شوكة الشرطي

كنت أراجع إدارة الجوازات عندما سمعت ورأيت شاباً يوجه سيلاً من الشتائم لأحد الموظفين العسكريين دون أن يرد عليه بغير كلمة «روح» كنت أعلم أن أي خلاف إداري أو غيره لا يمكن أن يبرر تلك الألفاظ وزاد عجبي حينما علمت أن السبب لكل هذه الجرأة غير المؤدبة لا يعدو رغبة في الحصول على عدد أكبر من الاستمارات وأرقام مبكرة لحجز دور غير مستحق، أي أن الشاتم معقب أناني!!

عدت بالذاكرة إلى زمن مراهقتنا عندما كنا نخاف (بل نحترم) بدلة العسكري حتى لو كانت معلقة لدى «الغسال» رغم أننا ولله الحمد وبفضله ومنته لم نشهد حكم نظام عسكري أو حالات طوارئ لكننا تعلمنا أن العسكري يفرض النظام وعلينا احترامه، وتذكرت أيضاً أحد أبناء «حارتنا» عندما التحق بالعسكرية مستجداً وأصبح يلبس البدلة ويحذرنا أن قطع كل (زرار) يكلفك ستة أشهر سجن وكانت البدلة تحمل ما يعادل 72 شهراً في السجن من الأزرار.

كنا ونحن نتشاجر معه حريصين على أن تتوجه اللكمة لتسقط سناً على أن تسقط (زراراً).

توجهت بالسؤال إلى عدد من الضباط وضباط الصف في أجهزة مختلفة حول أسباب جرأة الشباب على العسكري هذا اليوم أكثر من ذي قبل فأجمعوا على أن إدانة ومعاقبة مواطن أو مقيم اعتدى عليهم تحتاج إلى عدة أشهر من المراجعة في المحاكم وإحضار الشهود ومرحلة شاقة تفرض عليك أن تترك من أساء إليك وتشكو حزنك وبثك إلى الله.

أنا كمواطن مدني شغوف بحقوق المجتمع المدني وحفظ الحقوق والاحترام للجميع وبنظرة واقعية لما تفرضه المصلحة الوطنية والمصلحة العامة، لو خيرت بين الزمن الماضي وهذا الزمن فسوف اختار الوسط ولو لم أمنح إلا أحد الخيارين فإنني بلا تردد سوف اختار الزمن الذي مضى لأن قوة رجل الأمن هي حماية للصالح من المجتمع فتعرضك لسارق أو معتد (وهم كثر هذه الأيام) أمر قد تجبر عليه في أي و قت ولا خيار لك في تلافيه ولا منقذ لك منه إلا رجل أمن جريء حر، أما الدخول في شجار مع رجل أمن فهو أمر يمكن لك أن تتلافاه بضبط النفس وأخذ حقك بالطرق النظامية ولو طالت.

أنا ممن يرى بأن تقوية شوكة رجال الأمن ورجال فرض النظام أمر مطلوب، خاصة في ظل تزايد الأعمال التي تتسم بالجرأة على النظام في جميع الأماكن وعلى جميع الأصعدة بدءا بالشارع وانتهاء بقاعات الحوارات الثقافية التي يفترض أن تدرس النظام.

راجعوا إن شئتم حادثة مباراة الرائد والجبلين التي اشتهرت وستجدون أن الجميع يتذمرون من دفع أو شد حكم اللقاء لكن اللقطات كانت حافلة بدفع وشد رجال الأمن ورفع اليد في وجوههم و لم ينتبه لذلك أحد..وهذا غير مقبول.

إدارة «التينيجرز»

يشكل المراهقون في المرحلة السنية بين 13 إلى 17 سنة مشكلة كبرى لكثير من الدول وعلى وجه الخصوص في الغرب حيث تسبب انفعالاتهم و«طفرتهم» خطراً على الآخرين، فهم قبل الثامنة عشرة يشعرون بأنهم مقيدون ولم يصلوا بعد إلى سن الحرية الكاملة فيحاولون أن يتمردوا على هذا الحاجز بسلوكيات غريبة يحاولون من خلالها إثبات رجولتهم أو أنوثتهم قبل أوانها !!، وفي أمريكا مثلاً يسمونهم «تينيجرز» لأن أعمارهم تحوم في خانة العشرة ولم يبلغوا العشرين بعد ويحسبون لهم ألف حساب .

