!

إلى متى ووزارة الشؤون الاجتماعية تعتقد أن الميدان ليس من شؤونها وتصر على الاعتماد على سياسة موظف الكرسي الذي ينتظر توافد المحتاجين له وتوسلهم إليه ومع ذلك لا يتأثر إلا بما ينشر؟!

لماذا يكون النشر في الصحف حلقة أساسية في سلسلة تعامل وزارة خدمية مع المستفيدين من خدماتها، ولماذا لا تكون لوزارة الشؤون الاجتماعية عيونها وكشافوها الذين يعملون بستر وجدية ويتم التعامل مع تقاريرهم بمثل التعامل مع التقارير الصحفية بدءاً بأعلى هرم الوزارة وانتهاء بأصغر منصب فيها؟!

الشورى والضيف القادم

يجب أن نفخر كمواطنين بما وصلنا إليه فنحن نتطور بسرعة جيدة ومتزنة، والقناعة كنز لا يفنى، ويجب أن نتفاءل بأن القادم يحمل الكثير من البشائر فنحن نسير في الطريق الصحيح بخطى واثقة ورزينة، فكيف كنا؟ وأين أصبحنا؟!.
وصلنا مرحلة يناقش فيها مجلس الشورى الوزير عن هموم المواطنين وعن أمور دقيقة، ثم أصبحت هذه المناقشة تنقل لنا عبر التلفاز، وسبق أن وعد معالي الدكتور صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى عبر الصحف بنقل مباشر للتحاور مع الوزراء وهذا جيد وتقدم كبير وسريع ورزين، ويدل على اهتمام كبير تلقاه هموم المواطن، وهذا مريح.

بكل فخر واعتزاز بما يقدمه مجلس الشورى أتقدم كمواطن فخور باقتراح متواضع: أقترح أن لا ترتبط الاستضافة بحدث ما أو ظاهرة اجتماعية، لا في التوقيت ولا في حدود المساءلة، مثلما حدث في مناقشة وزير التجارة عن ارتفاع الأسعار، كما أتمنى أن لا تقتصر فقط على الوزراء بل كل من يرتبط بمصالح المواطنين ويتضررون منه حتى لو كان أقل من مرتبة وزير.

ولمزيد من الوضوح أقول بأن على مجلس الشورى أن يستبق حدوث بعض المشاكل ويسائل المعنيين بها بناءً على ما يعلمه المجلس من قصور لابد وأن يؤدي إلى شكوى أو معاناة قادمة حتى قبل أن تحدث، فمثلاً إذا وجدت وزارة أو إدارة تعاني من غياب النظم والإجراءات والضوابط التي تحكم سير العمل، أو توجد بها الضوابط ولكن على ورق، فلا تحظى بالاحترام، فإن من الطبيعي جداً أن تعمها الفوضى وتزداد مشاكلها ومن ثم الشكوى منها وبالتالي فإن من الجيد أن يتنبأ المجلس باحتمال حدوث مشكلة على أساس أن “البعرة تدل على البعير” ويبدأ في مساءلة المسؤول عن غياب الأنظمة أو الفوضى الإدارية وكل ما قد يسبب أو سبب حدوث مشاكل قبل تفاقمها.

أيضاً الوزراء ليسوا هم فقط المعنيون بكل هموم المواطن فثمة مسؤولون مراتبهم أقل لكن صداعهم أكبر، والمتضررون من سوء إدارتهم أكثر، فإذا كان لهم ارتباط مباشر بمصالح الناس وخدمتهم ورعايتهم فلماذا لا تتم مساءلتهم؟!.

أجزم أن مجلس الشورى بفضيلة رئيسه العدل وأعضائه المخلصين قادرون على تلمس احتياجات المواطنين وتتبع شكواهم وقبل ذلك التدقيق في بوادر القصور لدى بعض الإدارات حتى قبل أن تفوح رائحتها في شكل ضرر ومن ثم مساءلة القادم عليها بحيث لا نشعر من هو الضيف القادم للمناقشة أو المدير الذي سيمثل أمام المجلس قبل أن يستفحل خطره وظلمه وضرره.