قال: ( أي مسؤول!!)

لأن كلمات ملك الإصلاح عبد الله بن عبد العزيز تخرج من قلب ملك القلوب، وليس من لسانه، فإنها تختصر العبارات لتجسد هم المواطن وتتحدث بنبضه، فقلب ملك القلوب ينبض بقلوبهم، ولذا فان في خطاباته من الدقة في اختيار الكلمة، وليس الجملة وحسب، ما يحقق وضوحا منقطع النظير وينفي أي احتمال لتفسير آخر أو فهم خاطئ.
لاحظ في خطابه، يحفظه الله نصيرا للشعب، انه قال (وليعلم كل مسؤول بأنه مساءل أمام الله تعالى ثم أمامي وأمام الشعب عن أي خطأ مقصود أو تهاون) فهو لم يقل (كل وزير) ويترك محاسبة من دون الوزير للوزير المختص، بل سيحاسب كل مسؤول عن مسؤوليته وخطئه المقصود أو العائد للإهمال .

واجزم أن مجلس الشورى لن يفوته بعد الآن أن المساءلة في المجلس يجب أن لا تقتصر على الوزراء فالوزراء ليسوا هم فقط المعنيين بكل هموم المواطن، فثمة مسؤولون مراتبهم أقل لكن صداعهم أكبر، والمتضررون من سوء إدارتهم أكثر، فإذا كان لهم ارتباط مباشر بمصالح الناس وخدمتهم ورعايتهم فلماذا لا تتم مساءلتهم؟!، مثل مدير عام أو وكيل أو خلافهما، طالما أنه أخطأ بقصد أو تهاون أو ظلم وجار على الناس أو على موظفيه، خاصة وأن ملك الإصلاح أكد مساءلة الشعب للمقصر عندما قال (ومساءل أمام الشعب) وهذه تعطي مزيداً من الدعم والمسؤولية لمجلس الشورى الذي يمثل الشعب.

ثم تمعن في دقة خطاب الملك العادل عندما قال (من حقكم علي أن اضرب بالعدل هامة الجور والظلم) ففعلاً فإن هامة الجور والظلم لا يمكن أن تضرب بغير العدل، فهو حفظه الله لم يقل بيد من حديد أو حدد عقوبة، بل قاده إخلاصه المعهود إلى أعمق من ذلك فالعدل يضمن القضاء على الجور والظلم ويقطع رأسه، وبغير العدل فإنك لا تضرب غير أصابع الظلم أو أطرافه، لكنك لا تقضي عليه إلا بتعميم العدل.

الوعد ركبة الشيخ

اقترحت أكثر من مرة فتح قنوات ميسرة للشكوى ومعالجة القضايا الوظيفية أو الإساءات لأشخاص أو أشكال الظلم والخداع والتحايل التي لا ترقى إلى رفعها لديوان المظالم خاصة أنه يغص بالقضايا طويلة الأمد .
كما سبق أن طالبت بتنمية روح الشكوى وروح التبليغ لدى المواطن والمقيم شريطة تيسير سبل إنهاء القضايا المتوسطة والشكاوى المصنفة على أنها صغيرة “مقارنة بغيرها” لأن كل هم لدى صاحبه أكبر من جبل أحد .

والشكوى هي في حد ذاتها رادع للمجرم والمسيء والمتطاول والمعتدي وحتى المدير الظالم وبالتالي تقل المشاكل وتتحسن نفسية المجتمع .

أكره أن نستشهد بأمريكا في كل شيء، بل في أي شيء، ومن ذلك إمكانية مقاضاة أي شخص لأي إساءة مهما صغرت فالواقع أن مجتمعنا الإسلامي كان السبّاق لهذا الأمر، بل جميع أمور الحياة مهما صغرت فالقرآن الكريم، دستورنا، نزلت فيه سورة “المجادلة” عن امراة تشتكي زوجها، ورسولنا الكريم “صلى الله عليه وسلم” هو من رفض تذوق تمرة خوفاً من أن تكون من مال صدقة، والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه صنع نهجاً إدارياً فريداً ورثته عنه كل الأمم منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا في رقابته وعدله وشمولية تحديده للمسئولية ومن الأمثلة قوله “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لما لم أسوّي لها الطريق” .