نحن ولله الحمد لا نعاني من هذه المشاكل كثيراً لأننا وبفضل من الله تمتد لدينا فترة الانضباط طويلاً حتى النهاية، فلا يعني البلوغ بالنسبة لنا غير التكليف ومزيد من الانضباط وإن كان من لا ينعم بتربية حسنة فإنه يحصل في العاشرة من العمر على ما يحصل عليه من هو في الأربعين، أي يمكن له أن يشتري الدخان والشيشة ومشتقاتهما دون نظام يمنع وهذا عيب في حد ذاته .

خلاف ذلك فإن معاناتنا الوحيدة مع مَن هم في ذلك السن 13 إلى 17 سنة تكمن في مقاسات الملابس وتطلق عليه السيدات وباعة الملابس (مقاس محير) لأنه يحيرهم كثيراً فلا هم أطفال يصلح لهم لباس الطفل ولا كبار تصلح لهم ملابس الكبار .

المشكلة الكبرى لدينا هي في الأعمار الإدارية لأن المراهقة الإدارية لا تعترف بعدد السنين وإنما بالعمر الإداري «أي كم هي خبرتك الإدارية؟! وكيف هي عقليتك الإدارية ؟!».

إذا أعطيت المسؤولية لشخص في الخمسينيات لكن خبرته الإدارية أقل من 17 سنة فنحن هنا نتحدث عن «تينيجرز إداري»، وهذا يعني بالتأكيد أن الوظيفة ستعاني من مراهقة إدارية وقرارات عشوائية وانفعالية ناتجة عن «طفرة» الحصول على المنصب قبل الأوان أو استعجال المسؤوليات .

الإدارة أيضاً فيها سن طفولة وسن بلوغ وفيها السن المحيرة التي تجعلك في حيرة من أمر ذلك المدير هل هو جبان أم شجاع ؟! هل هو رزين أم متهور ؟! هل هو أمين ومنصف أم مراوغ متحيز ؟!.

المعايشة الإدارية فقط هي التي تجعلك تدرك الفرق وهي التي تقنعك بأن الإدارة الوسطى يمكن أن تضع فيها مراهقاً إدارياً ينعم بالكثير من الطاقة والقليل من حسن التصرف أما القائد الإداري فلا بد أن يكون بالغاً بل ومسناً فأنت لا تريده أن يتحرك بقدر ما تطلب منه أن يحرك إدارته ويديرها بحكمة وخبرة عشرات السنين، لأن سن البلوغ الإداري تقاس بعدد سنوات الخبرة الإدارية لا العمرية ولا المهنية .

درس أبوي لهيئة السوق

قبل ثلاثة أشهر كنت أعد العدة وأجمع أدواتي للثناء على أسلوب هيئة سوق المال السعودية في توعية المساهمين والمستثمرين في سوق الأسهم عبر معظم القنوات الفضائية ومخاطبتهم برسائل قصيرة ومعبرة تحذرهم من المخاطرة دون دراسة ومن الاعتماد على الشائعات .
وما هي إلا أشهر وإذا بالهيئة تتخذ قرارات مفاجئة وتنتهج أسلوب المباغتة المضرة بصغار المساهمين مثل تحديد نسبة التذبذب بخمسة في المائة وغيره من القرارات التي صدرت بين عشية وضحاها والتي ساعدت على انهيار السوق.
وجاء درس الأبوة الحانية ، الدرس الملكي الحكيم الذي يجب أن يستفيد منه كل مسؤول في مسؤوليته وكل راع في رعيته وكل حاكم في شعبه .
قلبُ عبدالله بن عبدالعزيز لا ينبض بغير الإنسانية وقد نبض بحلول تجمع بين جلب المنافع ودرء المخاطر ، فكانت قراراته تشع حكمة وحناناً واستطاع القلب الكبير أن يحرك قلوباً توقفت واليد الكريمة أن تكفكف دمعاً ذرف من عزيز فأعاد للشارع السعودي بهجته .
أتمعن في موقع جريدة «الرياض» على الإنترنت فأجد 83 تعليقاً حتى ساعة كتابة هذه الزاوية على خبر توجيهاته يحفظه الله وهو أكبر تجاوب عبر الشبكة العنكبوتية شهدته في حياتي وجميعها تشع حباً وامتناناً وولاء .
إنه درس في الحكمة والعطف والإنسانية يجب أن نستوعبه جميعاً كل في مجال عمله وحياته الأسرية والاجتماعية .

