الشهر: جوان 2006

جرّب المنصب

أما وقد نجحتْ تجربة «جرب الكرسي» وتم تعميمها بشكل واسع، وسوف تؤتي أكلها إن شاء الله، فإنني أقترح أن نشرع في تجربة جديدة ومهمة تحت عنوان «جرب المنصب».

يبدو جلياً بما لا يدع مجالاً لأدنى شك أن المنصب أو كرسي المنصب له مجال كهرومغناطيسي خطير يغير في أفكار البعض وقيمهم ومبادئهم بشكل ملحوظ و «دراماتيكي» سريع فسبحان من لا يتغير.

وعلى هذا الأساس فإن علينا جميعاً أن نجرب المنصب، مثلما جربنا الكرسي، لنصل إلى قناعة شخصية أن ما لدينا من حماس وطني ونبذ للواسطة وانتقاد لسرقة أفكار الآخرين وخاصة الموظفين واشمئزاز من محاباة الأقارب والأصهار على حساب المستحقين لن تتغير بفعل المرتبة الممتازة أو ما هو أعلى، فإذا وفقنا الله وثبّت قلوبنا على الحق ولم نتأثر بذلك المجال «الكهرومغناطيسي» الناري الشيطاني فإننا في خير كثير ونعمة نحسد عليها وعلينا عندئذ أن نقبل بالمنصب دون خوف من وسواس الكرسي الدوار.

أقول قولي هذا بعد أن وجدت ومن واقع ملاحظة المتابع عن قرب أنهم وربي يتغيرون بسرعة وينقلبون وينسلخون من جلد المثاليات إلى ممارسة كل ما كانوا ينتقدونه من سلوكيات وبطريقة أوضح وأثبت مما كان ينتقد في سابقه !!.

خذ الواسطة على سبيل المثال، هذا الداء العضال الذي أنهك مجتمعنا وشوه جمال نقائه من رواج الرشوة في مجال الإجراءات اليومية على الأقل.

هذه الواسطة الكل ينبذها ويشمئز منها ويشتكي من الحاجة لها في كل دائرة ومراجعة، فإذا تولى المنصب مارسها بأقبح صورها وجعلها المتطلب رقم واحد قبل بطاقة الأحوال أو صورة دفتر العائلة أو تصديق العمدة.

أعرف إنساناً كان يبدو ملاكاً في ظاهر أخلاقه كان ينتقد توزيع المكافآت والهبات على أقارب المسؤول وذويه وعندما تولى ذات المنصب مارس نفس السلوك دون اكتراث.

شخص كان يشجع من يحارب أمر سرقة أفكار الموظفين ونسبها للمدير ويربت على كتف من ينتقد هذا السلوك المشين مردداً «سر في نقدك وفقك الله فمديرنا يسرق انجازات موظفيه»، ونفس الشخص ما ان جلس على كرسي المدير حتى أصبح أشهر سارق أفكار.

ألم أقل لكم إن فكرة «جرب المنصب» لا تقل أهمية عن فكرة «جرب الكرسي» فالمنصب له فعل تغيير عجيب في شخصية شاغله والممتازة لم تأت من فراغ، ولكن اطمئنوا فالاستعداد النفسي للتغيير يكون موجوداً أصلاً حتى في وقت الانتقاد ويكون جاهزاً للتفعيل ولكن جربوا المنصب لمعرفة جاهزيتكم للتقلب من عدمه، اللهم ثبت قلوبنا.

الموت شرط للتكريم لماذا؟!!

ثقافة التكريم لدينا تعاني من معضلة كبرى تتمثل في متطلب أساسي للتكريم وهو المغادرة.

نعم نحن لا نحتفل ولا نشكر ولا نكرم إلا من غادر ووقع صك الخروج النهائي إما من المؤسسة كشرط أصغر أو من الحياة كمتطلب أكثر إراحة نفسية للمنافسين.