كما أننا في هذه البلاد منذ توحيدها كنا سباقون للاهتمام بالمقاضاة في كل أمر مهما صغر، طالما أنه يحقق العدل والانصاف، وهذه من أسرار نجاحنا، فقد كانت المحاكم في القرى، وربما إلى هذا الوقت، طالما لم تنشغل بالإجراءات الإدارية الأخرى، كانت تنظر في مرافعات لشكاوى تصنف الآن على أنها صغيرة، لكنها بالنسبة للمشتكي “حرقة قلب” تتعطش للإنصاف، وأذكر (ولست بكبير السن) أن من العبارات الشهيرة في سدير مثلاً عبارة “الوعد عند ركبة الشيخ” كناية عن رفع دعوى، ولعل الشيخ كان يجلس بسيطاً على بساط وركبته قريبة من المتخاصمين !!، ولم يكن ثمة طاولة ولا تطاول، لكن القضايا الصغيرة كانت تنظر ومن هنا فإنني أدعو إلى تحقيق الاستقرار النفسي للمجتمع بالنظر السريع في الخصومات التي لا تصل لحد إشغال ديوان المظالم، مهما صغرت، فكم من موظف تعمد إعاقة مصلحة مراجع دون حق فأضر به ضرراً كبيراً، وكم من مسئول استغل منصبه في ظلم المراجعين أو الموظفين وكأنه ملكه الشخصي، أو قطاع خاص استغل عملاءه دون حق، خذ على سبيل المثال قضية لا زلت أدرسها وأجهز إثباتاتها وسترونها قريباً مستشفى قطاع خاص يدّعي أنه طعم المولود ضد الدرن ويختم الشهادة وهو لم يفعل !!، أعلم أن الطفل لو أصيب بالدرن فإن الشرع سينظر في دعواه ويعوض لحصول الضرر، لكن إذا أراد الأهل رغم اكتشافهم للعبة رفع قضية نصب واحتيال ومحاولة تعريض ابنهم للخطر فقد لا يجدون السبيل السريع السهل لذلك .

أمتعتني بعورتها !!

عندما تسوء النوايا، يفسد كل شيء، بل تبدأ الأقنعة وأوراق التوت بالتساقط تدريجياً حتى تنكشف العورة.
وإذا كانت عورة الرجل من السرّة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، فإن عورة القناة الفضائية تكمن في أهدافها الخفية وممولها المختفي.

ومثلما أن المتمرس في عالم الجريمة المنظمة يتمتع بذكاء خارق، وقدرة عالية على تفادي الاكتشاف وعدم ترك آثار للجريمة وأدلة للإدانة، فإن من إحقاق الحق القول إن قناة الجزيرة من قطر تتمتع بقدرة فائقة على الإيهام بالمهنية وحرية الرأي وخداع المشاهد العربي السطحي المغرم بالإثارة أو حتى المشاهد الغربي الذي قد يبهره هامش حرية الرأي الكبير، لكن خبرته في المنطقة لا تمكنه من إدراك أن الهامش الكبير هو مجرد هامش أعرج، موجه، ويقع على جانب واحد من الصفحة، لكن الجانب الآخر لم يتسع لصوت مواطن واحد من آلاف المواطنين القطريين المطرودين من آل مرّة الذين حرموا من أبسط حقوقهم، ولم يتسع لسؤال واحد عن القاعدة الأمريكية ولا لصورة واحدة من صور كبيرة للعلاقة مع إسرائيل عبر مكتب أكثر من تجاري !!.

تنكشف عورة الجزيرة أكثر ما تنكشف عندما يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية، فذكاء القائمين على القناة وممولها وطاقمها يذوب بفعل حرارة حقد واضح ورطوبة نوايا سيئة (ألم أقل لكم إن سوء النوايا يفسد كل شيء).

خذ على سبيل المثال، أحدثها، والمتمثل في تفاعل القناة مع قمة الرياض التي كانت قمة متميزة ومختلفة في كل شيء، بدءاً بظروف انعقادها وصعوداً إلى الطريقة المتميزة في إدارتها، هل يعقل أن تقبل قناة تدّعي المهنية أن يقتصر أسلوب المحللين فيها على عنصر التنبؤ بنوايا الأشخاص بدلاً من تحليل كل حدث في القمة بناء على واقع الحدث اليومي؟!

أليس من العيب بل انكشاف العورة أن يقتصر تحليل قمة عربية على توقع مقاصد أو غوص في مكنونات القلوب التي في الصدور، ليقتصر التحليل على عبارات (فلان قصده هيك) و(علان كانت نيته يعمل هيك) حتى أن أحد الضيوف علّق قائلاً: “كيف عرفت بما في قلبه؟؟”.

ثم ما هو سر إخراج أبواق صدئة من أدوات الجزيرة من بين غبار المخازن كلما تعلق الأمر بالمملكة حتى لو كان الأمر يتعلق بقمة وحدوية هي بصيص الأمل المتبقي للمنطقة؟! ومن ثم يعاد مرة أخرى للأرفف البالية في انتظار مناسبة ينعق فيها بالشؤم مجدداً.

