رقابة الجباية

الرقابة يفترض أن تكون ذات جوانب متعددة أهمها جانب حماية الإنسان والتأكد من سلامته ثم يأتي ما يتعلق باستمرار الخدمات وجودتها وأمانها ثم منع الهدر وبعد ذلك رصد المخالفات والتوعية بطرق تلافيها وطبيعي أن يأتي عندئذ جانب العقوبات والغرامات.
لن يجرؤ أحد على اتهامي بالتشاؤم إذا قلت إن معظم دوائرنا تركز حالياً على العنصر الأخير وهو ما يتعلق باستحصال الغرامات وجباية الرسوم دون أدنى اهتمام بالجوانب الأخرى الأهم والأكثر أولوية خاصة ما يتعلق بالسلامة والحماية، ولعلي أستمد ثقتي في عدم اعتباري متشائماً من حقيقة ان ما أصوره هو الواقع الذي يدركه الجميع ويعيشه الغالبية في تعاملاتهم اليومية.

ليس لدينا أدنى مشكلة في رصد المخالفة التي تستدعي دفع غرامة أو ايقاف خدمة، لكن مشكلتنا الكبرى في التفاعل مع إهمال الجهة ذات العلاقة نفسها أو أخطاءها في الصيانة أو المحافظة على الحد الأدنى من دواعي السلامة وهذا يشير بوضوح إلى أن المراقب أو الرقيب موجود لكن عينه متأثرة كثيراً بثقافة الجباية أكثر منها ثقافة الحماية وهذا التأثر خطير جداً إذ انه يلغي تماماً الجانب الأهم والدور الأساس إلى الأدوار الثانوية، في حين يفترض أن يحدث العكس أو تتكامل الأدوار على أقل تقدير.

في حي التعاون رصدت انكسار غطاء غرفة تفتيش عميقة جداً داخل الأرض يبدو أنها تؤدي إلى حجرة تجمع خدمات كابلات كهرباء وهاتف وخلافه، وبالرغم من كبر الفتحة وخطورتها ووضع السكان لعلامات تنبه السيارات لخطورتها لكنها لا تمنع سقوط الطفل أو الكفيف إلا أن الحفرة لا تزال مكشوفة وتشكل خطورة وقد يبدو للوهلة الأولى أن مراقب البلدية لم يمر في هذا الشارع منذ انكسار الغطاء في بداية شهر شعبان إلا أن الواقع هو أن عدداً من المنازل أوقف عنه الماء بسبب تسرب بسيط أو عدم التسديد وعدداً ممن يقيمون مباني جديدة تم تغريمهم على مخالفات بناء مما يدل أن المراقب يجوب المنطقة لكن تلك الحفرة لم تحرك فيه ساكناً كالذي حركته المخالفات.

نفس الشيء يقال عند مقارنة حضور دوريات المرور للحوادث والذي يتسم بالبطء الشديد مقارنة بحضورها لتطبيق غرامات السرعة على الطرق، وينطبق على وزارة المياه والكهرباء في عدم التجاوب مع بلاغات تسرب الشبكة أو انكسار خط أنابيب ينزف كميات هائلة من الماء المهدر بينما يكون رقيبها حاضراً في الصباح الباكر لتسجيل غرامة سكب «سطل» ماء من منزل. أو سرعة فصل شركة الكهرباء للتيار بسبب عدم التسديد مقارنة بسرعة اصلاح عطل أو صيانة أسلاك عارية تهدد الأطفال.

لا اعتراض مطلقاً على أداء المراقب لعمله لكن الاعتراض على درجة التناقض بين الهمة في أداء نفس الدور حسب نوع الملاحظة .. وأملنا أن تحظى الحماية بنفس حماس الجباية!!.

السعودة بفصل السعودي

رغم أنني كنت ومازلت ممن يعتقدون ان أهم معوقات توظيف الشباب السعودي والشابات في القطاع الخاص هو عدم جدية كثير من شركات ومؤسسات القطاع الخاص في التجاوب مع دعوات السعودة وأنهم يأخذون في الحسبان (فقط) تكلفة اليد العاملة السعودية من حيث المرتب الشهري دون عمل أدنى حساب للمساهمة مع الدولة في حل مشكلة البطالة التي تنعكس عليهم بطرق غير مباشرة في شكل مشاكل أمنية واجتماعية ومعوقات لتقدم المجتمع ككل.
أقول رغم ان هذا هو اعتقادي إلا انني لابد أن أسوق لمعالي وزير العمل مقترحاً أعتقد انه بمثابة حجر نلقمه لآخر فجوة متبقية في طريق السعودة لأن التعامل الحضاري يفرض علينا أن نلقم المتهرب مادة نظام تسد أمامه كل منافذ المراوغة وأعتقد ان معالي الدكتور غازي القصيبي يعمل جاهداً ومجاهداً في هذا الصدد، وهو ممن تمرس في مجال سد الأبواب أمام كل محتال ولعّاب ولا يحتاج لأكثر من الصلاحيات القوية للحد من المتاجرة في العمالة الأجنبية!!