صحيح أن لكل قاعدة استثناء فقد حدث أن كرمنا بعض المتميزين الأحياء ولكن ليس وهم في قمة قدراتهم الفكرية والجسدية ومع ذلك دعونا نقل إن ذلك كان الاستثناء أما القاعدة فهي أننا لا نكرم شخصاً لازال على رأس العمل أو لا زال على (رأس الحياة).

السبب لا أعرفه لكنني أعتقد أن له علاقة بطبيعة النفس البشرية ذات العلاقة بالغيرة والحسد وعدم احتمال رؤية شخص ينال حقه من التقدير والتمييز وهو لازال قادراً على منافسة رئيسه وزملائه.

العامل الأخطر في الموضوع وهو عامل مؤكد غير مبني على الظن مثل سابقه هو أن التكريم (أي تكريم) بل حتى الحصول على جائزة علمية محلية يتطلب ترشيح رئيس الموظف أو بصورة أدق رئيس القطاع الذي يعمل به الموظف.

ذلك المطلب الخطير هو مربط الفرس في شبه انعدام ثقافة التكريم لدينا لأنها ربطت الفرس بألد خصوم الفرس، وربطت التكريم بموافقة أو ترشيح من يعتقد أن المتميز يهدد كرسيه!!، يهدد منصبه!! بل ويهز صورته، أو قل يشغل البعض ولو لبعض الوقت عن اعتبار صورة المدير هي صورة المؤسسة أو الدائرة أو الوزارة.

تلك الثقافة حجبت نعمة التكريم الوطني حتى عن صغار الموظفين المخلصين فأصبح الموظف يكرم في شخص المدير وهذا جد خطير.

أتمنى أن نعيد النظر في أمر تكريم المتميزين والمجتهدين وأصحاب التضحيات بعيداً عن شرط ان يرشحهم مديروهم أو رؤساؤهم أو لنقل منافسوهم!!

أتمنى أن نصل إلى مرحلة من الوعي الوطني تجعلنا نحتفل بموظف غير المدير وبشرطي أمن وجندي مرور ورجل دفاع مدني امثال ابطال البجادية (مدخل هجرة الريشية) الذين انقذوا تسع معلمات من غرق محقق، بل وبرجل الشارع من المشاة لو قام بجهد وطني أو إنساني أو تضحية مثلما فعل ابن جازان المواطن علي بن حمود آل سريع الذي قاد صهريجاً مشتعلاً ليبعده عن حدود المساكن في تبوك واحترق بداخله.

المهم ان نرسخ مفهوم التكريم بعيداً عن اهواء المديرين، لأن التكريم من الوطن وللوطن وما عدا ذلك فلا تستغرب لو رأيت حفل تكريم تورد فيه الأسماء لمجرد تصفية الحسابات او لمجرد التلميح بأن السيف امضى من العصا لينقص قدره.

حدث في المرور بمباركة مؤسسة النقد!!

موقف فيه الكثير من التساؤلات واستنتاج واحد أورده كما حدث تماما وأرجو أن يجد أذناً صاغية لأنه ينطوي على ظلم بريء خدمة لمذنب.

شاب يقود سيارته بتهور صدم سيارة آخر من الخلف وحضر المرور وقرر أن الخطأ على الشاب المتهور بنسبة 100٪، هذا الشاب لديه تأمين رخصة على إحدى الشركات التي صنفت مؤخراً كشركة غير مقبولة لدى المرور!!.

المرور طلب من الشاب أن يرافقه إلى قسم مرور الشمال لإنهاء أوراق الحادث، وبعد حوالي نصف ساعة اتصل الشاب بالطرف الآخر يفيد أن المرور احتجزه بحجة أن تأمينه على شركة غير مقبولة حاليا وأنه لم يقبل التأمين ولن يطلق سراحه إلا إذا دفع تكاليف الحادث للطرف الثاني، وتوسل الشاب للطرف الثاني أن يحضر للتنازل وإخراجه من الحجز وسوف يدفع له المبلغ فور خروجه .

الطرف الثاني وبمجرد خروجه من عمله توجه لمرور الشمال لينهي الأمر مع الشاب ويحصل على حقه، لكنه فوجئ بأن الشاب أطلق سراحه وأن خطاباً من المرور لشركة التأمين المرفوضة المفلسة والتي لا يقبلها المرور في انتظاره .