يا حمام بالانفلونزا ينوح!!

عندما سقط نسر نافق في الفناء الخلفي لمنزل الرئيس المقدوني برانكو كوفينكوفسكي أجبر الرئيس على البقاء في منزله خوفاً من أن يكون مصاباً بأنفلونزا الطيور وتم اتخاذ كل الاجراءات الاحتياطية وتطهير المنطقة وبقي الرئيس قيد الإقامة الجبرية أكثر من ثلاث ساعات لابد أنها كانت حافلة بالمواعيد المهمة.
كل ذلك حدث رغم أن مقدونيا لم تسجل أي حالة من وجود سلالة (اتش 5 إن 1) المميتة من فيروس انفلونزا الطيور.
الاحتياطات بنيت على أساس أن اليونان التي تقع على الحدود مع مقدونيا سجلت وجود الفيروس.
عندما ينتشر وباء قاتل أي وباء حتى لو كان الناقل له هم البشر فإن الاحتراز يجب أن لا يقف عند حد ويكون حتى الهلع والخوف السكاني أمراً طبيعياً واستجابة متوقعة.
وإذا كان الوباء ينتشر عن طريق أجسام طائرة كالطيور تنتقل «بدون حدود» وبدون جواز سفر ولا حجر صحي وتعدي أي زميل طائر آخر من أي نوع فإن الاحتراز يفترض أن يصل اللون الأحمر بناءً على التقليد الأمريكي (أمريكا تموت في الشكليات وتموت بها).
الهلع السكاني هنا أمر متوقع وبشكل كبير وإذا كان الأمر كذلك فيفترض أن تكون الجهات المعنية جاهزة للتجاوب مع أي بلاغ عن نفوق طائر، بل تجهز عدتها لاستقبال أي بلاغ عن طير هوى في أحد السطوح، وأهم هذه العدة الخاصة باستقبال البلاغات خط ساخن لوزارة الزراعة وآخر لوزارة الصحة أو واحد لهما معاً بدلاً من خط النفي البارد لكل من وزارة الصحة ووزارة الزراعة بعدم احتمالية انتقال الوباء لنا وكأننا محاطون بشبكة تمنع طيور العالم من العبور إلينا.
الحمام الذي تكاثر منذ عدة سنوات كان نفوقه أمراً طبيعياً إما بفعل العطش في السطوح أو بفعل صفعة خطافية من قط أقشر أو «شطفة» «رفرف» سيارة تجعله «لا يرفرف» أما اليوم فإن الوضع قد اختلف وثمة سبب مخيف محتمل ولا يفترض أن يمر نفوقه اليوم مرور الكرام ويجب أن نبلغ عنه إذا كانت لدينا النية أن نحتاط مثل بقية العالم المتقدم.
إذا وجدت ربة منزل أن الحمام «الذي كان على الغابة ينوح» قد فرش جناحيه في حوش المنزل أو ممراته أو سطحه فبمن تتصل؟ ومن تبلغ؟ ومن يطمئنها انها لن تفرش ذراعيها بجانبه؟ ولماذا لا يكون هناك خط ساخن بل خطوط ساخنة للتبليغ عن هذه الحالات؟!
أرجو أن لا يقول أحدهم إن الأمر صعب لأن الاتصالات تمنح الخطوط بوفرة والباحثون عن العمل متوفرون والأمر غاية في الأهمية وهو دون أدنى شك أهم من الخطوط الساخنة للعلاقات العامة الخاصة بنشر تحركات المسؤول وأهم من خطوط الاتصال بقنوات الفضاء لطلب أغنية «حمام جانا مسيان»!!
الذي ينقصنا ليس «خطاً» بل «حظ» في موظف جاد وطني.. لاحظوا أنها نقطة تحركت من «الخاء» إلى «الطاء» فغيرت في أولوياتنا تلك الأولويات العجيبة التي يرسمها «الهوى» فأعاننا الله إذا الطائر المحلق هوى.

