اليوم: 31 ديسمبر، 2003

دكتاتورية معلم

لا أجد أدنى غضاضة أو تردد بالكتابة عن حدث مهما صغر طالما انه يمكن الاستشهاد به للتدليل على قصور يمس الجميع او ممارسة قد تتعرض لها شريحة كبيرة من الناس، فالله سبحانه وتعالى ضرب مثلاً ببعوضة، فلماذا لانستشهد نحن بحدث ولو كان يبدو بسيطاً إلا ان اثره عظيم وان بدا عابراً فإن جرحه غائر؟!. أما الحالات الفردية التي يندر ان تتكرر فإنها مهما عظمت قد لاتستدعي نشرها على الملأ ويكتفى بكتابتها للمسؤول مباشرة ومتابعتها كحالة فردية فاذا لاحظنا تقصيراً في الاهتمام بها فان التقصير قضية ذات بعد عام تستدعي عندئذ الاستشهاد بها كمثال.
في يوم السبت الماضي كتبتُ عن طفل يدرس في إحدى المدارس الأهلية في الصف الرابع الابتدائي صفعه مدرس متعاقد وبعد ان صفعه أوسعه ضرباً وركله اربع مرات.

الدكتور عبدالله المعيلي مدير عام التعليم بالرياض تجاوب مشكوراً كعادته وهاتفني لاخذ المعلومات التفصيلية عن الحادثة واسم المعلم والمدرسة والطالب ووعد ان يتم التعامل مع ما حدث بل بدأ في التعامل معه وهو امر لا أشك فيه طالما خلفه رجل مخلص مثل الدكتور عبدالله المعيلي.

أتدرون ما حدث بعد إعطائي المعلومات لمدير التعليم وقبل ذلك إبلاغي لمدير المدرسة؟! لاشك ان المعلم تمت مساءلته ولو مبدئياً حول الموضوع اما من مدير المدرسة او ادارة التعليم فما كان منه الا ان اشترك في حصة الرياضة (مع انه مدرس رياضيات) وامر الطفل المذكور بالخروج من الملعب وعندما سأله لماذا؟! اجابه أنت تعرف السبب!! وفعلاً خرج الطفل مكسور الخاطر نادماً على انه اشتكى شخصاً نافذ السلطة عليه!!. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل لازال حتى إعداد هذه الزاوية عصر يوم الاثنين يوجه للطالب امام زملائه عبارات تشعره بانه ارتكب جرماً بشكواه تلك.

هذا الموقف ذكّرني بموقف مشابه لمعلم آخر من نفس الفئة عندما اشتكى من عنفه صغيرٌ في الصف الثاني الابتدائي اصبح يستهل حصته الدراسية بإيقاف الطالب امام زملائه وجعلهم يرددون عبارة “الكذاب أهوه”.

لا أخفيكم، فما ان علمت عن ذلك التطور الخطير “في نظري” في قضية الطالب الصغير حتى فكرت في ابلاغ الدكتور عبدالله المعيلي لانني اجزم انه قد كلف من يتولى التعامل مع هذا الموقف لكنني وجدت ان هذا الامعان في اذلال صغارنا اكبر من ان نتعامل معه كحالة خاصة او فردية تنتهي برفع الظلم والمعاناة عن ذلك الطفل.

ان ماحدث ويحدث امر عام يمس الوطن مستقبلاً لأن معناه ان صغارنا في المدارس الخاصة “التي يغيب فيها العنصر الوطني بإستثناء مدير يقبع على مكتبه ولايحتك بالصغار” يتعرضون لممارسات خطيرة لاتقل عن تلك التي تنكشف عند زوال نظام حكم دكتاتوري ظالم وهذا يعني ان ابناءنا الذين نلحقهم بالمدارس الاهلية بسبب ازدحام المدارس الحكومية وافتقارها للخدمات الاساسية كدورات المياه الصحية والتكييف وابسط مقومات السلامة يتعرضون في المدارس الاهلية لخطر نفسي مخيف لايقل عن الخطر العضوي الذي تشكله المدارس الحكومية.

ليس اخطر من الظلم على النفس البشرية الا خطورة تعرضها للعقوبة لانها عبرت عما تعرضت له من ظلم وهذا مايحدث في مثالنا الذي يبدو صغيراً الا انه خطير بحجم خطورة ما يسببه التباغض بين المجتمع وبعض افراده.

إن الحل الوحيد لرفع الظلم عن المجموعات التي تعيش بين الاسوار كطلاب المدارس ونزلاء دور الرعاية الاجتماعية ونزلاء دور الايتام ودور الملاحظة يكمن في تكثيف تواجد العنصر الوطني الذي هو العين الجريئة والغيورة وهذا لايحدث في المدارس الخاصة وهذا مايجعلنا نكرر القول ان برود وزارة التربية والتعليم في امر فرض حد ادنى لاجور السعوديين والسعوديات في المدارس الاهلية وعدم جدية هذه الوزارة في امر إجبار تجار المدارس على تحقيق نسب مقبولة في السعودة رغم ارتفاع نسب البطالة اقول ان ذلك البرود وعدم الجدية من قبل الوزارة يعرضان مجتمعنا لخطر شديد قد نندم عليه كثيراً ونتمنى لو لم نجامل الوزير!!