أصبحت «تكفى» لا تهز «الرجاجيل» !!

في إحدى محطات القطار في سان فرانسيسكو، خرج فجأة رجل أسمر مفتول العضلات منفوش شعر الرأس (كدش مرعب) عارٍ تماما يقفز على أجهزة إدخال التذاكر في بوابات الدخول ويؤدي حركات جمبازية بهلوانية فوق تلك الأجهزة، مثيرا الرعب في قلوب أعداد كبيرة من مستخدمي القطار من النساء والأطفال وكبار السن، خصوصا أنه يختار ضحية من بين المارة ويبدأ بتوجيه لكمات للضحية وإسقاطها أرضا أو محاولة خنق الضحية ويختار غالبا النساء، فعم الصراخ وطلب النجدة في المكان، لكن لا أحد يتدخل سوى أحد حراس دخول المحطة الذي يحاول إشغال ذلك الرجل حتى تهرب الفتاة التي يعتدي عليها.

لم يكن الرجل مخمورا، بل بدا واضحا من قوته وحركاته البهلوانية الدقيقة أنه مريض نفسيا هائم، وكعادة الأمريكان، فإنهم لا يتدخلون فيما لا يعنيهم ما لم تكن لهم مصلحة في التدخل أو ضرر من الاعتداء، وكذلك يفعل شعوب الدول الأوربية غربا وشرقا من ذوات الدم البارد، فأذكر أثناء الدراسة في بريطانيا أن الرجل يشبع ضربا، والفتاة تسرق حقيبتها أمام الناس، والعجوز يسرق ما تبقى من عمرها من أيام ويسلب ما معها مما حرصت على حمله حبا في الدنيا وتفرغ حقيبتها أمام المارة، ولا أحد يتدخل!!، وعموما هم يراهنون على شرطة تصل بسرعة فائقة، وأناس يبلغون الشرطة فورا خلف الكواليس.

مجتمعنا يختلف، أو كان يختلف، فلدينا نخوة وشهامة ودم حار لا يقبل أن يرى أحدا يظلم ويتفرج، خصوصا أننا نعلم أن الشرطة تتأخر (شوي)، (بس شوي) بسبب ازدحام الطرق طبعا!!، واشتهر عنا أننا (نفزع) لنصرة من يستنجد وأن (تكفى عندنا تهز الرجاجيل)، لكن يبدو أننا مع تزايد المشاكل الناجمة عن التدخل والفزعة أصبحنا مثلهم لا نتدخل، بل نتدخل بصورة غريبة، فعند حدوث حدث يستوجب الفزعة، يدخل كل منا يده في جيبه ويخرج جواله ويصور!!.

المؤكد أن سرعة وصول شرطة النجدة لم تتحسن، ربما خوفا من ساهر، لكن (تكفى) عندنا لم تعد تهز (الرجاجيل)، وأجزم أن للتربية دورا، فقديما كان الأب يقول (عار عليك لماذا لم تفزع مع المستغيث؟!)، اليوم يقول (يا بايخ ليش ما صورته؟!).

برنامج الأمان الأسري .. كفى مكابرة

عندما تصل الإحصاءات (المتفائلة) غير الشاملة ولا الدقيقة إلى أن ثلاثة أطفال يموتون بسبب العنف الأسري خلال سنة واحدة في مدينة واحدة هي الرياض، (عكاظ الأربعاء الماضي 3 يوليو 2013)، فإن ذلك إنما يعني أمرا واحدا وهو الفشل الذريع لبرنامج الأمان الأسري الوطني الذي كتبنا عن فشله الكثير وعدم تحقيقه لعمل صحيح وشامل على أرض الواقع خلاف عقد الندوات والمؤتمرات وحفلات الافتتاح والانتداب لحضور أخرى وجملة من البهرجة الإعلامية التي لا تحقق وعيا اجتماعيا ولا وقاية من عنف ولا تعامل جاد مع تلك الحوادث عند حدوثها.

يغضب البعض عندما نقول إن برنامج الأمان الأسري أوكل إلى طبيبة أمراض معدية غير مختصة وهو ليس مرضا معديا بل شأن اجتماعي بحت يتطلب أخصائية اجتماعية نشطة وخبيرة ومتخصصة وذات اطلاع على المجتمع السعودي وقدرة على التعامل مع أفراده!!.