نحن لسنا ضد الرأي والرأي الآخر ولكننا نتساءل: أين الرأي المفيد في خزعبلات “بصارة” أو “قارئة كف” تعتمد على التنبؤ بمكنونات القلوب؟! والسؤال المهم كيف تقبل قناة تدّعي المهنية وتبث باللغة الإنجليزية أن تصور العرب على أنهم مجرد (ضاربات ودع) حتى في تحليلهم لأهم مناسباتهم السياسية؟!.

أما السؤال الأهم فهو ما الفرق، والأمر كذلك، بين قناة الجزيرة وقنوات قراءة البلورة وفتح “الكوتشينة” وقنوات الشعوذة والسحر وقراءة الطالع.

نحمد الله أن عورات أعداء هذا الوطن تنكشف كلما هب هواء الإصلاح، وشخصياً استمتعت برؤية عورة “الجزيرة”.

بل ابكِ يا فهد

الزميل “النحلة” فهد عامر الأحمدي يجلب لنا عبر زاويته المفيدة جداً كل مفيد، وأصفه بالنحلة لأنه يتناول من رحيق كل مصدر موثوق ثم يمدنا بالمعلومة رائعة وسهلة الهضم كالعسل .
في زاويته لعدد الخميس 10ربيع الأول 1428ه وضع فهد عسله على جرح المجتمع والعسل على الجرح يحرق، فقد تحدث عن بيئة العمل قائلاً “لست وحدك من يكره الذهاب للعمل .. ولست وحدك من يعاني من الظلم والإحباط والترصد الشخصي ..الخ” وكأني به هنا يخاطب العديد من الموظفين المحبطين في مواقع عملهم لدينا نحن قراءه تحديداً .

في المقابل نقل لنا عبر نفس الزاوية (حول العالم) نتائج دراسة مجلة فورتشن بعمل قائمة لأفضل 100شركة يرضى عنها موظفوها ويتمنى الناس العمل فيها وقد أتت في المركز الأول شركة “جوجل” وجميع الشركات – في هذه القائمة – اعتمدت على فكرة إرضاء الموظفين وإكرام المبدعين لكسب ولائهم وإخلاصهم .. فقبل ثلاث سنوات قامت موظفة شابة بتطوير برنامج يتيح لمتصفح جوجل البحث في كومبيوتره الشخصي فتم منحها مليون دولار مكافأة .

ثم عاد الأحمدي ليقارن ذلك بصور التسلط وهضم حقوق الموظف – وعدم راحته في العمل – والتي تؤدي إلى ردود فعل سلبية مكبوتة تظهر بشكل إهمال وتسيب وعدم اكتراث بنجاح المؤسسة ذاتها !! لكنه قال : وبالمناسبة لن أتباكى على ما يحدث في مواقع العمل لدينا، لأن ما يحدث في جوجل أمر يثير حيرة العالم أجمع ..

أما أنا فأقول للزميل الرائع فهد الأحمدي : بل إبك يا فهد، فما يحدث في بعض مواقع العمل لدينا أمر يثير الحيرة هو الآخر، فالمدير بالرغم من حصوله على كل البدلات والتسهيلات والمخصصات والهبات والدعم من الدولة، إلا أنه يستحوذ على إبداع موظفيه ويسرق إنجازاتهم “عيني عينك” ولا يحق لهم في نظره أن يطالبوا وإن طالبوا حوربوا .

كم من مبدع أحبط وكم من حريصة وطنية مخلصة عوقبت، لأن المدير متسلط .

ولا بد أخي فهد أن نستدرك ونقول إن ما يحدث من السيد المدير لا يعكس سياسة المؤسسة، ولا الجهات الحكومية عامة وهو تصرف فردي يعكس سلوكيات وأخلاقيات المدير وحده، بدليل أن نفس المؤسسة لا تعاني نفس المشاكل مع مدير سابق ولا مدير لاحق، لكن الأهم وطنياً أن نفرض ثم نرسخ ونطبق آلية وطنية عامة لتتبع الإبداع ومعرفة أصحابه الحقيقيين بصرف النظر عن كونهم من صغار الموظفين أو كبارهم، ثم لابد من تقييم رضا الموظفين وراحتهم بعيداً عن هيمنة المدير وعن طريق جهة رقابية مستقلة، ومشكلتنا نحن الصحفيين أننا في زياراتنا للمؤسسات الحكومية نسمع من المدير ونشاهد المدير وبعض الأجهزة والمباني، ولو سألت الموظفين فقد تبكي كثيراً يا فهد، فما يحدث في كواليس بعض الإدارات يحتاج إلى زيارة خاصة .

