ما كان لنا عليكن من سلطان

انتظرت عنوة، ومر أسبوعان على خبر نشرته صحيفة الوطن حول إجبار الفتيات العاملات في محلات العطور والزينة والمستلزمات النسائية على تحميل البضائع والقيام بأعمال النظافة، ورغم مرور هذه المدة الطويلة لم يتطرق أحد من مؤيدي عمل المرأة في تلك المتاجر لمعاناتهن!، ليس هذا فحسب، بل أن الوسم (الهاشتاق) الذي عمل حول هذا الخبر لم يهب للمشاركة فيه أي ممن كان (يصرخ) في القنوات مؤيدا عمل الفتيات في بيع المستلزمات النسائية والمكياج والعطور!!.
كأنهم كانوا يريدونهن أن يعملن فيها وحسب، لحاجات في أنفسهم، ليس من بينها حقوقهن أو صالحهن أو عطفا عليهن!، بل كأنهم عندما يرونهن نادمات يواجهن ما كنا نحذر منه من عدم توفر أرضية مناسبة من حيث الاحتياجات الإنسانية كدورات المياه والنقل وتنظيم العمل والحماية القانونية، أو يرونهن يستغلين أسوأ استغلال فيندمن ويتحسرن على واقعهن، سيقولون لهن (ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان).
حذرنا مرارا وتكرارا من أن الاستعجال في توظيف الفتيات في الأسواق ومحلات الملابس والمستلزمات النسائية قبل توفير أرضية أساسية لهذه الخطوة ستؤدي إلى كوارث!، والأرضية الأساسية التي لم توفر بعد تشتمل على توفير الحماية النظامية المفصلة لعقد العمل وتوفير دورات المياه المهيأة لاحتياج فتاة تعمل لساعات طويلة وتوفير أماكن تناول الوجبة الغذائية والقهوة والشاي بستر وراحة وتوفير وسائل نقل جماعية وفي أوقات مختلفة تتناسب مع الدوام وتوفير قنوات سرية للشكوى (أي شكوى من أي شكل من أشكال الممارسات المتوقعة).
ومع كامل الاحترام لتعليق متحدث وزارة العمل تيسير المفرج على الخبر بقوله بعدم تدخل برنامج تأنيث محال الملابس النسائية في مهام العمل وأن على من يطلب منها ما لم تعوض عنه أو خارج نطاق المهام، تقديم شكوى!، ومع كامل الاحترام لتصريح لاحق لناجي الأحمدي مدير التفتيش بمكتب العمل بالمدينة المنورة بأن المكتب سيراقب ويفتش ويحاسب، أقول لماذا تبرأ البرنامج من المهام وهو الذي حدد وخصص طبيعة المحال؟!، وأين مراقبتك وتفتيشك ومحاسبتك قبل أن ينشرن شكواهن خائفات مما سيتعرضن له من قمع التجار ومختفيات بأسماء رمزية لعلمهن أنهن للعقاب أقرب من الحماية؟!.
لقد ذكرت في هذه الصحيفة المباركة تحت عنوان (دسوقي مدير بائعة العطور) الذي تحرش بالبائعة، وما تبعه من مقالات، أن مكاتب العمل مخترقة من قبل أصحاب المحلات وأن الشكوى يعلم بها التاجر قبل مدير المكتب ولا يبت فيها المكتب وهذا ما يخشينه.

بل حققوا في عدم التحرش !

كعادتنا القديمة جدا، تهب المؤسسات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مع الحالة المعلنة وكأنها الوحيدة!، ويصرح المسؤول بتشكيل لجنة التحقيق وتحفل قضية واحدة بالاهتمام وكأنها حالة نادرة.

هذا ما حدث مع قضية ادعاء متقدمة لوظيفة في مدينة الملك فهد الطبية بأنها تعرضت لتحرش بطلب بشع ممن في يده مصير قبولها ــ على حد قولها، وقد بادر معالي وزير الصحة المهندس خالد الفالح، عبر حسابه الموثق في تويتر، بإعلان تشكيل لجنة للتثبت من صحة الادعاء ومعاقبة من تثبت إدانته.