ويغضب البعض عندما نقول إن برنامج الأمان الأسري ولد خديجا غير مكتمل النمو بسبب تجاهله لأهم عنصر وهو الاختصاص وإيكال كل أمره لأحد أفراد الفريق الثانويين المعني باستقبال الحالة في المستشفى، وليس المعني بالوقاية منها قبل أن تحدث عن طريق التوعية والتحذير ودراستها اجتماعيا ونفسيا وتحليل أسباب حدوثها لتجنب تكرارها وسن الأنظمة والإجراءات الصارمة حيال من يرتكب العنف الأسري.

الآن لا يعنينا مكابرة من يغضب، والعبرة بالنتائج والأرقام، فبرنامج الأمان الأسري الوطني لم يحقق الحد الأدنى المتوقع منه منذ بدايته، بل لم يحقق أي نتائج تذكر غير تكرار ذكره ببهرجة إعلامية نسوية، هذا عنصر تقييم، أما العنصر الأهم فهو أن أرقام حالات العنف الأسري في تزايد منذ بداية البرنامج وحتى اليوم ومرورا بما كتبته منذ سنتين في هذه الجريدة وتحديدا في 16 مايو 2011 بعنوان (برنامج الأمان الأسري غير آمن) وهو لا يزال كذلك مكانك راوح والمجتمع من حوادث التعنيف الأسري فيها رايح!!.

يا وزارة الإعلام رخَّصتم «إف إم» رخيصة

لا أعتقد أن أكثر متشائم كان يتوقع أن يصل مستوى إذاعات موجات «إف إم» «FM» الجديدة إلى المستوى الذي عليه أغلبها اليوم من سطحية وعدم مهنية، وإتاحة الفرصة لمذيعين ومذيعات على مستوى متدن جدا من حيث التأهيل والثقافة والوعي والشعور بخطورة الخروج على الهواء وطريقة الإلقاء ناهيك عن اللغة والحس الإعلامي.

الخطير جدا هو أن تلك الإذاعات التي أصبحت أكثر من الهم على القلب أصبحت موجهة للشباب والشابات، تدعي قدرة على حل المشاكل الأسرية والاجتماعية وتوجيه النصائح والإرشادات عن طريق مذيعات ومذيعين غير مؤهلين لهذا الغرض ولا يملكون أدنى قدرة على التعاطي مع هذا الدور الخطير.

المشكلة الأكبر أن المجتمع يعاني ضغوطا ومشاكل متعددة، والأسر تعيش حالات خطيرة من فقدان الفتيات والشباب للموجه نحو التعامل مع مشاكلهن ومشاكلهم وشكواهم بسبب انشغال الأب والأم وانعدام خدمات الرعاية الاجتماعية عن طريق المختص وتعطيل تام لدور الأخصائي والأخصائية الاجتماعية في حل مشاكل الأفراد والأسر والأزواج والزوجات، ثم تأتي مذيعة لا تملك أدنى مؤهل أو حصيلة من العلم الاجتماعي أو النفسي، «بل ربما تكون عاشت تجارب فشل فردي وأسري ذريع»، فتقوم بتوجيه النصائح للمتصلين، أذكر منها «لو منك أطلب الطلاق» و «البنت هذي ممكن تكون لها تجارب قبل الزواج راقبها أو طلقها أحسن لك» أو «اطلعي من بيت أهلك هذا قهر»، أو نصائح لتربية الصغار وما يجب إطلاعهم عليه مبكرا وما لا يجب.

كل هذه الممارسات والإهمال وترك الدرعى ترعى قائم على أساس واحد ليس للأخلاق والالتزام الأدبي فيه أدنى مكان، بل يقوم على جذب مراهق أو مراهقة أو جاهل أو مريض نفسيا للجوء لذلك البرنامج والاتصال برقم من هاتفه الجوال يدر ذهبا على البرنامج ومقدم خدمة الاتصالات، لذلك فإن تلك المحطات تقوم على عبارة مكررة تكرر أرقام الاتصال وشركاته.

يا معالي وزير الإعلام رخصتم لهم لكن بعضهم أثبتوا رخصا فأعيدوا تقييم من يوظفون !.

جمعية حقوق الإنسان المخالف

كعادتها، وجدت جمعية حقوق الإنسان موضوعا تصرح حوله لمجرد إثبات أنها موجودة، على وزن: أنا أصرح إذا أنا موجود، الموضوع الذي اختارته الجمعية هذه المرة هو موضوع الساعة وطنيا، فقد اختارت المطالبة بتمديد مهلة إصلاح أحوال العمالة المخالفة، أما حجتها فهي أن أعداد العمالة المخالفة كبيرة جدا.

