تعميم يمنع حقاً مشروعاً

أخطر ما يمكن لإنسان أن يمارسه ضد إنسان آخر هو حرمانه من حق مشروع، فالإنسان بطبيعته البشرية المتميزة تتوفر لديه القناعة والقبول بمنعه من ممارسة أمر غير مشروع حتى لو أراد ممارسته فإنه يتقبل أي رادع بقناعة ورضى. ويحدث العكس تماماً عند منعه من حق مشروع إذ يصبح أكثر إصراراً وإلحاحاً ومحاولة للوصول لنيل حقه حتى لو اضطره ذلك للتحايل على القرارات والاجتهادات التي شكلت نظاماً حرمه من حقه المشروع.
الاستزادة من طعام يشبع جوعة أو شربة تروي ظمأً هي حقوق مشروعة لا يمكن لإنسان أن يقبل منعه من ممارستها، والاستزادة من علم نافع لا تختلف مطلقاً من حيث الإصرار والرغبة والمشروعية.

أمامي قضية تفصيلية بكل وثائقها لمواطنة سعودية أفنت جزءاً غير يسير من عمرها في تعليم بنات هذا الوطن ولديها إصرار وعزيمة على ممارسة حقها في مواصلة التعليم العالي والحصول على أعلى درجاته لكنها اصطدمت بقرار اجتهادي اتخذته وزارة الخدمة المدنية يمنع الإيفاد الداخلي لمن تجاوز سن الأربعين مطلقاً ولا يستثنى من ذلك إلا «التخصصات التي يكون الاستمرار في أداء العمل أحد متطلباتها كالتخصصات الصحية» كما ورد في خطاب صادر من وزارة الخدمة المدنية، يفهم منه أن الوظائف غير الصحية لا تستوجب تطوير الذات، وهذه من عقد الترويج لأهمية الوظائف الصحية دون غيرها وقعت فيه حتى وزارة الخدمة المدنية أكثر من مرة «للمعلومية أنا موظف صحي مستفيد من هذا المفهوم الخاطئ».

المواطنة الطموحة لم تترك باباً إلا وطرقته ولم تدع جهة حكومية ذات علاقة إلا خاطبتها وتوسلت إليها أن تمنحها الفرصة، وبحكم رصيدها الوافر من حفظ الكتاب الكريم والأحاديث النبوية وسنة السلف الصالح فقد استشهدت في محاولة الإقناع بحقها في مواصلة دراستها رغماً عن عائق السن الموضوع دون سبب مقنع، استشهدت بالآيات والأحاديث التي تحث على طلب العلم في كل مراحل الحياة وحتى الموت. وبالآية التي تشير إلى أن بلوغ الأربعين هو بداية بلوغ الإنسان أشده {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه..الآية} سورة الأحقاف الآية (15).

وقوله صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ومأثور القول من التراث الإسلامي «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد» وقول الإمام أحمد بن حنبل «إنما أطلب العلم إلى أن أدخل القبر».

وعندما لم تجد أذناً صاغية وطغت بيروقراطية التعاميم وقرارات اللجان غير الطموحة، فقد حدث ما حذرت منه عند منع الإنسان من ممارسة حقه المشروع فلم تجد بداً من تناسي أنها تعمل والتقديم على أنها امرأة غير عاملة وصبرت على عدم التفرغ لا كلياً ولا جزئياً وجمعت بين جهد العمل وهم الدراسة وثابرت وأنهت عاماً دراسياً من برنامج الدكتوراه بتفوق لتجد أن الذي غض الطرف عن كونها موظفة يتربص بها مع قرب النهاية ويواجهها بالحجة ذاتها ويطوي قيدها ويحرمها من حق مواصلة التعليم (حق مشروع).

احتفظ باسم المواطنة واسم الجامعة وتفاصيل المعاناة لمن يرغب تفريج كربتها، وإن كنت أرى أن الحل الشامل للجميع هو الطريق الصحيح.

قبطان الإدارة الغارقة

إذا غابت النظم والإجراءات والسياسات المفصلة تفصيلاً دقيقاً فإن سير العمل خاصة في المراكز الوظيفية القيادية يعتمد اعتمادا كليا على الحالة النفسية والسلوكية للمسؤول، وهذا جد خطير.
حسنا.. غياب تلك النظم أو الأطر التي تحكم عمل المسؤول (وزيرا أو وكيلا أو مديرا عاما تنفيذيا) إذا تزامن مع غياب للرقابة والمتابعة والمساءلة فإن المؤسسة برمتها تبحر في بحر من الظلم والظلمات وتصبح بكل من فيها من موظفين وكل من يعنيه أمرها من المستفيدين من خدماتها رهناً للحالة النفسية والسلوكية لذلك المسؤول (قبطان السفينة).