تشكيل اللجنة والتحقيق والتثبت ومعاقبة المتهم إن ثبتت إدانته، أو معاقبة المدعية إن كذبت وكان من الصادقين، جميعها تفاعلات جيدة ومطلوبة وعادلة.

الظاهرة القديمة السلبية التي أقصدها هي فورة قارورة المشروب الغازي مع كل حادثة، وكأنها نادرة وهي ليست كذلك، وعدم معالجة أصل المشكلة التي تحدث وتتكرر، سواء طفت على السطح وتفاعل معها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أم لا.

التحرش في مواقع العمل المختلط واقع مرير موجود وشائع عندنا وعند غيرنا من دول العالم، والفارق الكبير جدا هو في ردة فعل ضحية التحرش نفسها، ففي مجتمعنا المحافظ خصوصية (البعض عندنا لا يحبون أدنى ذكر للخصوصية، وهي واقع نفخر به دينيا واجتماعيا وتمسكا بعادات وتقاليد محمودة غصبا عن كل من يحاول تجريدنا من خصوصيتنا!)، وهذه الخصوصية تكمن في أن غالبية المتحرش بهن لا يشتكين ويرغبن في الستر ودفن القضية في مهدها ومغادرة المكان دون ضجة، ولذا فإنني اعتبر المطالبة بقانون عقوبات للتحرش مجرد إثارة؛ لأن العقوبات الشرعية العادلة موجودة في الشرع الحكيم الذي نحكم به، وما نحن بحاجته فعلا هو منع أسباب التحرش والوقاية منه بعدم وضع حاجة الموظفة أو المتقدمة لدى رجل في بيئة عمل تقويه عليها، فيلجأ لاستغلالها واستغلال حيائها ورغبتها في الاسترزاق بستر.

عملت في المجال الصحي المختلط أكثر من ثلاثين سنة رأيت فيها معاناة الموظفة المستورة مع إيكال أمر ترقيتها وانتدابها وتعويضاتها وحل مشاكلها الإدارية في يد شباب في الشؤون الإدارية قد يكون بينهم شاب مريض (وما أكثرهم)، فيبدأ بطلب (جوالها) لتبشيرها بالنتائج، ثم يطلب (تجوالها) في بحر شهواته، فتترك حقها وتهرب، ولذا اقترحت على أكثر من وزير ومدير قطاع إنشاء إدارة تقوم عليها امرأة ويعمل بها نساء، تتولى متابعة حقوق الموظفة لدى الرجال في مقر العمل الذي يستدعي اختلاطا، وتكفيها شر استجداء الرجال والخضوع في القول، لكن لم ينجح أحد!.


المهازل السياحية نسبوها للفقراء!