عجبا، كيف يكون كثرة أعداد المخالفين أو المجرمين مبررا للمطالبة بحقوقهم، أين كانت جمعية حقوق الإنسان الموقرة من هؤلاء المخالفين قبل اتخاذ قرار إصلاح أوضاعهم وإنهاء مخالفاتهم؟!.

هؤلاء المخالفون بعضهم ضحايا، لكن أغلبهم لهم ضحايا من المواطنين، منهم عمال، وسائقون، وخادمات، وممرضات هربوا من كفلائهم الذين دفعوا عليهم أموالا طائلة لاستقدامهم، واستفاد منهم غيرهم ممن أخذهم (باردين مبردين) دون تكلفة ولا عناء.

أين جمعية حقوق الإنسان من المطالبة بحقوق آلاف المواطنين الذين هرب مكفولوهم للعمل لدى كفلاء آخرين، وكانوا إلى وقت قريب يتحملون قرارات تعسفية بتسفير العامل على حسابهم إذا قبض عليه، وبعد إعطائه كامل حقوقه، مع أنه كان هاربا ولم يستفد منه الكثير.

أين جمعية حقوق الإنسان من مئات الكفلاء الذين قام مكفولوهم من سائقي الصهاريج ببيع حمولة الصهريج من الوقود بمئات الآلاف، ثم هربوا من البلاد عن طريق سفاراتهم رغم وجود الجواز مرهونا لدى الكفيل، وهذه حالات كتبنا عنها كثيرا، وأجرينا حولها تحقيقات صحفية بصفحات كاملة، ولم يستجب أحد لا جمعية حقوق إنسان ولا الجهات المعنية.

مواقف جمعية حقوق الإنسان، عفوا أقصد تصريحاتهم، تظهر دائما حول المواضيع التي تأخذ بعدا إعلاميا كبيرا ويهتم بها القاصي والداني، ولكن ابشروا بطول سلامة لأن مواقف الجمعية غير جادة في كل الأحوال.

الخطر القادم

على المخضرم منا أن يقارن بين حالنا بالأمس وحالنا اليوم، ثم يتوقع النتائج ويحذر منها، خذ ــ على سبيل المثال ــ مجالسنا اليوم في المناسبات واللقاءات، بل حتى في الاجتماعات الأسرية، الصورة السائدة فيها هي لمجموعة أشخاص متقابلين لا يتحدثون مع بعضهم مطلقا، يحمل كل منهم جهاز هاتف ذكي موصولا بالإنترنت تتلاعب أصابعه بأزراره، متخاطبا كتابيا مع طرف آخر في مجلس آخر أو مع مجموعة من الأصدقاء في (قروب) محادثة، أو مغردا عبر تويتر.

جيل ما قبل الأيباد والأيفون والجلاكسي كان مختلفا تماما، كان يحضر المجالس والمناسبات واللقاءات والاجتماعات الأسرية ليستمع لتجارب وخبرات ونصائح من هو أكبر منه ولو بيوم وينقلها لمن يصغره ولو بيوم، كان يتحاور حول قضايا هامة، سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية ترفع من رصيده المعرفي، ويستمع لمواقف يبرز فيها الالتزام بالقيم والمبادئ ومواقف الرجال.

جيل اليوم يتحاور أيضا عبر تلك الأجهزة، لكنه حوار مختلف تماما في المضمون والطريقة، حوار يقوم على مشاهدة مقطع طريف مرسل للمجموعة أو كلام مشجع فريق يسخر من آخر، أو تبادل صور بعضها (يوسع الصدر) أو نشر (نكتة) مسلية، لكن المؤكد أنها في الغالب (باستثناء بعض تغريدات تويتر المقتضبة) ليست محادثات تستفيد من خبرات وتجارب سابقة وتبني رصيدا معلوماتيا مفيدا للمستقبل وقائما على تجارب كبار السن والخبراء والناجحين ورجال المواقف، مثلما كان يحدث في المجالس في السابق.

