إخراس الإعلام والجلد الأملس

في الوقت الذي كنا نطالب فيه بتفعيل الأوامر للجهات الحكومية بضرورة التجاوب مع ما يرد في وسائل الإعلام من نقد وملاحظات، وفي الوقت الذي كنا نأمل فيه أن تستفيد تلك الجهات مما يرد في وسائل الإعلام من تنبيهات وكشف للعيوب، وأن تقول للوسيلة الإعلامية الصريحة الجريئة: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، فوجئنا بأن بعض الجهات الحكومية والمؤسسات تطالب بوقف صحيفة أو قناة أو معاقبة كاتب أو مقدم برنامج.

في الأمثال الشعبية المحلية، يعبر عن الشخص الذي يتمادى في التهاون وعدم الانصياع للأوامر والتعليمات بالقول (إن فلانا استملس جلده)، بمعنى أن التغاضي عن تهاونه واستهتاره وكثرة مخالفاته دون معاقبته أدى به إلى التعود على التهاون والاستهتار ومخالفة التعليمات، لأنه وجدها طريقا ناعما لا خشونة فيه!!.

أعتقد أن الأمر نفسه هو ما يحدث مع تلك الوزارات والمؤسسات، فهي لم تكتف بعدم التجاوب، بل حينما وجدت أن عدم التجاوب لم يسبب لها أية متاعب (استملس) جلدها وأصبح أملس، واستمرأت ما تفعل، حتى وصل بها الأمر إلى استنكار أن تنتقد أو توجه لها الاتهامات وتكشف عن عيوبها الأغطية والستار.

من حق كل جهة أو وزارة أن تعترض على النقد، لكن ذلك لا يكون بالمطالبة بإيقاف وسيلة إعلامية أو برنامج، بل بالرد على اتهامات القناة أو البرنامج في ذات الوسيلة الإعلامية، أو غيرها، ومقارعة الحجة بالحجة وتفنيد ما ذكر (كل ما ذكر)، لا أن تتشبث بجانب واحد أو نقطة اشتباه وتترك جل ما ورد من ملاحظات جوهرية ثم تطالب بإخراس الإعلام!.

نعترف بأرقام الانحراف ولا نعالج أسبابه !!

لا نفتقد الإحصاءات والأرقام والنسب المئوية؛ لأننا مجتمع يجري أبحاثا ودراسات وإحصاءات، لكننا لا نتفاعل مع تلك الأرقام والإحصاءات بغير نشرها فقط!!، دون اتخاذ خطوات جادة لتقليص السلبي منها وزيادة الأرقام الإيجابية.

أما السر في كثرة نشر الأبحاث والدراسات، فهو أنه مطلب للترقية في درجات السلم الأكاديمي في الجامعات، وتحول الأستاذ المساعد إلى أستاذ مشارك، والأستاذ المشارك إلى أستاذ، بينما يكمن سرعدم استغلال تلك الأبحاث والدراسات بشكل حلول في أن الإنجاز والتطوير وتحقيق الحلول لم تعد مطلبا ولا طموحا لدى بعض المسؤولين في الوزارات والمؤسسات الراكدة.

نحن أكثر من نشر أبحاثا وأرقاما ونسبا لأعداد الأطفال والشباب والبنات من ضحايا الخلافات الأسرية والطلاق، وكيف أن تلك الخلافات الأسرية العلنية المنتهية بالضرب أو العنف الأسري أو التعليق والهجر أو الطلاق هي أحد أهم أسباب مشاكل الانحراف لدى الشباب والشابات، والأمراض النفسية لدى الأطفال، وأسباب تفكك الأسر وتحول بعض أفرادها لسلوكيات إجرامية مختلفة بعضها يهدد حتى الوطن.

في الوقت نفسه، نحن أقل من تحرك لإنشاء مؤسسات، أو حتى لجان إصلاح أسري، تتولى أخصائية اجتماعية أو أخصائي (مؤهلان ومتخصصان) حل المشاكل الأسرية على أساس علمي وعمل مؤسسي ومراكز متخصصة واسعة الانتشار في كل مدينة وقرية، رغم توفر المؤهلين من الأخصائيات الاجتماعيات والأخصائيين الاجتماعيين الذين لم يجدوا وظائف!!.

