فينا واحد يلعب

أشكال المعاناة التي يعاني منها مجتمعنا مثل خسائر المواطنين في سوق الأسهم، ومقاومة القطاع الخاص لخطوات السعودة ومشاكل تعيين المعلمات السعوديات في مناطق نائية بينما توظف المدارس الخاصة متعاقدات في المدن الرئيسية لأنهم لا يريدون توظيف السعودية إلا بأجر زهيد، وارتفاع الأسعار، وأشكال وممارسات القطاع الصحي الخاص، وحيل مكاتب الاستقدام، والغش التجاري بجميع صوره وأشكاله، والمخالفات الشنيعة للمطاعم واستخدامها لأغذية فاسدة وأماكن تحضير مقززة، وتحايل العقاريين في المساهمات العقارية، جميعها صور تدل على أن فرص الكسب التي يتيحها الوطن بسماحة وحرية ويسر تُستغل أسوأ استغلال من قبل بعض أو معظم التجار.
لقد اتضح جلياً أن الوطن يعطي بسخاء وهؤلاء يأخذون بشراهة ونهم وغياب ضمير، صحيح أن معاناة المواطن أو المستهلك في هذا الوطن المعطاء لا تقارن بغيره من دول العالم الثالث، وأن من الإنصاف القول إننا أفضل حالاً من كثير من مواطني دول أخرى، لكن يسر الحلول وسهولتها وكونها في متناول اليد يجعلنا أكثر إلحاحاً وأكثر مطالبة.

معظم المشاكل يمكن تلخيصها بالقول إن “فينا واحداً يلعب وفينا واحداً يعاني”، فالتاجر يلعب والمستهلك يعاني مع أن كل الظروف والمعطيات والأجواء مهيأة لأن يربح التاجر دون أن يلعب ويستفيد المستهلك دون أن يعاني!! وكل ما نحتاج إليه هو سرعة تفعيل أوامر ملك تخالط هموم شعبه أنفاسه، ويجري حبهم وعطفه عليهم في دمه.

ولعل أوضح الشواهد صدور باقة متكاملة من الأوامر الملكية بإنشاء هيئة حكومية لحماية المستهلك ولجنة مشابهة من الأهالي وفي نفس الوقت إعادة لهيكلة القضاء ومحاكم متخصصة وكل ذلك يصب في صالح الكسب دون لعب والاستفادة دون معاناة.

كل ما أتمناه واستناداً إلى التاريخ والتجارب السابقة والمشابهة أن لا يتدخل التجار في تشكيل وعمل لجنة حماية المستهلك لأن التجار إذا دخلوا لجنة أفسدوها ولأن ثمة تضارب مصالح واضحاً بين التاجر والحماية.

المجرم الحقيقي طليق

ماذا نتوقع من إهمال المرضى النفسيين في مجتمعنا، وحرمانهم من الرعاية الصحية الحقيقية المتخصصة (ليس مجرد احتجاز المحظوظ منهم في مصحات غير مهيأة لعلاجهم)؟! هل نتوقع أن نصبح على حادث لمريض نفسي يطعن والده ونمسي على حادثة مريض نفسي يقطع رأس ابن أخيه، كما نشر في هذه الجريدة يومي الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع قبل الماضي (حادثتين دمويتين في يومين!!).
وقبل ذلك نشر عن حادث مريض نفسي يقتل أخاه ذا التسع سنوات بدم بارد في حريملاء، وآخر يحرق سيارته في أحد شوارع أبها، أو ذلك الذي خلع ملابسه وتعرى عند اشارة مرور مقابل مبنى مجلس الشورى، وقد كتبت حينها أنه ربما أراد بعث رسالة للمجلس الموقر علّه يلتفت للمرضى النفسيين.

مسكين هذا المريض النفسي، لا يقدر على الشكوى بلسان فصيح ولو اشتكى بلسانه فحجته ضعيفة فهو مجرد مختل عقلياً أهمله مختل إدارياً.

لاحظ أنني لم اسمِّ أياً من الحوادث التي استشهدت بها “جريمة” بل “حادثة” لأن ما يرتكبه المريض النفسي حادثة مجرمها الحقيقي طليق.