اقتراحي يكمن في سن آلية مرنة لاستبدال الموظف السعودي في القطاع الخاص بآخر إذا أبدى رب العمل تذمراً من أدائه، فما يحدث حالياً هو استحالة فصل الموظف السعودي المقصر في أداء عمله حتى رغم استيفاء مسببات الفصل من تواصل الغياب أو رفض العمل.. الخ مما جعل مجرد تعيين موظف سعودي في إحدى الشركات بمثابة (منحة أبدية) فربُّ العمل لا يستطيع التخلص من موظف سعودي متقاعس بينما الموظف يمكنه ترك العمل في اليوم التالي إذا وجد أفضل منه.

هذا الأمر جعل القطاع الخاص يحسب ألف حساب لتعيين موظف سعودي وقد يكون أحد أسباب التخوف من السعودة لدى مؤسسات القطاع الخاص خاصة الصغيرة منها، فما أن تنتهي من مشكلة إلغاء عقد موظف سعودي بعد جهد جهيد مع مطالباته وشكاويه حتى «تحلف» أن لا تعيد نفس التجربة مرة أخرى، وأعتقد «غير جازم» أن تطبيق آلية مرنة تقوم على أساس استبدال سعودي بآخر عند فشل الأول سيحقق أمرين إيجابيين: الأول اطمئنان رب العمل أن الخلاص من موظف سعودي متقاعس بات ممكناً وبالتالي لا مانع من خوض التجربة مع آخر، عسى ولعل أن يكون جاداً ومناسباً وبذلك نتخلص من فوبيا السعودة ولا ندعها حجة للباحث عن الحجج.

أما الأمر الإيجابي الثاني فهو أن بديل السعودي هو سعودي آخر بناءً على هذه الآلية وبالتالي فإننا نوظف رقماً جاداً أو عسى أن يكون جاداً بدل رقم متخاذل ومثلما أن القانون لا يحمي المغفلين فإنه يجب أن لا يحمي المتخاذلين وأن يكون البقاء للأصلح وتبقى فقط قضايا التظلم من الوقوع ضحية للمؤامرة أو الاستهداف وهذه من السهل التعامل معها كحالات فردية إذا توفرت المرونة.

احذر مستشارك

عندما يتظلم شخص واحد فقط ويورد حججاً قوية وأسئلة منطقية فإنه جدير بأن يقارع بالحجة وتجاب استفساراته بأجوبة مقنعة أو يقبل تظلمه ويرد له حقه.
وعندما تكون الشكوى من مائة شخص أو أكثر ويتفقون على نفس الحجج والتساؤلات فإنهم أقرب الى الحق من الإدارة التي ادعواعليها ولابد للمسؤول أن يضع في حسبانه أن ادارته تعاني من خلل ما أدى إلى تضرر كل هؤلاء وتظلمهم ويحاول جاهداً أن ينصفهم ويصحح أخطاء إدارته.

وعندما يتظلم أكثر من ألف شخص من وضع واحد فأعتقد أن من المستحيل أن يتفق هذا العدد على ادعاء ما ويكون الحق مع خصمهم فهذا التظلم لابد أن يكون محقاً ولابد من ترك كل صور البيروقراطية وحجج النظام وإعطاء هؤلاء حقهم دون تردد أو مجاملة لموظف أو حتى مسؤول لأن العدد وحده كاف للإقناع، بل إن كل دراسات وأبحاث العالم وما ينتج عنها من استنتاجات تقوم على دراسة أعداد من الناس تقل عن هذا الرقم ومع ذلك تعتبر النتيجة حتمية ومقنعة وموثوقة.

من جانب آخر ذو علاقة فإنني أتمنى على كل من يقف على رأس الهرم في أي مؤسسة حكومية. سواء كان وزيراً أو محافظاً أو رئيس مجلس ادارة أو من هو في حكمهم أن لا ينسى أمراً مهماً وهو أن الفارق كبير في الحكم على القضايا ذات المساس بشريحة كبيرة من المجتمع بين المسؤول الذي هو في الواجهة كالوزير وبين أحد موظفيه أو مستشاريه ممن هم ليسوا في الصورة أمام الناس، وربما لو وضع هؤلاء في فوهة المدفع لكان حكمهم على القضية نفسها مختلفاً وحاولوا حماية أنفسهم وتحسين صورهم في أذهان الناس.

يعطي المستشار رأيه وهو خلف الكواليس فيضع نصب عينيه فقط مواد النظام وفقراته ولا يعنيه مطلقاً حجم الشريحة التي سيؤثر فيها هذا الرأي أو عدد المتظلمين ونظرتهم للوزارة ممثلة في شخص الوزير، هذا إذا أخذنا احتمال حسن النية، رغم أن ثمة احتمالاً ليس ضئيلاً بأن رأيه كان ينطوي على رغبة في خلق انطباع سلبي عن المسؤول لدى شريحة كبيرة من الناس.

المسؤول الذكي – في رأيي المتواضع – لا يأخذ عبارة «النظام لا يسمح» على علاتها خاصة عندما يتعلق الأمر بشكوى عامة لشريحة كبيرة لا يمكن إلا أن تكون على حق وأنها ضحية تقاعس غير مكترث أو خلل في الأنظمة ويفترض أن يضع نصب عينيه حقيقة أن مد جسور من الحب بينه كمسؤول وبين عدد كبير من الناس عنصر هام يفترض ان يضعه في ميزان حكمه وأن أحداً من مستشاريه أو موظفيه البيروقراطيين لا يعنيه هذا الجسر أو قد يهمه إضعافه لذا فإن رأيه لا يؤخذ على إطلاقه وأن من أهم أسباب تميز الوزير بصلاحيات مفتوحة لمنع الاستثناءات هو كون حكمه على كل قضية منفردة تحكمه نظرة واسعة شاملة تحسب حساباً لكل أبعاد الحكم وليس مجرد ما تسمح أو لا تسمح به الأنظمة حسب رأي موظف لا يعدو كونه وعاء لحفظ مواد النظام لا يفكر أو يفكر بأهداف سلبية.