المستفيد الوحيد من تلك الإحصاءات والأرقام هم كثير من المتاجرين بإصلاح ذات البين كعمل ربحي، وقليل من المجتهدين المتطوعين لهذا العمل، وجميعهم المتاجر والمجتهد غير متخصصين!!.

أعذار أغرب من الذنب

عندما انتشر في الصحف خبر العثور على أطراف لحمار في حاوية نفايات في منطقة مطاعم في إحدى المحافظات وأصاب الناس قلق على مصير جسد ولحم ذلك الحمار وخوف (مبرر) أن يكون لحمه قد دخل أحد تلك المطاعم التي يأكلون فيها ومنها، رد رئيس بلدية المحافظة بالقول إن أطراف الحمار وجدت على بعد أكثر من كيلو متر عن أقرب مطعم، كان التبرير غريباً وأذكر أنني رددت عليه في زاوية (قالوا وقلنا) فقلت يا أخي نحن لم نقل لك إن الحمار دخل المطعم ماشياً!! فكان على رئيس البلدية أن لا يدافع وأن يستنفر قواه وإمكانياته لتفتيش المطاعم فهو عمل روتيني سواء وجدت أطراف الحمار أو لم توجد لكن وجودها على بعد كيلو متر لا ينفي أن بقية الجسد حمل إلى أبعد من هذه المسافة.

ودافع مدير شؤون صحية عن حادثة تجول حمار في أحد مستشفيات الوجه بالقول إن دخول الحمار تم بفعل فاعل (وهذا أمر محتمل لا غبار عليه)، لكن السؤال هو هل خبأ الفاعل الحمار في جيبه مثلا؟! وهل يسمح المستشفى بإدخال أي شيء يجره الفاعل؟ وهل سيسمح لمواطن يجر نمراً أو أسداً أو حتى ماعزاً بعبور بوابات وحراسات مستشفى؟! ولماذا يمر حمار أمام ممرضة وتسير وكأن الأمر طبيعيا؟! خصوصاً أن ثمة أمراضا مشتركة بين الإنسان والحيوان (كان على مدير الشؤون الصحية أن يحقق ولا يدافع أو يبرر).

أما أغرب التبريرات فهو تبرير مسؤول في شركة المياه نافياً ضلوع أصحاب الوايتات في إغلاق محابس المياه في الرياض لاجتذاب الزبائن وقائلا إن من شاهدهم الناس يغلقون محابس المياه هم موظفو الشركة لتحويل الماء إلى المناطق المرتفعة!!.

معقولة في الرياض إحدى أكبر مدن العالم يتم التحكم في توزيع المياه يدوياً؟! إن صح ذلك فالعذر أغرب من الذنب، لأننا لا نتحدث عن هجرة أو حتى قرية إنها الرياض.

افصل يا حسين !!

كتبنا كثيرا عن ضرورة تحصين المعلومات الشخصية والحفاظ على سرية المعلومات لجميع من تفرض عليه متطلبات التوظيف أو القروض أو فتح حساب في البنك أو فتح ملف في المستشفى إعطاء معلومات شخصية عن نفسه أو أسرته.

وتحولنا تدريجيا إلى الحكومة الإلكترونية أو التعامل عبر الإنترنت يجعل أهمية الحفاظ على سرية المعلومات تزداد يوما بعد يوم، وتستوجب فرض عقوبات صارمة على من يسرب معلومات عميل لبنك أو مشترك في هاتف أو مريض في مستشفى أو مستخرج رخصة أو بطاقة هوية أو جواز، أمثلة كثيرة، حدث عنها ولا حرج، لكن الحرج الحقيقي هو عدم وجود أنظمة ولوائح وسياسات تحكم موضوع تسريب المعلومات الشخصية لدى البنك أو مكتب المحاماة أو مقدم خدمة الاتصالات أو المستشفى الخاص والعام أو الدوائر الحكومية.

