إضافة ثاني أكسيد التيتانيوم مسموح في أمريكا وأوروبا واليابان والمواصفات الخليجية تمنعه

لم أتناول موضوع الحلاوة الطحينية في زاويتي “بصوت القلم” التي أتشرف بكتابتها في هذه الجريدة إطلاقاً لسبب واحد هو أن الموضوع ليس موضوع “عامود صحفي”، فهو ليس رأياً خاصاً ولا يحتمل الاجتهاد ولا يقبل التفاعل العاطفي، فموضوع الطحينية وتواجد مادة ثاني أكسيد التيتانيوم فيها وهل المادة مسرطنة أو آمنة هو شأن ليس علمياً فقط بل شأن يستوجب الإجماع العلمي لأن الدراسات حول ضرر مادة من عدمه قد تتفاوت نتائجها ولو بشكل طفيف، لكن القرار حول النتائج لا بد أن يسبقه نقاش واختلاف وتحاور ووجهات نظر كل حسب زاوية رؤيته وحساسيته في الموازنة بين درجة الخطورة ودرجة المنفعة إذا كان ثمة منفعة.
وبحكم التقارب الكبير بين تخصص الغذاء والدواء واشتراكهما في بعض المواد الحافظة والملونة والإضافات الأخرى كوني صيدلانياً فقد سعدت باتصال كريم من سعادة الدكتور محمد الكنهل الرئيس التنفيذي للهيئة السعودية للغذاء والدواء الذي لم يخف ألمه أن يبلغ القلق في المجتمع ما بلغه من حلاوة الطحينية دون سند علمي وأشار إلى إيضاحاته وأحد مساعديه لملابسات الموضوع عبر برنامج برسم الصحافة عندما استضافتهما الزميلة الرائعة ريما الشامخ شفاها الله وعافاها.

قلت للدكتور الكنهل وبكل شفافية إن الجزئية الوحيدة التي كان من الممكن أن أتناولها حول هذا الموضوع في عامودي “بصوت القلم” لأنها جانب نقدي هو طريقتكما في تناول الموضوع في ذلك البرنامج عندما كررت أنت ومساعدك القول أنكما أكلتما الطحينية قبل مجيئكما للبرنامج واعتبرتما هذا مصدر اطمئنان للمستهلك فنحن لا نريد من بطن المسؤول أن يكون مختبراً لتحليل الغذاء والدواء وليس شأننا إن أكلتما أم لا فذلك أسلوب عفى عليه الزمن بل لم يكن منطقياً في أي زمان أو مكان فالناس تريد فتوى تستند إلى حقائق علمية ودراسات وأبحاث ميدانية تتم في مختبرات متخصصة وهنا أوضح الدكتور الكنهل أن عبارة “أكلناها” لم تكن سوى مداعبة لتلطيف الحلقة، وأحسب أنها كذلك فمن عيوب الحوارات التلفازية أو المتلفزة أنها وبسبب محدودية المشاركين وطبعها الرسمي تخفي طبيعة “النكتة” أو الدعابة ويبدو الهزل فيها جدياً.

القول الفصل في موضوع الحلاوة الطحينية وصلني مفصلاً من الدكتور محمد الكنهل والذي يوضح بمهنية وبحث موسع وشامل حقيقة مهمة جداً مفادها أن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم التي تضاف للحلاوة الطحينية وكثير من أنواع الحلوى الأخرى بغرض إعطائها اللون الأبيض هي مادة تسمح بإضافتها هيئات غذائية عالمية وفي دول سبقتنا في مجال الحيطة مما هو ضار مثل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا واليابان كل بنسب متفاوتة حسب ما سيرد في التقرير المرفق، إلا أن مربط الفرس وسبب الزوبعة هو أن المواصفة الخليجية منعت إضافة هذه المادة تماماً في الحلاوة الطحينية فقط!! مما جعل أحد المصنعين الملتزمين بالمواصفة والذي لا يضيف هذه المادة إلى طحينيته يعترض على تواجدها في منتجات مصانع أخرى لم تكترث بالمواصفة “مفترضاً” أن سبب المنع كونها مسرطنة ويثير الزوبعة!!.

وقد أيد هذا التوجه موقف أحسبه إيجابياً لهيئة المواصفات والمقاييس التي أشارت إلى أنها نبهت لهذه المخالفة “مخالفة للمقاييس” منذ عدة أشهر لكن الجهات المعنية لم تتجاوب وهيئة المواصفات هنا سجلت موقفا ضد مخالفة وهذا من حقها.

الأسئلة التي تستحق الطرح ولم تجد إجابة بعد هي:-

1- هل منع ثاني أكسيد التيتانيوم في المواصفة الخليجية دلالة أننا في الخليج أحرص على صحة مواطنينا من الدول المتقدمة المذكورة آنفاً وهذا إن حدث فهو مفخرة، أم ان اجتماعات المواصفات الخليجية تبصم بالمنع دون مراجع ومستندات علمية والاعتماد على دراسات محلية وتجارب الآخرين؟!.

2- لو كان منع المادة في المواصفة الخليجية يستند على أساس علمي لضررها فلماذا لم تمنع في المنتجات الأخرى ولماذا الطحينية فقط؟! وهل السبب لأن المعترض أو مثير الموضوع تاجر طحينية؟! وهل تقر المواصفات بناءً على ما يرفع وهذا يؤيد احتمال (البصم فقط) وهذا خطير جداً.