أتساءل دائماً: لماذا يقتصر التقرير في شأن وطني حساس، لشرائح كبرى من المجتمع، هم المرضى، على مديرين لا يملكون غير تأهيل طبي نحترمه ونقدره لكنه لا يعطي صاحبه خاصية “الجوكر” العالم بكل شيء، فالطبيب الناجح، مثل المهندس الناجح والمحاسب الناجح، لا يفترض بالضرورة أن يكون مدركاً لخطورة قراره الإداري بإهمال شريحة من المجتمع حتى لو كانوا مرضى!! فما يربطه بهم هو قدرته على تشخيص مرضهم وعلاجهم فقط، إذا كان ضمن مجال تخصصه.

إذاً وما دام التخصص بهذه الدقة والانتقائية فإن من الظلم أن يتولى الطبيب منصباً إدارياً يخوله لتقرير مصير شريحة كبرى من المجتمع في شأن خدمي يتعلق باستراتيجية الدولة في رعاية مواطنيها وشمولية الرعاية والتخطيط لها وتنفيذها، فالطبيب يتعامل مع المرضى لكنه قد لا يدرك خطورة عدم انشاء مستشفيات تستوعب كل المرضى النفسيين لأن رسم الاستراتيجيات لاستيعاب شرائح كبيرة من المجتمع ليس من تخصص الأطباء، ولأن استشعار المخاطر الاجتماعية والنفسية والأمنية لإهمال شريحة كبرى ليس ضمن قدراتهم.

عجباً يا وطني كيف نتقيد بالتخصص الدقيق جداً في علم الطب الذي درس الدارس عمومه وتخصص في فروعه وننسى بأن الإدارة والتخطيط والاقتصاد تخصصات لا يجيدها الطبيب ولم يدرس مقرراً واحداً منها؟!!

اقتراح للوطن عبر وزارة البترول

منذ حادث تفجير العليا عام 1996م والحوادث الإرهابية التي استهدفت بعض الأجانب في المملكة وتضخيم الإعلام الغربي لهذا الاستهداف وادعاء حدوث فجوة بين السعوديين وضيوفهم من الأجانب العاملين في المملكة رجالا ونساء، وادعاء الإعلام الأمريكي أن العاملين الأجانب في المملكة غير مطمئنين ويغادرون بأعداد كبيرة ، منذ ذلك الحين وأنا أرى بأن جولة أي وفد غربي يزور المملكة ،خاصة الوفود الصحفية، يجب أن لا تركز على المباني والمنشآت والمواقع التراثية وأسواق الذهب بل علينا أن نركز على كل ما يدحض ادعاءات الإعلام المعادي ويوضح حقيقة عقلية الإنسان المسلم السعودي المحب لغيره والإطلاع المباشر على أحوال ونفسيات العاملين الأجانب وخاصة الأوربيين والأمريكيين في المملكة لتكون شهادة من شاهد منهم بأن إعلامهم لا يعكس واقع المملكة وأنه حتى الصحف الأمريكية والأوروبية التي يعملون بها (بالنسبة للوفود الصحفية) ليست أهدافها نزيهة ولا نهجها محايداً عندما يتعلق الأمر بالمملكة .
وكنت ولا زلت أرى أن عقد لقاءات وحفلات عشاء أو غداء تجمع تلك الوفود مع أبناء جلدتهم العاملين هنا ومع أبناء المملكة للتحاور والنقاش وتبادل الأحاديث بل وحتى (النكات) أهم من مجرد الإطلاع على مشاريع وأسواق بيع الذهب .

