الشهر: يونيو 2003

الحل في الرقابة والتفتيش

جميل جداً أن يُتاح هامش أكبر للنقد الصحفي ورائع أن يتم تفعيل دور الصحافة كمرآة يرى من خلالها المسؤول ما يحدث من أخطاء وتجاوزات وإهمال وأن تُمنح قدراً مقبولاً من المساحة للركض.
لكن المرآة لا قيمة لها إذا لم يُستفد منها في الإصلاح والتعديل وتزيين الوجه وواقع الحال يُشير إلى أن بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية تأقلمت مع موجة النقد لسلوكياتها دون أن تجري أي إصلاح للخلل بل نستطيع القول أن بعضها لا يبالي مطلقاً بما يُوجه من تعرية للعيوب وكشف مدعم بالأدلة للتجاوزات والأخطاء وصنوف الإهمال. وما يُقال عن القطاع الحكومي ينطبق تماماً على القطاع الخاص.

من المؤكد أن الدولة عندما فتحت باب الحوار على مصراعيه على كافة الأصعدة إنما كانت تهدف لمعالجة الخلل أينما وُجد وليس لمجرد التنفيس، لأن التنفيس قد يخفف عرضاً طارئاً لكنه لا يغني مطلقاً عن علاج المرض.

البعض يبدو أنه لم يدرك هذه الحقيقة خصوصاً أولئك الذين ينعمون باستقرار وظيفي وربما أشعرهم التجديد بأن النقد لا يشكل أدنى خطورة على الاستقرار.

بعض الوزارات أصبحت مادة دسمة للنقد والتضجر ليس لأنها مستهدفة بل لأنها تتحدث دون عمل تقريباً والناس بطبيعتهم يكرهون الاستغفال، وكلما كانت الوزارة ذات مساس مباشر بأساسيات الحياة اليومية كالتعليم والصحة والغذاء والعمل والأجور والشؤون الاجتماعية فإن تألم الناس من إهمالها وأخطائها وركودها يزداد حدة يوماً بعد يوم.

إن الخطوة القادمة بعد تفعيل الحوار والنقد الهادف هي تفعيل دور الرقابة والمتابعة والتفتيش من قبل هيئات مستقلة خارج الوزارة المعنية، تتابع شكاوى الناس بجدية إلى جانب تفتيش دوري جاد وعقوبات حادة ومؤثرة وإصلاح يعالج هموم الناس ويشفي غليلهم ويشكل رادعاً قوياً للتقصير والإهمال.

الصحافة تنقل نبض المواطن وكلما ارتفع النبض دون علاج، زاد الضغط ووهن القلب واحتقنت الرئتان، ومادمنا على قناعة أن المجتمع جسد واحد فإن تطبيق هذه المتزامنة الطبية وارد ومقنع.

إن مطالبات الناس وشكواهم وتضجرهم من بعض المؤسسات الحكومية والخاصة له ما يبرره وهو خليط من شكوى عامة تشمل تقصيراً واضحاً في أداء الأدوار المفترض أداؤها للمجتمع ككل وقضايا خاصة تتمثل في تضرر شخصي بسبب إهمال أو قصور، والشكوى من النوعين لا تجد أدنى تجاوب من المسؤول بل أصبحت تُعامل بردة فعل عكسية إلى درجة أن من يشتكي في الإعلام ربما عُوقب بـ “التطنيش” وضياع حقوقه.

تفعيل دور الجهات الرقابية كان ولازال مطلباً ملحاً وأساسياً وهو الآن وبسبب ما يحدث من ردة فعل سلبية نحو النقد والشكوى أصبح أكثر إلحاحاً!!.

طب وتجارة العجز الجنسي

ليس أخطر من الانغلاق التام إلا الانفتاح دون ضوابط!! وأعتقد أننا في مجال التعامل مع الجنس وأمراضه وعلله انفتحنا مؤخراً انفتاحاً غير مقنن، واستغل هذا الانفتاح أطباء من المحسوبين على المهنة ووكلاء المقويات الجنسية بل وبعض مديري شركات الأدوية.
في الثمانينات الميلادية وحتى منتصف التسعينات كنا نعاني من غلق أبواب التعاطي مع التثقيف الطبي الجنسي إلى درجة أن الكتب التي تتناول الجنس تصادر وتباع في السوق السوداء بمنتهى السرية والخفية!!

كان لذلك المسلك مساوئه التي استغلها أنصاف الأطباء في تأليف كتب بمعلومات سطحية غير موثقة كانت تمثل بضاعة مرغوبة لأنها ممنوعة، وتسببت في تشويش أذهان المراهقين بمعلومات مغلوطة عن الجنس لابد وأنه كان لها الأثر السيىء لكنه لن يكون أسوأ مما يحدث الآن.