3- التقرير الوارد من هيئة الغذاء والدواء السعودية لم يجد أي علاقة لتلك المادة بالسرطان أو أي منع دولي لها فكيف سيكون موقفنا مع منظمة التجارة العالمية عندما نمنعها دون سبب علمي أو أخلاقي أو ديني أو توافق مع دول أخرى وهل سوف يصنف ضمن التحايل وإليكم الآن ما ورد في التقرير الذي بعثه لي مشكوراً الدكتور محمد الكنهل الرئيس التنفيذي للهيئة السعودية للغذاء والدواء وينشر مفصلاً لأول مرة.

يشير التقرير إلى أنه تبين بعد الرجوع للدراسات العلمية والمواصفات المعتمدة لدى الجهات المعنية بسلامة الغذاء عالمياً ما يلي:

أولاً: الخصائص الطبيعية والكيميائية:

أولاً: مادة ثاني أكسيد التيتانيوم رمزها الكيميائي (TiO2) مادة ملونة غير عضوية شاهقة البياض، مقاومة للتغير اللوني، ولا تذوب في الماء أو الدهن كما أنها صعبة الذوبان جداً في الأحماض المركزة.

ثانياً: وصف المادة:

تعد مادة ثاني أكسيد التيتانيوم من مضافات الأغذية كمادة ملونة بيضاء (والتي تحمل الرقم الدولي 171) المعتمدة من قبل اللجنة المشتركة لمضافات الأغذية Joint FAO/WHO Expert Committee on (JECFA) Food additives وكذلك من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) Food and Drug Administration والإتحاد الأوروبي (EU)، وهي لا توجد في الطبيعة بشكلها النقي، ويجرى لخام المادة عدة عمليات تنقية بواسطة غاز الكلور فينتج مادة الروتايل (rutile) أو بعملية الكبرتة فينتج عنها مادة الاناتيز (anatase) وكلتاهما تستخدمان كمواد ملونة في عدة صناعات ومنها صناعة الأغذية.

ثالثاً: دراسات تقييم السمّية:

بينت دراسات تقييم السمية لمادة ثاني أكسيد التيتانيوم ما يلي:

1- مادة ثاني أكسيد التيتانيوم صعبة الذوبان جداً وعند تناولها مع الغذاء فإنها لا تمتص ولا تخزن بالجسم (JECFA. 1969).

2- عند تناول مادة ثاني أكسيد التيتانيوم مع الغذاء بمعدل 200ملجم/كجم من وزن الجسم فإن مسارها بالجسم يكون عبر القناة الهضمية دون امتصاص ولم توجد لها آثار بالعضلات أو بأنسجة الكلى أو بالكبد كما لم تظهر آثار منها بالبول أو بالدم (EFSA. 2004).

3- وفي دراسة (NCI.1979) عند تناول حيوانات التجارب لمادة ثاني أكسيد التيتانيوم مع الغذاء بمعدل 25000و 50000ملجم لكل كيلوجرام من وزن الجسم فلم يؤد ذلك إلى ظهور أورام سرطانية في تلك الحيوانات (EFSA. 2004).

ومن الجدير بالذكر أن أحجام حبيبات مسحوق المادة ضئيلة مما يساعد على انتشارها في جو المصانع التي تقوم بتنقيتها وتجهيزها في عبوات ولذلك فالخطر من وجودها (أو من وجود أي عوالق أخرى من المواد صلبة) في بيئة العمل، هو عند ارتفاع كمية العوالق الصلبة في الهواء مما يؤدي إلى استنشاقها بكميات كبيرة وبصفة متواصلة يومياً طوال ساعات العمل فإنها تتجمع في حويصلات الشعب الهوائية – ومع استمرار ذلك لفترات طويلة وفي هذا السياق فقد بينت الدراسات التي أجرتها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (International Agency for Research on Cancer (IARC)) أنها قد تكون سبباً في الإصابة بسرطان الرئة نتيجة تجمعها (كمادة صلبة) في الرئة وهذا ما بينته الدراسات التي بنيت عليها إرشادات إدارة الصحة والسلامة المهنية بالولايات المتحدة الأمريكية (OSHA.1996) – وحددت الحد الأعلى لوجودها في بيئة العمل. وقد بينت نفس الدراسات أن تناولها عن طريق الفم (كمادة مضافة للغذاء) ليس له تأثيرات صحية سلبية بالنسب المصرح بها.

رابعاً: وضع مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في المواصفات القياسية:

1- أصدرت هيئة دستور الأغذية The Codex Alimentarius of the FAO/WHO المواصفة العامة لمضافات الأغذية (مواصفة 192لعام – 1995والمحدثة عام CODEX GENERAL STANDARD FOR FOOD ADDITIVES CODEX STAN 192-1995 Rev. 7-2006 2006.بناءً على توصيات لجنة الخبراء المشتركة (منظمة الصحة العالمية ومنظمة الزراعة والأغذية) Joint FAO/WHO Expert Committee on (JECFA) Food additives وتنص المواصفة على السماح بإضافة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم بشكل عام للعديد من أنواع الأغذية ومنها الحلويات باختلاف أصنافها.

2- أكدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) Food and Drug Administration بالمواصفة رقم ( 21سي إف آر (21 CFR & 73.575) 57573والخاصة بالمواد الملونة المصرح بإضافتها للأغذية – على سلامة إضافة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم للأغذية حتى نسبة تصل إلى 1% بالوزن من الغذاء.

3- نصت مواصفة الاتحاد الأوروبي European Union رقم (إي سي 33لعام 2006) Commission Directive 2006/33/EC على أن استخدام مادة ثاني أكسيد التيتانيوم كمادة مضافة للأغذية لا يدعو للقلق على الصحة.

4- نصت المواصفات القياسية اليابانية للأغذية ومضافاتها لعام 2004م على السماح بإضافة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم كمادة ملونة للعديد من أصناف الأغذية ومنها الحلويات Specifications and Standars for foods. Food Additives.

5- نصت مواصفات الأغذية الاسترالية – النيوزلندية لعام 2006م على السماح بإضافتها للأغذية المصنعة دون تحديد النسبة وتركت لممارسات التصنيع الجيدة (Australia – New Zealand Food Standard Code. 2006).

6- حسب المواصفة الخليجية م ق خ 1998/23فإن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم برقم دولي 171بالاسم المرادف صبغة بيضاء “6” ونصت المواصفة على اعتبارها إحدى المواد الملونة الطبيعية المسموح باستخدامها في المواد الغذائية بصفة عامة.

7- نصت المواصفة القياسية الخليجية رقم (2002/1071) “الحلاوة الطحينية” المعدلة والتي تم اعتماد تعديلها من قبل وزراء التجارة والصناعة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي في تاريخ 24ربيع الآخر 1426ه الموافق 2يونيو 2005م على منع استخدام مادة ثاني أكسيد التيتانيوم وكانت قبل التعديل تسمح بإضافتها بما لا يزيد على 100جزء في المليون. مما سبق يتضح مأمونية مادة ثاني أكسيد التيتانيوم وليس هناك ما يشير إلى علاقتها بالسرطان عند تناولها عن طريق الفم بالنسب المستخدمة في الدراسات السمّية وبالتالي فإن ما أثير في وسائل الإعلام المحلية لا يتعدى كونه إثارة إعلامية ليس لها مستند علمي. أما ما أشير إليه من أن هنالك بعض المصانع التي تضيف هذه المادة بالرغم من أن المواصفات الخليجية تمنع استخدامها كمادة ملونة للحلاوة الطحينية، فإن ذلك يدخل ضمن الإخلال بالامتثال لنصوص المواصفات الإلزامية.

بقي الانتصار

هكذا هي طبيعة النفس البشرية كما خلقها البارئ سبحانه، أكثر ما يثيرها أن تهان، أو يسلب لها حق أو أن تفتقر للعدل، وهو أمر مؤكد فيما يخص الإنسان نفسه فتفاعله مؤكد وان كان يتفاوت من حيث السرعة والقوة على حسب ما رزق من نعمة الصبر والاحتساب .
فيما يخص اطلاع الإنسان على الإساءة لآخرين وتفاعله معها فهذا يتفاوت بشكل كبير، فهناك من يرى الناس كنفسه فيتفاعل مع الإساءة إليهم أو الإضرار بهم، وثمة سلبي أناني لا يعنيه إلا نفسه .

تلك لم تكن مقدمة إنشائية لطبيعة البشر، فغيري أعلم مني بهكذا موضوع، لكنها تأكيد على أننا يجب أن لا نهمل هموم الناس وأن نسارع بتفريجها بأسرع وقت ممكن وإنصافهم حتى مع أحب من نحب وأقرب من نقرب لأن الأهم هو أن نهيئ مجتمعاً صحيحاً نفسياً، تغلب عليه السعادة والاستقرار ليكون منتجاً .

القضايا الحقوقية بالغة التعقيد أو ممارسات الظلم قد تكون الأقل حدوثاً أو (الأندر) وتلك خطيرة وتستدعي الحل لتلافي وسوسة الشيطان على المظلوم فتزداد تعقيداً .

لكن الأخطر هو الأكثر حدوثاً، والأكثر شيوعاً، وإن كان الأقل حدة وهو ما يتعرض له شريحة كبيرة من الناس نتيجة تسلط مدير أو تعسف مسؤول أو التفريق بين الموظفين بالإغداق على غير مستحق لأنه قريب أو مداهن وترقيته وتدليله وظيفياً بينما يغبن مجموعة موظفين منتجين مخلصين لأنهم ليسوا من ذوي القربى أو الواسطة أو النفوذ .

عندما يتواجد مدير يفتقد لأبسط مقومات الإدارة والحكمة، أو مسؤول عن مصالح الناس يفتقد للإخلاص والرفق بالناس فإن هذا معناه أن كثيرين من الموظفين والمراجعين سيتعرضون للإحباط

لقد وصل مجتمعنا ولله الحمد وفي هذا العهد الزاهر إلى درجة رفيعة من التفاؤل والسعادة والإحساس بالاهتمام والدعم النفسي والمعنوي في كل أزماته، بدأ بخفض أسعار الوقود وزيادة الرواتب وميزانية الخير والمواقف المتعددة التي تجسد حنان وأبوية القيادة .

ويبقى أن نفعل الرقابة والتفاعل مع شكاوي الموظفين والمراجعين لتعم السعادة.