هذا (الانفصال) أو الهوة الواسعة بين تجارب الأجيال الناجم عن ظاهرة الصمت في المجالس سيؤدي إلى جيل لا يحمل أي رصيد معلوماتي متصل بمن قبله من الأجيال ولا تجارب مفيدة، وربما يفتقد لبعض القيم القائمة على الاقتداء والقدوة، والعاقل من يستدرك ويستعد لهذا الخطر القادم باستعادة عنصر التواصل الحي وإنعاش روح مجالس لا جوالات فيها بل تجول في التاريخ والمواقف والتضحية وتجارب الحياة القاسية التي قد تتكرر.

الصدمة الكبرى للسياحة الداخلية

سنصل للصدمة الكبرى للسياحة الداخلية، لكن دعونا نستعد تدريجيا بالتعرض للصدمات الخفيفة التي نعرفها وكنا نتلقاها تباعا.

في كل دول العالم السياحية ثمة سعر خاص بالمواطن في الفنادق وأماكن الترفيه، بدأ بطريقة واضحة ومكشوفة في مصر ــ مثلا، حيث يوجد شباك للسائح وشباك للمواطن وسعر مبالغ فيه للسائح وسعر معقول للمواطن، وكانت الحجة هي تذمر السكان المحليين من رفع السياح للأسعار. في دول أخرى، كان ذلك التمييز موجودا وما زال، لكن بطريقة أكثر مجاملة وتحت غطاء السعر الخاص لمكاتب السياحة الداخلية، حيث يحصل المواطن من مكاتب السفر والسياحة على سعر منافس يستغل جهل السائح بهذه الحقيقة.

في دول أكثر تقدما وحرصا على عدم التمييز، وخصوصا بعد أن أصبح خيار السائح واسعا ويتم عبر الشبكة العنكبوتية وببطاقة الائتمان، استحدث ما يعرف ببطاقات العضوية التي تحظى بتخفيض وترقية مرتبة وخلافه.

نحن لم ننعم قط داخليا بسعر للمواطن لا بالمكشوف ولا الخفي!!، ونحن لم ننعم قط بسعر خاص مخفض تحصل عليه من مكاتب السفر!!، بل إنني أذكر أن ملاك مكاتب السفر الكبار كانوا يشتكون من أن الخطوط السعودية والفنادق تمنحهم سعرا تقول إنه مخفض، وتمنح الراكب أو الساكن أقل منه!!، أي أنه لا يوجد تخفيض أصلا!!.

ونحن لم ننعم قط، وحتى تاريخه، بمميزات أي بطاقات عضوية أو تخفيض، حتى عروض البنوك التي تعلن عنها بالحصول على خصم عند الشراء ببطاقة التميز (بلاتيني، ماسية، ذهبية، فضية، أو حتى فوشي أو بيج) عندما تعرضها على المحل يرد البائع (شو بدك فيها؟! تكرم عينك أنا بعطيك خصم قدها مرتين!!، هي معمولة على السعر الأصلي هي بتضرك ما بتنفعك!!).

أما الصدمة الكبرى للسياحة الداخلية، فهي أنك تقصد فندقا في أبها أو الرياض أو جدة أو الباحة أو الطائف، فيمنحك سعرا خياليا في خانة الآلاف لليلة في غرفة صغيرة!!، فإذا شمرت عن لسانك وقلت (أريد السعر الذي حددته هيئة السياحة، ترانا فاهمين ما أحد يلعب علينا!!) يضحك الموظف، حتى تبين حشوات ضروسه الخلفية، ويخرج لك قائمة بتسعير هيئة السياحة تفوق ما عرضه عليك بمئات الريالات، وهو يقول تفضل يا فاهم يا إلي محد يلعب عليك!!).


من تخاطب وزارة الصحة بالضبط ؟!

الأغرب اليوم من أخطاء وزارة الصحة الجسام وخطوبها الجلل هو أسلوبها في الرد على تلك الأخطاء والدفاع عنها، فاستفزاز الرد، لا أقول يفوق الخطأ لأنها أخطاء لا يفوقها شيء، لكن استفزاز الرد يزيد من قهر الضحية وأهلها وأقاربها والمجتمع المتعاطف معها.