الغريب جدا والمسيء فعلا والجارح عمقا أن تخرج تغريدات مكابرة مستكبرة عنصرية و(سنابات) سخيفة متتالية تقرر (دون دراسة ولا تثبت) أن الممارسات الفوضوية لبعض السياح الخليجيين في النمسا وبريطانيا وفرنسا والتشيك حدثت بعد أن أصبح كل من هب ودب قادرا على السفر لتلك الدول الأوربية البعيدة نسبيا!!، أي أن ثمة تصريحا (غبيا) لا تلميح فيه أن الفقراء ومحدودي الدخل هم سبب كل فوضى وتخلف يمارسه الخليجيون!، وهذا وربي ظلم وافتراء فالأمر قديم والسلوك مرتبط برصيد الوعي لا برصيد الحساب وبالمقدرة على تحمل المسؤولية لا بالقدرة المالية وبحجم الغيرة على الأوطان لا بحجم الأرصدة.
فوضى سياحية مسيئة جدا مارسها سياح خليجيون في النمسا والتشيك وفرنسا وبريطانيا وتحديدا في مدن زيلامسي وتبليسيا وباريس ولندن بتخريب الحدائق العامة وشقاوة الأطفال ونصب القدور وقواعد (القدو) أو الشيشة تحت برج إيفل الباريسي الشهير، استدعت سلطات تلك الدول للتفكير في إجراءات تحد من منح التأشيرات للسياح الخليجيين بل إن الشعوب نفسها تذمرت علنيا عبر مسيرة نظمها سكان المنتجع الصحي في التشيك (تبليسيا) تقول (اطردوا العربان من مدينة تبليسيا).
بالمناسبة تلك الفوضى ليست جديدة!، وشهدتها ذات الدول والمدن منذ مدة، لكن الجديد هي وسائل التواصل الاجتماعي للشعوب التي نشرتها أكثر وفضحت المستور على مستوى الممارسات السلبية العامة، بينما كان إعلام تلك الدول منشغلا بفضائح خاصة أكبر لقمة.
لكن الأغرب والأحقر من تلك الممارسات هو نسبها للسياح مستوري الحال ومحدودي الدخل، الذين يسافرون من حر مالهم وجمع قرشهم للتمتع الحلال مثل غيرهم، والقول بأن قدرتهم على الوصول لمواقع سياحة الطبقة المخملية نفش المخمل!، ونقول على رسلكم، وبعيدا عن التقسيمات، فإن المواطن الفقير الكادح، العربي عموما، أثبت ولاء للوطن أكبر وإيثارا وحياء وغيرة وطنية أكثر من كثير من أثرياء العرب والأحداث العربية الأخيرة أثبتت ذلك وكانت محكا.
وبالمناسبة أيضا فإن الدول الأوربية الأقرب والأيسر وصولا، مثل تركيا أو تلك الأرخص معيشة، مثل ماليزيا وإندونيسيا، والتي يقصدها الغالبية محدودة الدخل التي لا تقبل إهانة ولا فرض نزع نقاب أو تمييزا دينيا، لم تحدث فيها تلك الفوضى!، فللأمر علاقة بالتربية والكرامة وعزة النفس ودرجة تحمل المسؤولية!.

قاوموهم بالأبتر و(باتريوت) البشر

إن كنتم تخاطبون المنتحر الهالك فإنه قد مات، وإن كنتم تخاطبون القاتل القادم المقبل على انتحار وهلاك فإن ضميره قد قتل، وأحاسيسه قد أهلكت وفي آذانه وقر وران على قلبه وأقفل!.
علينا أن نتخاطب كيف نحمي وطننا منهم؟!، وكيف يؤدي كل منا دوره لإفشال مخططاتهم ومنع وقوع جرائمهم كل في موقعه وكل بالطريقة التي تستوجبها الحيطة والحذر.
علينا أن نفترض أن ذلك الانتحاري جماد موجه لا بشر وجيه (وهو كذلك مفرغ من كل إحساس)، علينا أن نتعامل معه كصاروخ (سكود) بشري أرسل لينفجر في موقع محدد فنحمي ذلك الموقع منه لينفجر قبل وصوله!، وهل قاومنا (سكود) بأفضل من نصب بطاريات (باتريوت)؟!.
علينا أن نصرح ونغرد ونتحاور فيما هو مفيد للحماية من وصول هذه الأجساد المفخخة مسلوبة الإرادة والمشاعر والشعور إلى المواقع المستهدفة عبر نصب بوابات أمنية إلكترونية متوفرة ورخيصة (مقارنة بثمن الروح البشرية الواحدة الطاهرة)، وعبر توعية الصغير والكبير، المتعلم والأمي، المدني والعسكري، بثقافة الحس الأمني والشك الإيجابي والتبليغ السريع والتصرف الأسلم.
ما بالنا نضيع الوقت والأرواح باللطم والنواح في تويتر وغيره على من راح ولا نحتاط لما هو آتٍ؟!، وإلى متى؟!.
ما بال تصريحاتنا تركز على أن قتل النفس التي حرم الله قتلها جريمة وكأن في الأمر شكا؟! وقد صرح بها قرآن كريم منزل وفي أكثر من آية وليست موضع خلاف؟! وما بالنا نركز على أن قتل الركع السجود أبشع صور الغيلة وكأن أحدا يجهل ذلك؟!.
من عسانا نخاطب؟! ومن نوجه؟! ومن ننصح؟! ومن نتوعد ونهدد بعظم الذنب؟! إن كنتم تعتبرونهم مسلمين (والمعاذ بالله)، فلستم أبلغ من خطاب وتوجيه ونصح ووعيد وتهديد القرآن!، وإن كنتم تعتبرونهم أعداء لله ورسوله (وهم كذلك) فاحذروهم ولا تحذروهم.
إن مخاطبتنا لهم باسم الدين إيحاء شنيع بأنهم من الدين، وهو منهم براء وهم له أعداء، والأدهى والأمر أن يأتي مغفل أو غافل فيتحدث عن مناهج وتدريس وتشدد فيقحم الإسلام فيما نهى عنه الإسلام!، ويمنح هذه الشرذمة الفاسدة، المعادية للإسلام المعدة لتشويهه من قبل مخابرات أعدائه، فرصة العمر للوصول لهدفها وهو تشويه الإسلام وإحراج المسلمين.