ماذا يريد الأطباء؟

تعد مخالفة أطباء المستشفيات الحكومية لنظام الخدمة المدنية بالعمل في المراكز الطبية الخاصة أشهر، وأوضح، وأطول حالات الخروج على النظم والقوانين، وأكثرها إضرارا بالناس وأكثرها إمعانا في تحدي الأنظمة وقرارات مجلس الوزراء والإيضاحات والتحذيرات اللاحقة بل والفتاوى والملاحقة.
ما يميز تلك المخالفات ويجعلها الأكثر، هو أنها تحدث من فئة صرف على تعليمها الكثير، ومن مهنة يفترض أن لا يمتهنها إلا شخص راق في تعاملاته وإنسانيته وأمانته وتقديره لخطورة الانشغال عن مرضاه وطلبته والمتدربين على يده، خصوصا إذا كان الانشغال مخالفاً للنظم والقيم و أخلاق المهنة، والآن وبعد صدور فتوى مفتي البلاد بعدم جواز هذا العمل فقد أضيف إلى ما ذكر أنها مخالفة للشرع، وكانت الفتوى قد صدرت نتيجة لانتشار وشيوع هذه الممارسات الخاطئة وتضرر العباد منها، وشكوى الجهات الحكومية من نتائجها الخطيرة، وجاء نشر الفتوى في الصحف ليقطع الطريق أمام كل عذر ولكن لا حياة لمن لا ضمير له.

يكفي عن كل ما ذكر أعلاه أن انشغال أطباء المستشفيات الحكومية بالعمل في المراكز الخاصة جعل الأخطاء الطبية تصل أرقاما كبيرة وتصبح سمة واضحة بعد أن كنا الرواد في مجال الطب، و أن متدرب وطالب الطب أصبح يفتقد للمرشد والموجه ويضطر للعمل منفردا على حساب المريض، فيزيد الأخطاء الطبية أخطاء والضحية المريض البريء، الذي لا حول ولا قوة له فيما يحدث، فإن كان ضحايا الأسهم مثلا لهم دور في وقوعهم في براثن الاستغلال، فإن ضحايا الأخطاء الطبية والإهمال الطبي الحاصل من الأطباء هم ضحايا أبرياء، مجبرون على الثقة وتسليم أنفسهم وحياتهم لمن لم يقدر ما قدمه له الوطن من تعليم مكلف ورواتب عالية ومزايا وبدلات سخية منها بدل تفرغ، تميز به عن غيره، وخالفه دون غيره، وطمع في المزيد.

هذه القضية، التي تصنف كأشهر مثال للمراوغة بناء على الحيثيات المذكورة آنفا، تخرج كل يوم بجديد من الاستنكار ولكنها تستمر، وجديدها اليوم طرفة مفادها أن المستشفيات الخاصة الكبرى تناشد وزارة الصحة وقف هذه الظاهرة، لأن المراكز الطبية الخاصة والتي تعتبر مجرد عيادات أصبحت تشغل الأطباء الحكوميين الذين يظهرون إعلاميا فتجذب (الزبون) عن تلك المستشفيات الكبيرة التي صرفت مبالغ على التعاقد مع أطباء متفرغين!!.

أمر محزن جدا أن يصبح المريض مجرد (زبون) يتنافس عليه المستثمرون، ويصبح الطبيب مجرد (عامل مخالف)، يتخاطفه المشغلون، ونضطر الى صحافة وفتوى وخطابات سرية من اجل وقف مخالفة صريحة في وضح النهار.

إن الخوف من انتقال الأطباء الحكوميين للقطاع الخاص لن يحدث لأنهم لا يثقون إلا في الوظيفة الحكومية، ويعتبرونها مصدر امن حتى للمخالف!!، أما التهديد بالنزوح للخارج فمجرد مناورة لأن قسيمة الجزاءات في الخارج لا ترحم كما يفعل الوطن، كما أن الزبون عدديا لا يقارن بهذه البلاد.

الحل لا يخرج عن عبارة قالها الطبيب يعقوب المزروع وكيل وزارة الصحة للطب العلاجي وهو مسؤول مخضرم شغل أكثر من منصب في الوزارة قال: من يرد القطاع الخاص فعليه أن يتفرغ له، ومن يختر العمل الحكومي فعليه الالتزام بأنظمته، ثم أردف قائلا (ما يحدث خيانة للأمانة).

(المشاطة)

المسئول في هذا الوطن المعطاء وفرت له اليوم كل السبل لأن يكون جميلا.
جميل في انجازاته للمؤسسة التي يرأسها، وليس لنفسه، جميل في عطائه لوظيفته منذ أول يوم يتولى مسئولياته أيا كان مستواها، جميل في تعامله مع المواطنين والمراجعين والمستفيدين من عمله الحالي وليس العمل الحلم، جميل في التخطيط والبناء لمنصبه الحالي لأنه أمانة منذ أول يوم حمل فيه الأمانة.

ما بالنا إذن لا نتزين إلا قبل ربيع الأول بأيام أو أسابيع أو حتى أشهر؟!

لماذا لا تكون كل سنوات عملنا ربيعا حقيقيا، وليس فقط ربيع التجمل ووضع أصناف الأصباغ غير الحقيقية لنخرج في أبهى صورة لا تعكس الوجه الحقيقي.