التساؤل الأول كيف ولماذا غير مرور الشمال تصرفه مع الشاب وتركه يذهب وألصق المطالبات لشركة مفلسة في الطرف الذي لا ذنب له مطلقا في الحادث، وكيف أضاع حق الطرف البريء تماما وعلى أي أساس ؟!

التساؤل الثاني: إذا كان ثمة شركات تأمين غير مؤهلة دخلت في المنافسة على التأمين وسمح لها باستغلال السائقين واستقطاع مبالغ منهم، فعندما ثبت عدم قدرتها أو أنها شركات وهميه أرادت أن تستغل المواطن والمقيم وتدخل في تجارة هي غير مؤهلة لها فلماذا بدلا من الانتظار إلى أن يحصل الحادث ثم رفض تأمين الشركة لماذا لم تجبر تلك الشركة على رد مبالغ التأمين لأصحابها على الفور وتحويلهم إلى شركات أخرى مقبولة؟!

أما الاستنتاج فلا يختلف عليه اثنان وهو أن الشاب حظي بواسطة في مرور الشمال في آخر لحظة وتم إلصاق المعاناة مع شركة مفلسة في ظهر الطرف البريء الذي لا ذنب له في الحادث واستمر يراجع الشركة للحصول على حقه حوالي تسعة أشهر دون جدوى فالشركة لديها أكثر من ثلاثة آلاف ضحية ينتظرون تعويضاتهم والشركة تحتج بأن مؤسسة النقد لم تفرج عن أموالها لتسدد للعملاء!!، ثم وفجأة أصبحت هواتفها مقفلة، ومكاتبها مهجورة، وضاعت حقوق الأبرياء بمباركة مؤسسة النقد وثم المرور.

التساؤل الأخير: لماذا عندما نطبق أسلوباً طبقه غيرنا منذ مئات السنين مثل التأمين نبدأ فيه من الصفر ومن حيث بدأ الآخرون دون أن نستفيد من تجاربهم؟! الأمر الذي يؤدي إلى فشل الكثير من تجاربنا في مهدها، ثم لماذا لا تسدد مؤسسة النقد لعملاء الشركة من مستحقاتها مباشرة؟!

اعتقد أن موضوع قبول شركات تأمين غير مؤهلة من البداية لابد وان ينظر إليه بعين المدقق والمحقق الفاحص المدرك لبواطن الأمور ومغازي التغاضي!! لأنه انطوى على ضرر كبير بمصالح الناس واستغلال واضح لا يخدم إلا مصلحة الطرف الذي استفاد من الإضرار بالآخرين.

أما الخوف الكبير بل الرعب القادم فعندما يبدأ التأمين الصحي الإلزامي على المواطنين ويسمح لشركات غير مؤهلة!! سترون العجب!!.

الفساد ليس مالياً فقط!!

أجهزتنا الرقابية تركز على نهايتين طرفيتين في أمر الفساد الإداري، تفصل بين احداهما والأخرى مسافة شاسعة تشكل أكثر حالات الفساد شيوعاً وأبعدها عن عين الرقيب لأنها تقع في الوسط أو الظل.
أجهزتنا الرقابية تركز على الاختلاس أو الفساد المالي كحد أعلى وتركز أيضاً على أمر الالتزام بالحضور والانصراف كحد أدنى، لكن ثمة ممارسات خطيرة وصور من صور الفساد الإداري المؤثر جداً تحدث في منطقة الوسط بين الحدين، وهذه يعرفها من يعمل في الإدارة أو المؤسسة أو الوزارة لكنها غائبة عن الاهتمام مع أنها الأخطر والأكثر شيوعاً والأكبر تأثيراً في عامة الموظفين والمراجعين والمستفيدين من الخدمة وبالتالي أكثر مسببات الإحباط.

الفساد الإداري ليس مالياً فقط بل له عدة صور وأشكال وممارسات أكثر خطورة من هدر المال العام أو اختلاسه.