أطباء مخالفون يهددون الوزير!

تماما مثل ما حدث في السنة اليتيمة التصحيحية التي بدأها القائد الإداري غازي القصيبي، رحمه الله، في عمله الجاد كوزير للصحة بالانتصار للمريض وتصحيح إعوجاج الأطباء في إهمالهم للمرضى، يحدث الآن الشيء نفسه مع الوزير المهندس خالد الفالح الرجل الذي نجح في جميع مناصبه كقائد إداري، فقد بدأ الأطباء الحكوميون المخالفون الذين يتركون مواقع العمل في المستشفيات الحكومية أثناء الدوام الرسمي للعمل غير النظامي في مستشفيات خاصة والأطباء الذين يتقاضون رواتب وبدلات ممارسة الطب وهم يقبعون في كراسي إدارية وثيرة، بدأ هؤلاء الأطباء في التكاتف ضد الوزير الذي وضع إصبعه على جرح الوزارة القديم النازف لسنوات وهو تستر إدارة الأطباء على مخالفات الأطباء.

أخبار وزارة الصحة والخدمات الصحية في القطاعات الأخرى بما فيها الجامعية تقول إن ثمة اجتماعات و(لوبي) أطباء يستهدف إعاقة الخطوات التصحيحية التي شرع فيها وزير الصحة بجدية وصمت لوقف المخالفات التي يمارسها بعض الأطباء الاستشاريين الحكوميين بتركهم مرضاهم في العيادات وغرف العمليات للأطباء المتدربين وأطباء الامتياز و(التزويغ) من الدوام لعمل غير نظامي في مستشفيات أهلية وخاصة!، وهي المخالفة التي صدر بحقها عدة توجيهات عليا وتحذيرات ومنح الطبيب من أجل التوقف عنها زيادات في الرواتب ومميزات مالية وبدلات ضخمة هي الأعلى مقارنة بدول الخليج والدول المتقدمة إذا أخذ في الاعتبار قلة ساعات العمل وعدم وجود ضرائب، كما أنها تعادل أضعاف ما يدفعه القطاع الخاص للطبيب كراتب لو تفرغ للمستشفى الخاص!، ولذلك فإنهم يهددون بالانتقال للقطاع الخاص ولا يتجرؤون على تنفيذ التهديد.

أحد مقترحات الضغط على الوزير هو استغلال التفاعل مع مواقع التواصل الاجتماعي والترويج لتهديد بالاستقالة، وهذا التهديد هو تماما مثل تهديد التجار بنقل نشاطهم التجاري واستثماراتهم للخارج، وخاصة دبي، عند مطالبتهم بالسعودة، أي أنه تهديد يعلم المهدد جيدا أنه لن ينفذه بل لو فرض عليه فسوف يتوسط ويتوسل للتراجع عنه!، ذلك أن التاجر يعلم أن السوق السعودي هو الأكثر زبونا والأقل تعقيدا بالقوانين والغرامات والعقوبات والأكثر ربحية.