هذا الوطن بقادته المخلصين وأرضه المعطاء وبيئته الخصبة التي توفر كل أسباب البذل، من مميزات الممتازة وبدلاتها وإغداقها على المسئول، إلى منح الثقة والتشجيع والصبر، تهيئ كل الظروف والإمكانات المادية والمعنوية والنفسية للموظف لكي يكون جميلا في كل الأوقات والشهور، فلماذا لا يكون جميلاً فعلاً؟!

نحن لدينا، أو لدى بعضنا، طبع قديم بأن لا نتزين إلا في المناسبات، ولا نرتدي أجمل حللنا إلا قبلها بساعات.

حتى قبل زمن (الكوافيرات) وصالونات التجميل كان أول وآخر عهد العروس بالتزين هو ليلة الزفاف، فقد كانت (المشاطة) في قديم الزمان هي صالون عصرها، لكنها لا تمشط إلا شعر العروس ولذلك جاء المثل الشعبي ذو المدلولات القوية والمعبرة ألا وهو (مداحتها أمها والمشاطة)، أي أن من يمدح المخطوبة إما والدتها أو المشاطة أو هما معا فقد لا تكون بذات الجمال لكنها تصور كذلك.

نفس الشيء فإن الموظف إذا طمح أو طمع في ترقية أو منصب أفضل فإنه يسخر (مشاطة) إعلامية تزين صورته قبل موعد الزفاف، مع أن من حق هذا الوطن المعطاء علينا، ومن حق قادته علينا أن نكون في قمة جمالنا في كل الأوقات بأفعالنا، بذمتنا بوطنيتنا، بإخلاصنا وباحترامنا للمسئولية والوظيفة، وليس بطموحنا لأفضل منها دون عمل حقيقي يؤهلنا.

لنعمل للوطن ولتكن (مشاطتنا) أعمالنا وحسب، وبذلك فإنه لن يكون ثمة داع لحمى التزين والتسابق قرب خط النهاية التي نشاهدها الآن.

ملك الإصلاح

من صور الجمال الإعجازي الذي يميز لغتنا العربية أن الكلمة بنفس تهجئتها وطريقة كتابتها ونطقها قد تؤدي إلى أكثر من معنى، ومما يميز قائدنا الملك عبد الله بن عبد العزيز أن أفعاله شملت كل المعاني الجميلة للكلمة .
الإصلاح، كلمة يمكن أن تعني محاربة الفساد في الوطن وإصلاح حاله وتصحيح ما اعوج من مساراته.

والإصلاح أيضا كلمة قد تعني إزالة الخلاف بين طرفين وإصلاح ذات البين بين متنازعين وتحويلهما من افتراق إلى اتفاق.

عبد الله بن عبد العزيز أبى إلا أن يحمل هم أبناء شعبه وأبناء الأمة العربية والإسلامية ، ليكون الرجل الصالح في نواياه وفي أحاسيسه وفي أفعاله ويصبح الاسم الصالح لإتمام كل جملة تدخل فيها مفردة (الإصلاح) بكل معانيها ودلالاتها، وبذلك فإنني لا أجد حرجا لغويا من تسميته (ملك الإصلاح) لأن تعدد معاني الكلمة لا يفوق تعدد صفات وخصال الملك.

من خصال عبد الله بن عبد العزيز أنه فارس يعشق اعتلاء صهوة الفرس الجموح صعبة المراس مستحيلة (العسف)، فيعسفها.

احتواء خادم الحرمين الشريفين للمأزق الفلسطيني فروسية نادرة ، فالخلاف بين المجاهدين والمناضلين عندما يصل حد الاقتتال العلني وسيل الدماء ، ليس بذلك الخلاف الذي يسهل إعادته إلى اتفاق ، فهو يفوق في خلفياته وترسباته ، وآثاره ، ومنعته وشراسته الخلاف التقليدي الذي يحدث بين طرفين متعاديين لأسباب حدودية أو جغرافية وعادة ما تكون سطحية وبسيطة وقعت أصلا نتيجة رغبة للخلاف لدى الطرفين المتحاربين وبالتالي فإنها أكثر قابلية للتنازلات ويسهل حلها.

الخلاف بين حماس وفتح وصل ذروته ببطء وبعد نفاد كل سبل الإصلاح ولم يصل حد الاقتتال بين الإخوة المجاهدين إلا وقد بلغ حداً يستعصي على الإصلاح لكن فارس الإصلاح كان بإخلاصه ونيته الصادقة قادراً على عسف الفرس القموص .

إذا كان الشعب الفلسطيني بل شعوب الأمة العربية والإسلامية قد نعمت بإحدى معاني كلمة الإصلاح لدى خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز في شكل اتفاق سيرهب الأعداء ، فإن شعب المملكة قد نعم بكل معاني الكلمة لديه يحفظه الله ، فنحن نسعد يوميا بخطوات إصلاح داخل الوطن وسعدنا بنجاح إصلاح ذات البين في الوطن الكبير والأمة العظيمة وأصبح مصدر فخر لنا.

ستبقى يا وطني مملكة الحكمة ، مملكة الإنسانية ، تحت قيادة ملك الإصلاح ، ملك الإنسانية.