العروس ومسيار وزارة الصحة

منذ حوالي عشرة أشهر وتحديداً في 12 و 15 مايو 2005م كتبت زاويتين من «بصوت القلم» في هذه الجريدة أحذر من «الآنسة ناموسة» الناقل الرسمي لجميع ما عرف وما لم يعرف من الأوبئة التي تنتقل من مريض إلى سليم مثل الملاريا القديمة الجديدة أو بالنقل الجماعي لمجموعة من الفيروسات ونشر عدد من الأمراض الفيروسية .
واستغربت توقف رش البعوض في مدننا الرئيسة وأن البعوض بات يدمي مقلة الأسد، ونحن أسد في إنجازاتنا الطبية وأسد في كوادرنا المتخصصة المتابعة للدراسات والإحساس بدرجة الخطورة وأسد في جمال مباني البلديات والحضارة الأسمنتية، لكننا رغم كل هذا الكم من التقدم عاجزون عن قتل بعوضة .
ما حذرت منه وقع وهاهي الآنسة ناموسة تهتك صحة جدة وما حولها، و«تنشر» حمى الضنك، ومسؤولو وزارة الصحة منشغلون «بنشر» أخبارهم الخاصة وردودهم اليائسة.
تقول جريدة «الحياة» إن وزارة الصحة وأمانة محافظة جدة اتفقتا أخيراً بعد أن زالت الخلافات بينهما حول المسؤولية عن حمى الضنك وبدأتا جهداً مشتركاً لإعداد حملة «ضخمة» لمكافحة المرض وتوعية الجمهور بخطورته .
قلتها أكثر من مرة وكتبتها مراراً أن بعض وزاراتنا تتهرب من الجهود المشتركة والأنشطة متعددة الأطراف مع أنها الأسلوب الصحيح الفاعل، وهذا التهرب سببه أن كل وزارة تبحث عن الضوء المنفرد والمردود الإعلامي ووزارة الصحة واحدة من أشهر الأمثلة.
لم تتفق الصحة وأمانة جدة على جهد مشترك إلا بعد أن زالت الخلافات حول مسؤولية مشتركة (نفس الشيء حدث مع وزارة الزراعة إبان أزمة حمى الوادي المتصدع).
لا أدري لماذا «المسؤول» لدينا شغوف بنفي المسؤولية أكثر من شغفه بحل المشكلة «ليست مسؤوليتنا، خارج صلاحيات الوزارة، لا علاقة لنا بما يحدث» كل عبارات النفي تلك تأتي عند حدوث مشكلة، أما إذا حضر «الفلاش» فإن الأمر ينعكس تماماً !!.
الصحة مسؤولة وبدرجة وكالة وزارة مساعدة عن الوقاية من الأمراض «طب وقائي» ويفترض ولا أجزم أن هذه الوكالة تدرك أن البعوض إذا انتشر فإن الأمراض تنتشر، والبعوض من أخلاقياته أنه لا يميز بين مدير ووكيل أو حتى وزير ومراجع ومواطن عادي، فالآنسة ناموسة تقبل أي جلد وجلدة فهل كانت وزارة الصحة تجهل تكاثر البعوض أم أنها تجهل أضراره أم أن وكالة الطب الوقائي تحتاج لوقاية؟!
لماذا لم تبدأ تلك الحملة المشتركة لمكافحة البعوض إلا بعد أن انتشر المرض؟! وكم مضى من الأشهر التي استغلتها الآنسة ناموسة في التكاثر إبان وجود خلاف بين الصحة وأمانة جدة على «من المسؤول»؟!.
تزوجت الآنسة وأنجبت وقتلت ونشرت يرقاتها في مدن رئيسة وليست هجراً نائية ووزارة الصحة وأمانة جدة تحتفلان باتفاق على إزالة الخلاف في عرس أشبه بالمسيار لابد له أن ينتهي، لتبدأ الصحة خلافاً جديداً واتفاقاً جديداً ومسياراً جديداً مع أمانة مدينة أخرى وأحفاد الآنسة ناموسة يحتفلون.
البعوض يعج في الرياض وغيرها فهل ننتظر نقله لمرض جديد أو نفس المرض حتى نتحرك؟!.
صحيح أن ردم المستنقعات ورشها ورش البعوض مسؤولية البلديات وأهملت مؤخراً في القيام به، لكن الأمراض الناجمة ومضاعفاتها تعالجها وزارة الصحة فيفترض أن تكون الأحرص على منع المسببات قبل حدوثها وأن تكون الحملة «الضخمة» قبل أن تقع الفأس في الرأس.