ثم إن تفاعل الوزير أو المحافظ أو رئيس مجلس الإدارة مع أصحاب المطالبات بالاقتناع أو الإقناع أمر بالغ الأهمية للوطن وليس لذلك المسؤول وحسب فمن أسباب شيوع الحب في الوطن وللوطن أن لا نترك في قلب أحدهم غصة لاعتقاده أنه مظلوم فإذا كانت الأعداد كبيرة أصبح أمر إزالة «الغصص» أكثر أهمية.

ضحايا المجاملات

بالرغم من أننا قطعنا شوطاً جيداً في الشفافية والحوار وقبول الرأي الآخر، ونحن في هذا الطريق سائرون، إلا أن دوائرنا الحكومية فيما بينها لاتزال تتبع أسلوب التحفظ الشديد والمجاملة والصمت وعدم التعبير الذي ينعكس سلباً على كثير من المستفيدين أو المواطنين كما يحلو لنا تسمية الطرف الثاني في العلاقة بين الدوائر الحكومية والمستفيد.
لو كان هذا الصمت على المستوى الاعلامي فقط لقلنا إن الجهات الحكومية لدينا تتحاور فيما بينها وليس من الضروري أن يخرج الصوت للاعلام.

لكن بعض الأمور الهامة ذات العلاقة بالمواطن والتي تختلف فيها وجهات النظر بين دائرة واخرى بوضوح تبقى معلقة بين وجهة نظر وزارة وأخرى دون أن تحل، بدليل أن المواطن يعاني من هذا الاختلاف دون حتى مجرد أخذ ورد بين دائرة وأخرى مما يدل دليلاً قاطعاً على وجود اختلاف في وجهات النظر مع عدم ابداء هذا الاختلاف أو مناقشته!!

خذ على سبيل المثال المشكلة المستعصية لأكثر من ألف وأربعمائة خريج دبلوم لغة انجليزية لمدة سنتين من أكاديمية الفيصل العالمية تحت اشراف جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية الذين دفع كل منهم 25000 ريال هي تحويشة العمر على وعد من اعلانات الجامعة في الصحف بأن الدبلوم معتمد من وزارة الخدمة المدنية على المرتبة السادسة وتصريحات عدد من المسؤولين من وزارة التربية والتعليم أذكر منهم رئيس وحدة اللغة الانجليزية بالوزارة لجريدة عكاظ ذكر بالحرف الواحد أن الفرصة ستتاح للحاصلين على دبلوم الإنجليزية وكليات المعلمين بتدريس هذه المادة في الصف السادس. لكنهم فوجئوا بعد التخرج برفض وزارة التربية والتعليم القاطع لقبولهم بحجة أن الوزارة لا تقبل إلا حاملي البكالوريوس!!

دعونا الآن من مساءلة وزارة التربية والتعليم في شرط البكالوريوس لتدريس أبجديات مادة جديدة لطلاب مرحلة ابتدائية لنسأل السؤال الأهم وهو أن اعلانات عمادة المركز الجامعي لخدمة المجتمع والتعليم المستمر كانت تنشر تحت سمع وبصر وزارة التربية والتعليم وكانت تحدد بوضوح انه دبلوم تأهيل معلمي اللغة الانجليزية للمرحلة الابتدائية وانه مصنف على المرتبة السادسة وكان وقت الاعلان يتزامن مع حادثة اخرى حصلت لمئات من خريجي أحد المعاهد الصحية الذين رفضتهم وزارة الصحة وجمعية الهلال الأحمر وانتشر صيت القضية حتى أصبحت اجتماعية، فلماذا لم تبين وزارة التربية والتعليم موقفها في حينه عن طريق نفس وسائل النشر أو في اجتماع طارئ عاجل مع جامعة الامام ووزارة الخدمة المدنية التي صنفت الدبلوم، بل لماذا لم تصحح تصريح رئيس وحدة اللغة الانجليزية المشار اليه في حينه؟!

نعود لنفس المربع الأول في بداية الموضوع وهو أن الدوائر الحكومية تجامل بعضها وتتحفظ على حساب المواطن!!.

هؤلاء الشباب طرقوا كل الأبواب وحجتهم قوية واحدى حججهم أظهروها لوزارة التربية والتعليم في لقائهم مع الوزير وهي لائحة الوظائف التعليمية المنشورة في جريدة الجزيرة في 23/9/1424هـ والتي تحدد (للمستوى الثالث أحد المؤهلات التالية وذكر في الفقرة ب دبلوم تخصص في حقل التعليم لمدة لا تقل عن سنتين بعد الثانوية العامة). ولكن رغم قوة حججهم فاإهم وقعوا ضحية صمت دائرة تجاه اخرى وربما انهم ضحايا أكثر من مجرد صمت ولكن مواقف متعنتة.