الجذب الإعلامي المعاكس

ندوة تأثير القنوات الفضائية على الثقافة العربية أكدت على أننا في الوطن العربي ندرك جيداً ما يحيط بنا من خطر أو أخطار البث الفضائي، ولا تنقصنا مطلقاً القدرة على التعبير عن قلقنا من هذا الخطر ولا نفتقر للمفكرين في هذا المجال ولا لاقتراح الحلول لما نعلمه من خطر قادم يفوق كثيرا ما نعايشه اليوم، لأنه خطر يتزايد ليس كل يوم ولكن كل دقيقة .
ما ينقصنا حقا هو قدرة المفكرين على إقناع أصحاب المصالح وأصحاب القرار أن الخطر على الأمة يفوق كثيرا المكاسب الشخصية، ولا يقارن بها على الإطلاق.

الشيء الآخر أو السبيل الآخر غير الإقناع هو أن تكون لدى الأمة العربية الجدية والصرامة في أن تجبر ملاك القنوات ومنافذها على تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية، تماما كما ذكر أحد المتحدثين في الندوة وأعتقد أنه الدكتور عدلي رضا (ان امتلاك القناة الفضائية لا يعطي مالكها الحق في أن يفعل ما يشاء) .

الإعلامية والمذيعة خديجة بن قنة ترى أن حرية المشاهد ورقابة المشاهد على نفسه ومن هم تحت وصايته هي المحك فالمشاهد هو من يركب الصحن الفضائي وملحقاته وجهاز الاستقبال وهو من يحرك جهاز التحكم عن بعد (الريموت كنترول) فهو المسئول عما يختار لنفسه وأسرته من القنوات، أما الأستاذ حمدي قنديل مقدم برنامج (قلم رصاص) في قناة دبي الفضائية فقد تحدث عن إيجابيات مرحلة الفضائيات مقارنة بما قبلها، لكنه أبدى استغرابه وامتعاضه من انتشار قنوات الميوعة والخلاعة والمجون التي تطلق بدعوى أن (الجمهور عايز كده) مع أن وادي الغناء والرقص والطرب هو وادي مختلف عن الوادي الذي نعيش فيه كعرب !! وتساءل عن أي نوع من (الشيزوفرينيا) (فصام الشخصية) الذي يجسده التناقض بين الإعلام والأمة وبين وادي الانبساط والفرفشة والواقع المناقض الذي نعيش فيه؟.

تساؤل الأستاذ حمدي قنديل منطقي جدا ويبرئ ساحة المشاهد لأن بعض قنوات الفضاء تفترض واقعاً أو وادياً غير الوادي الذي نعيش فيه .

أما أنا فأعتقد في رأيي المتواضع أننا وفي ظل استحالة فرض آلية عربية تغلب المصلحة العامة للأمة على أهواء قنوات الفضاء، ليس أمامنا إلا نهج أسلوب الجذب المعاكس للمشاهد عن طريق إشباع رغباته الواقعية وجذبه أو إشغاله عن قنواتهم بدعم القنوات المهنية سليمة المقاصد والهادفة البناءة في أي مجال كان.

القنوات الرياضية لو مارست مهنية عالية كفيلة بجذب أكثر من مجرد فئة الشباب ولديها هامش أوسع للتفاعل وقضايا ذات جذب حميد وممتع.

القضايا الاجتماعية والاقتصادية وبرامج النقد والتحاور وسيلة جذب أخرى لا تقل متعة ومتابعة إذا اتسمت بالمهنية وهامش أوسع من الشفافية والإثارة المحمودة التي تنعكس على المجتمع العربي بإيجابيات عدة تجمع بين الإصلاح والجذب والإشغال عن توافه الأمور.

فتح باب التعبير والمطالبة والتفاعل بين القنوات الهادفة ومشاهديها سيقطع الطريق أمام قنوات الرسائل النصية (sms) الهابطة لأن الشاب والفتاة سيتحول إلى التفاعل مع مجتمعه بدلا من الاختباء خلف اسم مستعار ليملأ فراغه بمداعبة مفاتيح جهاز الهاتف النقال لإرسال مشاعر نحو مجهول على الطرف الآخر للقناة.

التقدير بالعقوبة القاسية

جهد كبير ويستحق الشكر ذلك الذي تقوم به قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض في المتابعة الدقيقة والمتأنية لكل فعل إجرامي يهدد أمن السكان أو أخلاقيات هذا البلد الأمين، والذي أصبحت نتائجه تلمس بشكل يومي أو أكثر من مرة في اليوم الواحد في شكل عمليات قبض بالجرم المشهود وبكامل الأدلة والشهود وهذا النوع من الإنجاز الأمني هو من أصعب وأدق الإنجازات وأكثرها حاجة للجهد والصبر والحكمة والمتابعة الدقيقة والتحري الذكي .
التحري الدقيق والصبور الذي يؤدي في النهاية إلى الإيقاع بالمجرم وهو يمارس الجرم المشهود، لا تتوقف إيجابياته عند حد تسهيل إثبات الجريمة وسهولة إصدار الحكم بل ان له دوراً كبيراً وفاعلاً في الردع وهو الأهم .