اقترح تسمية (شارع القمة العربية)

أجمع حكماء العالم وساسته على اختلاف توجهاتهم على أن القمة العربية (قمة الرياض) كانت تاريخية وناجحة بكل المقاييس وستبقى قمة “مفصلية” في تاريخ الصراع في الشرق الأوسط وفي شأن الوحدة العربية وتطلعات شعوب المنطقة.
كما أشاد كثير من قادة العالم المنصفين بدور المملكة العربية السعودية في وصول قمة الرياض إلى ما وصلت إليه من اتفاقات وشفافية في المواقف وتميزها عن الطابع التقليدي الممل لقمم سابقة، ولم يخف قادة العديد من دول العالم وخبراء السياسة فيه إعجابهم بالشخصية الفذة المخلصة والصريحة لرئيس القمة خادم الحرمين الشريفين مهندس تلك القمة التاريخية التي أسميتها في مقال الأربعاء (قمة القمم في مملكة القيم) ومهندس اتفاق مكة التاريخي، والقاسم المشترك الأعظم لكل عمل إنساني مخلص، ونسب كثير من الساسة والقادة والمحللون، غير الخاضعين لأهواء تحارب النجاح وغير الناعقين بالشؤم ومحاربة الناجحين، نسبوا النجاح المميز للقمة إلى الحكمة والصراحة والقبول الذي يحظى به الملك عبدالله بن عبدالعزيز عربياً وإسلامياً وعالمياً.

ولأن التأريخ لا يعترف إلا بالرصد، والرصد يحتاج إلى التذكير فإنني أقترح من موقع المواطن الفخور بإنجازات وطنه والمزهو بحكمة قادته ومكانة وطنه عربياً وإسلامياً وعالمياً أن تتم تسمية أحد شوارع الرياض الرئيسة باسم (شارع القمة العربية) وتسمية آخر ب (شارع مؤتمر الطائف)، والثالث (شارع اتفاق مكة)، لأن تخليد تلك الإنجازات الوحدوية والإصلاحية واستمرار التذكير بها يشعر المواطن المخلص بالفخر، ويشعر العربي المنصف بالامتنان، ويحث الأخ المسلم (وكل مسلم حقيقي مخلص ومنصف وناطق بحق) على الدعاء لهذا الوطن وقيادته.

هو مجرد اقتراح أرجو أن يحالفه الصواب، وإذا نجح فأتمنى أن تسعد به مدن رئيسة أخرى غير الرياض وليكن لدينا شارع القمة العربية بجدة، وشارع اتفاق مكة بالدمام، وشارع مؤتمر الطائف في أبها، فكلها مدن في وطن إنجازات.

قمة القمم في مملكة القيم

مثلما أن الحقيقة قد يجهلها البعض وقد يتجاهلها الآخرون، فإن السر خلف الواقع قد يجهله البعض وقد يتجاهله الكثيرون.
الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن المملكة العربية السعودية مهما اشتدت الرياح وتلاطمت الأمواج وتفاقمت المحن واشتعلت الفتن تسير واثقة وفق ثوابت لا تهزها رياح المواقف المتباينة ولا تتأثر بعنصر الزمن ولا عوامل التعرية.

ولذا فإن المملكة العربية السعودية، كما عرفها المراقبون والمؤرخون والنقاد بل وحتى المتربصون، هي ذات الموقف، ذات الوقفة ونفس الثوابت في كل زمان وتحت أي ظرف.

هي صوت العقل، هي فعل الإصلاح، هي منطق الحق وحقل المنطق.

عندما تعلو أصوات المهاترات، وتتشكل جمل الاستفزاز، لا تجد للمملكة صوتا نشازا ولا جملة استفزازية، وعندما تهب رياح الصلح والإصلاح والمساعي الحميدة فلا بد أن تفوح منها رائحة خزامى الرياض وورود الطائف وروحانية مكة، وعندما يشتد عناق المتخاصمين وتلتقي قلوبهم فإن للعناق مكاناً واحداً ومناخاً واحداً وعاملا مشتركاً أعظم هو المملكة العربية السعودية.

كانت تلك هي الحقيقة التي لا يجهلها إلا جاهل ولا يتجاهلها إلا مكابر، أما السر خلف الحقيقة فهو أن ثوابت هذه البلاد وقيمها مستمدة من كتاب الله، قرآن منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب يشرح تعاليم خالق مدبر، وليس أطروحات وشعارات مخلوق مجتهد أو مضلل بشيطان زين له سوء عمله!!.

سر الثبات والثوابت والتوفيق الدائم يكمن في تطبيق هذه البلاد لشرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في كل شأن سواء كان في إصلاح بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا، أو معاهدة أو عهد، أو إصلاح ذات بين، أو اجتماع على كلمة سواء، أو شورى في أمر.

بلد أمين رسخ ثوابت الدين فميزته الثوابت، وتميز بالثبات.