اليوم وكعادتنا عندما نطلق العنان نطلقه دون ضوابط بل أننا نهمل حتى تطبيق الضوابط الأخلاقية المتعارف عليها للمهنة والقوانين التي يفترض أن تحكم العلاقة بين المتلقي والمعلومة!!.

لقد أصبح بعض المحسوبين على مهنة الطب يتحدثون عن العجز الجنسي في جميع وسائل الإعلام، المقروءة والمرئية وكأنه مشكلة وطنية!! ويتناولون تفاصيل الضعف الجنسي بطريقة لا تحسب أدنى حساب لفئة عمرية من القراء والمشاهدين ممن هم أقل من السن التي تستوعب مفردات ومعاني وتبعات ما يقال أو يكتب!! (في أكثر دول العالم إباحية يسبق تناول مثل هذه المواضيع تنبيه بأنها لا تناسب من هم أقل من 18سنة ويحدد وقتها بعد نوم الأطفال).

الأطباء كغيرهم من البشر، الكثيرون منهم ملتزمون بأخلاق المهنة وقلة منهم انتهازيون ماديون غايتهم الكسب المادي باستغلال المهنة وهذه الغاية تبرر عندهم أي وسيلة!!.

لقد انتهز بعض الأطباء هذا الانفتاح أو على الأصح (الانفلات) في مجال تناول الجنس طبياً للدعاية لأنفسهم ومداعبة وتر الألم النفسي المصاحب للضعف الجنسي بالحديث عن تفاصيل ما يدعون أنها طرقهم في العلاج مع أن هذه الفئة من الأطباء هم من المحنطين الذين توقف تعاطيهم للمعلومات والحديث في مجال الطب منذ أن اتخذوا من الطب وسيلة لبناء علاقات مصالح شخصية مع الموسرين من مرضاهم ومع شركات الأدوية ووكلائها لذا فإنهم يفرطون في وصف المقويات الجنسية وذكر محاسنها وأسمائها التجارية دون التطرق إلى أضرارها محققين كسباً مزدوجاً من المريض المتعطش الموسر في شكل عطاء سخي ومن الوكيل أو الشركة الصانعة في هيئة رشوة واضحة للترويج للدواء!!.

لقد بالغ هؤلاء في تناول موضوع الضعف الجنسي إعلامياً بطريقة غير مقبولة لا تربوياً ولا طبياً ولا أخلاقياً وتتعارض مع أسس أخلاقيات مهنة الطب المعروفة عالمياً.

إن من الخطورة بمكان أن تترك العلاقة بين الطب والإعلام دون ضوابط تخدم بالدرجة الأولى المصلحة العامة وحقوق المريض وحقوق الأطباء المنضبطين!! وما يحدث لدينا حالياً أحد الأمثلة الواضحة لخطورة هذه الممارسة الخاطئة وما ينجم عنها من التمادي من كافة الأطراف!!.

الدول المتقدمة رغم استباحتها لبعض القيم الاجتماعية عن طريق السلوكيات الحرة للأفراد إلا أنها لا يمكن أن تستبيح القيم المهنية أو تتركها لذمم المهنيين، بمعنى أن كثيراً مما ينشر لدينا حالياً من تفاصيل عن الجنس بحجة أنها معلومات طبية لا يمكن أن تنشر في تلك المجتمعات. كما أنها تمنع الطبيب من أن يعلن عن نفسه أو عن تميزه وقدراته ومؤهلاته في وسائل الإعلام ومن البديهي أنها تمنع منعاً باتاً الترويج لدواء جديد أو قديم في وسائل الإعلام.

لا يمكن لمدير شركة دوائية في أمريكا أو أوروبا، رغم قلة الحياء، أن يقول أن مقوياً جنسياً بيض الوجه أو رفع الرؤوس ليلاً، أولاً لأن مدير الشركة لا يقل دبلوماسية وأدباً عن أي صاحب منصب دبلوماسي لذا فإنه لا يمكن أن يربط تبييض الوجه أو رفع الرأس بالقدرة الجنسية فهو يحسب ألف حساب لمن لا يملكون هذه القدرة حتى باستخدام العلاج!!، وثانياً لأنه يدرك أنه ليس من حقه الدعاية لمنتجاته للعامة في وسائل الإعلام، وثالثاً لأنه يعلم أن الترويج هو من مهام مندوب الدعاية.

إن افتقادنا لهذه الضوابط الدقيقة والهامة أتاح الفرصة لضعاف النفوس في استغلال إعلامنا للتركيز على أمر العجز الجنسي بطريقة تصورنا وكأننا مجتمع همه الأكبر الجنس وهو أمر لا يقل خطورة عما كان الإعلام الخارجي المعادي يحاول ترسيخه عنا وهو أننا مجتمع مفرط في الفحولة غير المقننة!!