خذ على سبيل المثال ذلك العامل البنجلاديشي الذي نشرت هذه الجريدة خبر القبض عليه في عدد الأربعاء 15محرم 1428ه رغم أنه كان يتنقل من حي إلى آخر ومن سكن إلى آخر وتحصن بعدد من العيون التي تخدمه في المراقبة وتشعره بأي مراقبة، إلا أن قوة المهمات الخاصة بشرطة منطقة الرياض أطاحت به وهو يمارس إدارة وكر للدعارة يستدرج فيه الخادمات الهاربات ليمارسن الدعارة مع عمالة مختلفة مقابل مبلغ مالي يتراوح بين 150- 300ريال مما جعل دخله الشهري يصل إلى ثلاثين ألف ريال، وهو ما يزيد من احتمالية تحصنه وحيطته باستخدام عدد أكبر من المستفيدين والعيون وأدوات الإنذار البشرية، سواء تلك الحريصة على المال أو على المتعة المحرمة، لأن سقوطه يعد خسارة كبيرة مالياً للعيون المراقبة وجنسياً للزبائن وهذا أحد أشد أشكال المجرمين منعة وصعوبة لكنه وقع ووقوعه يعني للعديد من المجرمين أو المقبلين على ممارسة عمل مشابه رادعاً قوياً وسبباً في التوقف أو النزوح عن البلد غير مأسوف عليهم.

ذلك كان مثالاً فقط لأنه يحمل كل أسباب وعناصر ومغريات الاختباء لكنه وقع فأصبح أوضح أمثلة الردع، إلا أن الرادع في نظري لن يصبح كاملاً وقوياً ما لم تكن العقوبة صفعة حياة وليست مجرد صفعة عمر، لأن التسفير ليس عقوبة، والسجن لأقل من سبع سنوات لا يعتبر رادعاً كافياً، وطالما كررت أن لدينا تجربة فريدة وناجحة عالمياً تتمثل في عقوبات التهريب والترويج للمخدرات وكيف أصبحت سبب ردع حقيقي لأن المجرم هنا يراهن على حياته وليس على جزء من عمره أو مجرد عودته سالماً غانماً لبلاده.

إن جهود رجال الأمن تستحق الإشادة والتثمين، وأحد طرق تثمينها عقوبة رادعة للمجرم تقطع دابر شره .

الرجل المناسب

تابعت ودققت كثيراً فلم أجد أخطر على المنشأة والموظفين والمراجعين من مدير ضعيف، ولا على الوطن أجمع من غياب النظم والإجراءات المفصلة لكل صغيرة وكبيرة تعنى بشؤون الناس وحياتهم ومواقع عملهم ومراجعاتهم .
الإدارة سفينة ضخمة، والسفينة لا يمكن أن تسير بأمان دون ربان ماهر، وللقبطان الماهر خصائص ومميزات إدارية لا يعوض عنها شيء آخر أو تميز آخر والإدارة تخصص وملكة لا يغني عنها تخصص آخر أو ملكات مختلفة .

النظم والإجراءات الدقيقة والمفصلة والمفعلة والمطبقة بدقة ودون تمييز أو استثناء، هي الآلية أو “الميكانيكية” التي تجعل ركاب السفينة وبحارتها وحتى قبطانها يعملون ويتعاملون وفق منهجية واضحة ودقيقة تحقق إنسياب الحركة وتناغم التعامل دون فوضى ومشاحنات واحتقان .

حسناً، إذا تخيلنا أن الإدارات الحكومية لدينا تشكل عدداً من السفن التي تبحر نحو أهدافها يقود كلاً منها قبطان، فإن من السهل عليك أن تلحظ تلك التي تعاني من سوء القيادة والتخبط، والأخرى التي تمخر عباب البحر بجرأة وتمكن، ولذا فإن من غير المنصف أن نحمل البحر أو الرياح مسؤولية الإخفاق، فالإخفاق لم يحدث لأن الرياح جرت بما لا يشتهي “السَفن” بل لأن السَفن “الربان” نفسه له شهوته الخاصة في مسار الرياح والتي لا تتناسب مع مصلحة السفينة، أو إنه حمل مسؤولية اكبر من قدراته الإدارية ففقد السيطرة تماماً .

الوطن يدفع ثمن منح الثقة في قبطان غير مؤهل، في شكل احتقان للموظفين والمراجعين وتذمر على صفحات الصحف ومواقع الإنترنت وشكاوي للمسؤولين وديوان المظالم وتراجع في أداء وخدمات الجهة الحكومية وقلق اجتماعي وكان بالإمكان تلافي كل ذلك لو أن الرجل المناسب جلس في المكان المناسب .

لوحة حماية الأسرة

موقف وزارة الشئون الاجتماعية من مفهوم الحماية الأسرية لا يبشر بالحماس المطلوب ولا حتى القناعة بضرورة تطبيق هذا المفهوم، أما موقف الوزارة من التطبيق نفسه فإن أبلغ وصف له يتجسد في المثل الشعبي “مغصوب ولا قليل عرقه” وهو يصف من يؤدي العمل بالحد الأدنى من الجهد والإخلاص لأنه وببساطة إما مدفوع لهذا العمل مرغماً أو أن الأجر زهيد .
أمثلة العنف الأسري تجاه الأطفال والزوجات والمراهقات والمراهقين، بدأت تتحدث عن نفسها، ليس في المستشفيات والشوارع ودور الإيواء وحسب بل حتى في وسائل الإعلام من صحافة مقروءة وتلفاز وإذاعة، ووزارة الشئون الاجتماعية لا تزال تتعامل مع الموضوع دون منهجية ولا نظم وسياسات ولا حتى تفعيل لإدارة الحماية التي أُنشئت منذ عامين ولا تزال مجرد لوحة في شارع الشأن الاجتماعي وكأن الأسرة ليست هي لبنة المجتمع وكأن الشئون الاجتماعية لا تعدو كونها مرتب الضمان الاجتماعي الذي لا يمثل الوزارة إلا هو !!.