ليس المقصود جدول عقوبات يعتمد على خطورة التسريب أو نواياه وأهدافه والردود من ورائه وحسب، بل المقصود منظومة كاملة للتعاطي مع هذه الجريمة في الوطن ككل تؤكد على شمول الجهة المعنية بالعقوبات، وشمول مدير الموظف بالعقوبة، والتأكد من أن القسم والمدير رسخ لدى موظفيه قبل مباشرة العمل خطورة تسريب المعلومات وعمل البنك أو المستشفى أو شركة الاتصالات… إلخ كل ما من شأنه الاحتياط من أمر تسريب المعلومات والنتائج المترتبة عليها، وأنها شاملة لجميع من تطاله المسؤولية.

الذي لاحظته من عدة قضايا (أشهرها قضية تسريب صورة دفتر العائلة لعميلة بنك في الإنترنت للتندر بأصغر زوج معدد) أن فصل الموظف أو الموظفة هو التفاعل الوحيد من الجهة المسربة، وهذا ليس حلا كافيا، وقد يمارس فيه (لف ودوران وتحايل) أو نحر كبش فداء مظلوم.

الواضح أن القطاع الخاص والعام أصبح أسهل ما عليهما هو فصل موظف إما مؤقت أو جديد أو وهمي للتخلص من قضايا التسريب، وعلى وزن (اكتب يا حسين) في مسرحية (شاهد ما شفش حاجة) يمارس أسلوب افصل يا حسين لموظف ربما (لم يعمل حاجة).

مراهنة المجرم

يكفي رفع سماعة هاتف أو التلويح بالجوال لمنع مجرم من الشروع في جريمته، شريطة أن يثق المجرم بأن موظف استقبال البلاغات في الشرطة سيتجاوب بالسرعة المطلوبة في تعميم البلاغ، وأن يكون لدى المجرم العلم اليقين بأن حضور الشرطة يسابق سرعته على التنفيذ والاختفاء.

عندما يوقن المجرم بعكس ذلك، فإنه ــ دون أدنى شك ــ سيكون مستريحا وهو ينفذ جريمته، حتى لو رآه أحد وأشعره ذلك الشخص أنه شاهده يهم بتنفيذ جريمته أو يهم بدخول منزل لسرقته، أو يلاحق ضحيته، أو أصدر الضحية صراخا قد يجعل من يسمعه في الجوار يرفع سماعة الهاتف أو يلوح بالجوال ليبلغ الشرطة.

هنا لا بد أن نقتنع بأهمية موظف غرفة العمليات لاستقبال البلاغات، وأنه ليس مجرد موظف (سنترال)، وأنه يجب أن يكون على درجة عالية من التأهيل والحس الأمني والإخلاص في العمل (موظف يراهن على همته وسرعته أبرع وأسرع اللصوص). وغني عن القول أن يكون على اتصال لا سلكي مع دورية تهب بسرعة لنجدة المستغيث.

ما حدث للمواطن فهد سعد الشهري على طريق تنومة الذي طارده عدد من قطاع الطرق في ساعة متأخرة من الليل يستخدمون ثلاث سيارات محاولين إيقافه وعائلته بصدم سيارته، وقيامه بتبليغ الرقم 999 عن طريق جواله، أمر يمكن أن يحدث في أي مكان خاصة في تلك الساعة، لكن المؤكد أن رد موظف استقبال البلاغ لن يكون بعبارة (الله لا يهينك تريد تبليغ شرطة بللحمر بلغهم أنت) ــ حسب رواية الشهري في عدة مواقع، لكن الله ستر.

أجهزة تحليل السكر «المجانية» والتكاليف

أعلنت وزارة الصحة بالصوت والصور الصحفية توزيع 400 ألف جهاز منزلي لتحليل مستوى السكر في الدم على المواطنين، كمرحلة أولى عبر مراكز السكر، تليها مرحلة ثانية عبر مراكز الرعاية الصحية الأولية لم يعلن عن عدد أجهزتها التي ستوزع على مرضى السكري ــ شفاهم الله، وشفى كل مريض بمرض عضوي أو نفسي.