عندما يفوق حجم الإهمال والإخفاق كل التوقعات وكل درجات التشاؤم فيحقن العلاج الكيماوي في المريض الخطأ فإنك عندئذ تتحدث عن منظومة عمل خاطئة، ودعوني أحدثكم كصيدلي وباختصار شديد عن الخطوات الاحترازية البدائية التي تسبق قرار حقن العلاج الكيماوي (أيضا لا أقول حقن العلاج الكيماوي ولكن قرار إعطائه) في أي مستشفى فثمة تشخيص مبدئي (مكتوب) ثم تأكيد تشخيص (مكتوب) ثم تحديد لنوع العلاج الكيميائي ثم فحوصات مكثفة لقدرة المريض على تحمله ثم حساب للجرعة بناء على مساحة الجسم ثم حساب لقدرة أعضاء محددة كالكبد والكلى لإخراج تلك المواد الكيميائية الغريبة أو ما يسمى بـ(الآيض) ثم تحديد الجرعة بناء على ذلك وجدول تناولها، تتلوه مراجعة دقيقة للجرعة من الصيدلي وكل تلك الخطوات تتم بالتعامل بما يسمى التدقيق المكرر (دبل شيك) من كل الأطراف المعنية (طبيب معالج، وأخصائي مختبر أنسجة وصيدلي ثم ممرضة) وتعتمد المراجعة على مطابقة الاسم والرقم الطبي والعمر والوزن والتشخيص إلى آخر ذلك من سلسلة خطوات لا يمكن لمستشفى يعطي الكيميائي إلا ويطبقها.

فهل بعد كل هذا يأتي بيان حول إعطاء علاج كيميائي للمريض الخطأ فيحول طفلة سليمة بلون الورد إلى اللون الشاحب الرمادي ويتساقط شعرها بفعل تأثيرات جانبية معروفة للعلاج الكيميائي، ثم يتحاشى البيان كل ذلك الكم الهائل من الإهمال ويحول والد الطفلة إلى خصم ويذكر أن والدها هو من حلق شعرها؟!، أي قسوة وعدم اكتراث هذا؟!!.

في خطأ رهام حاول رد الصحة أن يقنع غير المختص أن فيروس الإيدز، الذي ينتقل عبر تلوث إبرة بنقطة، لم ينتقل بحقن نصف لتر من دم ملوث!!، والآن يتركون أخطاء جسيمة بهذا الحجم الذي ذكرناه ليقولوا (حلقها والدها!!) من تخاطب الصحة بالضبط ولماذا؟!!.

هيئة وجمعية حقوق إنسان لكل مواطن

حسب الأداء المنتقد لهيئة وجمعية حقوق الإنسان والمتمثل في مجرد التصريحات الإعلامية مع الحدث والتصوير صحفيا مع ضحايا القضايا فردا فردا، دون تحقيق أدنى إنجاز أو تقدم لترسيخ أطر حماية واضحة، بل دون النجاح في أية قضية أدعت الهيئة أو الجمعية الوقوف معها، فإن المؤشرات تشير إلى أن الهيئة والجمعية مجرد لوحة خلفية للتصوير مع القضايا سواء الاجتماعية أو قضايا ضحايا الإهمال الصحي أو المؤسساتي العام.

حتى في مجال الوقوف مع المواطن المتضرر من مؤسسة صحية أو وسيلة إعلامية فإن هيئة حقوق الإنسان أثبتت في أكثر من موقف أنها مخترقة أو مجاملة أو تخشى الإعلام فتعد بتبني قضية ثم تتردد وتحنث في وعدها لمجرد خوف من وسيلة إعلامية أو وزارة أو مؤسسة.

ذلك يدل على أنه لا تتوفر أطر ثابتة للعمل مبنية على أساس تطوعي أو مؤسساتي مخلص لا ينحني ولا يتردد ويقوم على الوقوف مع الضحية والمطالبة الملحة بحقوقه حتى يتحقق إنصافه.

خذ على سبيل المثال الشاب سعود العجمي الذي اشتكى من خطأْ طبي تسبب له في عاهة في المخ أنهت جل طموحه وقدراته فاستغلت قناة إعلامية مقاطع من الحوار معه بتصويره كمحتاج لمساعدة مالية وجمع تبرعات (رغم منع جمع التبرعات بهذه الطريقة نظاما!!)، وطالب سعود برد اعتباره فقط ورد التبرعات لمن دفعها ونفي حاجته للمال بل للحق، وقدم على جمعية حقوق الإنسان فاعتذرت عن تبني حقه بحجة اعتمادها على التبرعات ووعدته الهيئة بتبني أمره ثم غيرت رأيها مجاملة ومحاباة.

في حالات التصوير مع الخبر تشعر أن لكل مواطن جمعية وهيئة حقوق وإذا بحثت عن إنجاز فلا تجده!!.