طبقت هذا المفهوم أول مرة منذ عدة سنوات عندما زار المملكة وفد من الكتاب والصحفيين الأمريكيين قوامه 25رجلاً وامرأة، وكان ضمن برنامج الوفد زيارة الشئون الصحية بالحرس الوطني، وكلفني معالي الدكتور فهد العبد الجبار ،المدير العام التنفيذي آنذاك، بتولي برنامج الجولة ، وهو رجل إذا كلف موظفا لا يتدخل في عمله ولا يتردد في محاسبته إذا تهاون قلت له: لا جولة لهم عندي، وليس أبلغ من أن نجعلهم يستمعون إلى أبناء جلدتهم وأبنائنا في جلسة شاي وقهوة في المقهى المفتوح في المدينة السكنية وندعهم يسألون عما يريدون، وبذلك سوف يتجولون جولة سمعية يصف خلالها حكم من أهلهم وأهلنا ما يجده في هذا البلد الأمين بما يصحح نظرتهم، لكنني لا أعدك بأنهم جميعا سيكتبون انطباعهم وإن كتبوا فقد لا ينشر ولكنه انطباع سيبقى وينتشر في المجتمع الغربي رغما عن صحفهم!! ، وجاءت موافقته في شكل ابتسامة ونظرة إخلاص وطني لم يعقبها شرح (حسب النظام) أو إحالة إلى لجنة.

وفعلا تم اللقاء في الهواء الطلق ودون تكلف وعلى طاولات مقهى أشبه بمقاهي خان الخليلي وطلب الضيوف تمديد اللقاء ساعتين على حساب مدة الزيارة التالية .

أقترح على وزارة البترول والثروة المعدنية أن تستغل مناسبة انعقاد قمة أوبك الثالثة في تنظيم لقاءات مشابهة خاصة للوفود الصحفية مع الكوادر السعودية الشابة ومع العاملين في المملكة ، في حفلات شاي بسيطة غير مكلفة ولا متكلفة في أجواء الرياض الرائعة هذه الأيام وستكون أجمل لو تمت في المزارع أو الصحراء حول النار(نار تدفئ المشاعر ولا تحرقها)، فالطابع الشاعري لبعض اللقاءات تجعله لا ينسى .

إحباط الخير ونشوة الشر

راجعت مخزون شكوى الناس في الذاكرة منذ أن بدأت أتلقى همومهم طوال أكثر من ربع قرن من العمل الصحفي سواء كمحرر أو محقق صحفي أو كاتب فوجدت أن أكثر الناس إحباطاً هم أكثرهم إخلاصاً لعملهم وحباً لوطنهم “اللبنانيون يقولون: على قدر المحبة العشم كبير”.
مثلاً مراقب البلدية، الذي يجتهد في عمله ويخلص فيه ويمنحه جل وقته وقمة النزاهة، إذا ضبط مخالفة ووثقها وقدمها لرئيسه فلم يتفاعل معها أو حال دون العقوبة الرادعة أو قبل فيها شفاعة شيطان، يصاب المراقب بقمة الإحباط المؤثر في أداء عمله.

نفس الشيء ينطبق على جندي المرور ورجل الأمن وضابط مكافحة المخدرات والمحقق الجنائي بل وحتى القاضي، فكل مخلص لا يرى نهاية ناجحة لعمله يضاف إلى طابور المحبطين، إن عاجلاً أو آجلاً.

الموظف عندما يخلص في أداء عمله والانضباط فيه ثم يرى أن التقدير والترقية تذهب إلى قريب المسئول أو صهره أو صديقه أو أحد وشاة العمل فإن الموظف المخلص ينضم للطابور نفسه.

الطبيب النزيه المخلص لمرضاه الذي يجند كل وقته لهم ولعمله في دائرته الحكومية إذا رأى زملاءه يتسربون إلى المستشفيات الخاصة منذ العاشرة صباحاً ثم يسكنون أفضل من سكنه ويركبون أفضل مما يركب ويجدون من تقدير إدارة المستشفى خيراً مما يجد فإنه لا شك يحبط ويتألم وللحق فإن لهؤلاء عزاءً يرونه في عيون مرضاهم وتأديتهم لرسالتهم الإنسانية وما ينتظرهم من أجر الصابر الزاهد.

الموظف الخبير، ثاقب الرؤية، صاحب المقترحات البناءة إذا وجد أن مديره يتبنى أفكاره ومقترحاته وينسبها لنفسه فإنه لا بد محبط ومتوقف عن تقديم الخطط والمشاريع والمقترحات، يقول لي طبيب في تخصص نادر ويملك حساً مرهفاً لحل المشاكل المزمنة والمستعصية انه كان يقدم المقترح تلو الآخر فيطير به المدير بعد أن يستبدل اسم المقترح باسمه، يقول وبعد ذلك أصبحت أشترط أن أكلف رسمياً بإعداد الدراسات ويوثق تسليمي لها، فلم أكلف بعد ذلك وارتحت ولم أرح !!.