ومن منطلق حب هذا الوطن والتحيز لمصلحة المواطن، وهما أمران لا مزايدة عليهما، وعلى أساس حقائق نعرفها بحكم التخصص والتجربة، من واجبنا أن نبين لكم وللوزارة حقائق إن كان لا يعرفها من تبنى هذه الخطوة فتلك مصيبة، وإن كان يعرفها ويخفيها فالمصيبة أعظم!!. وبالمناسبة، فإن تلك الحقائق تقوم على أساس تجاري اقتصادي بسيط يعرفه الآن غالبية عامة الناس، ناهيك عن الصيدلي أو أخصائي المختبر أو المتخصص في التسويق فلا عذر بجهل!!.

تلك الأجهزة التشخيصية التي تعتمد على (كواشف مستهلكة) هي هنا ما يعرف بشريط تحليل السكر (ستريبز) غالية الثمن تقوم الشركات المنتجة لها بتقديمها (مجانا) لأي جهة صحية أو قطاع صحي حكومي أو تجاري على أمل (لاحظ على أمل) أن تجبر الجهة (أو يجبر المريض) على شراء أشرطتها باهظة الثمن!! لأن ربحها الحقيقي يعتمد على المريض المسكين الذي سيبحث عن أشرطتها في الصيدليات، وكلما وزعت من الأجهزة المجانية أكثر رفعت سعر الشريط!!.

تتراوح قيمة علبة بها 50 شريط تحليل بين 100 و185 ريالا سعوديا، تزداد كلما راج الجهاز، ولا تكفي العلبة المريض الملتزم بالتحليل الذي يطلبه طبيبه إلا أسبوعين، مع التقشف، ولكم بحسبة بسيطة معرفة مبيعات الشركة لـ400 ألف جهاز في سنة!! (رقم فلكي)، ولاحظ أنني قلت (جهاز) وليس مريض، فبعض الأسر يشتركون في جهاز واحد وعلبتين شهريا لكل مريض!!.

إذا التزمت الصحة بشراء (شرائط) التحليل وصرفها للمريض فتلك أيضا مصيبة؛ لأنها هنا تحد نفسها بشركة بعينها، وإذا لم تلتزم (وهذا هو الواضح) حسب شكاوى المرضى فالمصيبة أكبر جدا؛ لأن المريض من سيتحمل العبء.. وعليكم الحساب.

محطات الطرق تحتاج حملة .. من لها؟!

حملة الجوازات، ثم حملة أمانة مدينة الرياض على الأسواق الكبرى والمطاعم أنعشتا نفسية المواطن، فقد بدأ يحس أن ثمة تحركا ايجابيا وجهات كانت نائمة واستيقظت فوجدت مصائب تجري والناس نيام.

حملة الجوازات هدأت من أجل مهلة التصحيح، ونأمل أن تعود أقوى من بدايتها وأكثر حزما وصرامة، فقد لمسنا فوائدها وإيجابياتها، ودعك من متمصلح من الغفلة يقول غير ذلك!!.

حملة أمانة مدينة الرياض على الأسواق المركزية الكبرى والمطاعم الشهيرة تبدو وكأنها هدأت، مع أن المفترض والمتوقع استنساخها في كل المدن والقرى والهجر.

وعلى أية حال، فإن حملة الجوازات وحملة صحة البيئة بأمانة مدينة الرياض مع النشاط الملموس لوزير الصناعة والتجارة في محاربة أشكال التلاعب التجاري وخداع المستهلك ووقوفه في صف المواطن، جميعها تحركات إيجابية (منعشة) لحالة الإحباط من خمول جهات أخرى كالتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية.

بقي جانب مظلم مليء بالعفن والمشاكل والمياه الراكدة الآسنة التي تحتاج إلى حملة تنظف ما بها من درن قديم متجدد، واشتكى منها المواطن والمقيم، ولكن دون جدوى أو تجاوب، ألا وهي محطات الطرق السريعة واستراحاتها التي لا تحمل معنى للراحة، بل هي للإجهاد والانزعاج والمعاناة عنوان.

دورات مياه قذرة مقززة لا تصلح للاستعمال الآدمي، بل حتى الرفق بالحيوان يستدعي حمايته من قذارتها!!، ونوعية وقود غير نظيف وخدمات سيئة وقاصرة ولا تتوفر في كل محطة، فتلك لا يوجد فيها إصلاح إطارات، وأخرى لا تجد فيها أبسط إصلاحات الأعطال الطارئة.. وفي كل الأحوال، فإن مرتاد الطريق يستغل ماديا أيما استغلال!!.