هرم وهوامير!!

نحتاج كثيراً إلى إعادة النظر في تعاملنا مع جيل الشباب، ليس الشباب العاطل عن العمل وحسب بل الشباب الموظف الذي يعمل بجد وإخلاص ويذهب التكريم والامتنان إلى رؤسائه فقط.
تحتاج إلى أن تكون أصغر من سنك كثيراً وأصغر من مركزك الوظيفي أكثر لكي تشعر عن قرب بأن كثيراً من صغار الموظفين هم بالفعل من يقفون خلف كل إنجاز حقيقي لكن التقدير الحقيقي الملموس يذهب لغيرهم.

لا أقول أن تنزل إلى مستوى صغار الموظفين، لأنني لا أعتبره نزولاً بل هو صعود إلى واقع العمل الدؤوب المخلص وعندما تنزل إلى مستوى كبار الموظفين تجد أن الراتب والبدلات والمكافآت والانتدابات تصرف مقابل المجهود الأقل، ليس المجهود البدني وحسب بل حتى المجهود الفكري في مجالات التخطيط والتطوير وصنع القرارات واقتراح الحلول ستجد أن الشباب يعمل والتقدير إلى رؤسائهم يذهب!!.

وإذا كان الشباب العاطل في حاجة إلى عمل يشغله عن أي انحراف فإن الشباب العامل في حاجة إلى تقدير يحميه من أي إحباط.

عندما أرى صغار الموظفين يعملون بمنتهى الجدية والتضحية سواء في الأعمال اليومية أو في المهمات الخاصة وأعني الحفلات والمؤتمرات والمناسبات المستعجلة التي تستدعي العمل ليل نهار وفي كل المواقع وعلى كل الأصعدة أشعر أنهم أهل للتقدير المعنوي والمادي وأتمنى تطبيق الهرم المقلوب في مجال المكافآت والبدلات والانتدابات وعندما أتذكر أنهم خلف كل إنجاز حقيقي ونجاح ملموس في جميع وزاراتنا ومؤسساتنا الحكومية والخاصة أشعر أن الهرم المقلوب يفترض أن يطلق حتى في سلم الرواتب.

الهرم المقلوب فيما يخص المكافآت هو أن تكون المكافأة الأكبر للموظف ذي المرتب الأصغر لأنه في واقع الأمر هو من عمل أكثر في المناسبة التي صرفت المكافأة من أجلها ونفس الشيء يفترض أن يسري على البدلات والانتدابات، لكن الواقع عكس ذلك تماما فكبار الموظفين الذين ربما حضروا المناسبة للتشريف وأسكنوا الفنادق الراقية “يذهبون بالأجور” فيكون لهم جزيل العطاء دون جهد وأعلى انتداب دون حاجة بينما صغار الموظفين الذين لم تكن المناسبة لتتم دون جهودهم وربما ناموا في سياراتهم أو في المواقع (إذا كتب لهم أن يناموا) لا يحصلون على ما يعوض ما صرفوه هذا إذا لم يمن عليهم بخطاب شكر.

والهرم المقلوب فيما يخص سلم الرواتب يفترض أن يعتمد على شراء المجهود والفكر معاً وهو ما يعتبر شبه مستحيل في القطاع الحكومي الذي يعتمد كلياً على الأقدمية “وربما القدم” وأرجو أن لا تعتبر المطالبة ضرباً من ضروب المبالغة في المثالية، فإن أخذنا في الاعتبار أن الرئيس أو المدير في دوائرنا الحكومية ليس بالضرورة الأكثر تأهيلا أو قدرات فإن من الطبيعي أن نطالبه بدفع ضريبة الراحة والسيادة وأن يكون الراتب لحجم الإنتاجية ودرجة التأهيل.

القطاع الخاص أدرك أهمية شراء الجهد فأصبح يستقطب الكفاءات الشابة بمرتبات عالية لأنه يعرف تأثيرها في الإنتايجة والربح، هذا مع استثناء الشركات المساهمة بطبيعة الحال، حيث تبقى السيطرة واتخاذ القرارات في أيدي قدامى الهوامير ممن لا يشكل لهم الاهتمام بالربح رقماً يذكر مقابل الاهتمام بتحقيق أرباح شخصية لمجلس الإدارة والقيادات العليا.

أضعف الإيمان أن نخرج باتفاق على أن تقدير جهود الشباب العامل وتشجيعهم يحثهم على الانشغال بالعمل ويشغلهم عن حتى مجرد التفكير في غيره وهو أمر لا يقل أهمية عن إيجاد فرص عمل للشباب العاطل.