نفس الشيء مع الطبيب الذي يهدد بالانتقال للقطاع الخاص فهو يعلم جيدا أن القطاع الخاص لن يدفع له نفس ما تدفعه له الدولة من رواتب وبدلات، ولن يجد فيه نفس الأمان الوظيفي، ولا ذات الراحة في ساعات العمل فالقطاع الخاص قطاع ربحي تجاري يريد طبيبا متميزا مشهورا في مستشفيات الحكومة يعمل لديه جزئيا بطريقة غير نظامية فيجلب له (زبونا) هو للأسف مريض حرم حقه من الرعاية الصحية بسبب هروب ذات الطبيب من الدوام!

امض وزير الصحة وابشر بطول سلامة طالما أن هدفك هو المريض الضعيف.


استغفال تقرير جامعة تبوك

فرحت جامعة تبوك كثيرا بتقرير اللجنة التي حققت في قضية وفاة المعلمة التي لم تقبل ابنتها في كلية الطب بعد أن دخلت في نقاش مع (مجهول) في عمادة القبول والتسجيل ومطالبتها بمقابلة مسؤول لم تقابله وانتهى النقاش بارتفاع ضغطها ووفاتها رحمها الله في مواقف حرم الجامعة.

والحقيقة أن التقرير بل التحقيق في حد ذاته جاء مخيبا للآمال وحاول إنقاذ الجامعة، خاصة في هذا الوقت الذي لا يرتاح فيه بال لمقصر ولا يضيع حق لمواطن أو مقيم مستحق.

التقرير ركز عنوة على خطوات قبول الطالبة وشقيقها بالأسماء والدرجات من واقع النظام الإلكتروني للقبول، ولم يتطرق (مطلقا) لأساس المشكلة وسبب وفاة المراجعة وهو أنها تطلب اسم الشخص الذي تتحاور معه ويرفض وتطلب مقابلة المسؤول الذي بيده الحل والعقد، إما بإقناعها أو الاقتناع بقبول ابنتها في الطب! وهو ما حدث فعلا بعد أن وقع الفأس في الرأس فقد أدانت الجامعة نفسها ولجنة التحقيق بقبولها الطالبة في الطب لأحقيتها في ذلك لو وجدت من يستمع لوالدتها.

مشكلتنا الكبرى التي تنم عن تخلف أو عدم مواكبة للعصر هو أنك تتعامل مع مجهول لم يضع بطاقة تعريفية، رغم أهمية هذا الجانب التعريفي، وإصدار بطاقات تعريف لا يعلقها أحد لا في المستشفيات ولا الوزارات ولا البنوك ولا جميع مواقع المواجهة المستفزة للجمهور!!، وهذا ما ركزت عليه شخصيا في تناول القضية ووضعته بين قوسين فقد كانت تصرخ (وش اسمك؟!).

السبب المهم الآخر في رفع الضغط الذي أدى للوفاة هو عدم مقابلة المسؤول عند تأزم الأمور البيروقراطية رغم أننا في بلد يفتح قادته أبواب مكاتبهم ومنازلهم لمقابلة الناس، وهذا أيضا عنصر تجاهله التقرير تماما!.

اللجنة أصلا لا تعتبر محايدة طالما أنها لا تشتمل على أعضاء من خارج وزارة التعليم ولا عضو يمثل الضحية ويذكر حججها ويطالب نيابة عنها!، وهذه مشكلتنا أيضا مع لجان (الخصم الحكم).

بقي مأخذ هام جدا على التقرير وهو ذكره أسماء ونتائج ودرجات ابنة وابن الضحية تفصيلا مع أنها تخضع للسرية الشخصية وفي الوقت نفسه عدم ذكر اسم الموظف الذي كانت تسأله (وش اسمك؟!) رغم أن اسمه حق مشاع يفترض أن يكتب على بطاقة!!.