فلله درك يا وطني كم جمعت من القمم، وكم أصلحت بين أشقاء، وكم نصرت من مسلم دون رياء، وكم دحرت من الأعداء بحكمة وصمت ودون ضجيج!!، وها أنت تعقد في الرياض قمة القمم في مملكة القيم، (قيم الإسلام).

القشور

أولويات أي مجتمع، أو أولويات الغالبية العظمى من أفراده، مؤشر مهم جداً على درجة الوعي والجدية ورقي المجتمع من عدمه .
عندما يتنافس المجتمع على التحصيل العلمي والإبداع في مجال التخصص والنجاح الوظيفي، ويصبح هم شبابه الوصول لأعلى المراتب العلمية وطموح رجاله تحقيق نجاح للوطن، ويعمل كهوله وعجائزه إلى آخر ذرة طاقة إنتاجية فإن المجتمع يصنف كمجتمع واعٍ وطموح وجاد وواثق، لأن أولويات غالبية أفراده ذات عمق وذات جوهر ووزن .

ما أخشاه كثيراً على مجتمعنا، وسبق أن حذرت من أسبابه وحوافزه ومشجعاته، هو شيوع التنافس على القشور، وسطحية الطموح والرغبة في التميز بما لا يميز، مثل رقم لوحة سيارة، أو جوال أو ملبس مبالغ في تكلفته، أو مظهر ملفت للنظر حتى لو كان إلى النشاز أقرب منه إلى الأناقة .

المتتبع لمراحل حياة أحد أفراد فئة محاولة التميز بالقشور يجد أن والديه قبل الزواج أرادا لحفل الخطوبة أن يكون مميزاً ومكلفاً للغاية وحافلاً بتكاليف وفقرات تفوق كل أقرانهم، ثم حفل زواج في أكثر الفنادق وصالات الأفراح تكلفة يضاف إليها بذخ هائل يكون هو حديث الركبان في طرق التبذير للتميز، فإذا ما نجح الزوج بعد كل هموم التكلف في أن يحدث حملاً فإن المراجعة والولادة يجب أن تكون في أفخم المستشفيات الخاصة فندقة وأقلها إمكانات طبية، وما أن يخرج ذلك الطفل للحياة (من فضل ربي أن الخروج للحياة عبر طريق واحد لا مجال فيه للتميز شأنه شأن مغادرة الحياة !!) فإن أبواه يميزانه فيتربى على التميز بالقشور بدءاً بالروضة الخاصة والمدرسة الخاصة وانتهاءً بالسيارة المميزة نوعاً وموديلاً ورقماً .

لقد شاع لدينا حب التميز السطحي ووصل مرحلة جعلت الأطراف ذات العلاقة تداعب هذه الرغبة تجارياً، انظر أين وصلت أسعار لوحات السيارات المميزة وكذا أرقام الهاتف الجوال فأصبح طموح معظم الشباب أو بعضهم هو رقم مميز دون أن يحجز الشاب لنفسه مكاناً علمياً يجعل منه رقماً مميزاً في أسرته ومجتمعه وأمته .

إن مركبات النقص في شخصية الفرد قد تقوده أكثر وأكثر إلى تعويضها وحشوها بما خف وزنه وقلت قيمته من القشور، وعلينا كمجتمع أن نسعى إلى تصحيح هذا التوجه، لا أن نسايره ونشجعه، لذا فإنني سبق وأن حذرت من فتح باب التميز في لوحات السيارات لأنها قد تؤثر حتى على رجل المرور، واقترحت أن يحدد تاريخ تقديم الطلب وجهة الرقم المميز سواء في السيارة أو الجوال، وحسب الأخبار فإن الكويت بدأت الآن في معالجة أخطاء التميز في أرقام السيارات بعد أن عانت منه كثيراً .

الأهم عندي أن نربي أبناءنا على تحديد الأولويات الجوهرية العميقة ونخرجهم من دوامة التنافس بالمظهر أو الرقم أو نوعية الممتلكات وننتشلهم من مسببات خلق جيل سطحي هش ضحل الطموح .