اجترار الكفاءات

نظلم بلادنا لو قلنا إننا نعاني من شح في الكفاءات البشرية والطاقات المؤهلة، لأن هذه البلاد كانت السباقة إلى تنمية الموارد البشرية المؤهلة بالابتعاث وفتح قنوات تطوير القدرات.
إذاً ما الذي يجعلنا نجتر الكفاءات اجتراراً ونكرر الأسماء والأشخاص في نفس المواقع أو في مواقع مختلفة؟!

المشكلة تكمن في آلية الكشف عن الكفاءات وإمكانية الوصول إلى نقطة أو بؤرة أو بقعة ضوء الكشاف.

الآلية تتم عن طريق الاختيار أو التزكية من داخل بقعة الضوء لكن الوصول إلى تلك النقطة مرهون بعبور عوازل بشرية محكمة ممن وصلوا مبكراً ولا يريدون لغيرهم الوصول.

لو تخيلت مقطعاً أفقياً في مجتمعنا الوظيفي ستجد أن كل مسؤول تحيط به دائرة بشرية من المقربين لا تسمح لأي مستجد مهما بلغ من الكفاءة والإمكانات والقدرات من عبور هذه الدائرة إلى المسؤول لا عبوراً فعلياً ولا حتى بالسمعة إلاّ برغبة الدائرة ولذا فإن الكفاءات المؤهلة الجديدة تسبح في الظل وسط قناعة تامة بأنها لا يمكن أن تكتشف.

العوازل البشرية ليست كالعوازل الكهربية أو الحرارية عديمة التوصيل تماماً بل هي انتقائية في الاتجاهين تنقل ما تريد إلى المسؤول وتنقل إلى السابحين في الظل عن المسؤول ما يثبط هممهم وتصور لهم أن مواصفاتهم لا توافق توجهاته.

هذه ليست نظرة متشائم بل تصوير موجز لواقع لا تكاد دائرة أو وزارة أو مستوى من درجات المسؤولية يخلو منه، بل إن ثمة تبعات لا تقل خطورة لهذه التركيبة المزمنة فحتى الإبداعات والأفكار والمقترحات الناجحة للفئة المحجوبة قد ينسبها الناقل لنفسه دون أن تكتشف هذه الممارسة نظراً لصعوبة الاتصال وتوحيد مصدر استقاء المعلومة.

لذلك فإن من الحكمة والعدل أن يخرج المسؤول من دائرة الشلة المغلقة وينفتح على الجميع لتتسع أمامه الخيارات ويكتشف بنفسه الكفاءات ويشرح نفسه للشريحة الأكبرفليس أسوأ من أن تسمع عن من حولك من قلة منهم وأن يسمع من حولك عنك من غيرك.

إن ما يصور لنا بأنه مضيعة لوقت هام قد يغير لدينا مفاهيم كثيرة ويعرفنا على وجوه جديدة تخرجنا من عقدة أن من حولنا هم النخبة وتجعلنا نكتشف طاقات جديدة شابة كانت كنزاً أخفيت عمداً وهذا لا يتم إلاّ عبر فتح الأبواب وتكثيف اللقاءات المفتوحة واعتبار البحث والتنقيب عن الكفاءات مباشرة ودون وسيط هو الخيار الوحيد لاستغلال الكنوز البشرية لهذا الوطن المعطاء آخذين في الاعتبار أن من طبائع النفس البشرية أنها لا تزكي عليها غيرها.

التعليم أسد على الأطفال

عجباً، كأن وزارة التربية والتعليم فرغت للتو من تصحيح جميع الممارسات الخاطئة والتجاوزات الكبيرة في مجالات أهم، مثل تنفيذ المشروعات وتعيين معلمات قرب بيوتهن وأخريات في مناطق نائية دون مبرر نظامي أو فروقات أكاديمية وكأنها انتهت من مراجعة تراخيص المدارس الخاصة والتفتيش عليها لتستبعد المدارس المخالفة أو تصحح عيوبها ومخالفاتها وكأنها أنهت مشكلة الدروس الخصوصية وما يصاحبها من العادات السنوية لتسرب الأسئلة وكأنها ألغت جميع الفروقات بين مدارس حكومية نموذجية، مكيفة ومزودة بوسائل الإيضاح ووسائل الترفيه وفصولها واسعة ومريحة وأخرى حكومية ايضاً لكنها تفتقد لأبسط مقومات الجو المدرسي فلا تتكيف ولا وسائل إيضاح ولا ترفيه وفصول مزدحمة مكتومة وساحات تتربص فيها مقومات ضربة الشمس.
أقول عجباً كأن وزارة التربية والتعليم عالجت كل تلك الممارسات والتجاوزات ولم يبق عليها إلا أن تصحح وبأثر رجعي التجاوز في مجال قبول بعض الصغيرات قبل إكمالهن السنة النظامية بعدة أيام أو حتى شهور.