عندما يستر المدير على فاسد مهنياً فهذا فساد خاصة عندما يكون ثمة ضحية لهذا الفساد المهني، وعندما يكون المعتدى عليه ضعيفاً أو عديم حيلة أو قاصرة أو جاهلة أو مريضة نفسية!!

تفضيل القريب أو ابن القرية أو الصهر على زملائه وتعيينه في درجة أعلى ممن هم أكثر منه تأهيلاً وأولى استحقاقاً شكل آخر من أشكال الفساد الإداري سيما أنه مداعاة لإحباط العدد الأكبر من أجل واحد واستغلال للوظيفة في ترسيخ صلات عائلية.

حرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم المشروعة من أجل ادعاء التوفير في الوقت الذي يسرف المسؤول فيه من الصرف على نفسه والمقربين منه وتأثيت مكتبه وضمان انتدابات المحيطين به واحد من أشكال الفساد فكم عطلت مصالح بحجة ضعف الميزانية بينما أهدرت الأموال على أثاث وشكليات ورحلات ترفيه.

سرقة أفكار المبدعين ونسبتها للمدير صورة شائعة لفساد غير مالي لكنه أخلاقي خطير فمن يكذب «خف منه» ولا تأمنه على بيضة وإن «رجن» عليها مدعياً حفظها.

شراء ذمم النقاد بأموال المؤسسة ومن أجل التطبيل لأشخاص لا لمنجزات فساد لا يقل خطورة عن شراء ذمم المقاولين واختلاس الأموال.

لقد أصبح على الأجهزة الرقابية أن تكون أكثر شمولية وأوسع تغطية لصور وأشكال الفساد الإداري الذي يؤثر وبقوة على صورة الوطن وعطاء أبنائه الصالحين والخدمات التي يبذلها قادته من أجل تحقيقها جهداً وإخلاصاً وصدق نية ثم يأتي من يشوهها أو يبترها لأنه يخلص فقط لنفسه وأقربائه ولا يعمل من أجل وطنه.

إدارة طبيب… خبزة مهندس

يوماً بعد يوم يتناقص عدد الأطباء الذين يعتبون على من يطالب بإيكال إدارة الشؤون الصحية للإداريين عوضاً عن إسنادها لأطباء لا يملكون ما يؤهلهم للإدارة بل إن تخصصهم أبعد ما يكون عن علم الإدارة وفنها!!.
وسبب تناقص العاتبين وتزايد المؤيدين هو أن الأطباء الممارسين أنفسهم بدأوا يعانون من جهل المدير غير المتخصص في الإدارة وتخبطه وافتقاده لمقومات الإداري الناجح والقائد الإداري الحكيم الذي يستلهم خطواته وقراراته وأولوياته بناءً على فكر إداري بُني على مزيج من علم إدارة وخبرة إدارية وإمكانات فردية.

الأطباء الممارسون المخلصون هم أكثر من يعاني من إدارة الأطباء، لأن المخلص في حاجة دائمة إلى القرار النافذ الشجاع والإدارة الحكيمة القائمة على أساس المساواة والإنصاف والعدل وإعطاء كل ذي حق ما يستحقه بناءً على مقومات الاستحقاق لا بناءً على عناصر الصداقة والمصاهرة والقرابة والتحيز للتخصص!!.

قد يستفيد الطبيب من تعصب الطبيب الإداري لمهنة الطب استفادة شخصية مهنية لكن الخدمة في حد ذاتها تنهار وهذا لا يرضي الطبيب المخلص، الذي يضع نصب عينيه مصلحة المريض والمنشأة الصحية.

عندما نتحدث عن النتائج الوخيمة لإيكال الإدارة لغير المختص في الإدارة فإنما نتحدث من واقع مشاهدة عن كثب ومعايشة لجملة أخطاء إدارية تمس حياة المواطنين وصحتهم وحقوقهم التي وفرتها لهم الدولة وهي أخطاء إدارية لا تقل أهمية عن خطورة الأخطاء الطبية نفسها، بل إن سوء الإدارة هو أحد أهم أسباب تفشي الأخطاء الطبية ذات طابع الإهمال أو الناتجة عن إحباط الأطباء المخلصين!!.