الراشد وفرخان

وأنا أشاهد حواراً متلفزاً مع لويس فرخان في إحدى القنوات الفضائية، اضطررت لتسجيل الحوار، ليس لأنني مشغول بشيء أهم من الحديث الهام جداً لشخص مثل فرخان عندما يتناول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بل لم أجلس أمام التلفاز إلا وأنا متفرغ للمتابعة، لكنني أجبرت على تسجيل الحوار، لأن ذاكرتي سحبت تركيزي وحولته إلى استعادة موقف له علاقة بزعيم جماعة “أمة الإسلام” لويس فرخان حدث منذ حوالي عشرين سنة في آخر أيامنا في جريدة الجزيرة، فقد كنت أسند رأسي مهموماً بسبب تأخر إجازة ندوة صحفية من ست صفحات يفترض أن تنشر على حلقتين كنت قد أجريتها مع نخبة من أطباء النساء والولادة وطبيب أطفال حديثي الولادة وأخصائي اجتماعي لإقناع الناس آنذاك بأن العملية القيصرية يجريها الأطباء بسبب تعسر الولادة أو الخطورة على الأم والجنين، وليس لمجرد إجراء عملية تسجل في خبراتهم كما كان يشاع آنذاك على مستوى شكاوى وصلت للإعلام.
كان الأطباء آنذاك جميعاً يعملون بإخلاص لوطنهم وواجبهم الإنساني ومهنتهم النبيلة ويستحقون من يدافع عنهم، مثلما أن بعضهم اليوم يستحق ما يشن عليه من نقد لاذع.

وبينما أنا أسند رأسي على الجدار كان الزميل عبدالرحمن الراشد مدير مكتب “الجزيرة” في واشنطن (آنذاك) يسند رأسه على الطرف الآخر من الجدار محبطاً من عدم نشر حوار صحفي خصه به لويس فرخان، ليس أصعب على الصحفي من أن يحصل على سبق أو يمنحه متحدث هام الوقت والصراحة ثم لا ينشر عمله لأنه بذلك يفقد المصداقية ونشوة النجاح، وكان الراشد قد صلّى بجانب فرخان وحصل منه بصعوبة على ذلك الحوار وكما ذكر لي الزميل عبدالرحمن فإن فرخان أو “فرقان” وافق له على الحوار لأنه صحفي من مهبط الوحي والأرض الطاهرة، أرض الحرمين وكانت مئات الصحف وعشرات القنوات المتلفزة تتمنى إجراء مثل ذلك الحوار معه فقد كان في قمة نشاطه قبل بضع سنوات من دعوته إلى المسيرة المليونية الشهيرة.

انشغلت عن الحوار المتلفز مع فرخان وسجلته لأنني أبحرت في عديد من التساؤلات والتخيلات، فلو كنت مكان الزميل عبدالرحمن الراشد مدير قناة العربية حالياً، لكنت منحت المساحة الأكبر لفرخان في قناة العربية وقبلها في الشرق الأوسط فالرجل يتحدث عن الممارسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط بحقائق وأرقام أهل الدار، ويتناول بعمق وأمثلة مفصلة لتعارض سلوكيات أمريكا في المنطقة، ليس فقط مع حقوق الإنسان بل مع فقرات هامة في الدستور الأمريكي الذي لا يمكن لأحد حفظه عن ظهر قلب أفضل من مواطن أمريكي أسود مثل فرخان.

ما يعتقد لويس فرخان شيء يهمه ويهم الجماعة التي يتزعمها، لكن ما يعلمه كمواطن أمريكي عن إسرائيل والموساد وأمريكا ويقوله بجرأة لصالح قضايانا العربية يفترض أن يهمنا جميعاً ونستخدمه، لذا فقد تمنيت لو أعطى مساحة في قناة العربية ولو رداً للجميل وجمالاً للقناة ودعماً لقضايانا.

أدوات شفط سم الملدوغين من الثعابين والعقارب غير فعالة وخطيرة

حذر المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات بالحرس الوطني من منتجات يستوردها بعض الأشخاص ويدّعون أنها قادرة على امتصاص سمّ الثعبان أو العقرب من المصاب عند حدوث اللدغة ويروج لهذه المنتجات على أنها “أجهزة” لمص السمّ من مكان اللدغ، وهي لا تعدو كونها قمعا مطاطيا موصولا بشافط بلاستيكي يشبه المستخدم في الحقن الطبية والأداة في مجملها تشبه الأدوات المستخدمة في الحجامة.
وذكر مدير عام المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات الصيدلي محمد بن سليمان الأحيدب أن خطورة هذه الأدوات تأتي من عدة جوانب أهمها أنها تعتمد على فكرة خاطئة جداً موغلة في القِدم وثبت عدم صحتها علمياً وتجريبياً وهي فكرة شفط السمّ من مكان اللدغ فسمّ الثعبان أو العقرب بروتين ذو وزن جزيئي كبير يحقنه الثعبان أو العقرب في العضل أو تحت الجلد ولا يمكن بأي حال من الأحوال شفطه وإخراجه من الأنسجة وأن ما يخرج ما هو إلا سائل ليمفاوي أصفر يرشح من الأنسجة خاصة بعد اللدغ أو أن ما يخرج هو الدم خاصة وأن المرّوجين لهذه الأدوات ينصحون بجرح مكان اللدغة ومن ثم تركيب الشافط ويأتي الفهم الخاطئ من خروج السائل الليمفاوي الأصفر ويعتقدون أنه السمّ أو أن السمّ يخرج مع الدم وهذا غير صحيح مطلقاً.