حيل هذه الوزارة المهمة الأساسية ضعف أمام كل التجاوزات واشتد على صغيرات لا حول لهن ولا قوة فيما حدث، ليأتي القرار قاسياً بعيداً كل البعد عن مراعاة مشاعر صغيرة في أول مرحلة دراسية يفترض ان تكون تربوية.

قرار الوزارة يقضي بأن الطالبة التي لم تكمل السن النظامية عند تسجيلها تبقى في صفها الدراسي وتعد هذا العام في مرحلة تمهيدية أي أنها العام القادم ستعيد ما درسته وتعيد الصف الأول الابتدائي بينما يصعد زميلاتها إلى الصف الثاني.

هل فكرت وزارة التربية والتعليم في الآثار النفسية على طفلة في مثل هذا العمر؟!، هل حسبت حساباً كافياً لموقف الأم في السنة الدراسية القادمة عندما تسألها ابنتها الصغيرة: لماذا لم أنقل مع زميلاتي للصف الثاني؟! وما عسى الأم أن تجيب هل تقول لأنك لم تكملي السن النظامية؟!! وإذاً فعلت ألا نتوقع من أسئلة الطفولة البريئة المحرجة أن تخرج في صيغة “إذا لماذا قبلوني أصلاً ودرسوني وكلفوني بواجبات منزلية واستيقاظ مبكر لعام كامل؟!

هل تقول الأم إنهم قبلوك بواسطة ثم جاءت الرقابة متأخرة لتعاقبك بأثر رجعي وتترك من تسبب؟!

هل وضعت الوزارة الآثار النفسية والتربوية في كفة وحجتها بما سيواجه الطالبة من عقبات في المستقبل في الكفة الاخرى ووجدت أن العقبات تستحق التضحية بالعواطف والآثار النفسية؟! أعتقد أن الفرق بين السنة الأولى والثانية لا يصل إلى حد العقبات بدليل أن نسبة كبيرة ممن قبلوا قبل السن النظامية واصلوا طرقهم بتفوق وبدون عقبات.

من المؤسف أن يأتي القرار بعد أن ادخل اسم التربية للوزارة لأنه يناقض مفهوم التربية!!

ثم إن الطالبة الضحية كان قبولها من من خلال القنوات الرسمية وعن طريق (استثناء) كغيره من الاستثناءات اليومية في مجالات أكثر خطورة وحساسية، فلماذا تدفع تلك الصغيرة ثمن خطأ لم ترتكبه ولماذا تكون هي كبش الفداء لتأخر الوزارة في تطبيق التصحيح حيث جاء القرار متأخراً في نهاية الحصاد، وما دامت الوزارة أدركت مثل هذه المشكلة فلماذا لم تتخذ القرار مع بداية العام الدراسي الحالي أو أن تؤجله لبداية العام الجديد؟! وما سر إصرار الوزارة على تطبيقه بأثر رجعي؟! وما أسباب صدوره المتأخر؟!.

إن من المفارقات العجيبة أن وزارة التربية والتعليم نفسها راعت “نفسيات” تجار الأقمشة وأجلت قرارها بتغيير لون الزي المدرسي لعام كامل حتى يتمكن “التجار” من تصريف بضائعهم ومخزوناتهم من “ستوكات” اللون الذي سيتغير!!

وهنا فإن الوزارة “حنونة جدا” على من يدعون أنهم سيخسرون مادياً أما من سيخسرون نفسياً، لا محالة، من الشرائح المستهدفة بخدمة وزارة التربية والتعليم وهم بطبيعة الحال الطلاب والطالبات فإن الوزارة بدت “قاسية جداً” وكأنها تريد لأعراض الإحباط والكبت أن تبدأ مبكرة جداً!!

أياً كانت مستجدات هذا القرار فإن ما حدث من إرباك وقسوة على صغيرات لا ذنب لهن يوحي مبكراً أن وزرة التربية والتعليم ربما لا يكون لها من اسمها نصيب!! وأنها لابد أن تخضع لتغيير فعلي يتمثل في ضخ عدد كبير من التربويين الناجحين والمدركين لأهمية نفسيات الطلاب والمعلمين وليس مجرد مراعاة نفسية القطاع الخاص.

جلاجل صحية ثم ماذا؟!

اختيار مدينة جلاجل ومدينة الدرعية مدناً صحية لم يأت من فراغ أو من مجاملة بل جاء ليرسخ دلالة واضحة على وعي سكاني بالدرجة الأولى وعمل مخلص للمؤسسات الحكومية ممثلة في إدارة المركز والبلدية ولجنة التطوير المكونة من أهالي المدينة وفروع المؤسسات الحكومية الأخرى.
ما أقوله عن جلاجل ينطبق تماماً على الدرعية من حيث العمل الدؤوب الذي أدى إلى ترشيح هاتين المدينتين لهذا الوسام المشرف.