أن تغرق عبارة بحجم (السلام 98) لأن قبطانها استهتر بأرواح ركابها، فإن المتضرر هم ركاب السفينة ونفسيات أقاربهم ومصالح ملاك العبارة وشركات التأمين.

أما أن تبحر سفينة وزارة أو إدارة أو حتى منشأة حكومية بطريقة لا تحكمها إلا الحالة النفسية لربانها ورغباته ونظرته المحدودة وقراراته المرتجلة، فإن الضرر من جنوح تلك العبارة لا يقتصر على ركابها بل يشمل ملايين المواطنين والمقيمين التي أنشئت لخدمتهم والذين ترتبط حياتهم ومصالحهم وشؤونهم اليومية بها إضافة إلى أقاربهم والى مصلحة وطن هو المالك لتلك السفينة والى تأمين مستقبل أجيال يرتبط مستقبلهم بما يتخذه قبطانها من قرارات.

العبارة تلك إذا جنحت فإنها تسحق كل ما أمامها قبل أن تتحطم أو تغرق وتغرق معها جهود بنائها.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نترك سفن الوطن تبحر بناء على قرارات ونفسيات (قباطنة) لا تحكم توجهاتهم وسلوكياتهم أطر مرسومة رسمها الخبراء ولا نظم وقوانين إبحار دقيقة ومدروسة، خاصة وأن بعضهم حديث عهد بالإدارة والآخر جديد على المسؤولية أو ضعيف لا يملك مقومات القائد الإداري، وننتظر إلى أن تغرق السفينة أو تجنح عن الطريق ثم نبحث لها عن المنقذ الذي كان موجوداً أصلا.

ما نتحدث عنه ليس تنجيما ولا رجما بالغيب بل واقع نراه عيانا بيانا ونعيشه يوميا ونتألم له كل دقيقة.

البراعة في علم أو مهنة لا تعني القدرة على الإدارة، والخباز لا يصلح سباكا مثلما أن عالم الذرة لا يستطيع صنع خبزه!!، بل إن ثمة مجالات متشابهة جداً، لكن قدرات المبدعين فيها تختلف، فالرسام مثلا لا يصلح دهانا، والجراح مهما بلغت براعته لا يمكنه ذبح أضحيته ناهيك عن سلخها، واعرف طياراً عجز عن قيادة دراجة!!.

إذاً لماذا نظلم الإدارة ونجعلها مهنة من نجح في تخصص أخر أو فشل فيه ودون نظم ولا مراقب.

نافعة الدانمرك

أعداء الإسلام، سواء منهم الأعداء المعلنون أم أولئك المتربصون خلف الأقنعة لم يتوقع أكثرهم تشاؤماً أن يلتف المسلمون حول بعضهم البعض على اختلاف مذاهبهم ودرجة تمسكهم وعلى اختلاف توجهات ساستهم ويتفقون ويجتمعون على كلمة واحدة وموقف واحد وغضب واحد تجاه الإساءة إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم .
نبحة الدانمرك تلك لا يمكن أن تلتفت لها قافلة بدأ مسيرتها سيد الخلق وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً وجابت العالم أجمع بشعلة نور يزداد سطوعاً، وسماء الإسلام التي تحيط كافة أرجاء المعمورة على اختلاف شعوبها ومناخها وجغرافيتها وتوجهاتها السياسية ونظام حياتها الموضوع، هذه السماء لا يضيرها نباح كلب دانمركي ولا من يتجاوب معه من كلاب العالم السائبة .

وقفة الرجل الواحد تلك جاءت في زمن ظن فيه أعداء الإسلام والمتربصون أن شوكتنا قد كسرتها وصمة الإرهاب التي حاولوا كثيراً نسبها للإسلام.

إلى ما بعد نشر تلك الرسوم الكاريكاتورية بيوم واحد كانوا يعتقدون أن صفنا الواحد قد اخترق وأن ثوابتنا قد تغيرت لدى بعضنا وأن الضربات التي كانوا يوجهونها لنا من الخارج والداخل قد زعزعت اتحادنا .

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تخطىء فيها توقعات ساسة الغرب على وجه التحديد في حكمهم على تكاتف المسلمين وقوتهم وصلابتهم، لأنهم أي أولئك الساسة وبعض الإعلاميين يبنون انطباعاتهم على توجهات قلة هم من يرونهم ويسمعونهم، لكن الأمر بالنسبة لهم اختلف كثيراً عندما رأوا مظاهرة عالمية يصعب على أية قوة في العالم حثها على الخروج غير قوة الإسلام، قوة حب نبي الإسلام، قوة تماسك المسلمين التي لا يزعزعها خلاف ولا اختلاف .