ومثلما أن أكثر الناس إحباطاً هو مراقب البلدية الذي لا يرى نتيجة للمخالفة التي بلغ عنها، فإن أكثر الموظفين نشوة بالنجاح هو ذلك الواشي الذي يقطر في أذن المدير لأنه يرى النتيجة الفورية لعمله، خصوصاً إذا كان المدير أخرقاً فليس أيسر من “خرق الأذن”.

أما ما هو الحل لعدة إحباطات للخير ونجاح واحد لأن الشر مطيته فهو بأن نضع لكل شيء ولكل عمل ولكل خطوة نظم وضوابط وسياسات وإجراءات لا تفترض الثقة بالنزعات البشرية.

العاصمة والمعاق وفرحة ما تمت

كانت سعادتي كبيرة وأنا أجوب مضمار المشي في طريق الملك عبدالله بالرياض أثناء احتفالات العيد السعيد، عندما رأيت عدداً من لوحات وقوف السيارات وهي تحمل لافتة كبيرة تعلن أن بعض المواقف القريبة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة فشعرت أننا بدأنا نشعر بمعاناة هذه الفئة الغالية ولم أستغرب ذلك أبداً فمدينة الرياض بهيئتها العليا التطويرية وأمانتها الأمينة تثبت يوماً بعد يوم أنها عاصمة الإنسانية في مملكة الإنسانية فثمة عمل دؤوب، وجهد مشكور على كافة الأصعدة الإنسانية تتبناه عاصمة الإنسانية قد لا تكفي هذه الزاوية لتعداده ولا يحتاج رواده لإطرائه فمثل هذه اللمسات الإنسانية سواء في مجال الإسكان أو غسيل الكلى أو أعمال البر أو رعاية الأيتام أو إنصاف المشتكي المظلوم وغيرها كثير من المواقف الإنسانية يراد بها وجه الخالق سبحانه وإسعاد الإنسان فلا ينتظر رجالاتها من قلم متواضع مديحاً ولا ثناء ولا شكراً ولذلك فإنني لم أتطرق لأسماء ترجو الأجر والثواب من الله وحده.
هؤلاء الرجال في حاجة إلى من يكون عيناً تدلهم على مواطن الخلل، لا لساناً أو قلماً يشيد بهم ولهذا فإنني استدرك قائلاً إن صدمتي كانت أكبر وحزني كان أشد عندما لفت انتباهي وأنا أتفحص السيارات الواقفة فلا أجد ما يدل على معاق أو ذي حاجة خاصة كما هو معتاد وواضح من ملصقات على زجاج السيارة، فتوجهت إلى عدد من دوريات المرور المتواجدة بكثرة وأكرر السؤال “هل تأكدتم بأن المواقف التي خصصتها أمانة المدينة لذوي الاحتياجات الخاصة لا يقف فيها إلا هم؟!” وصعقت بأن الإجابة بالنفي القاطع بل إن أحد رجال المرور قال لي بالحرف الواحد (لا والله ما لنا شغل فيهم!!).

عندها أدركت أن المشكلة لا تخرج عن احتمالين: إما أن اللوحات وضعت دون التنسيق مع الرقيب الميداني “المرور” وأتمنى أن يكون ذلك مستبعداً، أو أنها مشكلتنا الأزلية المتمثلة في أن جهاتنا لا تعمل يداً واحدة لتحقيق الهدف فهذا يخيط والآخر يفتق الخيط، وفي هذا الصدد ولكي أكون منصفاً فقد وقفت على موقف مشابه ولكنه عكسي تماماً فالمرور عندما يضع مطبات صناعية في شوارع التفحيط لعلمه بحوادثها وخطورتها فإن البلديات تزيل المطبات خلال أيام مع أن المرور أدرى بمواطن الخطر ومواقع الحوادث وهذا الموضوع يحتاج إلى وقفة أخرى .. والله الموافق.