ولكن ماذا بعدما أثبت الأهالي والعاملون في المؤسسات الحكومية وإدارة المركز جديتهم وهمتهم في خلق بيئة صحية ومدينة صحية بكل ما تحمله عناصر وحيثيات الاختيار وأسس التقييم من شمولية ودقة وتعقيد تجاوزته تلك الجهود بنجاح.

عندما أتحدث عن جلاجل فأنا أعني الدرعية وقبلهما البكيرية وما يربطني بجلاجل ليس مسقط الرأس أو الانتماء إلى مدينتي الحبيبة وحسب ولكن معرفتي من واقع تجربة ومعاناة وحضور عن قرب أن هذه المدينة لم تحصل بعد على ما تستحقه من دعم ولعل هذا الشرف الذي نالته بجهود أبنائها ورجالاتها ورئيس مركز جلاجل وموظفي البلدية فيها بدءاً بالرئيس وانتهاءً بأصغر موظف فيها يشفع لها الآن لتنال التشجيع الذي تستحقه والذي تعودت عليه كافة مدننا ولكن بدرجات متفاوتة حسب متابعة ومثابرة “الواصلين” من أبنائها.

صحيح أن جلاجل عُرفت إعلامياً أكثر ما عرفت بسبب حادث أليم تمثل في سقوط مدرسة البنات منذ عشرات السنين، لكنها عرفت قبل ذلك وبعده بإنجابها لكفاءات بشرية عديدة في سائر فروع المعرفة وهذه الكفاءات وإن لم تتقلد مناصب إدارية عالية تشفع للمدينة بمزيد من الاهتمام إلا أنها تقلدت تميزاً في مجالات تخصصها يعتبره الناس هو الوسام الحقيقي فهذه المدينة أنجبت أساتذة جامعات في مجالات الفيزياء والكيمياء والرياضيات وأمهر الأطباء الجراحين وأعلى المهندسين فناً وإبداعاً وعدداً من صقور الطيران الجوي الحربي المخلصين لدينهم ومليكهم ووطنهم وكماً كبيراً من الأدباء والمبدعين ومثل هذه المدينة المنتجة لهذه التشكيلة من أرباب الإبداع في مجالات علمية وتطبيقية وعسكرية نادرة ومطلوبة جديرة بأن تقدر وكأنها أنجبت وزيراً أو مسؤولاً محنكاً.

مازحت أحدهم ذات يوم ونحن نخرج فجراً مزهوين بنجاح إنجاز وطني صفق له الجميع في أنحاء العالم وهو نجاح فصل التوأم السيامي الماليزي الذي أسهم مع غيره من نجاحات وطننا الحبيب في رفع اسم المملكة عالياً في المحافل الطبية العالمية وأرغم حتى القنوات الفضائية العالمية الكبرى على أن تفرد ساعات طوالاً لمتابعة هذا الإنجاز، مازحته وكنا كل منا يتباهى بمدينته رغم قرب المسافات، قلت له أكثر من جراح أساسي ماهر إضافة لرائد هذا الإنجاز هم من جلاجل هذا مع أن أكثر من 18زهرة توفين في حادث المدرسة كل منهن كان من الممكن أن تكون أماً وتنجب عدداً من المبدعين، أجاب: في هذه معك كل الحق.

لم يكن ولن يكون حديثنا ذلك ضرباً من ضروب الإقليمية فذلك الصديق سهر أكثر من 18ساعة متواصلة ليقبل رأس د. عبدالله الربيعة ود. سعود الجدعان وهما يخرجان من غرفة العمليات وذرف دمعة وطنية حارة وهو يفرح بالنجاح لكنه مزاح كنا نقطع به ساعات طوالاً نفترش “ثيل” حديقة المستشفى تارة وسجاد المسجد تارة أخرى.

أعود لأقول إن معظم مشاريع مدينة جلاجل الحالية هي بتبرعات مشكورة من رجالاتها كالمركز الصحي الجديد ومبنى الإسعاف والجامع وبعض المشاريع الخدمية الأخرى لكن جلاجل تستحق أكثر مما تم وكل سكانها الذين اشتهروا بالعمل بصمت يأملون أن تحظى بمزيد من الخدمات التي تريحهم من خطر وعناء التنقل وأراهم بناء على ما ذكر وليس بناء على حبي لجلاجل أهلاً لأن تتحقق أحلامهم في شكل باقة من مشاريع الخير والنماء تقدم كهدية بمناسبة “جلاجل المدينة الصحية”.