التستر على ممارسات طبية لا أخلاقية كالتحرش بمريضة نفسية مثلاً لا يمكن أن يمارسه مدير إداري صرف لا يعنيه مهنياً أمر الستر على طبيب ومثله يقال عن الأخطاء الجراحية!!.

ومن ينضم يومياً من الأطباء لتأييد إيكال الإدارة في الشؤون الصحية لعلماء الإدارة هم من المخلصين الذين عايشوا وشاهدوا انهيار صرح طبي أو أخلاقيات مهنية بسبب من لا يملك علماً إدارياً ولا خبرة ولا مقومات، لذا فإنه يرى النجاح في ادعاء السند وإحاطة نفسه بهالة من صهر وقريب وابن قرية مع إهمال تام لكل فريق العمل وعناصره غير من تربطه به قرابة.

هذا الفكر الإداري القاصر هو فكر إدارة مزرعة أو ملك خاص أو عيادة خاصة لكنه لا يسعف لإدارة منشأة صحية أو شؤون صحية أو حتى مستشفى كبير فهنا تبرز الحاجة إلى التخصص في الإدارة.

الغريب أن الأطباء هم الأكثر حساسية للتخصص الدقيق وحريصون على عدم تداخل التخصصات فالجرّاح لا يفتي في تخصص الباطنة ولا يقبل أن يتدخل طبيب أخر في تخصصه ورغم ذلك فإنه يقتحم علماً قائماً بذاته هو علم الإدارة الصحية دون اعتبار للتخصص بل ويفتي ومالك في المدينة!!.

إن لغتنا وإرثنا الحضاري زاخر بالأمثال والحكم وفي هذا الصدد جاء مثل «أعط الخبز للخباز ولو أكل نصفه» ومن يوكل الإدارة لطبيب كمن يريد من الإداري أن يجري عملية جراحية أو كمن يريد من المهندس أن يخبز خبزة!!.

عائق التشهير

لاشك أن صحافتنا تسير يوماً بعد يوم نحو هامش جيد من المرونة في الطرح والشفافية وحرية الرأي واحترام الرأي الآخر.

ثمة ملاحظة أرجو أن يجد فيها القارئ ووزارة الثقافة وهيئة الصحفيين ما يفيد مستقبل الصحافة السعودية، والأهم من مستقبلها هو مستقبل الإفادة مما يطرح فيها، والاستفادة من هامش الحرية المتاح وذلك الذي سيتاح في عملية الإصلاح وتقويم ما قد يوجد من اعوجاج في بعض الدوائر والمؤسسات والوزارات والقطاع الخاص والأهلي والتجاري.

لازلنا نتعامل مع نقد المؤسسات سواء الحكومية أو التجارية التي تورد أسماء المسئولين على أنه «تشهير» تحاسب المطبوعة عليه وقد تغرم أو تطالب بالاعتذار بصرف النظر عن توفر الأدلة الداحضة للحجج وتكامل كافة أدوات العمل الصحفي المهني وهذا وربي قصور عن الوصول إلى مصاف الإعلام الفاعل المؤثر.

من غير العدل أن نساوي بين العمل الصحفي المدعوم بالأدلة المحسوسة العينية وذلك المبني على توقعات صحفي كسول لم يبذل جهداً.

كيف لصحافتنا وصحفيينا أن يسهموا مع الجهاز الرقابي في الدولة في فضح وإيقاف الممارسات الخاطئة ومحاربة الفساد إذا كانت عقوبة التشهير تنتظر الصحيفة والصحفي حتى لو دعموا عملهم بالأدلة والبراهين والصور؟!

إن اعتماد توفر الأدلة والوثائق كوسيلة لإسقاط دعوى التشهير، مثل ما هو معمول به في الدول المتقدمة، لا يخدم فقط حرية الصحافة ونجاح الإعلام في الإسهام في عملية الإصلاح بل أنه يخدم إصلاح المهنة ذاتها ويشجع الصحفي والصحيفة على توثيق ما تطرح لأنه سوف يصبح ثمة فرق كبير في التعامل مع من يوثق ومن «يفبرك» وهو فرق غير موجود نظاماً في الوقت الحالي فيما يخص مفهوم التشهير تحديداً.