يا مدير الجامعة

أحسنت القيادة الحكيمة، رعاها الله، في إحداث تغييرات في إدارة الجامعات وإعطاء الثقة في قيادات شابة، حركت المياه الراكدة في جامعاتنا، وأعادت لها روح العمل الدءوب بعد طول انقطاع، وبدأت خطوة المليون ميل لإعادة مركز جامعاتنا ضمن التصنيف العالمي إلى موقعه الطبيعي، ونأمل أن يكون نجاح التغيير دافعا إلى توسيع رقعته في مواقع عديدة خاصة في المؤسسات التي تقهقرت أو الوزارات الراكدة .
جامعة الملك سعود، على سبيل المثال لا الحصر، شهدت حركة سريعة وتغيرات إيجابية نستشهد منها بخطوة كراسي البحث ومرونة القبول (وحقانيته) هذا العام .

ومن حق مدير هذه الجامعة الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن العثمان علينا أن نخلص له في النصح ونهديه بعض عيوب الجامعة التي تحتاج إلى إصلاح من وجهة نظر متواضعة لأحد أبنائها فقد عايشتها طالبا ثم معيدا ثم محاضرا وانتقلت منها ممتناً لأم حنون رضعنا منها جملة قيم وأخلاقيات هي قيم هذا الوطن وأخلاقه الفريدة .

أتمنى أن يلتفت معاليه ضمن تطلعاته وآماله إلى إعادة الانفتاح على المجتمع وهو من أساسيات دور الجامعات .

جانبان فقط أود أن أذكّره بهما، الأول إعادة تبني الحوارات المفتوحة بين المسؤولين على اختلاف مسؤولياتهم والمواطنين بكافة فئاتهم فقد كانت جامعة الرياض (آنذاك) السباقة إلى هذا النوع من الحوار البناء الذي لا يتعارض مع مسؤولية الحوار الوطني القائم حاليا لاختلاف الطريقة والتوجه ونوعية الحوار .

لا تزال ذاكرتي كطالب ومعيد تستمتع بلذة حوارات مباشرة بناءة كثيرة اذكر منها أسئلة مباشرة رنانة غير مكتوبة أجاب عنها بكل صراحة ووضوح صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز ومعالي وزير الإعلام آنذاك د. محمد عبده يماني ونحن في أمس الحاجة في هذا الوقت لهكذا حوارات مع كثير من المسؤولين وصناع القرار .

الجانب الثاني المستشفيات الجامعية فهي أوسع أبواب الانفتاح على المجتمع فأتمنى من معالي المدير أن يلتفت إلى ما حدث فيها من غياب الأطباء الاستشاريين نهارا جهارا عن عياداتهم وأجنحة المرضى،تحت مظلة السماح لهم بالعمل خارج أوقات المسؤولية الرسمية في القطاع الخاص رغبة من الدولة في تحسين دخولهم إلا أنهم وللأسف أساءوا استغلال هذه المرونة وأرجو من معاليه أن لا يعتمد في هذا الأمر تحديدا على القيادات الطبية لأنه شأن إداري بحت، ولأن لدى تلك القيادات إما نفس الممارسة أو غض الطرف مجاملة لزمالة الطب والأدهى والأمر أن المستشفيات الجامعية صدرت هذا السلوك المشين إلى المستشفيات الحكومية الأخرى فغاب الأطباء دون مظلة قانونية وبمخالفة صريحة في ظل إدارات تجامل الأطباء على حساب مهنة الطب وسمعتها وشرفها وعلى حساب المريض، إما لضعف إداري أو لعقلية متعصبة لا تجرؤ على محاسبة الأطباء وإن خالفوا النظام لأنها تراهم فوق المحاسبة وإن هبطوا في سلوكهم .

وأجزم أن كل مدير جامعة يربأ بالجامعة أن تصدر سلوكا مخالفا للنظام، مسيئا للمرضى وللرعاية الصحية في الوطن .