شكراً للوزير

سعدت كثيراً بالتجاوب السريع والاهتمام البالغ الذي أولاه صاحب المعالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع بالموضوع الذي طرحته في هذه الزاوية حول إهمال أحد المستوصفات الأهلية لحالة حرجة لإحدى المواطنات المصابة في حادث سير والتعامل السيىء لطبيب المستوصف وتأخيره لنقل الحالة إلى أحد المستشفيات رغم خطورة وضعها الصحية واصابتها بكسور في الأضلاع والحوض.
ففي اتصال هاتفي في نفس يوم النشر أبدى معاليه امتعاضه مما حدث ووعد بتصحيح هذا الوضع الخاطئ مؤكداً أن صحة وسلامة وتقدير حياة المواطن والمقيم هي شغله الشاغل وهو أمر غير مستغرب من معالي الوزير د. المانع فقد عرف عنه قبل وبعد توليه هذه المسؤولية الجسيمة وقوفه مباشرة على أوجه القصور في المستشفيات والمستوصفات الحكومية والخاصة وعلاج أوضاعها بالقرار السريع الفعال والأمثلة على مواقف د. حمد المانع الإنسانية يصعب حصرها في هذه المساحة أو أضعافها المضاعفة.

في الوقت ذاته أسفت كثيراً لما ورد في تعقيب مالك ذلك المستوصف من موقفه الدفاعي المغلوط عن التصرف غير اللائق لذلك الطبيب في وقت كنا نتمنى أن يعتذر المستوصف عن سلوكيات أحد أطبائه وأن يعتبرها خارجة عن سياسات وأهداف مستوصفه التي يفترض أن تكون إنسانية قبل كل شيء أو على أقل تقدير أن تعطي الجانب الإنساني نفس الاهتمام بالمكاسب المادية.

التعقيب تجنب لب الموضوع وهو رفض نقل المصابة وتعسف الطبيب وإهانته لابنها ومن أسعفها ورجال الأمن وراح يسرد خدمات روتينية بطريقة مبالغ فيها وكأنه يستجدي تعويضاً لما ركبه من أنابيب وأقنعة أكسجين وأورد معلومات مغلوطة عن مدة التأخير وطريقة نقل المريضة التي تدخل العامة في تصحيحها وكأنه يرى أن حياة مصابة من أبناء هذا الوطن لا تساوي ما صرفه من أنابيب!!.

ذكرت في هذه الزاوية تكراراً ومراراً أن مشكلة بعض المستوصفات والصيدليات الأهلية تكمن في جشع المالك الذي لا يفرق بين ملكية منشأة إنسانية طبية وملكية “قلابي” أو “وايت” حتى ان بعض العاملين من أطباء وصيادلة يستقيلون حفاظاً على أخلاقيات المهنة التي لا تتناسب مع جشع المالك ونظرته المادية البحتة!! فالمكاسب تسيطر على فكر بعض الملاك إلى درجة أن كاتب التعقيب يتوهم أن هدفي من كتابة الشكوى البحث عن “مكاسب أخرى” أي مكسب يهدف إليه كاتب من نشر معاناة ابن يرى والدته تحتضر بسبب طبيب أهوج، سوى مكسب الأجر من الله، هذا المكسب الذي لو وضعه كل مالك نصب عينيه ما وقع مثل ما وقع!!

فاكس الموافقة من مستشفى حكومي التي يتحايل بها المستوصف لا يمت للحالة الاسعافية بصلة والمقصود منه الحالة المنومة المستقرة التي تبحث عن سرير شاغر، وهذه المستشفيات والمستوصفات الخاصة التي أنشئت بدعم وإعانة الدولة يستكثر ملاكها أن يقدموا الخدمات الإسعافية ضريبة لما حصلوا عليه من دعم في تنكر واضح لجهود الدولة وواجبهم نحو مواطنيها والمقيم على أرضها ولو سايرنا رغبات بعضهم فإن طموحاتهم قد تصل إلى طلب تأثيثها بأجهزة المستشفيات الحكومية!!

على هذه المستوصفات أن تدرك انها دعمت لا لتقدم خدمات التدليك والتجميل ونواعم موظفات الاستقبال ولكن لتسهم في رعاية صحية بحجم طموح ودعم الدولة.

المصابة حجزت أكثر من ساعة وربع خلاف ما تحايل به التعقيب وكان من الممكن أن تموت من جراء هذا التأخير والطبيب حلف أن لا تنقل دون فاكس من أحد المستشفيات ولعله لم يحنث في حلفه والمرافقون والشهود أهينوا وكلهم متحمس ومستعد للشهادة بما واجهوا من معاناة وكل ذلك لا يراه المالك مستحقاً للإشارة أو رآه واقعاً يصعب إنكاره!!

وبكل تحد يتشبث الرد بقرابتي من المواطن الذي أسعفها وتابع حالتها ويتهمه بمخالفة الأنظمة وكأنه يريده أن يتركها تموت كما مات الطفل المدهوس في الخالدية على مرأى ومقربة من مستوصف يشبه صاحبنا في اعتبار العمل الإنساني النبيل ضرباً من ضروب المستحيل “هكذا يرون الناس بعيون طبعهم” يرون المصاب بعين الريال!! ومحتاج المساج بعين الرأفة والشفقة.