أستشهد بهذا المثل لأن وزارة التربية والتعليم أكثر الوزارات دعوة للحوار وقبول الرأي الآخر وانشاء المجالس التي ترسخ هذا المفهوم بين الطلاب وأملي أن تقبل رأيي هذا حول النتائج المأساوية في المجاملات الوزارية!.

فراغ هيئة الغذاء!!

الهيئة العامة للرقابة الغذائية والدوائية صدر قرار مجلس الوزراء بإنشائها في السابع من المحرم عام 1424هـ لتكون هيئة ذات شخصية اعتبارية لها ميزانية مستقلة ترتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء وتناط بها جميع المهمات الاجرائية والتنفيذية والرقابية التي تقوم بها الجهات القائمة حالياً ومنها بطبيعة الحال وزارة الصحة فيما يخص الدواء ووزارة التجارة والصناعة فيما يخص الغذاء والهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس فيما يتعلق بالمقاييس والمواصفات ذات العلاقة بالغذاء والدواء.
وهذه الهيئة العامة للرقابة الغذائية والدوائية كانت بمثابة بشرى سعيدة طال انتظارها لتحقق أهدافاً طالما ضاعت بين الوزارات المعنية لتداخلها وحساسيتها وحاجتها لجهة مستقلة ولعل أهم هذه الأهداف التي ركز عليها القرار الصادر بإنشاء الهيئة هو ما يتعلق بسلامة الغذاء والدواء للإنسان والحيوان ووضع سياسة واضحة للغذاء والدواء والتخطيط لتحقيق أهداف هذه السياسة.

القرار حدد أن تباشر الهيئة مهماتها على مرحلتين، مرحلة أولى ومدتها خمس سنوات تبدأ من تاريخ القرار وتباشر فيها الهيئة المهمات الاجرائية والتقييسية والرقابة الاشرافية أما المرحلة الثانية فتبدأ بانتهاء السنة الخامسة من المرحلة الأولى وتباشر فيها الهيئة المهمات التنفيذية اضافة إلى مهمات المرحلة الأولى.

لفت نظري ما نشر من تقرير مفصل في جريدة الاقتصادية يوم الأربعاء الماضي حول ما يسمى بمشروبات الطاقة وهي مشروبات ثبت ضررها وخطورتها على الصحة وأن لا علاقة لها بإمداد الجسم بطاقة حرارية أو قوة كما يقال بل ان لها تأثيرات منبهة وتزيد دقات القلب وتسبب التعود لاحتوائها على مركبات تطرقت لها في مقال سابق بعنوان “القرار الهش” ووعدت ان أعود للتحدث عن دور هيئة الغذاء والدواء.

الملفت للنظر ان هذه المشروبات الضارة نوقش خطرها عن طريق لجنة خاصة لا علاقة لها بالهيئة العامة للرقابة الغذائية والدوائية وخرجت اللجنة بقرارات أو توصيات هشة لا تعدو اجراءات تنظيمية لتسجيل هذه المشروبات “أي تناولها مسجلة وإحداث أضرارها تحت غطاء قانوني”. ولا أرى مساحة كافية لإعادة ما كتبته حول ذلك القرار، لكن السؤال هو لماذا لم تمارس الهيئة مهمة المرحلة الأولى في هذا الصدد من وجهة نظر اجرائية وتقييسية ورقابة إشرافية؟ فعلى أقل تقدير ان تمارس الهيئة دورها بتشكيل اللجنة والاشراف على التوصيات وطلب تفعيل قرار قوي مفيد يضمن حماية إنسان هذا الوطن من مستحضرات أو منتجات هي في الواقع ليست دواء فنتحمل أضراره لتحقيق نفع وليس غذاء له قيمة غذائية.

لا أدري ماذا تنتظر الهيئة العامة للغذاء والدواء لتبدأ المرحلة الأولى رغم مرور حوالي سنتين على القرار، ورغم أن ثمة مواضيع كثيرة يمكن للهيئة رسم سياساتها ووضع الاستراتيجيات لها حتى قبل مرحلة الصلاحيات التنفيذية؟!

لعلي ألفت نظر مجلس ادارة الهيئة الموقر وفي عضويته معالي وزير الصحة ومعالي وزير الصناعة والتجارة ومعالي وزير الزراعة إلى ان الخطر الحقيقي يكمن في فترة الثلاث سنوات المتبقية لبدء ممارسة الهيئة لصلاحياتها التنفيذية لأن هذه الفترة تشكل مرحلة فراغ سلطة تنفيذية ولو بشكل نفسي لأن الادارات المعنية في الجهات القائمة حالياً كوزارة الصحة والصناعة والتجارة والزراعة وهيئة المواصفات والمقاييس تمارس بالكاد مهامها الروتينية بأقل حماس ممكن لأنها تعلم ان الصلاحيات ستنتقل منها لا محالة وغياب المسؤولية المستقبلية يدعو (شئنا أم أبينا) إلى توقف جهد الابداع ورسم السياسات، والهيئة الجديدة تعيش نشوة التعيين وتنعم بمهلة طويلة بقي منها ثلاث سنوات عدداً وبالتالي فإن فراغ السلطة التنفيذية تزداد خطورته وقد يؤدي إلى دخول منتجات يصعب سحبها بل يستحيل إذا أخذت طابع القانونية طالما أوصت اللجنة ان يتم تسجيل هذه المنتجات الضارة!!