مظاهرة في شكل غضب عارم وشامل اجتمع فيه السياسي مع الرجل العادي والدبلوماسي مع رجل الشارع والأهم من هذا وذاك أن اجتمع الشرقي مع الغربي والأقصى مع الأدنى . رفض الاعتذار لا يعدو كونه ارتباك المعتز بالإثم والمصدوم بهول صورة الإتلاف غير المتوقع، على حد ظنهم، لكنهم سيعتذرون وسوف يرتدعون لأن الدرس هذه المرة أقوى من كل الدروس، لأنه رسالة استمرار الوحدة الإسلامية واستمرار تكاتف شعب من عدة شعوب وهذا مخيف لهم، ليس شعباً من عدة مدن ضمن خريطة واحدة إنه شعب واحد من عدة خرائط تشكل في مجموعها الكرة الأرضية وهذا خطير .

سيعتذرون ويرتدعون وكل ما علينا هو أن نصر على المقاطعة والاستنكار والغضب والفخر بأننا مسلمون لا عرب ولا بيض ولا سود ولا شرقيين ولا غربيين نحن عالميون .

صفقة «بيز»

زوجة أب رهف تعذبها بالضرب والحرق انتقاماً من زوجها الذي يضربها، ونفس أب رهف يضرب أم رهف أمام الناس في المستشفى عندما «حاولت» زيارة ابنتها .
وأم معلقة منذ عدة سنوات لا تستطيع تسجيل ابنتها في كلية الطب أو أي كلية رغم تخرجها بامتياز لأن زوجها علقها وذهب والتسجيل يحتاج إلى اذنه !!.

نفس الزوجة المعلقة تحمل عصاً كل صباح لتحمي نفسها وابنتها من ذئاب العمالة الأجنبية لأنها تقطن حياً شعبياً يعج بسكان «عزاب» هم من عمال الشركات (كتبت عن الموضوع سابقاً بعنوان «المعلقة يا وزير الفقر» ولم يتجاوب أحد) .

أعداد كبيرة من الزوجات المطلقات يحرمن من رؤية أبنائهن ناهيك عن حضانتهن لأن الأزواج يقررون العقوبة وينفذونها والزوجات لا يجدن الطريق السهل للشكوى وظروفهن وتعقيدات قنوات الشكوى تجعل الأمر أكثر صعوبة .

أعداد أكبر من الزوجات يصادر الأزواج رواتبهن وممتلكاتهن ويجبروهن على تولي الصرف على المنزل .

آلاف الأرامل الفقيرات يصرفن على أيتام ولا يملكن القدرة على متابعة الإجراءات البيروقراطية لطلب مساعدة من الضمان الاجتماعي أو الحصول على حفنة من الريالات أو «كرتون صغير من الأطعمة» من الجمعية الخيرية .

نفس الأرامل إذا أردن مصدراً للرزق وأنفقن تحويشة العمر على شراء بضاعة ألعاب أطفال أو ملابس أو حتى «طواقي» و«بيوز» فإن تجارتهن تلك قد تتحول إلى بضاعة مصادرة عند وقوف أول «وانيت» تابع للبلدية، وكأن البلد لا توجد به مخالفات ولا تجاوزات إلا في صفقة «بيز» !!.

كل أشكال المعاناة التي ذكرتها أعلاه – وغيرها كثير- تعاني منها المرأة الجادة المكافحة الباحثة عن حياة شريفة ورزق حلال ومع ذلك فإننا نركز في الإعلام والشورى والحوارات الثقافية على مواضيع ثانوية، تافهة أو ترفيهية مثار خلاف من النساء أنفسهن مثل قيادة المرأة للسيارة أو دخول المرأة للمطعم بدون محرم .

لنعط السيدات الجادات المثابرات أملاً في حياة هانئة، لنعطيهن حقوقهن المشروعة ونطبق من النظم والإجراءات ما يخفف عنهن معاناة العنف والاستغلال والحرمان ثم نفكر بعد ذلك في أمر من تريد أن تقلد مجتمعات نادمة .

صحيح أننا نشكل لجنة لكل ما يستجد من ظواهر مثل لجنة الحماية من الاعتداءات الجسدية على الأطفال تتعامل مع كل حالة على حدة، لكننا نريد سن نظم وإجراءات مكتوبة ومنشورة وميسرة التنفيذ لحماية النساء مما يتعرضن له سواءً من أزواجهن أو أقاربهن أو حتى المؤسسات الحكومية، فتلك السيدة التي تحمل عصاها كل صباح لتهش بها على ذئاب آسيوية تتحرش بها هي ضحية من سمح للشركات بإسكان العمالة في الأحياء السكنية الفقيرة .