مشكلة المواطن مع هذه المحطات على الطرق الطويلة أنه لا يعرف لها أبا ولا مرجعية واضحة، ولا بد من حملة تنعشه وتشعره بأن موسم السياحة الداخلية هذا الصيف يبشر باهتمام، ولو بخدمات الطرق الأرضية طالما أن في الطرق الجوية غيما بل غبارا!!.

شرطة ورومانسية و (كلاشنكوف) تجي كيف؟!!

لا يمكن لشخص مثلي أن يجد العذر أو يبرر لشاب أو شيبة حل مشكلته مع مطعم بالتهديد بالسلاح، أي سلاح، حتى لو رشاش ماء فما بالك برشاش كلاشنكوف؟!، ولا يمكن أن أفعل ذلك لعدة أسباب: منها أن استخدام العنف أو التهديد بالعنف لإنهاء أي مشكلة ليس إنهاء بل بداية مشكلة أكبر، وهذا ما حدث فعلا!!، ومنها أنني ككاتب يفترض أن أدعو لتغليب الوعي وليس الاستسلام لحالة اللاوعي وهي الحالة التي تتلبس المعتدي بالسلاح (أي سلاح) حينما يحاول الانتصار لنفسه أو أبنه أو شقيقه!!، ومهمتنا كإعلام توعية العامة و تذكيرهم ونصحهم لا التبرير لهم، إذاً لا يمكن لأحد أن يفسر ما سوف أكتب أنه تبرير لشخص يحاول حل مشكلة أو خلاف حول سعر وجبة طعام بإطلاق أعيرة نارية لا من رشاش ولا من بندقية هوائية (أم صتمه)!!.

مهمتنا كإعلام وطني محب أكبر من مجرد توعية العامة وتذكيرهم، لذا فإن علي أن أذكر قسم العمليات بدوريات الشرطة بحي السويدي جنوب غرب الرياض أنهم لو تجاوبوا مع البلاغ الهاتفي الأول الذي صدر من حضور الخلاف على قيمة وجبة الرز بالدجاج وحضروا لفض الخلاف (ولا أقول حله، لأن حل تحديد أسعار الوجبات بيد غيرهم)، فإن حضورهم السريع كان سيمنع تفاقم الخلاف وتعدد أطرافه ولجوء شقيق الشاب العشريني لاستخدام رشاش كلاشنكوف لتخويف زبائن مطعم رومانسي!! فثمة تعارض وتناقض كبير بين الرومانسية وصوت إطلاق الرصاص بمثل الفارق الكبير بين خسارة الشاب (مطلق النار) لمستقبله وحريته، كثمن لاستسلامه للغضب، وخسارة شقيقه لحفنة من الريالات هي فارق ثمن الدجاجة المختلف عليها.

كما أن الشرطة لو استجابت للبلاغ الأول لوفرت الجهد الضخم الذي بذلته في البحث الجنائي المضني للوصول لمن أطلق النار ثم فر!!.

هل يعقل أن يعيش مجتمع عيشة طبيعية وشرطة الرياض لا تتجاوب للبلاغات إلا إذا حضر رشاش الكلاشنكوف، وشرطة جدة لا تبحث عن شاب مفقود أو طفل مختطف إلا بعد طرح قضيته في برنامج تلفزيوني فيتحول (الإهمال) عشرة أيام إلى (إهتمام) عشر دقائق ثم نصفق لهم ولتجاوبهم؟!

بقي أن أذكر بأن الخلافات اليومية البسيطة بين المتعاملين في الشوارع والمتاجر والمطاعم لو وجدت قنوات سريعة للشكوى و اقتصاص الحق وحلول صلح ذات البين لما تحول خلاف بسيط إلى جريمة كبرى تشغل السلطات والرآي العام!!.

قناعة المواطن

قلت، مرارا وتكرارا، وفي أكثر من مناسبة وأكثر من برنامج تلفزيوني، أن المواطن السعودي سقف مطالبه ليس مرتفعا وسهل التحقيق.