بائعة اللوحات

هذه رسالة وردتني أنشرها كما هي ثم أعلق
(اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)

بعد التحية والسلام

الأستاذ محمد الأحيدب

ما أكتبه الآن نقطة في بحر … صرخة حبيسة الصدور والدور لم تسمع وذبلت .. لكن أتى الوقت لتخرج وحانت الفرصة لنتكلم ونشير بالبنان .. سأعرض عليك لوحة من مجموعة لوحات هذه الحياة وهي كالتالي:

دخلت كلية التربية مثلي مثل زميلاتي وأخواتي بل مثل جميع بنات السعودية فهذا المجال الوحيد كان أمامنا في ذلك الوقت ولا زال .. رغم عدم رغبتي بأن أكون مدرسة ولكن تخرجت مدرسة! (نسير ولا نخير) والآن عمر شهادتي خمس سنوات لا تزال حبيسة الأدراج ولو تعرض لمزاد أو بيع لبعتها .. أختي تخرجت قبلي بسنتين ولكنها تحب التدريس عكسي حصلت أنا وأختي قبل أربع سنوات على عقد محو أمية فكان في قرية صغيرة بين مئات الجبال والصحاري لا تصل إليها السيارات الصغيرة لا كهرباء ولا ماء ولا تلفون كأننا بالعصر الحجري طبعاً من غير الثعابين والعقارب وغيرها؟ ولا نزور أهلي إلا بعد أسبوعين والراتب يضيع على الإيجار والماء وغيرها ؟ لم استمر أكثر من أسبوع ورجعت وبقيت أختي في هذه القرية تصارع البرد والحر (سنتان) وبعدها تعاقدت بمدارس تبوك سنتان فقط عمل إداري (مراقبة) وبعد سنتين ألغي العقد بحجة أنهم لا يعملون أي عقد لعمل إداري رغم وجود إداريات متعاقدات بشهادة ثانوية جلست بالبيت ثلاث سنوات ارسم وأبيع لوحاتي في السنة مرة ولله الحمد .. هذا جزء بسيط مما أكتبه لك وأتمنى أن يلاقي الاهتمام من قبلكم (أ.ه)

هذه الرسالة ليست أخطر ما وردني من هموم المعلمات ولا أكثرها إيلاماً لكن بائعة اللوحات تعني لي أنموذجاً للفتاة السعودية التي تعلمت لتعيش وتحصل على قوت يومها وتنتج وتعطي لوطنها، لكن أياً من المؤسسات لم تساعدها على ذلك فوزارة التربية والتعليم أحبطتها بسيادة الواسطة في النقل وبالتالي لا أمل لديها في الانتقال لأنه لا واسطة لديها، ووزارة العمل سمحت بتشغيل المعلمات على بنود محو الأمية بأجور متدنية ودون حقوق عمال بل لم تفرض على المدارس الأهلية ومدارس القطاع الخاص أجراً معقولاً ومحدداً للمعلمات السعوديات مع أنه كان من المفترض فرض سعودة وظائف المدارس الخاصة في المدن وبأجر يعادل ما تدفعه الدولة للمعلمة (فالعمل واحد) وفي الوقت ذاته يمكن التعاقد مع غير السعوديات من قبل وزارة التربية والتعليم في الهجر والقرى لأنها الأفضل والأوفر لمعلمة أجنبية مع محرمها .

ولا أعتقد بل أجزم أن مشاكل مئات الآلاف من المعلمات أهم وأجدى من تأنيث بيع الملابس النسائية الداخلية فيمكن لنسائنا أن يعدن إلى قماش «خط البلدة» دون ضرر بينما الوطن يتضرر كثيراً من إحباط أمهات يرتدن أتوبيسات (خط البلدة) إلى مناطق نائية.