عيد الإصلاح القادم

كل عام وأنتم بخير، أعاده الله على الجميع ووطننا يصعد في سلم المجد، ويمارس مزيدا من الإصلاح والإنصاف والشفافية والعدل.
أعاده الله علينا وقد استشعر عدد أكبر من المسؤولين حجم مسؤولياتهم نحو أبناء هذا الوطن المخلصين، المحبين، الصابرين، فعملوا من أجلهم وليس من أجل أنفسهم، ولإسعاد الوطن لا (لسعادتهم)، ولعلو هامة المواطن وليس فقط (معاليهم).

أعاده الله علينا وقد انزاحت غمة الهموم، وأشرقت شمس التفاؤل، فانخفضت التكاليف والأسعار، وخف جشع التجار، وعادت الأسهم للاخضرار، وعطف الجار على الجار، وعامل الموظف مراجعيه معاملة الأحرار، ووظف المديرُ العاطلَ وكأنه قريب أو من الأصهار، وأعاد الله المعلمات من متاهات الصحاري والقفار .

أعاده الله علينا وقد اطمأنت النفوس، وقل اللصوص، وترك زميل العمل صفة الواشي والجاسوس، وما بقي مدير في مكتبه عن المراجعين محبوس.

أعاده الله عليكم وعلينا أعواما عديدة وأزمنة مديدة، وقد قبلت المستشفيات دخول الحالات الشديدة ولم يبق في الدخل المحدود من هو على الحديدة، ولا أعلن عن محتاج في جريدة .

أعاده الله علينا وقد قلت الحوادث وأعددنا خطة وطنية للكوارث، وبيع محصول كل مزارع وحارث.

أعاده الله علينا وقد أوقف دخول المسرطنات، وتوقف نفوق الإبل ووفيات المعلمات، وقل عدد من بالأخطاء الطبية مات، وخفضت تعرفة الكهرباء ورسوم الاتصالات، وصدقت خطوطنا الجوية في مواعيد إقلاع الرحلات.

لا تتركوا المرضى لمرضى

مرضى الإقامة الطويلة الذين يحتاجون إلى رعاية طبية متوسطة، ويعتمدون على أنبوب تغذية عن طريق الأنف وأجهزة تنفس ويحتاجون رعاية تمريضية متخصصة لا يمكن أن تقوم بها زوجة أو أم أو ابنة أو خادمة ولا بد أن تقام لهم مراكز رعاية صحية طويلة الأمد، وليس من العقل ولا المنطق ولا الإنصاف أن يطلب من أهاليهم رعايتهم في المنزل باستقدام ممرضة.
هؤلاء المرضى يشهدون الآن قمة الإهمال من مستشفيات جميع القطاعات التي توفر خدمات صحية باستثناء وزارة الصحة التي تتوسع في مراكزها القائمة أو ما يسمى مستشفيات النقاهة دون عون من إدارات الصحة في القطاعات الأخرى التي أصبح منسوبوها يعانون معاناة شديدة كلما احتاج أحد والديهم أو أبنائهم لرعاية طبية طويلة الأمد.

التخلي عن المرضى المزمنين ومرضى الإقامة الطويلة وصل حدا خطيرا جدا بقرار مرتجل من مستويات إدارية دنيا، مقارنة بحساسية القرار وتبعاته، وغني عن القول أن اتخاذ قرار إلغاء حلقة هامة في منظومة الرعاية الصحية أو إهمال فئة من المرضى أو شريحة كبيرة ممن تكفل الوطن برعايتهم، هو قرار لا يمكن أن يترك لفرد واحد قد لا يقدر خطورة القرار على نفسيات المواطنين وظروفهم ومن ثم ولائهم، ولا يملك بعد النظر لتصور مصير مريض يجبر على الخروج للمنزل وهو في حاجة لرعاية طبية تشتمل على أنبوب تغذية عبر الأنف وإعطاء أدوية تمنع التجلط وجهاز أكسجين دقيق وكم هائل من العلاجات وطرق التحريك وإعادة التأهيل والتنظيف.