الرضيع الذي أحرق أمريكا

النار هي ذات النار خاصة في حرقها للجسد البشري فدرجة الحرارة التي تشوي الجسد هي ذات الدرجة، هي نفس النار التي صهرت هياكل البرجين في الحادي عشر من سبتمبر الشهير، وهي ذات النار التي أجبرت حرارتها العاملين في البرجين على الانتحار بالقفز من فوق ناطحة السحاب. وهي ذات النار التي أحرقت الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا، وهي ذات النار التي أحرقت ضحايا أوكلاهما، وهي ذات نار المحرقة النازية التي تعاقب دول أوروبا وأمريكا من ينكر حرقها لليهود!، وهي ذات النار التي أحرق بها المستوطنون اليهود الجسد الغض للرضيع علي الدوابشة في فلسطين المحتلة.
الفارق الكبير هو في موقف أمريكا من مضرم النار!، موقف أمريكا من التعاطف مع المحروق وموقفها من معاقبة الحارق!.
في كل حوادث الحرق السابقة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تشجب وتستنكر، حتى في حادثة حرق الرضيع الفلسطيني شجبت واستنكرت، لكنها في كل حوادث الحرق السابقة كانت تعاقب أو تشارك في عقاب مضرم النار وتحرق الحارق، إلا في حالة حرق الرضيع ووالديه وعمه وأبناء عمومته وشعبه فإنها كانت ولا تزال تقف عائقا دون معاقبة الحارق المحتل وترفع حق النقض (الفيتو) ضد كل قرار أممي يدينه أو يفكر ولو مجرد تفكير في ردعه!.
نعم رضيعنا الذي لم يبلغ الفطام أحرقه الصهاينة المعتدون وهو حي يتألم وصهروا هيكل عظامه الرقيقة مثلما صهرت ذات النار الهيكل الفولاذي المتين للبرجين، ومات الرضيع حرقا لكنه أحرق معه كل مصداقية لإنسانية أمريكا وأحرق كل ما تدعيه من حقوق إنسان وكل ما تزعمه من حرب على العنصرية فهي من وفر للصهاينة غطاء الإبادة الجماعية للعزل، وهي من وفر للصهاينة الحماية من مغبة ممارساتهم غير الإنسانية كقتل محمد الدرة وتكسير ذراعي شابين دقا بالحجر وقتل الناشطة الأمريكية بحركة التضامن مع الشعوب ريتشيل كوري دهسا بجرافة عسكرية!، وهي من ترى النار عليها إرهابا ونار الصهاينة على الرضيع بردا وسلاما!.
هذا كله أمر شائع ومعلوم، لكن المهم أن يقيس عليه ويتعلم منه قلة من المخدوعين لدينا بمزاعم أمريكا في حرصها وحمايتها لحقوق الإنسان فها هي ترفض حرمان أجساد الشواذ من شهوة جنسية شاذة وتقبل حرق أجساد الرضع بنار إرهابية شاوية.

من تصطاده «كمراتنا» لا يفلت!