وقس على ذلك ما شئت من تسهيلات للمرأة على العيش أهم مما نثيره بين تارة وأخرى من احتياجات ترفيهية أو بهدف التقليد والدعوة لانفتاح لا يتناسب مع التوجه العام المتعقل للمجتمع .

المكان المناسب

حسب معلومات عدد من القطاعات الحكومية الصحية الموثقة فإن كل قطاع انتدب عدداً كبيراً من موظفيه لحضور معرض ومؤتمر صحة العرب في دبي «هذا التجمع الذي تشد له الرحال من كافة أنحاء المعمورة لعرض أحدث المنتجات الطبية والصناعية الصحية وتُلقى في مؤتمره أوراق بحثية تميل إلى الجانب الصحي التجاري ويعتبر التجول في القاعات الثماني الرئيسة في معرضه والقاعات الأخرى الإضافية فرصة عملية لا تعوض ويفترض أن تستغلها الجهات التي أرسلت له من موظفيها».
وصل معدل من انتدبوا من بعض القطاعات الحكومية التي تهم الشركات إلى 120 موظفاً أغلبهم من المديرين التنفيذيين ومساعديهم ومشاركيهم !!.

كان ذلك حسب معلوماتي الموثقة، أما حسب ملاحظاتي الدقيقة فإن عددا قليلا جداً من السعوديين حضر إلى موقع المعرض وسجل، وعدد أقل بكثير تجول في المعرض واستفاد أما العدد الأكبر ممن تم انتدابهم فإنك تشاهدهم مساءً يتجولون في أسواق دبي، الإمارات مول، وابن بطوطة مول وغيرها وقد تورمت أعينهم من «النوم» أما عدد غير قليل ممن رشحتهم قطاعاتهم لحضور المعرض والاستفادة خاصة من المدراء التنفيذيين ومساعديهم فإنهم كانوا أكثر استهتاراً بالثقة الممنوحة لهم فلم يغادروا فنادقهم مطلقاً حتى لزيارة الأسواق ومشاهدتها والاحتكاك بالناس وتفرغوا للأكل والشرب بينما فوتت الفرصة على موظفين لهم طموح ورغبة في تطوير أنفسهم وإفادة قطاعاتهم بما ينعكس إيجاباً على توفير أجهزة طبية ومعدات وأدوية بأسعار منافسة ونوعيات وخيارات متعددة وجودة عالية .

ولأن القطاعات الصحية الحكومية حالياً يقوم عليها إما قليلو خبرة إدارية أو ضعيفو شخصية أو هما معاً فإنهم يعتقدون أنه طالما أن من سيتكفل بتكاليف انتداب الموظف هي شركة تجارية وأن الجهة الحكومية لن تدفع درهماً واحداً فإنها لا يجب أن تدقق في أمر التزام المنتدب بالحضور والاستفادة، على أساس فكرة جد متواضعة بل أقرب إلى السذاجة ومفادها أن «البلاش ربحه بين» .

هؤلاء المسؤولون بلغ بهم ضعف الخبرة والمجاملة وضعف الشخصية الإدارية أن نسوا أن ذلك المدير التنفيذي النائم في الفندق يكلفهم أجره اليومي المدفوع له وهو نائم، ويكلفهم ضياع فرصة استفادة موظف آخر من حضور تلك المناسبة على حساب نفس الشركة ولكن بمشاركة فعالة، ويكلفهم تراكم أعماله إذا كان له أعمال إدارية تتعلق بمصالح مرضى ومواطنين وقطاع صحي حكومي بأكمله، ويسبب ما تشهده تلك المؤسسة من شلل أثناء فترة المؤتمر والمعرض بسبب انتداب غالبية مديريها التنفيذيين لكي يناموا أو يأكلوا و«يشربوا» في دبي، نسوا أن ذلك يكلفهم خسارة عدد كبير من صغار الموظفين الطموحين الذين يصيبهم الإحباط عندما ينتدب غير الجادين فقط بينما يتركون هم المعنيون حقاً بتوفير الأجهزة والأدوات والأدوية وإجراء المفاوضات محرومين من فرص التطوير حتى المجانية منها !! والتي تتكفل بها الشركات .