ابقيق إعلان نهاية

ارتبط حرق النفط ارتباطاً وثيقاً بالهزيمة أو الشعور بحلول النهاية، ولعل أحدث أمثلة هذا العصر إحراق صدام حسين لآبار النفط الكويتية معلناً عن نهاية مغامرته بغزو الكويت بهزيمة ساحقة بل أم الهزائم عام 1991م.
وحتى في بلاده التي حكمها ما يزيد عن ثلاثين سنة نعم خلالها هو وعائلته وأعوانه بعوائد النفط فقد شرع في مكافئته بالحرق قبل دخوله حفرة الهزيمة!! عام 2003م.

وعلى مر التاريخ ارتبط حرق الزرع وإهلاك الحرث والنسل بحلول الهزيمة الساحقة، فعندما تقهقر الألمان من نورماندي عام 1944م أعلنوا هزيمتهم بحرق النفط والأراضي الزراعية (سياسة الأرض المحروقة).

المحاولة اليائسة بحرق معامل مصفاة النفط في ابقيق إعلان صريح وواضح وموثق تاريخياً لهزيمة الإرهاب وانتهاء آماله بحالة يأس وانكسار وفشل لكل الخطط والمحاولات للنيل من أرض الحرمين الشريفين.

الفرق الوحيد بين حالات الحرق التي استشهدت بها ومحاولة حرق نفط ابقيق تكمن في الجواب على سؤال (من يحرق من؟!).

في الأمثلة المذكورة بل في كل الأمثلة عبر التاريخ كان «ممارس الحرق» يحرق نفطاً أو زرعاً لعدو محاولاً أن يلحق به خسارة ولو في الرمق الأخير «حتى صدام وهو يحاول حرق نفط العراق فعل ذلك لأنه يعتبر العراق عدواً بدونه!!، ويعتبر نفط العراق سيصبح غنيمة لمحتل».

في مثال ابقيق كان الأمر أكثر فضاعة وإجراماً فقد كان المعتدي يحاول حرق نفسه، حرق مقدرات قبلة المسلمين، حرق الممول الرئيس لبناء المساجد في العالم، حرق مصدر قوة العالم الإسلامي الذي سخره الله ليكون سبباً لإتفاق العالم أجمع على ضرورة استقرار هذه البقعة.

كان ذلك المختل وأعوانه يشرع (بقصد أو بغباء أو بتزيين الشيطان له سوء عمله) في إضعاف أكثر من ثلاثمائة مليار مسلم أمام أعدائهم، هذا على الصعيد السياسي والاقتصادي للعالم الإسلامي أجمع.