ماذا تريد وزارة الشئون الاجتماعية أكثر من أن عبء العمل تم فصله عنها في وزارة مستقلة عملت وأنتجت وحركت المجتمع، ووزارة الشئون الاجتماعية لا تزال تعتبر نفسها وزارة الضمان الاجتماعي وبشهادة حق وإنصاف فإنها طورت آليات صرف الضمان، لكنها لم تطور بعد آليات تحديد الاحتياج إليه وتصنيف المستفيدين بطريقة علمية، لماذا لأنها تعاني من قصور العمل الميداني المتمثل في إعطاء المتخصص “الأخصائي الاجتماعي” فرصته في الإبداع وتطبيق مجال عمله والتقرير فيه .

إدارة حماية الأسرة أُنشئت منذ سنتين ولا تزال مجرد لوحة، دون نظم ولا إجراءات ولا تحديد أدوار، ولا تدريب موظفين وأخصائيين اجتماعيين، بل دون تحديد تصنيف لما يدخل ضمن مجال عمل الإدارة من عدمه، وما هي الحالات التي تحتاج إيواء وتلك التي يكتفي فيها بالمتابعة .

الطامة الكبرى في هذا الخصوص أيضاً أن بوابات استقبال حالات العنف وهي المستشفيات متروكة وكل فيها يغني على ليلاه فمنهم من يوكل شأنا اجتماعيا بحتا إلى طبيبة أو طبيب لأنه لا يثق إلا في ستر الطبيب، ومنهم من يعطي القوس لباريها (قسم الخدمة الاجتماعية) ولكن دون دعم أو صلاحيات .

ويبقى أمر العنف الأسري مجرد اجتهادات فردية ولعل هذا يفسر ما نشرته الصحف في خبر ارتفاع عدد المنتحرين إلى أكثر من مائة شخص خلال سنة ويبرىء ساحة الأسهم التي جعلناها شماعة كل تدهور نفسي ومالي.

الوزارة بالجوال

جميل أن تصنع التقنية لنا صديقا، ووسيلة إلى جانب الهدف الأساسي من الجهاز وهو الاتصال.
جهاز الهاتف النقال أو الجوال أو المتحرك أحدث نقلة في حياة المجتمعات، كل المجتمعات، وكل مجتمع أشبع فيه الجوال ما ينقصه، إلى جانب دوره الأساسي كوسيلة اتصال.

في مجتمعنا أشبع الجوال رغبات كثيرة، وسد نقصا كبيرا، بل فرض حدوث أشياء لم تكن لتحدث بسرعة بدونه، ولعل أبرزها النواحي الإعلامية، فانتشار لقطات النقد عبر البلوتوث لبعض الأخطاء والممارسات فرض أولا تصحيحها خوفا من صحافة البلوتوث المصورة، وثانيا أفسح مجالا واسعا أمام الصحف للإفصاح والحديث حول حقيقة أمر ما، لأنه أشيع بواسطة تقنية البلوتوث، ولو لم ينشر في الصحافة ويوضح فإن الجوال سيتولى أمره، وهذا ساعد الصحف على القيام بدورها بدرجة أعلى من الشفافية.

وكأي وسيلة إعلامية فإن للجوال في شقه الإعلامي أو لقطات البلوتوث، ورسائل الوسائط، والرسائل النصية جوانب سلبية يصعب تفاديها، لكنها لا تحسب ضد التقنية بقدر ما تحسب ضد مستخدم التقنية، ومن ذلك اللقطات المخلة بالأدب والشائعات وتسخير الشق الإعلامي من الجوال لخدمة مآرب شخصية، مثلما يحدث حاليا من بث رسائل شائعات حول التشكيل الوزاري، لم تقف عند حد تسمية شخص أو اثنين أو رصد توقعات، بل ذهبت، إمعانا في الإيهام، إلى تحديد قائمة كاملة.

هذه الشائعات (الجوالية) لا تخرج مصادرها عن واحد من ثلاثة: إما راغب في منصب فيعلن عن نفسه، عسى أن يصدق نفسه أو يصدقه أحد، أو مدمن شائعات يعاني من فراغ ويسعد بأن تنتشر شائعاته بين الناس أو هاو للتوقعات والمراهنات لا يعرف اليأس رغم فشله عدة مرات.

المؤكد أننا في بلد أكثر رزانة وحكمة من أن تلعب الشائعات والرغبات دورا في قراره، وهنا لا بد من الاستشهاد بما ذكره الدكتور غازي القصيبي في كتابه (حياة في الإدارة) حول هذا الموضوع، فهو يثبت زيف الشائعات وبراءة الوطن من مصادرها.

يقول الدكتور غازي القصيبي بعد أن وصف لحظة تكليفه بوزارة الصحة يقول: (في هذه الأثناء، عطلة نهاية الأسبوع، كان أكثر من مواطن يتلقى التهنئة بعد أن سمع من (مصادر مطلعة) أنه سوف يكون وزير الصحة الجديد!. انتهى ص 230(حياة في الإدارة) الطبعة الرابعة.