حذار

نجح الإعلام السعودي بكافة وسائله المرئية والمسموعة والمقروءة في التعامل مع ماشهده الوطن من محنة الإرهاب وكان أساس النجاح في نظري عدة عوامل منها:
التعامل بمهنية عالية مع النتائج المأساوية لما حدث من إفساد في الأرض وتخويف للآمنين وتغطية أخبار الأعمال الإرهابية والتعامل معها حيّاً على الهواء ونقل ما حدث ويحدث نقلاً مباشراً بكل ما فيه من مآسٍ ومفاخر، مآسٍ للضحايا ومفاخر لرجال الأمن ولعل قناة “الإخبارية” الاوفر حظاً في التغطية الحية حيث أبدت مهنية رفيعة لشباب جدد في تواجدهم امام “الكاميرا” وخلف الميكرفون لكنهم كبار في طموحهم وقدراتهم ومخزونهم اللغوي وثقتهم في انفسهم ورزانتهم في الانتقال المباشر الى المشاهد دون حواجز او “مونتاج” او “رقابة” تخفف عنهم حمل المسؤولية “وكم هي كبيرة مسؤولية الكلمة المباشرة والصورة المباشرة فقد اسقطت امبراطوريات وليس خريج إعلام جديد في بداية طموحه وتجربته”.

الشباب السعودي في “الاخبارية” دخلوا الامتحان من أصعب أبوابه وأخطرها وفي أكثر مواده حساسية حيث لا”دور ثاني” ولا إعادة امتحان، إما نجاح في أول الطريق أو عودة من أوله أيضاً.

العامل الثاني لنجاح الإعلام السعودي في التعامل مع هذه المحنة – ولا أقول تلك المحنة لأنها لم تنته بعد – كانت الريادة فيه للقناة الاولى عندما فتحت أبواب الحوار والتوعية على مصراعيه وجندت طاقتها لمناقشة قضية الإرهاب على بساط كبير واستقطبت نخب المجتمع في العلم الشرعي والفكر والإعلام والثقافة والمؤسسات الاكاديمية.

القناة الثانية والقناة الرياضية لعبتا ايضاً دوراً كبيراً استغلت فيه كل واحدة منهما طابعها الخاص والشريحة التي تتوجه لها في الغالب.

إذاعة القرآن الكريم وإذاعة الرياض والبرنامج الثاني بل الإعلام المسموع بصفته العامة رغم محدودية “فيزيائيته” وهي مخاطبة القناة السمعية كان في قمة لياقته وتركيزه علماً انه السابق بين كل أشكال الإعلام في طرحه الشفاف والجريء منذ زمن وفي كل مناسبة.

الاعلام المقروء لايستغرب عليه ما قدم فهو ليس بالجديد في معايشته للأحداث بصراحة وشفافية ونقد للواقع بكل صوره بكل ما اوتي من امكانيات وقدرات خبيرة وتعاملها قديم مع مناسبات كثيرة كان دائماً خلالها (الإعلام الحر بعقل) وهي خاصية فريدة في هذا الوطن فكثيراً ما تقترن زيادة هامش الحرية بشيء من التهور في دول كثيرة تدفع أحياناً ثمن تهور إعلامها المكتوب!!.

بقي أن نقول خلاصة القول وهي أن ذك النجاح الإعلامي الكبير يجب أن لايقع ضحية للشعور الخاطئ بانتهاء المهمة أو قصر النفس أو مايسمى باستراحة المحارب لأن المهمة لم تنته بعد فنحن أمام معالجة فكر وليس حادث انتهى. إن علينا أن نستمر بنفس القوة ونفس المهنية ونفس الرزانة لأن طريق التوعية طويل جداً بل ولانهاية له.

يجب أن لانكون إعلامَ حدثٍ وحسب لأن دورنا لم يكن مجرد تغطية الحدث ولكن منع تكراره.

حذار من إعلام الجرعة الواحدة فنحن أمام مرض عضال يحتاج إلى الاستمرار على مضاداته الفكرية.

حصانة العلم الشرعي

لابد لنا أن نسجل ملاحظاتنا الشخصية بتجرد تام علنا نسهم في لفت النظر لسلوك قد يغيب عن ذهن غيرنا عطفاً على أن ما تلاحظه قد يفوت على غيرك والعكس صحيح.
شخصياً لاحظت أن البعض – وليس الكل بطبيعة الحال – مهما بلغ من الثقافة أو المركز المالي أو المركز الوظيفي أو الدرجة العلمية إذا أراد أن يداخل في موضوع طبي مثلاً في مجلس يجمعه بالأطباء فإنه يبدأ وينتهي بعبارة جد مؤدبة يكرر فيها اعتذاره للأطباء بتدخله في مجال تخصصهم الذي يجهله، ويعيد ويكرر إنني لا أفهم في مجال الطب ولكنني سمعت أو قرأت أن المرض الفلاني يمكن معالجته بالطريقة الفلانية أو أن الدواء العلاني ينفع لعلاج حالة معينة.

نفس الشخص عندما يكون الحديث عن شأن يختص بالعلم الشرعي فإنه يناقش فيه بإلحاح ودون تلك العبارة الاعتذارية رغم أن خلفيته في العلم الشرعي ضئيلة جداً قياساً بعمق هذا العلم وقد لا تعدو ما تعلمه من مبادئ في مراحل التعليم العام أو ما مر عليه سماعاً أو بقراءة عابرة، وهذا التعدي على العلم الشرعي غريب وغير مبرر.