لا يمكن أن يترك حق التقرير في إنسان كهذا، لشخص يقارن إمكانيات كل الناس على اختلاف مواردهم وظروفهم بإمكانياته هو، وظروفه هو، فمثل هذا القرار لا بد أن يدرس على مستوى وطني ويقرره أناس يقدرون أبعاده وأثره على الناس.

الطريف المبكي في أمر إهمال مرضى الرعاية المزمنة، أنهم مرضى، والشؤون الصحية في كل قطاع مسئوليتها الأولى والأساسية هي رعاية المرضى، لكنها تتخلى عنهم بحجة التوفير !!، وفي الوقت نفسه تتنافس في إنشاء الكليات، والكليات هي من مسئولية وزارة متخصصة ومتمكنة هي وزارة التعليم العالي وليس مكانها المستشفيات غير التابعة للجامعات والتي لا يتوفر فيها القادرون على إدارة الشأن الأكاديمي ناهيك عن تحمل مسئوليات التعليم الطبي.

جميل أن تتوسع المؤسسة في حدود الدور المناط بها وضمن ما تستطيع القيام به ودون أن تتأثر مهمتها الأساسية وعدى ذلك فإنها إنما تداوي الناس وهي عليلة!!.

الحصاد المر

للأسف فقد بدأت آثار إهمال النواحي التربوية سواء في المدرسة أو المنزل تظهر بوضوح، وبدأنا نقطف الثمار المرّة لما زرعناه من إهمال تعليم مكارم الأخلاق، وأخشى أن يتفاقم خطر إنتاج أجيال مهملة أخلاقياً إذا لم نسارع في تدارك الوضع خاصة في التعليم العام والجامعي كون التعليم قناة يمكن التحكم بها على مستوى وطني أكثر من المنزل .
ولعل إشغال المعلمين والمعلمات بهمومهم الوظيفية المهملة، وجعلهم في حالة إحباط دائم وعدم تقدير مستمر، أحد أهم أسباب عجزهم عن إعطاء الجانب التربوي حقه في توجيههم للطلاب لأنهم بالكاد يستطيعون إعطاء الدرس المقرر وبنفسية محبطة من بيروقراطية إدارية وشيوع الواسطة وعدم معالجة مشاكل المعلمين والمعلمات المعلقة لعشرات السنين .

مكارم الأخلاق نلحظ غيابها في الأجيال الحالية بسبب غياب التركيز عليها وتعليمها في المنزل والمدرسة مقارنة بما كان سابقاً .

في المنزل من قبل أب وأم وعم وخال مستعدين ذهنياً لتوجيه الأبناء في كل صغيرة وكبيرة والتوقف معهم عند كل سلوك وتقويمه، لا تشغلهم ضغوط عمل ولا انهيار أسهم ولا غلاء أسعار ولا متابعة حق ضائع ومعاملة متعسرة ومستشفى يحتاج إلى واسطة وطبيب متسيب ومدير متفرد بالقرار ومتسلط .

وفي المدرسة من قبل معلم ومعلمة لا يكدر صفوهما ما ذكر أعلاه إلى جانب وزارة لا ترى فيهما إلا مجرد عاملين بالساعات لم تقدرهما حتى في يومهما العالمي (لاحظت أن الطلاب هم من أوكل إليهم الاحتفاء بالمعلم إعلامياً أما الوزارة فلم تتحدث عن المعلم في يومه !!).

لقد تساهلنا كثيراً وطويلاً في توفير الجو النفسي للمواطن ليمارس دوره التربوي بنفس مفتوحة مستريحة، سواء كان أباً أو معلماً أو كانت أماً أو معلمة، عن طريق التساهل في محاسبة من كلفوا بخدمتهم اجتماعياً وتعليمياً وصحياً وتجارياً ومن أوكل لهم حماية حقوقهم ومعيشتهم وأسعار سلعهم الأساسية، فكانت النتيجة خروج جيل لم يحظ بالوقت الكافي ولا الجرعة الكافية فيما يخص تدريس مكارم الأخلاق ومنها بر الوالدين (ضاقت دور العجزة بالمطرودين من الوالدين) واحترام الشعور العام والحق العام والممتلكات العامة والأنفس (التفحيط أصبح أكثر ظاهرة مستعصية للعلاج)، جيل لا يحترم حق الجار، ولا أعراض الناس، ولا يعطي الوطن حقه بحفظ سمعته (تشويه سمعة الوطن المعطاء بلغت حدوداً متطرفة من الجانبين، المجتهد والمنحرف) ولا بحفظ وحدته .. زادت النعرات القبلية في وقت كنا نرجو اندثارها.

