منخل الوزير

حكايتنا مع هذا الوطن لا تخلو من العجب والتناقضات، فهو يمنحنا المنصب، فمنا من يعمل له بوفاء ومنا من يعتبره تتويجا توقف عطاؤه عند الحصول عليه، وهو يمنحنا الإعانة، فمنا من يسخرها للإنتاج ومنا من يسخر الإنتاج لها فيحصل على الإعانة، ولا يحصل الوطن على شيء وهو يمنحنا القرض، فمنا من يرده عملا ويوفي قيمته نقدا ومنا من لا يرده لا عملا ولا نقدا.
ما صورته أعلاه ديدن الحياة فالناس ليست سواء وهكذا قال عنهم الخالق وهكذا أرادهم، فلا عجب في النهاية أن نختلف في تفاعلنا لكن الغريب جدا هو تعاطينا مع عمل الآخرين واتخاذنا المواقف السلبية مما يعمل غيرنا، فبشيء من التدقيق نجد مثلا أننا في مرحلة ما كنا نطالب المسؤول بعد تعيينه في المنصب أن يضع خطة عمل منشورة تحدد للناس ما ينوي عمله، ثم بلغ بنا الطموح أن نطالب ذلك المسؤول عند انتهاء قرب فترته أن يراجع معنا ما تم عمله ومدى مصداقيته فيما وعد، وكانت تلك مطالبة صحافية لكثير من الكتاب لكنها لم تتحقق، فخفضنا مستوى الطموح إلى أن أصبحنا نطالب بأن يحافظ المسؤول الجديد على منجزات سابقة؛ لأنها منجزات من الوطن وللوطن لا فضل لمسؤول سابق ولا لاحق فيها إلا حسن أداء الذي حققها ونجاح الجديد في استمرارها.
هذه الأيام يبدو أننا نواجه ما هو أصعب، فقد بلغ التنكر لأفضال الوطن لدى البعض أن أصبح يريد أن يهدم كل جهد سابق، لكي يبدو وقد بدأ العمل من جديد، ومثل هذا الموظف أو المسؤول أسميته في أحد لقاءاتي التلفزيونية المسؤول الذي يريد أن يمسح السبورة ليبدأ من جديد، ليشعرنا أن كل ما عمل سابقه خاطئ (مثل الطبيب الذي يرمي كل أدويتك في سلة المهملات ليشعرك أنه الأفضل) وهذا المسؤول في واقع الأمر لم يبدأ ولن يبدأ؛ لأن من ينقص أهدافه النبل فجدير بأعماله أن تكون كذلك.
إن إنجازات الوطن التي سعت لها قيادته الكريمة وبذلت من أجلها الفكر والمال والتوجيهات الدائمة والمتابعة المستمرة حتى أصبحت منجزا طموحا عالي البنيان، تتعرض الآن للتجاهل وأحيانا الإلغاء، كل ذلك لأن موظفا، أو مديرا، أو محافظا، أو وزيرا يريد أن يغطي منجزات سابقه، ومن العبث أن تغطى الشمس بمنخل، كما أن التغطية في حد ذاتها أو محاولة تغطية شمس الوطن بمنخل عمل لا يليق بأن يكون مكافأتنا للوطن.
ما يقال عن عدم رد جمائل الوطن في المنصب ينطبق على الإعانة والقرض، إلا أن الفرق أن التنكر للإعانة والقرض مربوط بالجشع وحب المال، أما التنكر لمنجزات الوطن فمقرون بالأنانية وكره الآخرين، وفي كل الأحوال لا بد لنا أن ننصف الوطن ونحفظ له ماله وشمسه من عبث النوايا.

رأيان على “منخل الوزير

  1. كلام جميل والأجمل منه فكر ومنطق صاحبه..دمت لنافكرا ولسانا ويدا تدافع عن حقوقنا كمواطنين…

    لك مني كل الشكر والتقدير

اترك رد