الشهر: أغسطس 2002

مريض الإيدز فضح المستور!!

بدأت في الأسبوع الماضي بتناول قضية مريض الإيدز الذي هرب وانعزل وتمت ملاحقته رسمياً وإعلامياً وكأنه مريض الإيدز الوحيد في بلادنا، وذكرت أن ثمة العديد من العبر التي يمكن أن نستشفها من هذا الموقف لكن مساحة هذه الزاوية قد لا تكفي لسردها، وبدأت بثلاثة من تلك العبر وهي أن هروب ذلك المريض يدل على سوء تعاملنا مع مرضى الإيدز وعدم الشفافية في معالجة قضية الإيدز وأن المطالبة بحرق سريره وأدواته تدل على الجهل بطرق انتقال المرض وعدم تصحيح تلك المعلومة من الجهات المختصة “وعلى رأسها الطب الوقائي بوزارة الصحة” يؤكد مصدر التجاهل والتجهيل وعرجت على المطاردة الإعلامية والرسمية لذلك المريض وكأنه مريض الإيدز الوحيد وما سيؤدي إليه هذا التصرف من عزوف أي شخص آخر عن إجراء فحص الإيدز.

واستكمالاً لما سبق فإن الوقفة الرابعة تكون مع التعامل الطبي مع ذلك المريض بعد اكتشاف إصابته بالمرض، فالمتوقع هو أن يتم استدعاؤه لإخباره شخصياً بأمر إصابته بهذا الداء الخطير ثم تنويمه في المستشفى لمعرفة مرحلة المرض وإمكانية علاجه من بعض الأعراض والمضاعفات المعتادة. ثم إشعار زوجته وأقرب المقربين له بأنه يحمل فيروساً يعدي بالاتصال الجنسي مع حفظ حق المريض في سرية معلوماته الصحية حسب أخلاقيات المهنة.

لكن المفاجأة أن المريض ترك ليغادر المركز أو المستشفى الذي كشف وضعه، وهرب وانعزل وأفشى سره إلى درجة معرفة الصحافة بالأمر وملاحقته ونشر صوره وفضح أمره!!

ولأن الصحافة دخلت في الموضوع فإن العديد من الجهات أصبحت تدلي بدلوها في أمره وأخذ الموضوع طابعاً من الاهتمام المختلف والمعاكس لأبسط حقوق السرية في المعلومات الشخصية.

الوقفة الخامسة مع مفهوم الطب الوقائي لدينا فلماذا نصر كل هذه المدة الطويلة على الاعتماد في استراتيجية الوقاية على وكالة مساعدة للطب الوقائي أثبت الزمن أنها غير قادرة على القيام بأعبائها الأساسية؟! وطالما أن لدينا الوعي التام من كل وجهات النظر الاقتصادية والطبية أن الوقاية من المرض أهم وأجدى اقتصادياً من علاج مضاعفاته “درهم وقاية خير من قنطار علاج” فلماذا لا نولي أمر الطب الوقائي لهيئة وطنية عليا تتكفل برسم استراتيجية سليمة للوقاية من الأمراض خاصة الوبائية والمعدية.

دعونا نقارن بين نشاط اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات ونشاط مكافحة التدخين في كفة ونشاط الطب الوقائي في الكفة الأخرى وسنجد أن أي طفل وكهل وعجوز يدرك جيداً أخطار المخدرات والتدخين وفي الوقت ذاته يجهل السواد الأعظم من السكان طرق انتقال الأمراض المعدية والأوبئة الفتاكة التي يعاني مجتمعنا من انتشارها ولعل أقرب الأدلة المطالبة بحرق أدوات مريض الإيدز “غير المعدية”.

كما يحفل سجل مكافحة المخدرات والتدخين بإحصائيات دقيقة ومحدثة في حين يحمر وجه الطبيب السعودي خجلاً في المحافل الدولية عندما يسأل عن رقم إحصائي في مجال الأمراض المعدية!! أو معدلات انتشار الأوبئة!!

وفي الوقت الذي تحتضن فيه مستشفيات الأمل وعيادات مكافحة التدخين كل محتاج للعلاج بسرية تامة وخطط مدروسة وإجراءات غاية في الدقة والتطوير ومسايرة المتغيرات فإن مريض الإيدز يهرب من الواقع المر إلى الشارع وتتناقل أخباره الصحف، ولولا أن يد الخير والجود امتدت لعلاجه فربما مات وتعفن قبل أن يشكل رقماً في إحصائيات الطب الوقائي!!