على المستوى المحلي كان يحاول قطع رزق ملايين المسلمين في بلاده وإضعاف اقتصاد وطنه والذي قد يترتب عليه انتشار الفقر وتفشي الأمراض وبالتالي ارتفاع مستوى الجريمة والرذيلة وإذلال المسلمين.

حصاة تعليم البنات

عندما مشت حافلة البنات وهي تسحب فتاة أقفل الباب على عباءتها، عُزي ذلك إلى جهل السائق وعوقب إعلامياً لامتصاص غضب الرأي العام.. وتكررت حوادث مشابهة كان لكل واحدة كبش فداء، سائق أو مرافقته، وكان القضاء والقدر العذر المشترك الأعظم.
حسناً عندما أخبركم أن حافلة نقل طالبات إحدى المدارس الابتدائية في الرياض تعمل منذ مدة بدون كابح «بدون فرامل» وسائق شركة توصيل الطالبات يصرخ بأعلى صوته أن الحافلة لا تصلح وغير آمنة وكفيله لا يهتم، والسائق يبلغ مديرة المدرسة والمديرة هي الأخرى تصيح بالصوت الرفيع للمسؤولين في تعليم البنات دون أدنى تجاوب.. هل تصدقون؟!.

عندما أقول لكم إن لدي صوراً للحافلة وهي لا تتوقف إلا بوضع حجر أمامها وأن مهمة بواب المدرسة هي استقبال الحافلة بذلك الحجر، حتى أصبح يسمى (حصاة الأوتوبيس) الحجر طبعاً وليس البواب فهل تقتنعون؟!.

أنتم أعزائي القراء سوف تصدقون وتقتنعون لأنكم رأيتم ما هو أكثر عجباً واستغراباً، أما من أقصدهم بالسؤال فهم بعض الجالسين في تعليم البنات خلف شاشات الأسهم ومتابعة المصالح الخاصة هل لديهم استعداد للتصديق أن حافلة متعهد نقل الطالبات تحمل فلذات أكبادنا بدون «فرامل»؟! وان هذه الحافلة إذا هوت من فوق أحد الجسور إلى طريق سريع وتناثرت أجساد بريئة فإنهم لن يجدوا كبش فداء فالسائق والمديرة أديا ما عليهما والمتعهد تاجر وهم الرقيب عليه وليس من المستغرب أن يجازف تاجر بأرواح الناس لكي لا يجازف بربحه.

ثم إن أي عذر أو اعتذار أو تملق لن يعوض أسرة فقدت زهرة أو اكثر ولن يقنع مجتمع عانى كثيراً من إهمال موظف أو رقيب.

إذا كان موظفو ومسؤولو تعليم البنات قد استمرؤوا الأخطاء وتعودوا سماع أخبار الوفيات والحرائق والنتائج الوخيمة للإهمال فإن الوقت قد حان لنطبق العقوبة قبل حدوث الكارثة، فلسنا في حاجة لانتظار حدوث حادث لحافلة تحمل كما هائلاً من الأنفس الزكية لكي نتفاعل.

احتفظ باسم المدرسة والمديرة وصور ورقم الحافلة وصورة «الحصاة» وبالمناسبة هذه هي الحجرة الوحيدة في التعليم التي يجب أن لا تزال «حصاة» تعليم البنات التي تحتاج إلى إزالة ليست هذه «الحصاة»!!.

أما الأمر الأقل خطراً ويبقى مهماً فهو أن تلك الحافلة كثيرة الأعطال مما سبب عدم إيصال الطالبات تارة بسبب عطل تام وأخرى لأن المديرة تصاب بحالة ذعر شديد خوفاً من أن يحدث لطالبتها مكروه.

المديرة صرخت وصرخت وعندما أصابها اليأس صرحت لي وأتمنى أن لا ينتهي الأمر بأن تعتبر المديرة «حصاة» التعليم القابلة للإزالة!!.