وعدت، في مقال الأمس، باستكمال وجهة نظري حول ما كشفته كاميرات السوق من كذب المتحرشين بالفتاة المحتشمة في الطائف، وأنهم أدخلوا للسوق ثم أخرجوا منه لسوء سلوكهم، فحدث ما حدث، وهو أمر متوقع بسبب ضعف شخصية وصلاحيات وقدرات حراسات الشركات الأمنية المتعهدة بالأسواق، ونتيجة طبيعية للإحباطات التي قد يتعرض لها رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تصرف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان سابقا هو الأمثل، وهو ما يجب العودة له بحزم وعزم وسرعة في عهد إدارتها الجديد، فرجال الهيئة يراقبون وينصحون، ثم إذا ثبت لديهم تحرش وإساءة قبضوا على المتحرش وحولوه للتحقيق والادعاء العام عبر الشرطة وبطريقة موثقة دقيقة لا تقبل تسيبا وإطلاقا أو واسطة!، وبالمناسبة هذا هو ذات الأسلوب المتبع في دول يعيرنا بها بعض المتلبرلين على أنها تطبق قانونا!، لكنهم حساسون جدا لكون الهيئة هي من يقوم بالرقابة والقبض لعلمهم أن قبضتهم قوية!، فأي قانون يريدون أكثر من إحالة المتهم للتحقيق والادعاء العام ومنحه فرصة الدفاع أو إدانته دون ظلم ومنح الضحية حق مقاضاته؟!.
أما حراسات الشركات فمجرد أفراد يجتهدون ويتعبون ويتعرضون للضرب والإهانة وهم بلا صلاحيات ولا ثقة ولا تدريب ولا رواتب مجزية، بل ثبت عندي ما كتبته سابقا من أن كثيرا منهم غير سعوديين ويخشون الاكتشاف!.
سألت مسؤولا رسميا في إحدى الدول التي يعيرنا بأنظمتها بنو ليبرال وتتباهى بانتشار (الكمرات): لماذا لا نرى في أسواقكم نفس سلوكيات شبابنا في أسواقنا؟!، فرد أننا نوزع شرطة سرية مدنية وبمجرد رؤية شاب يتحرش يمسكون بيده ويقتادونه لأقرب مخرج ويحول للشرطة ويسجن!.
هذا هو ما تفعله الهيئة لدينا، ولكن بطريقة أكثر عدلا وشرعية إسلامية، أهمها أنه لا بد من صاحب حق يأخذ حقه الشرعي وهو المتحرش به أو المعتدى عليه، وهذا عنصر غائب لديهم تماما ولا يعنيهم!، الثاني التثبت، فلا تثبت شرعيا إلا بمدعٍ وشهود وتقصٍّ، الثالث المناصحة فالشاب لا يؤخذ على حين غرة!، بينما رجل الشرطة السري في تلك البلاد قد يتشابه عليه شابان فيأخذ أحدهما مظلوما (خاصة مع شبابنا، فهم يفرحون بالقبض عليهم لأتفه سبب ودون تثبت).
وعموما، فلأننا نطبق شرع الله ونتثبت ونعدل، فإن قدراتنا الأمنية تفوقهم وتفوق غيرهم بمراحل بل تدرسهم، وأكبر دليل أن من تصطاده (كمراتنا) لا يفلت ولنا الفخر بوطننا.

والكاميرات كشفت فضيحتنا أيضا!

في خبر «عكاظ» أمس بعنوان (الكاميرات تكذب ادعاءات الـ١٠٠ ريال) حول ملابسات حادثة التحرش بفتاة في الطائف، كشفت الكاميرات كذب المتهمين الأربعة في ادعاءاتهم بأن الفتاة أخذت منهم مائة ريال مقابل إدخالهم ثم هربت، وشهادة أمن السوق بأن الشباب لم يمنعوا من الدخول بل سمح لهم بالدخول وأحدثوا تجوالا ودورانا في السوق لغير غرض التسوق وتم إبعادهم من السوق ثم بقوا خارجه وفي محيطه!، يحدثون ذات الفوضى، وصادف خروج الفتاة المحتشمة التي تعرضت للاعتداء اللفظي والجسدي.

كشف الكاميرات هذا هام جدا بالنسبة للفتاة وللجهات الأمنية التي تحقق في حادثة التحرش، لكنه أهم كثيرا بالنسبة لنا كمجتمع ووطن، وللأسف فإن هذه الأهمية لم يشر لها أحد!، ويبدو أنها كانت ستمر كغيرها دون أن نستفيد منها!!.

الأهم بالنسبة لنا كمجتمع ووطن أن الكاميرات أثبتت عدم جدوى الحراسات الأمنية في الأسواق والمراكز والمجمعات التجارية، خصوصا بالوضع الحالي الذي ينم عن شخصية ضعيفة جدا لأفراد تلك الحراسات وعدم تمتعهم بأي صلاحيات!، بل عدم تأهيلهم لا جسديا ولا ثقافيا ولا أمنيا لممارسة أي صلاحيات!، وهذا الأمر كتبته كثيرا بعد عدة حوادث أشهرها حادثة ضرب مقيم أمريكي لمواطن في مجمع غرناطة شمال الرياض منذ حوالي ثلاث سنوات، وغيرها من حوادث ضرب تعرض لها أفراد الحراسات الأمنية التجارية.