إن المدير الضعيف الذي «يبصم» على مشاركة 80٪ من موظفيه التنفيذيين في مثل ذلك المعرض الهام لأنهم حصلوا على دعوات من شركات أو رشحوا أنفسهم للسفر على حساب شركات إنما يعرض منشأته لخطر الفساد الإداري فالشركات تسمي من ينفعها وكان يفترض به أن يرشح أسماء غير متوقعة ومستحقة ومضمونة الاستفادة .

أنا هنا لا أعني وزارة الصحة فقط ولا قطاعاً صحياً آخر بعينه ولكن يبدو أننا في هذه السنوات نعيش سنوات عجافا إدارياً لا بد أن ننهض منها قريباً إن شاء الله بإعطاء القوس لباريها والإدارة للمتخصص فيها، فأنا أستطيع تسمية السنوات القليلة الماضية والحالية إدارياً بسنوات الجمود، فلم نعد نرى المدير الحازم الذكي الخبير القادر على قيادة المنشأة الى بر الأمان .

ضرب عنق الحقيقة

كانت الإخبارية رائعة في تطرقها السريع لموضوع الساعة في وطننا الحبيب وهو موضوع تدوير مناصب 18 من المديرين في وزارة الصحة، وبمثل ما سعدنا بقناة شابة، أسعدنا أكثر مقدمو برامج شباب في جميع قنواتنا التلفازية أمثال د.عبدالله الطاير وعادل أبوحيمد وغنام المريخي وعبدالعزيز العيد وبتال القوس وعبدالعزيز البكر وعبدالرحمن الحسين وتركي العجمة وسعد الشملاني وغيرهم كثر من نتاج التجديد والفكر الإداري المتطور ومنح الثقة للشباب القادر على الإبداع والتحضير الجيد وقراءة أفكار وتوجهات ضيوف الحوار وتوجيه أسئلة تخدم مصلحة الوطن والوطن فقط.
في المقابل نأسف كثيرا لاستمرار كبار السن من الموظفين الحكوميين في مجاملة رؤسائهم حتى وهم يتحدثون عبر التلفاز حيث تتفحص (الكاميرا) كل تعابير الوجه التي توحي بأن المتحدث أقل الناس اقتناعاً بما يقول!!

لماذا تلوي أعناق الحقائق أمام ملايين المشاهدين العارفين ومنهم أستاذك وزميلك وطالبك وغيرهم من المتخصصين الذين يدركون أنك تناقض كل الحقائق العلمية والقناعات والمنطق.

كيف لأستاذ في الإدارة أن يجرؤ على القول أن سنة واحدة لقائد إداري كافية ليبدع في منصبه خصوصاً إذا كان ذلك المنصب جديداً عليه وليس ضمن خبراته العملية، وانه منقول من إدارة لا تربطها أدنى علاقة بالمنصب الجديد؟! هل يعتقد أن الوزير فقط من يشاهد الحوار المتلفز، أم أن مجاملة الوزير هي غايته التي تبرر كل وسيلة؟!

كيف لمسؤول مدور مرتين خلال عام واحد بعد عمر طويل قضاه في شؤون الموظفين أن يجرؤ على القول إننا نلاحظ في الوزارة تحسناً في كل الأمور، مع أن التدوير الحالي لم يتم شهره الأول والتدوير السابق لم يمض عليه سنة واحدة شهدت كماً مخيفاً من الزلات والأخطاء ذات العلاقة بصحة المواطن والمقيم وعلماً أن ذلك التغيير لم يشتمل على إضافة عنصر جديد واحد من خارج الوزارة رغم توفر الكفاءات المؤهلة في الوطن وفشل بعض من تم تدويرهم في وظائفهم السابقة؟!

لماذا يعتقد هؤلاء أن مناصبهم مرتبطة بمجاملة وزير وهم يعيشون في عهد تدعوهم فيه القيادة إلى مزيد من الشفافية والمصارحة وكل ما من شأنه غرس روح الحوار في نفوسهم بل إن خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – قام بتفعيل ممارسة الشفافية والحوار في كل شؤون البلاد؟!

لماذا يضربون أعناق الحقائق بسيف المجاملة ويمارسون تدليس الواقع ومغالطة الناس وأنفسهم؟! هل لأن تلك المجاملة طبيعة بشرية يصعب عليهم تغييرها حتى وإن كانت معطيات الوطن وتوجهاته تنبذها؟! أم لأنهم يعتقدون أن المجاملة في حيز عملهم تجلب المصالح الشخصية على حساب مصلحة الوطن.

ألم نتعلم درساً من دروس لي عنق الحقيقة من المقولة الشهيرة (كل شيء على أحسن حال) أو المقولة الأشهر «ان مخزون المياه لدينا يعادل جريان نهر النيل آلاف السنوات والتي نعيش بعد بضع سنوات من قولها رعب شح المصادر المائية وربما نضوبها؟!