أما الجانب الثاني الخطير لهذه الأدوات فيأتي من إحداث الجروح حول مكان اللدغة فالجروح تتيح مساحة سطحية أكثر لامتصاص السمّ في الأنسجة فأنت عندما تجرح مكان اللدغة تزيد المساحة المتاحة لدخوله في الدم وامتصاصه في الأنسجة تماماً مثلما نفعل عند تتبيل لحم الشواء حيث يتم تشريحه لزيادة توغل التوابل فيه فما يحدث بعد جرح المصاب يؤدي إلى توغل السمّ أكثر في الأنسجة ووصوله بسرعة أكبر إلى الدورة الدموية، كما أن من خطورة الجرح رفع نسبة حدوث التلوث لمكان اللدغة وبالتالي حدوث الغرغرينا لاحقاً لأن من طبيعة سمّ الثعبان ولدغة الثعبان أنها تساعد على حدوث التهاب في العضو الملدوغ والجرح يزيد من هذا الاحتمال وآثاره خطيرة جداً قد تؤدي إلى بتر العضو المصاب لا سمح الله.

أما الخطورة العظمى من أدوات الشفط تلك التي كثر الترويج لها في الصيدليات ومحلات بيع الأدوات الطبية بل وفي بعض الإعلانات في الصحف وعلى الشبكة العنكبوتية تكمن تلك الخطورة في أن مصنعيها ووكلاءها وإمعاناً في الخداع يقومون بوضع حبتين من مضاد الهستامين على شكل قرصي دواء صغيرين، فيعتقد المصاب أن هذين القرصين هما علاج للتسمم وبالتالي يكتفي بهما ولا يذهب للمستشفى إلا بعد أن تتفاقم الحالة وتصل مرحلة الخطر والحقيقة أن القرصين ما هما إلا مضاد هستامين من الأدوية المستخدمة في علاج الزكام أو الحساسية وهذا خداع مميت لأن أهم خطوة لإنقاذ الملدوغ هي سرعة نقله للمستشفى وإعطائه المصل المعادل للسم.

ويردف الصيدلي محمد بن سليمان الأحيدب قائلاً للأسف فإن بعض مستوردي تلك الأدوات جاؤوني في المركز قبل إستيراد هذه الأدوات ويسألون عن فائدتها وشرحت لهم خطورتها وعدم فاعليتها وأنها من ضروب الغش والخداع لكننا فوجئنا بانتشارها ولا أدري هل هو عن طريق من نصحناهم أم غيرهم، لكن المهم أن يعي المواطن والجهات المعنية في وزارة التجارة خطورتها، كما أن وجود أدوية بداخلها يجعل وزارة الصحة مطالبة بسحبها لأنها ليست من أشكال إعطاء الدواء أو عبواته المسموحة.

من جهة أخرى نبّه الصيدلي محمد بن سليمان الأحيدب عن نوع آخر من التضليل تمارسه شركات ومؤسسات مكافحة الحشرات (Pest Control) وهو الادعاء في إعلاناتها بقدرتها على القضاء على الثعابين والعقارب برش مواد كيماوية وهذا محض افتراء فالثعابين من الحيوانات الزاحفة من ذوات الدم البارد وهي لا تتأثر مطلقاً برش المبيدات، كما أنها لا تتغذى على الحيوانات الميتة ولا اللحوم ولا يمكن تسميمها بوضع وجبة مسمّمة ولا يمكن قتل الثعبان إلا “ميكانيكياً” بالضرب المباشر وهذا لا يحتاج إلى شركة فإذا خرج الثعبان فسوف يتم ضربه دون الاستعانة بشركة وإذا لم يخرج فإن قتله غير ممكن ناهيك عن معرفة وجوده من عدمه إلا في الصحراء وعن طريق الأثر.