وعندما نقول المواطن السعودي، فنحن نعني المواطن في كل موقع وكل وسيلة إعلامية، حتى في (تويتر)، حيث لا يوجد سقف ولا رقيب غير الذات، فإن المغرد السعودي المعروف يغرد بمطالب لا تتعدى خدمات جيدة وإخلاص مسؤول واهتماما بمطالب يومية، لكنه ــ وللأسف ــ لا يجد التجاوب المطلوب ولا قيام بعض المسؤولين بواجباتهم المفروضة دون مطالبة، وبالحد الأدنى المطلوب من العطاء لواجبات المسؤولية.

من أمثلة هذه القناعة أن المواطن يطالب بحق منحه له الوطن بأنظمة وأوامر صريحة وملزمة للموظف، وتستمر مطالبته سنوات، فإذا تحقق مجرد التجاوب مع مطالبه امتن وأشاد وشكر ونسي تقصير المسؤول الذي هو مجرد موظف يفترض أنه قدم تلك الخدمة التي لا منة فيها إلا للوطن منذ مدة وفي وقتها، وصحفنا تحفل بتصاريح الامتنان.

المواطن السعودي ــ كمقدم برنامج ــ يمتن كثيرا ويشيد بجهة تفاعلت مع قضية واحدة طرحها في برنامجه، وينسى أن عدم قيام تلك الجهة بمسؤولياتها نحو ذات القضية قبل طرحها على الهواء هو ــ في حد ذاته ــ تقصير تلام عليه ولا تشكر!!، وأن عدم قيامها بمسؤولياتها تجاه مئات أو آلاف القضايا المشابهة التي لم تطرح تلفزيونيا هو تقصير لا يقارن بالتجاوب مع حالة واحدة.

الخطوط السعودية رهان خاسر

اجبار المبتعث السعودي أو حتى الموظف المنتدب على استعمال ناقل جوي محدد إجراء تجاوزه العصر و أصبح في هذا الزمن أشبه بمن يصر على السفر على ظهر الجمل!!.

حتى لو لم تكن الخطوط السعودية تعاني من تدني في الخدمات والمواعيد وشح المقاعد وسوء الانضباط، ورهانا خاسرا على من يشترطها، فإن مجرد إلزام المبتعث بعمل حجز مؤكد على الخطوط السعودية كشرط لحصوله على أمر اركاب أو تذكرة ترسل له ويلزم بالتقيد بها أصبح أمر تجاوزه عصر إجراء الحجز عبر الانترنت والدفع بواسطة نظام سداد المتطور أو بواسطة بطاقات الإتمان أو التحويل عبر الانترنت وتحول التذكرة إلى مجرد رقم أو (باركود) يرسل على جهاز الهاتف الذكي.

اشتراط استخدام الخطوط السعودية أصبح إجراءً يفقد المبتعث أو المنتدب المرونة في تحديد موعد سفره وعودته بل يفقده أحيانا كثيرة السفر نفسه وانجاز المهمة، ولم يعد هذا التحديد مطبقا إلا على المبتعث السعودي من بين جميع زملائه وعلى الموظف المنتدب السعودي من بين كل حضور المؤتمرات واللقاءات والمهام الوظيفية، وأصبح شرطا وإجراء يشكل تعقيدا كبيرا وجهدا على الوزارات والسفارات وصداعا يوميا على الملحقيات الثقافية والتعليمية يستدعي تجنيد أعدادا أكبر من الموظفين وفي مجمل ما يسببه من مشاكل لا يعادل جزء يسير من الهدف الذي قرر من أجله في زمن مضى، وهو دعم الناقل الوطني.

طالما أن التذكرة حق سنوي مشروع للمبتعث لزيارة أهله أو العودة للوطن، وطالما أن بدل تذكرة سفر من درجة معينة، حددها النظام، للموظف المنتدب لمهمة عمل أو حضور مؤتمر فلماذا لا تودع قيمتها المقدرة في حسابه مباشرة ويترك له تحديد طريقة الاستفادة منها وإنهاء اجراءات سفره بالتقنية الحديثة المريحة التي لا تتدخل فيها الجهة ولا وزارة التعليم العالي ولا الملحقيات التعليمية فنوفر عليه وعلى الدولة صداعا يوميا لا يتوقف ولن يتوقف.