ورغم أنني أنتمي إلى فرع متين من فروع العلوم الصحية هو الصيدلة وهو الأقرب للفرع الآخر علم الطب فإنني أرى أن العلم الشرعي هو الأجدر بالحصانة بأضعاف مضاعفة آلاف المرات إذا قورن بالعلوم الصحية ومنها الطب فالعلوم الصحية متغيرة عرضة للتطوير والتحديث وربما التغيير المعاكس لما كانت عليه لأن بعضها وإن قام على حقائق علمية فإن جلها قائم على نظريات.. أما العلم الشرعي فثابت منبعه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن يريد أن يجادل علماءه لابد أن يمر بما مروا به من تعمق في القرآن الكريم وحفظ بعضهم له عن ظهر قلب وإلمام بتفسيره الصحيح الراسخ ودراسة عميقة للسنة النبوية المطهرة وإبحار طويل في علم الحديث ورواته يميز الصحيح والحسن والضعيف والموضوع ومعرفة المسائل التي أجمع عليها أهل العلم وتلك التي كانت موضع خلاف.

لابد لكل من يريد أن يخوض في أحد الأمور ذات العلاقة بالعلم الشرعي أو يفتي فيها بما يراه أن يدرس كل ما ذكر دراسة متأنية، وإذا فعل، فأجزم أنه سيتحول من التشكيك في حكم ما إلى الدفاع عنه ومن التهور إلى العقلانية.

محصلة القول أنني لم أجد لملاحظتي تلك والمتمثلة في التأدب عند الخوض في حديث عن أمر طبي والتجرؤ غير المحدود عندما يكون الحديث عن شأن شرعي أقول لم أجد لها سبباً يبررها ولا تفسيراً لهذا المسلك المتناقض في التأدب مع تخصص والجرأة على آخر ولعله أحد أسرار النفس البشرية الأمارة بالسوء وواجبنا يقتضي أن لا نتيح لها ذلك وأن نرسخ مفهوم حصانة العلم الشرعي في كل المناسبات إذا أردنا أن نحصن مجتمعنا شباباً وشيباً، نساءً ورجالاً، أطفالاً وبالغين.

القرار الهش

حقيقة أستغرب كثيراً هشاشة القرار لدينا فيما يختص بما يضر بالصحة من الأغذية والمشروبات عديمة الفائدة والتي هي في الواقع ضرر في مجملها وليس لها أي مردود صحي ايجابي أو أي قيمة غذائية على الإطلاق.
ومصدر الاستغراب الشديد هو اننا نمتلك قدراً كبيراً من الإدراك لاقتصاديات الصحة وتكلفة علاج آثار ما يضر بالصحة سواء في أجهزتنا الحكومية أو مؤسساتنا العلمية ومواطن صنع القرار أو تقديم المشورة حول القرار، هذا من جانب الإلمام باقتصاديات الصحة.

ومن جانب إدراكنا لمستوى الوعي الاجتماعي المتدني لدى عامة الناس ومعرفتنا بعدم قدرة نسبة كبيرة منهم على استيعاب التحذيرات الصحية والنصح فإننا أيضاً لدينا خلفية جيدة تدرك اننا لا يمكن أن نقارن في هذا الجانب “وأعني مستوى الوعي الاجتماعي” مع دول متقدمة يكفي النسبة الكبرى من شعوبها أن تعرف الحقيقة لتقرر الامتناع عن تناول ما يضر من عدمه ولعل لنا في التدخين عبرة فبالرغم من أنه اضمحل في دول أوروبا واختفى تقريباً في ولايات أمريكا إلا أنه في ازدياد عربياً وخليجياً وفي بلادنا تحديداً رغم تكثيف الحملات التوعوية والجهد العظيم للقائمين على مكافحة التدخين وعلاج إدمانه.

هشاشة القرار الذي يتخذ حيال المشروبات والأغذية المضرة بالصحة لا يتناسب مطلقاً مع ما ذكرناه من الوعي باقتصاديات الصحة وحجم الأضرار وشح الوعي الاجتماعي.

خذ على سبيل المثال ما يسمى بمشروعات الطاقة والتي لا أقول كثر الحديث، ولكن كثرت التقارير العلمية الموثقة عن انها مشروبات هدم طاقة صحية وجسمانية ومشروبات كلها ضرر صحي تنذر بأمراض نفسية وجسدية يصعب علاجها وتكلفته مرتفعة وما زلنا نتعامل مع أمر منعها بمنتهى الهشاشة تماماً كما فعلنا مع منتجات ولا أقول أغذية بالغة الضرر مثل “الشبس” و”الفشفاش” وما تحتويه من نسبة كبيرة من الصبغات الضارة التي لم ننجح حتى في منعها من التواجد في المقاصف المدرسية وحول المدارس إلا بقدر بسيط جداً وكأنها موضع خلاف.