كان ذلك على مستوى السلوك المؤثر مباشرة في الآخرين، أما على مستوى الطبائع فقد كثر من قلت خاتمتهم وأصبحوا يسيئون لمن أحسن إليهم وكثر الكذابون والمحتالون وأرباب الوجهين .

وهذه كلها علامات إهمال لتدريس مكارم الأخلاق في المنزل والمدرسة بإهمال تهيئة الجو المناسب لمن يفترض أن يدرسها أباً أو أماً، معلماً أو معلمة .

العامل والمواطن وأقل الضررين

لا أعتقد أن أحداً يمانع أن يتم تعديل قرار أو إلغائه لأسباب إنسانية، مثل تلك القرارات التي تتعلق بالعمالة المستقدمة من الخارج سواءً المزارعين أم العمال أم السائقين أم العاملات في المنزل.
لكنني أجزم أيضاً أن لا أحد يختلف على أن الكفيل أو المواطن الذي استقدم العامل هو الآخر إنسان يستحق أن يراعي القرار المعدل إنسانيته وحقوقه.

وعندما تتعارض حقوق العامل مع حقوق كفيله (المواطن)، فأنا لا أقول بأن ننحاز مع المواطن فهذا ليس من الإنسانية في شيء، ولكن هناك ما هو أهم وأكثر عدلاً وهو اللجوء إلى نص شرعي “أقل الضررين” ولن تجد أكثر سماحة وعدلاً وإنسانية وإنصافاً من شرع الله المنزل الذي تتميز هذه البلاد بتحكيمه.

وأقل الضررين يتجسد في ماهية الأمر الأقل حدوثاً، فمثلاً عندما نلغي قرار اشتراط خطاب تصريح من الكفيل بتنقل العامل بين المدن (وهو بالمناسبة كان قراراً لا يمس إنسانية العامل، وإنما هو إجراء تنظيمي أمني بالدرجة الأولى ) ونسمح للعامل بالتنقل بين المدن دون تصريح من كفيله، ثم نجد أن هروب العمال وتسيبهم قد زاد بل تضاعف بشكل ملحوظ أضر بالمواطنين وهدد مصالح الوطن وربما أمنه (آلاف العمال يبتعدون مئات الأميال عن أعين كفلائهم والباحثين عنهم، ويتنقلون بحرية تامة دون حق الرقيب في المساءلة عن أسباب الابتعاد عن مقر العمل لإلغاء القرار).

هنا يجب أن نعيد النظر في السماح بالتنقل كون الضرر الناجم من بحث العامل عن كفيله ليوقع له خطاب السماح أقل بكثير من ضرر بحث الكفيل عن عامل هارب، دفع تكاليفه ولم يستفد من خدماته، وإذا قبض عليه فإنه مطالب بشراء تذكرة سفره وتكاليف ترحيله!!، كما أن معاقبة مواطن، يسيء استغلال العمالة أيسر كثيراً من البحث عن عامل يحمل إقامة سارية المفعول ويهيم بين المدن والقرى، فالمواطن يسهل تعقبه ببطاقة الأحوال والتي يستخدمها في منافع عديدة ومراجعات متعددة أما العامل فلا يبرز الإقامة إلا لموظف الجوازات كحجة لعدم مساءلته.

الذي نعرفه جيداً أن إلغاء شرط التنقل سهل من فرص هرب العمال ورفع أرقام الهروب وألغى ضابطاً مهماً في التحكم بتجول المجهولين وأضر بالمواطن الصالح الضعيف وفي نفس الوقت استفاد منه عدد من هوامير المواطنين المخالفين والذين أصبحوا يتحايلون على اشتراطات وزارة العمل بتوظيف العمالة الهاربة، خاصة في المزارع التي يصعب أو يستحيل وصول الرقيب إليها.