اليوم: 11 نوفمبر، 2002

لنقاطع نشر العقوبات

أما وقد أصابنا اليأس من المطالبة بجعل العقوبة تتناسب مع النتائج المتوقع ترتبها على المخالفة فإنني أرى أن على الصحافة أن تقاطع نشر تلك العقوبات المتراخية لأنها تسهم في التشجيع على ممارسة شتى أنواع الجرائم والمخالفات.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجريمة الخطيرة التي نشرتها جريدة “الاقتصاية” في عدد يوم الأحد 5رمضان 1423هـ والمتمثلة في تستر صاحب مستوصف والمدير الطبي للمستوصف وأخصائي مختبر المستوصف على نتيجة تحليل دم خادمتين مصابتين بالايدز وجاء في الخبر أن وزارة الصحة عاقبت صاحب المستوصف بغرامة قدرها 70الف ريال مع “إنذاره” بشطب سجل المستوصف حال تكرار المخالفة وتغريم المدير الطبي خمسة آلاف ريال وأخصائي المختبر ثلاثة آلاف ريال وقد احسنت “الاقتصادية” صنعاً عندما نشرت بجوار الخبر تعليقاً يعترض على العقوبة ويقلل من شأنها مقارنة بالفعلة.

لنأخذ هذا المثال الحي (والأمثلة كثيرة) ونتساءل عن حجم الخسارة الإنسانية في الأرواح ومن ثم الخسائر المادية التي يمكن أن تترتب على التستر على عاملتين منزليتين كل منهما تحمل فيروس يشكل خطراً على العالم أجمع ويشكل عبئاً على الطب البشري لم يستطع بعد عمل شيء يذكر لعلاجه. ثم نأخذ في الاعتبار أن المتسترين كل منهم يعلم جيداً الآثار والأخطار المترتبة على هذا التستر فأحدهما صاحب مستوصف والآخر مدير طبي والثالث أخصائي مختبر، أي أن عذر الجهل بالنتائج مرفوض ولا يمكن أن يشفع هنا. بل على العكس فإن العلم بالنتائج ودرجة الخطر كبير جداً إلى درجة احتمال القصد بالضرر.

إن أنانية شخص يقدم على مثل هذا الجرم تؤكد أن صاحب المستوصف لم يكن ينوي الإبقاء على العاملة في منزله وهي على هذه الحال وكذلك المدير الطبي “الخبر أكد على أن الكفالة تعود لهما” ومن البديهي أنه سينقل كفالتها إلى غيره بعد التستر على الإصابة.

هذه العاملة المنزلية المصابة قد تنقل المرض إلى أي طفل في الأسرة بمجرد ملامسة دمها أو أحد سوائل جسمها لجرح في الطفل حتى ولو كان قرحة في موقع تغيير “حفاظة الطفل”، كما أنها قد تتعمد نقل المرض شأنها شأن كثير من مرضى الايدز إذا نقص الإيمان فإذا أصيب الأب أو الابن أو الزوجة بأي وسيلة من وسائل انتقال المرض فلوزارة الصحة أن تحسب عدد أفراد المجتمع الذين ستنتشر فيهم العدوى والنتائج في فقد الأرواح وتكلفة الرعاية الطبية والاجتماعية والنفسية لأسرة بريئة ومجتمع أكثر براءة.

عندئذ أرجو أن تعيد لجنة الوزارة الموقرة النظر في العقوبات وستجد أن غرامة 70ألف ريال لا تعادل “الصعقة” النفسية لأب أسرة علم أن أحد أفرادها مصاب بهذا المرض!! وأن إنذار صاحب المستوصف بشطب سجل المستوصف لا تعدو “نكته” سمجة فهل أشد من صورة مريض الإيدز إنذاراً لمن في قلبه ذرة من إحساس.

عجباً صاحب مستوصف يتعمد نشر الإيدز ونكتفي بأن نقول له “لا تعود لها وإلا” والعاجز عن دفع تكاليف العلاج يحتجز في المستشفى الأهلي حتى يدفع!!، يالها من مقارنة!!.

خمسة آلاف غرامة المدير الطبي وثلاثة آلاف ريال غرامة أخصائي المختبر وكأنهما ارتكبا خطأ طبياً غير مقصود!! وكأني باللجنة الموقرة قد أخذت قد أخذت في الاعتبار راتب كل منهما وخصمت راتب شهر.

لم تنظر اللجنة في تعمد التستر على أمر خطير وما يمكن أن يتبعه من جرائم إذا بقي هؤلاء يمارسون تلك المهنة الحساسة!!.

من أقدم على تلغيم المجتمع بمريض إيدز هل سيتردد في تمرير أي مرض معد آخر بل هل سيتورع عن إجراء عملية إجهاض؟! أو حتى عملية قتل؟! وأي عذر يبيح لنا إبقاءه ليمارس المهنة وقد فعل ما فعل حتى وإن كان تحت ضغط صاحب المستوصف.

إنني أرى أن نشر هذه العقوبات المتخاذلة لن يفلح إلا في زرع الطمأنينة في قلوب المجرمين، لأن أحداً لا يحلم بمثل هذه العقوبات المخففة مثلما أنني لا أحلم بكشف سر تخفيفها.