نشرت جريدة الاقتصادية في عدد يوم الأربعاء الماضي 12شوال 1425هـ تقريراً موسعاً وملوناً مدعوماً بالصور وحديث الأطباء واخصائيي التغذية عن محتويات ما يسمى بمشروبات الطاقة من المواد الضارة التي لا علاقة لها بزيادة الطاقة الحرارية للجسم بل بزيادة الطاقة المنبهة مثل الكافيين والتورين والجنسنج وغيرها والتي تسبب أضراراً مثل القلق وزيادة حرارة الجسم وزيادة ضربات القلب واضطراب النوم وتسوس الأسنان والتبول والتعود والأعراض الانسحابية وتأثيرها على مرضى القلب والحوامل. ولو كانت تلك الأضرار أضراراً جانبية لدواء نافع في عمومه فإنها مدعاة لوقفه أو الحد من استعماله.

ومع أن هذه المشروبات ليست دواء ولا نفع فيها وتضر بالصحة وستكلفنا علاج هذه الأضرار إلى جانب الأهم وهو خسارة فادحة في صحة ونفسيات أجيالنا الحالية والقادمة كمواليد من أمهات يتناولنها على انها مشروبات طاقة فإن التوصيات والقرار لا تعدو ضرورة تسجيلها في وزارة الصحة و”التوصية” غير المنفذة بوقف تسويقها حتى يتم وضع تحذير أو لاصق يبين حقيقة محتوياتها وإزالة العبارات في الدعاية أو الملصق التي تشير إلى انها مشروبات طاقة.

هذا القرار أو التوصية الهشة التي لن ينفذ منها إلا خطوة أهش بكثير تفترض خطأ أن مجتمعنا يستجيب للتحذيرات الصحية وكأنه ليس نفس المجتمع الذي لا يكترث بلاصق التحذير على علبة السجائر إلا عند البحث عن تاريخ الانتهاء وكأن التدخين لا يضر إلا عند انتهاء تاريخ السيجارة!!.

للحديث بقية قريبة عن دور هيئة الغذاء والدواء التي لا تزال بعيدة عن القرار.

لا تنحروا الانتخابات

شخصياً لا أؤيد استعجال الحكم على الإقبال على تسجيل الناخبين والقلق من تدني أعداد المقبلين على التسجيل عن الحد المتوقع، لأن الوقت لا زال مبكراً ليس قياساً بعدد الأيام الخمسة التي مضت ولكن قياساً بالطبيعة الخاطئة لمجتمعنا الذي لا يتحرك إلا في آخر يوم حتى وإن كان الأمر يعني أكثر الأشياء فتنة وهو حب الثراء فتجده لا يتوجه لمراكز الاكتتاب في مساهمة تشهد إقبالاً إلا في آخر يوم، وحتى في توفير احتياجات منزله التي تعنى بغريزة أخرى هي إشباع البطن فهو لا يتسوق لرمضان إلا في آخر يوم من شعبان رغم أنه يعلم أن رمضان قادم منذ سنة.
فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بالتفاعل مع خطوة وطنية هي الأولى نحو مصلحة له لم يدرك بعد أبعادها وإيجابياتها وخطورتها على مستقبل مشاركته في القرار لاحقاً، ولم تتم توعيته بالدرجة الكافية لاستيعاب هذا المفهوم وإن كانت تمت دعوته للمشاركة بكثافة فبعض المواطنين ينفر مما يدعى إليه بإلحاح خاصة إذا لم يتوفر لديه مخزون كاف من الوعي والإدراك بمصلحته أو أن الدعوة أساسها منفعة لم يدركها.

لعل الاستشهاد بمثال لنتائج التخاذل في تجربة انتخابية أقصر الطرق للتحذير من التخاذل فأنا أتوق للأمثلة من الواقع حتى وإن كانت صغيرة أو محدودة.

يقوم اختيار رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الصيدلية السعودية على الانتخاب وهي من أوائل الجمعيات المهنية التي شكلت في بلادنا وفي إحدى الدورات لترشيح مجلس “لا أريد تحديده لأن الهدف الاستشهاد وليس الانتقاد” تخاذل فطاحلة الصيادلة عن التوجه لصناديق الاقتراع ناهيك عن ترشيح أنفسهم للعضوية في المجلس، مع أنهم من الصيادلة الذين لديهم تجربة طويلة ومعاناة مع وضع المهنة والنظرة لها ولهم آراء نقدية حادة وجيدة. وكانت النتيجة أن غالبية الأصوات كانت لمجاميع قليلة الخبرة حديثة التخرج مملوءة بالحماس للسيطرة على المجلس وفرض توجه أحادي يخدم التوجه ولا يركز على تصحيح وضع المهنة وإعطائها المكانة التي تستحقها وتستطيع من خلالها فرض مفاهيمها الصحيحة التي تنعكس ايجاباً على المريض المستهدف بالرعاية الصحية، لأن مهنة الصيدلة – ولا أقولها تعصباً – لو أخذت ما تستحق فإنها أول “وأؤكد أول” عناصر حماية المريض، والصحيح قبل أن يمرض، ويكفي أنها أول أشكال الرعاية الصحية على وجه التاريخ.

فشل ذلك المجلس الصيدلي أعاد المهنة إلى نقطة الصفر فكان أول المتقدمين وأول النادمين هم من امتنعوا عن التوجه لصناديق الاقتراع بينما لا ذنب لمن تم ترشيحهم لأنهم وصلوا بعملية جد “ديموقراطية” لكنها لم تكن مدعومة بالوعي الكافي بخطورة العملية الانتخابية.