إغماءة الصحة

عندما نتناول وزارة الصحة باللوم أو حتى بالنقد فلأننا نتعامل مع صحة وطن، صحة أجيال، صحة أجساد تشكل في مجموعها جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
كل الأمم باختلاف ثقافاتها وأديانها وطبائعها ترفض رفضاً قاطعاً أن تصبح صحة الإنسان حقل تجارب وهذا أمر طبيعي فطري لا خلاف عليه.

الأمر الذي لا يقل خطورة ولا إثارة للاستنكار أن تكون إدارة الصحة حقل تجارب، وضحية لاختبار قدرات أشخاص لأننا بذلك نعرض كيان وزارة الصحة للخطر.

معالي وزير الصحة أعلن نيته تدوير المناصب في الوزارة لأشخاص لم يمض على تدويرهم أو تعيينهم ثمانية اشهر وحقيقة كنت أعتقد أنها مزحة إعلامية، حتى بدأت فعلياً وبتبديل مراكز حساسة تحتاج إلى تأهيل من نوع خاص وخبرة وتمرس في مجال العمل وأمانة مجربة ومثبتة.

الصحة ليست مدرسة لتعليم القيادة، الصحة وزارة يفترض أن تستقطب أعلى المؤهلات، وأكثر الثقات، وأشرس الخبرات وأقوى الشخصيات، وتثبتها في المسؤوليات الحساسة ذات الطابع التنفيذي وذات العلاقة بنشاطات يومية تتعلق بذئاب المصالح التجارية وشركات دواء وقطاع صحي خاص ووكلاء دواء وملاك صيدليات ومستوصفات وغيرهم وهي مناصب في أمس الحاجة لمدير خبير موثوق، مستقر، ومؤهل نافذ الصلاحية لا مدير مدور تجده بالأمس بعيداً عن المواجهة واليوم سكرتيراً وغداً مسؤولاً تنفيذيا.

التدوير يجوز في وظائف فنية أو تخصصية تعتمد على كسب المزيد من المعلومات عن منشأة واحدة تقدم خدمة محددة، لا أن يطبق التدوير في مواقع إدارية تنفيذية ذات قرار حساس ويلعب فيها الإمضاء حداً قاطعاً كالسيف.

الصحة ليست لعبة كرة قدم تصدق معها نظرية الكرة الشاملة ويجرب فيها لاعب الوسط مدافعاً والمهاجم حارس مرمى!!، فالإدارة الصحية باتت علماً قائماً بذاته شديد التخصص دقيق التأهيل متعدد الفروع.

لطالما طالبنا وطالب كثيرون قبلنا وبعدنا أن تترك إدارة المنشآت الصحية للإداريين ويتفرغ الأطباء للطب وتعطى كل قوس لباريها وكل خبز لخبازه «على أن لا يأكل نصفه فهذا الشق من المثل غير مقبول هنا ».

ما لم تعد وزارة الصحة النظر في فكرة التدوير تلك فإنني «والله أعلم» أتوقع أن تشهد الإدارات العامة في الوزارة فوضى وارتباكاً لم تشهده من قبل وسيصاحبها ثغرات إجرائية ينتفع منها غير النظاميين من المتربصين في القطاع الصحي الخاص وأرباب المخالفات والحيل ونهازي الفرص ويعاني منها المريض والوطن وتكون الإغماءة هذه المرة من نصيب وزارة الصحة نفسها.

تعريفنا للحوار

في اللقاء الوطني الخامس للحوار الفكري الذي عقد في أبها وشهد أول نقل تلفزيوني مباشر لجلسات اللقاء ذكر أحد المشاركين ما مفاده أن الواحد من المشاركين يبدي رأيه متحدثاً لمدة ثلاث دقائق دون تحاور ومناقشة وأخذ وعطاء وهذا لا يمت لمفهوم الحوار بصلة ولا يعتبر حواراً!! وأعتقد جازماً أن معه كل الحق فيما قال فما تابعناه لا يعد حواراً على الاطلاق بل تجمعاً يتحدث فيه كل شخص عن موضوع محدد بما يراه حوله لمدة ثلاث دقائق يبدأ بعدها دق الخشب ليتوقف (بعض الشعوب العربية يعتقد خطأ أن الدق على الخشب يطرد العين والحسد، ولا أعتقد ان من يمنح فرصة محددة للحديث ثلاث دقائق عن موضوع محدد لديه ما يحسد عليه!!).
في أمسية أدبية رائعة كان يفترض أنها حوارية أيضاً منحت الفرصة لعدد منتق من الحضور للتحدث عن موضوع يحدده مدير الأمسية لوقت أطول كثيراً من ثلاث دقائق وتحدث عدد ليس بالقليل كل حسب رؤيته وأعجبني ما قاله الأديب الشيخ عبدالله بن دريس عندما وصف ما دار بأنه ليس حواراً بل أشبه بجلسة مفتوحة لمؤتمر قمة عربي عندما يتحدث كل رئيس بما لديه دون تحاور أو مناقشة.