براءة الصحافة بشهادة المياه

يرى بعض المسؤولين أن الصحافة تهدف للإثارة ويحاولون ترسيخ هذا المفهوم والتشبث به عندما يتعرضون للنقد .. ويحتجون أحياناً بأن الكاتب لو أراد حل مشكلة دون إثارة فلماذا لم يتصل بنا ؟!
الحقيقة أن الجهات الحكومية والخاصة هي من يجبر الصحافة عامة والكتّاب خاصة على معالجة كل مشكلة بطرحها على بساط صاحبة الجلالة، ويأتي ذلك من خلال عدم حل مشاكل المواطنين ما لم تطرح في الصحافة وعدم التجاوب مع الكاتب إذا اتصل أو بعث برسالة ولم ينشرها وفي الوقت ذاته التجاوب على أعلى المستويات عندما تنشر الشكوى وغالباً ما يعقب النشر حالة استنفار في الجهة المنتقدة .

هناك من المسؤولين من يغلق كل الأبواب أمام المواطن المتظلم فلا يجد أمامه غير مخرج الصحافة ليحصل على حقه .

على سبيل المثال انتقدت ذات مرة وزارة المياه والكهرباء عندما ركزت على أدوات الترشيد وكأنها وزارة ترشيد بل ولم تشمل في حملتها المسابح وقنوات الهدر الكبرى فئة (8) بوصات التي تفوق كثيراً هدر سيفون أو صنبور (رُبُع) بوصة . وتكاثرت أن يخرج الوزير بنفسه في قنوات التلفزة ليشرح أمراً هو أقرب للسباكة منه لرسم الإستراتيجيات .

بعد النشر بيوم واحد اتصل معالي الوزير مشكوراً ووجه لي الكثير من الأسئلة ووعدني بإعطائي الفرصة لإجابتها.

بعد أشهر أرسلت لمعاليه خطاباً أحسبه رقيقاً يتعلق بقطاعين تحت مسؤوليته الكهرباء والماء أشرح فيه ما يعانيه المواطن من صعوبة في تسديد فواتير الكهرباء عند اقتراب فصل التيار فالبنوك ترفض بحجة فوات موعد السداد ومكاتب الكهرباء لا تقبل الدفع نقداً وتمنحك فاتورة جديدة لا تقبلها البنوك إلا بعد ثلاثة أيام لأن المعلومات لم تحدث وموظفو الفواتير لا يردون على الهاتف، وتطرقت أيضاً لمعاناة المواطن المطبق بحقه مخالفة تسرب ماء من رفض تظلمه وعدم تواجد مسؤول المخالفات في مقر عمله (وهذا أشد من المخالفة) أو انه لا يسعد بسماع حججه.

ثم تساءلت ما الذي ستفعله أرملة أو شيخ كبير أو فقير يستقل الليموزين ليسدد فاتورة فترفضه الشركة والبنوك ولا يجد من يرد على هاتفه ليعرف أين يستقل الليموزين في مشواره القادم ؟! ومن يستمع إلى مرافعة متظلم من غرامة إذا كان مسؤول الغرامات لا يداوم أو في برج عاجي ؟! .

خمسة أشهر مضت ولم يرد الوزير لا هاتفياً ولا بالفاكس ولا بريدياً وعندما اتصلت بمكتبه قيل لي إن الشكوى «أحلناها» أي نحن الكتبة إلى شركة الكهرباء ومصلحة الماء !! (أي لخصوم الشكوى) مع أن الرسالة كانت لمعالي الوزير !!.

كان الأجدر بي أن أنشر ما كتبت لأحصل على تجاوب سريع، مباشر، وغير فعال .