أسلوب التعامل مع الشباب داخل الأسواق لدينا قاصر في جملته، فقد منعوا من الدخول سنوات وكانوا يدخلون رغم المنع، ثم سمح لهم دون توفر إمكانات الحماية من تصرفات (قلة) منهم لكنها كثيرة في حجم إزعاجها للعائلات والفتيات، وتم في فترة سابقة تحجيم عمل رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم تستعد عافيتها ولياقتها ونشاطها بعد!، وفي الوقت ذاته فإن التعامل مع المتحرش ومحدث الفوضى يقتصر على إخراجه من السوق لمحيطه، وهذه فضيحة نبهتنا لها الكاميرات، وهو إجراء خاطئ لا يتم حسب الأصول المطبقة في كثير من الدول التي نجحت في قطع دابر الإساءة للآخرين في الأسواق، وهذه سأعرج على غرائبها غدا.


الوزارة لا تدار بتغريدة!

رغم كل الحوادث الكوارثية التي مررنا بها، ورغم كل الأحداث الغريبة التي مرت علينا نتيجة عدم قيام قسم أو إدارة أو فرع لوزارة بمسؤولياته الأساسية بل بالحد الأدنى من واجباته اليومية، إلا أننا لا نزال نعتمد على الإدارة بالتفاعل الآني مع الحادث لا عمل نظام رقابي روتيني يمنع حدوثه!!.

لك أن تستحضر من الأمثلة ما شئت وستجد أن كل مصائب التقصير التي ذهب ضحيتها أفراد أو جماعات كان بالإمكان تلافيها لو فرضت الوزارة نظاما ومنظومة عمل تنفيذي ورقابي دائم يمكن من قياس الأداء واصطياد الأخطاء والمعاقبة عليها حتى بدون حدوث نتائج كارثية للأخطاء، وسن نظم وإجراءات وسياسات عمل شاملة ودقيقة وقابلة للتحديث!!.

أم الكوارث، كارثة سيول جدة كانت بسبب مخالفات واضحة لم تكتشف في حينها ولا بعد حين، ودعونا الله أن تكون خاتمة الكوارث، لكننا لم نتعلم منها فتكررت في الرياض والباحة وغيرها، هذا مجرد مثال.

ودعني أضرب لك أمثلة بطريقة عشوائية دون التقيد بزمان أو مكان أو مسؤول وستجد أن جميع تلك الحوادث والكوارث وقعت وكان بالإمكان تلافيها لو قام كل موظف صغير وكبير بعمله كما يجب أو اكتشف تقصيره اليومي وعوقب عليه قبل وقوع الفأس في الرأس!، وستجد أيضا، وهذا الأهم أن كل حادث رافق أيام وقوعه الثلاثة الأولى تصريحات للمسؤول ووعود ووعيد و(هياط) إعلامي وتفاعل برامج متلفزة! وجميعها لم تتجاوز فترة العزاء في الضحايا (٣ أيام).

غرق جدة وغرق أنفاق السويدي في الرياض وغرق مخرج ١٣ بالرياض ووفاة الطبيب الجهني بخطأ طبي ووفاة رزان بجملة أخطاء طبية وانهيار السقف في أكثر من مدرسة وقتل مفحط لعشرات المتجمهرين وانفجار ناقلة الغاز قرب كبري خريص بسبب سائق غير نظامي لمتعهد النقل وحادث انهيار جسر الثمامة بسبب السيول وحوادث طعن معلم أو معلمة أو طالب في داخل المدرسة وحادث وفاة أسرة كاملة بسبب مبيد حشري بجدة وتلوث دم رهام والوفيات اليومية للمعلمات المعينات في مناطق نائية وحريق مدرسة البنات بمكة.

المشكلة أننا ورغم محاولات التصحيح لا نزال نعيش نفس الأحوال مع الوزراء الجدد، التجاوب مع الحادث بتصريح وتغريدة، والأدهى من ذلك تغريدات سنفعل وسننجز وقابلت اليوم الوزير الفلاني وسنتعاون!، الوزارة لا تدار بتصريح وتغريدة.