المثالان يؤكدان أننا في أمس الحاجة للتحاور حول تعريفنا «للحوار» وما إذا كنا ننطلق من التعريف المعروف للحوار أم أن لدينا تعريفنا الخاص لاجتماع خاص ينفرد خلاله كل برأيه ويتحدث عنه و«يفضفض» في دقائق معدودة، ونرغب في تسميته حواراً أو لقاءً وطنياً للحوار!!

إذا كان من عيوب الحوار الحقيقي بمفهومه المتعارف عليه لدى كل الأمم، انه يطول وقد يتشعب إذا لم يتولّ ادارته شخص مؤهل ألمعي، قوي الشخصية عميق التجربة، وقد ينتهي بخلافات وعراك إذا لم ينعم المشاركون بروح احترام رأي الآخر والعقلانية، فإن للحوار بمفهومنا الحالي الخاطئ عيوبه الكبيرة والخطيرة أحدها انه يوحي بأن ما يقوله كل مداخل يقابل بصمت ينم عن الرضى وهذا غير صحيح تماماً مثلما أن تعريفنا الحالي للحوار لم يكن صحيحاً البتة.

عاصفة السعودة

لابد من التحذير من هدوء عاصفة السعودة التي هبت منذ عدة سنوات وبلغت الذروة منذ فصل العمل عن الشؤون الاجتماعية، لأن هذا الهدوء يفهمه بعض أعداء السعودة في القطاع الخاص على انه اليوم الأخير لنشاط وقتي، شأنه في ذلك شأن اسبوع النظافة او اسبوع الشجرة.
ولمن يستكثر استخدام عبارة (أعداء السعودة) على اعتبار ان السعودة خطوة وطنية ذات اهداف متعددة تصب في الصالح العام لهذا الوطن ومن المستغرب ان يكون لها أعداء في القطاع الخاص السعودي اؤكد له ان للسعودة مقاومين كثراً من صناع القرار في القطاع الخاص ومن بعض اعضاء مجالس الإدارة ومن بعض المديرين العامين في شركات كبرى ومن بعض مساعديهم.

من هؤلاء محبو الدينار والدرهم من صناع القرار او الملاك قصيري النظر ممن يرون في السعودة زيادة للمصروفات ولا يهمهم سوى استغلال فرص الكسب في هذا الوطن وقروضه وتسهيلاته ويتنكرون لاحتياجاته. ومنهم اعضاء مجالس ادارة تعنيهم ارباحهم ودخولهم الخاصة ولا تعنيهم تفاصيل سياسة واهداف المؤسسة او الشركة طالما انها تربح.

والمدير العام ومساعدوه يعيشون وهم خطر السعودة على مناصبهم، لأن السعودي لا يرضى بأي فعل لا يرضي دينه وضميره ووطنيته، والسعودي المتميز حتى لو كان في موقع وظيفي اسفل الهرم او اوسطه، الا انه يذكرهم بأن مواقعهم قد يتميز فيها غيرهم وهذا ما نقصده بالوهم!!.

هذه ليست نظرة تشاؤمية لوضع القطاع الخاص، ولا إطلالة على الوضع بنظارة سوداء، بل عصارة مشاهدة ومراقبة طويلة لوضع لم يتغير في عدد من شركاتنا الكبرى القادرة على تدريب وتوظيف السعوديين بل المحتاجة لتوظيف كوادر في مجالات ووظائف اساسية يشكل توظيف السعوديين فيها مصدر أمن وضمان للاستمرارية بعنصر وطني في متناول اليد وخبرة وطنية باقية، على عكس تلك الأجنبية المخططة للرحيل يوما ما. ومع ذلك يحاول ثلاثة او اربعة من المهيمنين على قرار الشركة تلافي توظيف السعوديين قدر الإمكان وبكل وسائل التهرب الممكنة.

وللأسف فرن من هذه الشركات شركات مساهمة هي من المواطن وله، ومنها شركات صناعية في مجالات حيوية ومهمة ذات علاقة بالأمن الدوائي او الغذائي التي يدفع الوطن والمواطن ثمن المجازفة بمستقبلها ومع ذلك يتقدم لهم سعوديون متميزون ومتخصصون في نفس المجال الصناعي او التجاري، تتمناهم الشركات المشابهة في الخارج ويرفضون في وطنهم.. لماذا؟!.