مختبرات النصب الأنيق

من يسمع عن الحملات على محلات العطارة ومن يقرأ التحذير من التعامل مع الأطباء الشعبيين أو قفل محلات معالجين غير مرخصين يعتقد أن صور استغلال المرضى تنحصر في تلك الأشكال التي تنتشر أخبار الحملات ضدها مع أن تلك المحلات الصغيرة التي تلعب وزارة الصحة دور الأسد عليها ما هي إلا صور مكشوفة يعرفها المستهلك قبل الجهة الرقابية ويدرك أنها غير نظامية وربما غير مأمونة ولا يلجأ إليها إلا بعد أن يدب اليأس في أرجائه لكنه يعرفها جيداً وإذا خدعته فإنها تخدعه بمعرفته، فلا ينم إيقاع الجهات الرقابية الصحية بها عن أدنى «شطارة».
الخداع الأخطر هو ذلك الذي يرتدي ثوب الصلاح وهو فساد خفي، ويختفي بعباءة العلاج وهو المرض بعينه، وهذا لم تكتشفه بعد أجهزة وزارة الصحة لأنه يحتاج لعين ثاقبة متخصصة وجريئة وتلك لا تتوفر فعيون رقابة الصحة لا تختلف عن عين أي مواطن عادي، ولذا فإن الثوب والعباءة التي تخدع الجمهور تمارس الشيء نفسه مع الرقيب وربما بطريقة أسهل.

ثمة مختبرات مرخصة توهم بأنها تتعامل مع تحليل «الجينات» أو اختبار عناصر ومتغيرات في الجسم البشري غير تلك المعروفة في مختبرات المستشفيات وتحاول تقمص شخصية الطب البديل أو الاستتار خلف غموض هذا الضرب من ضروب الطب.

أحد المواطنين دفع أكثر من سبعة آلاف ريال لإجراء اختبارات حساسية في أحد هذه المختبرات وكان قد دفع ثلاثمائة ريال ثمناً لجلسة إقناعه بإجراء التحاليل والتي يتولاها أستاذ جامعي.

الأدهى أن هذا «المختبر» يصرف الأدوية «ليس من حق غير الصيدلية صرف الدواء نظاماً» أما الأمر والأخطر أن تلك الأدوية أدوية مركزة بجرعات وتراكيز تعادل أحياناً عشرة أضعاف الجرعة العادية بحجة أنها أدوية طب بديل، والأغرب أنها غير مسعرة ويضع لها المالك «البرفسور» السعر الذي يريده وقد وصلت فاتورة الأدوية لذلك المواطن أكثر من عشرة آلاف ريال مما جعله يرفض استلام الأدوية ويهرب.

هذه المختبرات تقدم نتائج التحاليل في شكل رسومات جذابة ملونة (مثلاً عندك حساسية للفجل رسمتك فجلة أما إذا كنت حساساً لحليب الماعز فإن تقريرك يحتوي على صورة «معزة» !! وهكذا).

الطريف في الموضوع أن أحد المرضى صنفه التقرير على أن لديه حساسية لحمض الكافييك (CAFFIC ACID) فأشار عليه برفسور «الجينات» أن يمتنع عن القهوة وكل ما يحتوي على الكافيين، وحرم المسكين نفسه من كل هذه الأشياء وأعزها عليه القهوة ليكتشف بعد مراجعة علماء العقاقير أن هذا الحمض لا يوجد في القهوة ولا علاقة له بالكافيين إلا مجرد تشابه الأسماء.

واتضح أن برفسور المختبر لا يعرف نتائج جهازه بل أن التقرير الأنيق بصور الماعز ما هو إلا وسيلة لجذب من تناسى مراقب الصحة حمايتهم لأنه كان أسداً على العطارين نعامة في خطوب المختبرات والعيادات الأنيقة.

السؤال الهام : كيف رخص لهؤلاء؟ وبناءً على أي أساس نظامي يسمح لهم ببيع أدوية وتسعيرها دون رقيب؟ وهل اقتنعت الوزارة على أساس علمي بطريقتهم في التحليل والعلاج وإعطاء الجرعات المضاعفة؟ وستجد أن كون المختبر يقبع في بناية شامخة وعلى طريق رئيسي ويملكه أستاذ جامعي له دور في ترك الحبل له على الغارب !! أي أن الشكليات خدعت الوزارة وإلا فإن خطره أكبر من العطار.