اليوم: 15 سبتمبر، 2004

ضرب مروج (جح)

أعجب لنا كيف لا نستفيد من الدروس الصغيرة ولا تلك الكبيرة ولا الخطيرة في تغيير نهجنا العشوائي في الحياة رغم أننا رأينا شواهد لنيران أضرمت من مستصغر شرر!!
ويبطل العجب عندما أتذكر أن السبب هو أننا نفتقد كثيراً لمن يرسم أطراً دقيقة وتفصيلية “مركزية” لتعاملنا مع بعضنا وصلاحيات كل طرف من مؤسساتنا وحقوق الطرف الآخر إلى جانب حقوق وواجبات الفرد.

وبالرغم من بطلان العجب إلا أن التساؤل يعود مرة أخرى بصورة أكثر إلحاحاً في شكل “إلى متى نستمر في هذا الوضع المبني على بعض اجتهادات فردية لأشخاص أو أفراد؟! والفرد عرضة للأهواء والفساد والخطأ والنظرة الآحادية الخاطئة للأشياء وربما اللوثة العقلية الطارئة، الحادة أو المزمنة.

تريدون مثالاً يبدو بسيطاً وسطحياً لكنه يجسد الخطر بعينه وقد ثبت ذلك عملياً لكننا لا نتعلم من الدروس!!.

ملاحقة الشباب الباحث عن مصدر رزق حلال عن طريق بيع فاكهة في ظهر “وانيت” أو استعمال سيارته الخاصة في إيصال راكب بمقابل أو عرض بضاعة سهلة الحمل قرب الأسواق والتجمعات أو بعد صلاة الجمعة.

هؤلاء الشباب لم تتوفر لهم الوظائف التي تغنيهم، وصعبنا أمامهم أمر الترخيص لنشاط تجاري نظامي عن طريق رفع الرسوم أو حصر الترخيص للمؤسسات والشركات الكبرى ورفعنا تكلفة معيشتهم اليومية وعقدنا السبل أمام التحاقهم بالجامعات والحصول على مكافأة شهرية. فإذا حلف أحدهم ألاّ يسرق ولا يسلك طرق الحرام وقرر أن يشتري شحنة “حبحب” بالجملة وحملها في “وانيته” ووقف في موقف مسموح على قارعة طريق يبيعها “بالقطاعي” ليكسب بضعة ريالات، كيف نتركه لقمة سائغة لمراقب بلدية يطارده بسيارة البلدية في شوارع العاصمة أمام الملأ ثم حين عجز عن إيقافه يصدمه بسيارة الدولة ويعرضه ونفسه ومرتادي الطريق للخطر ثم عندما سلم من الحادث يوسعه ضرباً أمام الملأ؟؟!! (حسب ما نُشر في جريدة الجزيرة يوم الخميس 24رجب 1425هـ الصفحة الأخيرة) أسئلة كثيرة تخنقك وأنت تقرأ مثل هذا الخبر أهمها كيف نريد لهذا الشباب أن يعيش وينشغل وتتكون لديه المناعة ضد الأفكار المضللة ونحن نلاحقه بهذه الطريقة؟! ولماذا يطارد بهذه الصورة وكأنه ارتكب جرماً أو إفساداً؟! ومنذ متى يسمح لمراقب بلدية أن يطارد سيارة؟!!، علماً أن سيارات المرور والشرطة لا تطارد المفحطين والمخالفين إلا بأمر وفي أضيق الحدود محافظة على سلامة الآخرين، وبأي سلطة يمارس مراقب البلدية الضرب للمخالف؟ وهل كان قرار ملاحقة طالبي الرزق من هؤلاء الشباب مبنيا على أساس صلب ومدروس وشامل يراعي الصالح العام ومصلحة الوطن؟!

الواقع المؤسف أن العامل المشترك الأعظم لإجابة كل تلك الأسئلة هو أنه لا يوجد إطار يحكم السلوك اليومي لمؤسساتنا فكل يغني على ليلاه وبناءً على فكر واجتهاد وقرار رجل واحد سواء كان وزيراً أو وكيلاً أو مديراً عاماً أو حتى رئيس قسم.

اننا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قطع دابر الإجراءات المبنية على ردود فعل انفعالية سواء لأشخاص أو مؤسسات وترك هامش أكبر لحرية الفرد فيما لا يضر بالجماعة وجعل قراراتنا مبنية على أساسات صلبة مقنعة لا تقبل الشك أو التذمر أو ردود الفعل العكسية الخطرة.