ويواصل الأحيدب أما العقارب فقد أجريت شخصياً تجربة مطولة على أربع مجموعات من العقارب كلٍ منها عشر عقارب قمت برش المجموعة الأولى مباشرة بأحد أقوى المبيدات التي تقتل الحشرات مثل الصراصير على الفور، لكن العقارب لم تمت بل أصيبت بهيجان شديد وهذا يجعلها أكثر خطورة، أما المجموعة الثانية فقمت بوضعها على تربة مرشوشة سلفاً بالمبيد لأن من الصعب على أي شركة رش أن تجد العقرب وترشه مباشرة لكن من الممكن أن يمر على تربة مرشوشة ورغم بقاء العقارب على التراب المرشوش أكثر من يوم فإنه لم يحدث لها غير الهيجان أما المجموعة الثالثة فجعلتها تمر مروراً مؤقتاً على التراب المرشوش ولم يحدث لها غير الهيجان البسيط والمجموعة الرابعة كانت مرجعية فقط للمراقبة وخلصت من ذلك إلى أن أقوى المبيدات لا تؤثر في العقرب ولو بالرش المباشر بتراكيز عالية فما بالك برش المكان فقط وعليه فإن أي شركة تدّعي القدرة على القضاء على الثعابين والعقارب بالرش وخلافه إنما تخدع الزبون وتستنزف ماله دون فائدة بل بضرر بالغ نتيجة الاطمئنان الزائف إلى جانب الهيجان الذي قد يخرج عقارب كانت مختبئة أو بعيدة عن المنزل. وأهاب الأحيدب بالمواطنين والمقيمين الحذر من الثعابين والعقارب والابتعاد عن مواقعها خاصة وأننا قرب دخول الصيف وفي أجواء تشجع على قضاء الأوقات في الصحراء نسبة لما صاحب هذا العام من أمطار خير وبركة وربيع عام وخضرة كست الصحاري والشعاب كما حث الجهات المختصة على لعب دورها المهم في وقف أشكال الخداع كل فيما يخصه إلى جانب التوعية، فحماية المستهلك مسؤولية جهات الاختصاص وإنما علينا كمتخصصين البلاغ والتوعية.

“فُصِلَ السيامي في السودان” لكن وطني غير

سبق أن ذكرت وكررت أن ما يبقى، وينمو ويترعرع ويؤثر هو إنجاز الوطن، واسم الوطن، وشأن الوطن، وتميز الوطن.
قلت في أكثر من زاوية وبرنامج تلفزيوني ان ما يميز هذا الوطن العربي المسلم المعطاء أن ثرواته وإمكاناته وتقدمه العلمي والصحي والتقني ينعم به كل عربي وكل مسلم بل وكل إنسان محتاج على وجه المعمورة، وأن النعم التي أنعم الله بها على هذا الوطن لم تكن يوماً من الأيام حكراً على مواطنيه بل كثيراً ما أفادت المحتاج العربي والمسلم والإنسان عامة.

حتى حكمة قادة هذه البلاد نعم بها الأشقاء والاخوة المسلمون والبشر عامة في كل مكان في شكل إصلاح ذات بين ودرء حروب ووقف نزف دموي وإزالة خلاف عربي عربي، بل وخلاف داخل وطن واحد.

لذا فإننا يجب أن نركز في احتفالياتنا بإنجازاتنا على تميزها الحقيقي والفريد وهو فتح ذراعيها وصدرها الرحب للجميع، فكل شأن يمكن أن ينافسنا عليه غيرنا إلا جانب الإنسانية الحقيقية النابعة من كوننا مسلمين، رحماء، كرماء وأكرمين نبذل دون منّة أو انتظار شكر ونحتضن ضعيفاً أو مريضاً مغموراً ربما كان يسكن في معزل حتى في وطنه.

خذ على سبيل المثال لا الحصر، عمليات فصل التوائم السيامية، ما يميزنا فيها لو حصرناه بالعملية الجراحية ذاتها فسوف يأتي من يقول انها أجريت بنجاح في السودان كما ورد في الصحف ومنها جريدة “الرياض” في يوم الإثنين بتاريخ 26فبراير 2007م وسيأتي من يقول ان عملية فصل معقدة واتصال في العمود الفقري تمت في المغرب بنجاح، لكن أحداً لا يستطيع إطلاقاً أن ينافسنا بالقول ان بلداً آخر غير المملكة العربية السعودية تكفلت بإجرائها مجاناً وبكل كرم ضيافة لعدد من الجنسيات غير السعودية بل وصادف ان شكل التوائم السياميون الذين نعموا بما ينعم به السعودي كل ألوان الطيف في العلاقات الإنسانية فمنهم إخوان عرب ومنهم إخوان مسلمون من المشرق واخوان مسلمون من المغرب ومنهم غير مسلمين من الشرق لاعتبارات إنسانية بحتة ومنهم غير مسلمين من أوروبا لاعتبارات إنسانية أخرى قد لا يشكل فيها الجانب المادي العائق.

إذاً فإن إنجاز الوطن الحقيقي الباقي هو تميز الوطن بإنسانية توجهاته، وتوجهاته الإنسانية، وليس التميز بأشخاص أو نوعية إجراء طبي، فالسودان والمغرب وغيرهما من الدول التي نفرح بأن تنجح في فصل التوائم السيامية، ومع كل الاحترام لها لم تتكفل بفصل سياميتي الكاميرون مثلما فعل ملك الإنسانية، ملك الإصلاح، قائد مملكة الإنسانية مملكة الإصلاح.