وفي حين تعج وسائل الإعلام برسائل التوعية حول المخدرات والتدخين فإن الإطلالة السنوية الوحيدة للطب الوقائي هي في موسم الحج للتأكيد على أن الأمور “تمام” هذا خلاف إطلالات النفي في مناسبات أخرى كلما انتشرت الأوبئة.

إن مريض الإيدز الشهير لم يفضح نفسه وإنما فضح صوراً عديدة من التخبط وقلة الوعي وغياب المتابعة وإهمال الوقاية وإسقاط حقوق السرية الشخصية للمريض والتعامل مع كل حدث طبي على حدة بارتجالية وعشوائية القرن الماضي.

مريض الإيدز والطب الوقائي

لو كتبت سلسلة مقالات عن الكم الهائل من العبر التي قد نستشفها من “حادثة” مريض الإيدز التي اصبحت مادة دسمة للصحف، لربما امتدت سلسلة هذه المقالات سنة كاملة وبطبيعة الحال سوف أُتهم بأني لم أجد ما أكتبه فاشغلت هذه المساحة بموضوع مريض الايدز ذاك، لكن الواقع ان الموقف مخجل للغاية ويستحق لوقفة طويلة،، ليس بسبب اصابة شخص بهذا المرض ولكن بسبب تعاملنا الغريب والمتخلف مع الموقف..

سوف أبدأ وأرى إن كنت سأنتهي او متى أستطيع الانتهاء ولابد من التأكيد على ان مساحة هذه الزاوية لن تكفي لاعطاء الموضوع ما يستحقه.

اولاً: إن هروب مريض الايدز وانعزاله عن الناس يدل بوضوح على اننا لم نتعامل مع موضوع الإصابة بهذا المرض بجلاء ووضوح ولم نتناول مشكلة الايدز في بلادنا بنفس الشفافية التي تناولنا بها مشكلة المخدرات مثلاً بل ليس بربع الشفافية وهذا يدل ايضاً على أننا لم نرسم استراتيجية موحدة لمعالجة قضايانا الاجتماعية وانما نعتمد على اجتهاد الجهة الواحدة او المسئول الواحد وفي هذه المقارنة اجتهدت وزارة الداخلية فنجحت وتقاعست وزارة الصحة فأخفقنا!!..

ثانياً: المطالبة الصحفية بحرق ما تركه مريض الايدز من اغراض كالبطانيات والسرير وخلافه يدل على جهل بكيفية انتقال هذا المرض والذي عرف عن الفيروس المسبب له ضعفه الشديد خارج سوائل الجسم وانه لا ينتقل إلا بالانتقال “المباشر” للدم وبعض سوائل الجسم ولا ينتقل عن طريق ملامسة ادوات المريض وملابسه. ويقابل هذا الجهل بطريقة العدوى والمطالبة بحرق الادوات صمت وعدم تصحيح من ذوي الاختصاص، ما يؤكد ان الجهل سببه التجهيل والتجاهل وكأن ادارة الطب الوقائي في وزارة الصحة لا يعنيها امر تصحيح المفهوم حول هذا المرض ناهيك عن امر التوعية به والشفافية في طرح مشكلته، اما وضع الخطط والاحتياطات للوقاية من المرض والحد من انتشاره فيبدو انها اكبر من مؤهلات هذه الادارة.

ثالثاً: تم التعامل مع هذا المريض وكزنه مريض الايدز الوحيد وهذا خلاف للواقع ومخالف للاحصائيات الخجولة والمتحفظة وقد هبت بعض الجهات على طريقة (مع الخيل يا شقراء) في ملاحقة ذلك المريض ونشر اخبار الملاحقة اولاً بأول حتى غطت اخباره على اخبار شبح الهند (الرجل القرد)، وكأن مريضنا هذا حالة نادرة وهو ليس كذلك،، فكيف نتوقع بعد هذا التصرف وذلك التعامل ان يعترف شخص في هذه البلاد بأنه مصاب بالايدز بل كيف نتوقع ان يقبل انسان بإجراء فحص الايدز، اذا علم انه سوف يطارد هذه المطاردة الإعلامية والرسمية؟