قريبي هذا أستاذي في جامعة الإمام، أفخر به إنساناً شهماً يربي أجيالاً وأنقذ نفساً بفضل الله، من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً وكدتم أن تقتلوها ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعاً.. والمسعف الآخر رجل فاضل شهم وبقية الشهود رجال أمن تربوا على بذل أنفسهم من أجل حياة الآخرين.

أعتذر من القراء الأعزاء فليس من عادتي أن أرد على مثل هذه التعقيبات لكن طيات التعقيب فيها ما قد يضلل الناس ويشككهم في حقوقهم على المستشفيات والمستوصفات الأهلية خاصة في مجال الإسعاف ومن و اجبي أن أوضحها حتى لو اضطررت للهبوط إلى مستوى لا أرغب النزول إليه.

المسؤول الميداني

لا أدري ما هو سر شغف المسؤولين لدينا بالجولات الميدانية مع أنها ونسبة للنتائج تعتبر مضيعة للوقت، وإذا نسبت للبقاء في المكان المهيأ للتفكير والتخطيط وإنهاء الإجراءات وإجراء الاجتماعات ومتابعة النتائج عن طريق التقارير سواء الملقاة شفهياً في الاجتماع أو المكتوبة على ورق فإن ساعة بقاء في المكتب تعادل يوم زيارة ميدانية حتى ولو زينت بلقب “تفتيشية”.
قد يكون السر في الضوء الإعلامي أو البهرجة الصحفية ولعل هذا هو مربط الفرس فالجولة الميدانية تتمخض عن ولادة خبر في جميع الصحف حتى وإن كانت جولة شكلية لا تقدم ولا تؤخر، أما البقاء خلف كواليس المكتب وطاولة الاجتماعات فإنه إنتاج فعلي له نتائج إيجابية على المدى الطويل لكنه لا يحظى بالضوء المطلوب “الضوء الطموح يزيد عن أضواء المكتب وقاعة الاجتماعات بآلاف الشمعات وهذا لا تحققه غير فلاشات المصور الصحفي”. والإنسان بطبيعته خلق عجولاً يستعجل النشوة برؤية نتائج عمله وقد تحدث عنها الناس حتى ولو كانت مجرد زيارة أو جولة أجزم أن المسؤول الذي قام بها سواء كان وزيراً أو وكيلاً أو مديراً عاماً لا يخرج منها بغير صدى عبارات “طال عمرك” التي تصله من جميع الاتجاهات.

إنهم أثناء الجولات لا يرون غير الجانب الحسن من الجهة المستهدفة ولا يسمعون غير الإيجابيات إن وجدت وهم يعلمون ذلك سلفاً بدليل أن المسؤول يصر على اصطحاب عدد من مراسلي الصحف معه أثناء الزيارة وهو ما لا يمكن أن يحدث لو علم المسؤول أنه سيرى الصورة الحقيقية أو السلبية!!.

ثم أين عنصر المفاجأة فيما يدعى تجاوزاً بالزيارات المفاجئة وهي لا محالة محددة ضمن جدول معاليه في مكتبه وفي الحاسب الآلي ومعلومة لدى عدد من موظفيه وصحبه الكرام بل ومدير العلاقات العامة الذي يفترض منه دعوة زملائه الإعلاميين (بالغ أحد الصحفيين في الاستجابة لطلب مسؤول العلاقات بتغطية زيارة أحد الوزراء فكتب: الوزير الفلاني يقوم بزيارة تفقدية “مفاجئة” غداً!!).

إن وقت ودور الوزير أو وكيل الوزارة أو المدير العام أثمن وأكبر من أن يجند لزيارات ميدانية وهي قد تعكس عدم الثقة في جهازه الرقابي، إن وجد، وأرجو أن لا يقال إن الزيارة تهدف للتأكد من فاعلية الجهاز الرقابي لأن هذه الفاعلية محكها الحقيقي استمرار القصور أو سرعة كشفه ووقفه.

والمسؤول الجاد هو من ينشىء جهازاً رقابياً ويمنحه الصلاحية ويوظف به الثقات ويحملهم المسؤولية ويطالبهم بتقارير دورية ويؤيدها بدعمه وتشجيعه ويترك لهم أمر الزيارات المفاجئة.

أما الزيارات الميدانية فقد تزيد من درجة اطمئنان المقصر لأن الفرع أو الإدارة التي تمت زيارتها تتخدر وتنام تماماً لفترة وزارية كاملة لأنها تعلم أن الوزير لا يزور مكاناً مرتين هذا إضافة لما ذكرناه من أن الزائر لا يسمع ولا يرى إلا ما يسعده فقط.