إن علينا كمواطنين أن ندرك أن عدم توجهنا للتسجيل أولاً سيحرمنا من ترشيح أنفسنا وسيحرمنا من ترشيح من نرى فيه مصلحة بلدتنا وبلادنا وسيترك الغالبية الواعية المجال لكثرة قد لا تعي غير مصالحها الخاصة ونزعتها “القرابية” التي يسيرها الدم وليس العقل والدم ليس إلا سائل ينسكب على الأرض إذا لم يحقنه العقل!!

إن علينا أن نقتنع كمواطنين أن نجاح هذه التجربة الانتخابية الأولى – بعد انقطاع – أمر يحدده توجهنا للتسجيل أولاً والاقتراع ثانياً وأن نجاحها يحدد مستقبل تطبيق تجارب مشابهة في مجالات أخرى وأن علينا أن نعمل على إنجاح هذه الخطوة الأولى مع تجاهل كل رغباتنا الشخصية وتعاطفنا مع القريب والصديق لأن الانتخاب ليس صدقة يفترض أن نراعي فيها الأقربين ولا منفعة فردية نبر بها الصديق والحبيب.

إن علينا أن نعمل لأن يصل لهذا المجلس من ينفعه، ولا ينتفع به بالضرورة، ومن لديه الفكر النير والتخصص والطاقة للعطاء والغيرة على المدينة والوطن، وهذا لن يحدث ما لم نجعل اصواتنا مسموعة بتسجيلها ونحث من نرى فيه تلك الصفات على ترشيح نفسه بعد تسجيل اسمه.

استراتيجية عربية للجراد

غزو الجراد لعدد من الدول العربية على التوالي وتعامل كل دولة مع هذا الهجوم بطريقتها الخاصة التي تفتقر للاستراتيجية الموحدة ربما كان من الضار النافع الذي يلفت انظارنا إلى أن صعوبة تنسيق المواقف السياسية العربية أحياناً ليس سببه الطبيعة الخاصة أو المعقدة للسياسة أو حساسية الموقف السياسي لاعتبارات مصالح كل بلد وتعهداته ودبلوماسيته.. وكأن الجراد جاء لتبرئة السياسة.
أسراب الجراد تطير بخط سير شبه معروف سلفاً، وفي هجمته لهذا العام لم يمارس الجراد أي تمويه أو تكتيك مخادع لخصومه، فقد سلك نفس خط السير المتوقع، بل إنه ساير أوضاع السياسة العالمية ومراكز القوى، فقد مر على فلسطين المحتلة أو ما يسمّى “إسرائيل” وعلى مدينة إيلات جنوب البحر الميت مرور الكرام دون أن يحدث أضراراً تذكر وكأنه يعلم أن أمريكا قد تلتفت إليه إذا هدد المصالح الإسرائيلية وتعتبره إرهابياً وتطارد فلوله في حرب تقضي على الحمام وطير الوروار وطائر الحب والبلبل الشادي وفراخ الحجل وتعجز عن الجراد!! لكن الجراد لا يريد أن يكون سبباً لإبادة مخلوقات أخرى.

الملفت للنظر هنا هو أنه حتى في أزمة الحرب على الجراد ورغم أنه سلك خط السير المتوقع فقد اختلف العرب ولم تكن لهم سياسة موحدة أو حتى تنسيق في طريقة التعامل مع أسراب الجراد فهذا بلد عربي يرشه بالمبيدات وبلد آخر يصدر فتوى بأكله كوسيلة للقضاء عليه وبذلك فإن الجراد المرشوش في بلد عربي سوف يؤكل في بلد عربي آخر بفتوى شرعية، ثم تواصل الأسراب الناجية من الرش أولاً والأكل ثانياً إلى أرض عربية ثالثة مستعدة لرشه بنوع آخر من المبيدات بينما أبناء البلاد العربية الرابعة على خط سير الجراد ينتظرون وصول أسرابه بالقناديل ويحتفلون بوصوله ويستعدون لتعبئة الأكياس وتناوله كوجبة شهية في طقوس احتفالية!!

ألم يكن بالامكان أن نتفق على أقل تقدير في حربنا مع الجراد على أحد “تكتيكين حربيين” إما “نأكله” أو “نرشه”؟!، حتى لا يأكل بعضنا جراداً رشّه البعض الآخر!!

حصل هذا الاختلاف مع أن الجراد ليس عضواً في الأمم المتحدة ولا دولة عظمى ولا عضواً دائماً في مجلس الأمن وليس له وزير خارجية مستقيل ستخلفه السيدة جرادة وليس له مصالح مشتركة مع الدول العربية ولن يؤثر في موازين القوى في المنطقة وليس محتلاً تحميه الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام “الفيتو” ضد أي قرار نتخذه بحقه وليس للجراد “كونجرس” ولا محافظون ولا صقور.

ولا أتذكر أن الجراد يربطه بأجدادنا العرب أي معاهدات أو التزامات سوى معاهدة “كل ونأكل” والتي أهم بنودها أن يأكل الجراد المحاصيل ونأكل نحن ما نتمكن من اصطياده منه ويواصل الناجي خط سيره كوجبة متحركة تسير بسرعة 20كلم في الساعة لتتوجه إلى بلد مجاور تأكل منه ويأكل منها وهكذا..

إذاً فالجراد مهاجم بسيط وفر لنا كل سبل الاتفاق حول مكافحته ولم نتفق فمتى نتفق؟!