تحويل التخصصي لعلاج الأخطاء الطبية

لا أقول بعد رهام، ولكن مع رهام، انضمت راما لقائمة من يحالون لمستشفى الملك فيصل التخصصي للعلاج من نتائج الأخطاء الطبية الكارثية الناجمة عن إهمال واضح، وليس مضاعفات أو نتائج محتملة للتدخل الطبي.

وعلاج نتائج الأخطاء الطبية إذا كان ممكنا، فليس بالضرورة أن يتم في المستشفى التخصصي، لكن وزارة الصحة اتخذت من التحويل للمستشفى التخصصي أسلوبا لإرضاء أهالي ضحايا الأخطاء، ومحاولة أخيرة تعتقد أنها تمتص غضب الناس وقلقهم!!.

بهذا الأسلوب المرتبك الذي ينم عن عدم السيطرة قد يتحول المستشفى المتخصص ومركز الأبحاث إلى مستشفى (تطييب خواطر)، ولا أقول مستشفى علاج نتائج الأخطاء الطبية؛ لأن نتائج الأخطاء الطبية إذا كانت ممكنة، فيمكن أن تتم في أي مستشفى آخر، كما أن ما يتسبب منها في الوفاة يدفن في المقبرة، ويصبح الاسترضاء فيه مجرد تحويل القضية للهيئة الطبية الشرعية.

العلاج الحقيقي والفاعل للأخطاء الطبية، والإهمال الطبي، وعدم توفر فرص العلاج، وعدم تواجد الأطباء في أماكن عملهم وافتقادهم للتركيز وافتقادهم لهيبة الإدارة، يتم عن طريق علاج أمراض الصحة نفسها في مستشفى إداري متخصص.

علموهم عقوباتهم

ما زالت كلمات رائد مكافحة المخدرات في المملكة اللواء جميل الميمان ــ تغمده الله بواسع رحمته ــ ترن في أذني، وأحتفظ بها في شريط مسجل صحفي قديم ومنشورة في ثلاث صفحات من جريدة (الجزيرة) في عهد رئاسة خالد المالك الأول ضمن أول تحقيق صحفي محلي عن المخدرات نشر في صحيفة سعودية، أجريته منذ حوالي 25 سنة عندما كنت أعمل محققا صحفيا في (الجزيرة)، وكان قبل ذلك مجرد ذكر كلمة ( مخدرات) محضورا وحساسا جدا.

كلام كثير ذكره اللواء جميل الميمان بصراحته وشفافيته المعهودة التي كان لها دور ريادي في الحرب على المخدرات باستخدام سلاح الشفافية، ومن ضمنه تأكيده على جهل الناس ــ آنذاك ــ بالعقوبات وعدم تفريقهم بين عقوبة المستخدم والمروج والمهرب.

يقول: علمنا عن عصابة ترويج مخدرات تتخذ من المنطقة الجبلية الوعرة خلف هجرة الشعب في منطقة سدير مقرا لتحركاتها، فأقمنا منطقة عمليات في مدينة حوطة سدير، ونصبنا كمينا للعصابة وتم القبض عليهم، يقول: وبينما أنا أجلس على مكتبي في الخيمة المعدة للعمليات أدخلوا علي كبير العصابة، ومنذ دخوله من باب الخيمة ــ وكانت خيمة كبيرة وبابها بعيد عني ــ كان يرفع صوته حالفا بالأيمان الغلاظ أنه يبيع المخدرات ولا يستعملها.

لم يكن يدرك أن عقوبة الاستخدام سجن سنوات، وعقوبة الترويج أشد، وفي طريقها لتصل للإعدام بفتوى علماء الشرع، وكان يبني على مقولة بائع الخمر ــ آنذاك، إذ يقول (أبيعه ولا استعمله)، فكان ما قاله وهو على باب الخيمة أسرع اعتراف حصلت عليه بالتهريب أو الترويج.

يقول: من حينها، جندنا كل طاقاتنا للتعريف بعقوبات التهريب والترويج والاستخدام بشكل مكثف داخليا وخارجيا.

التعريف بعقوبة المخالفات، كل المخالفات من رشوة واختلاس وكل أشكال الفساد، أمر ضروري جدا لتحقيق درجة كبيرة من الردع، وغني عن القول إن الردع الأكبر يتم بالتطبيق الأشمل.