الأسباب لا تخرج عن أهداف شخصية ليس من بينها هدف واحد يخدم مصلحة الوطن او حتى الشركة على المدى البعيد وهدوء عاصفة السعودة يخدم هؤلاء كثيرا ويضاعف من ضحاياهم.. كل ما اتمناه ان لا تكون عاصفة السعودة موسمية وان تستمر على مدار السنة لتقتلع النوايا السيئة، وأن يتم التعامل مع أفكار ومقترحات وإجراءات وزارة العمل (وهي التي تبني المقترح على دراسة لواقع المشكلة) .. أن يتعامل معها وبسرعة على انها نظم وإجراءات نافذة لا مجال للنقاش حول استمرارها.

تجاوزات ظالمة

الممارسة ضد مرضى المستشفيات الحكومية ومرافقيهم التي تناولتها في مقالة الأحد الماضي والمتمثلة في تعاقد المستشفيات مع مؤسسات (ونوش) لسحب سيارات المرضى وحجزها وتغريمهم مبالغ مالية مقابل استلام سياراتهم تشتمل على عدة تجاوزات ذكرت منها ما له علاقة بالجوانب الإنسانية، وأذكر هنا ما يتعلق بعدم نظامية الاجراء وعدم مشروعيته و منها على سبيل المثال لا الحصر : أن التصرف في ملكية خاصة للمواطن أو المقيم (وهي هنا السيارة) لاتجوز ممارسته لغير الجهات المخولة رسمياً وهي المرور والشرطة ولا يحق لجهة صحية أو مستشفى فعل ذلك بنفسها فما بالك عندما تخول جهة تجارية بممارسة ذلك الفعل لتحقيق كسب مادي.
والثاني أن من خول بتحديد السيارة التي تسحب على أنها مخالفة هو عامل للمؤسسة وليس صاحب اختصاص في تمييز ما هو مخالف مما هو غير ذلك !!.

والثالث أن تحديد المبلغ جاء دون مسوغ نظامي أيضاً وبناء على اتفاق جهة حكومية غير ذات اختصاص مع تاجر مستفيد من زيادة المبلغ.

والرابع أن المبلغ إذا كان ضمن بنود الجزاءات والعقوبات فالمفترض أن يدخل خزينة الدولة وليس خزينة مؤسسة تجارية ولا حتى جهة حكومية غير وزارة المالية.

هذه التساؤلات وغيرها كثير لا بد من إثارتها بشدة والتعامل معها بحزم من قبل الجهات الرقابية ، أما نحن كصحافة فإننا لا بد أن نثير مسألة هامة جداً وهي مدى وعي المواطن بحقوقه وما يفترض أن يتقبله من عدمه وممن يتقبل الإجراء ولماذا ؟

إن علينا توعية المواطن والمقيم بما يحقق حمايتة من استغلال طيبته وتسامحه ، فإذا كان قد بلغ درجة كبيرة من تقبل ما تقرره الأنظمة في حقه فإن من حقه علينا توعيته بصفة دائمة ومستمرة بماهية الجهة أو الفرد الذي لديه الصلاحية لتنفيذ الأنظمة في حقه حتى لا يحدث ما يحدث حالياً من استغلال لهذه الطيبة من ممارسات.

من الإنصاف أن نقول أن الدولة تولي ما يتعلق بمصير المواطن و المقيم من قرارات أهمية كبيرة ورسمت لها آلية بالغة الدقة تكفل الإنصاف والحيطة إلى درجة أنها لا تصدر إلا بعد تمحيص هيئة الخبراء ومجلس الشورى وتصدر عن أعلى مجلس تشريعي هو مجلس الوزراء.

لكن الاجتهادات تأبى إلا أن تتدخل بطريقة غير مقبولة ولعل ما ذكرناه آنفاً أحد الأمثلة أما المثال الثاني فهو ذلك التصريح الصحفي من وزارة الصحة الذي يمنح المستشفيات والمستوصفات الخاصة رفض استقبال الحالات الإسعافية ما لم تكن حالة حرجه وذلك دون توفر تعريف للحالات الحرجة الأمر الذي جعل تلك المستشفيات تتفنن في رفض إسعاف المصابين وتتركهم عرضة للمضاعفات والخطر مع أن نظام الدولة في هذا الصدد واضح وصريح وقديم لا يفترض أن يلغيه تصريح صحفي!!.