الشهر: سبتمبر 2010

مثل أمريكا

أكثر ما يشعرني بالغبن أن يقوم مسؤول عن أخطاء قطاع ما بالدفاع عن أخطائه بالقول إن هذا يحدث في أمريكا، أو أن يورد نسبا وإحصاءات لأخطاء مشابهة تحدث في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتقد أنه بذلك استغفلنا أو نجح في إقناعنا، وكأنه الوحيد الذي يعرف أمريكا أو دول أوروبا أو أية دولة متقدمة اتخذ إحصاءاتها درعا أو ذريعة لتبرير قصوره وأخطائه.
أبسط قواعد المقارنة تؤكد على ضرورة تشابه بل تطابق الأطراف التي تريد مقارنة أحدها بالآخر لكي تبرز عناصر الاختلاف، لذا فإن القاعدة الإنجليزية تقول: قارن برتقالة ببرتقالة وتفاحة بتفاحة وليس برتقالة بتفاحة.
فمثلا، يحلو للبعض مقارنتنا بالولايات المتحدة الأمريكية في شأن الحماية الأسرية، أي الحماية من العنف الأسري، سواء حماية الأطفال أو النساء أو حتى الرجال وكبار السن من الجنسين، بينما لا يمكن على الإطلاق وضع أدنى مقارنة بيننا وبين أمريكا في هذا الصدد لا من حيث الإحصاءات ولا النسب ولا طريقة التعامل ولا نوعية القائمين على المشروع ولا آلية التسجيل ولا ردة الفعل، فكيف نقارن أنفسنا في هذا الصدد بأمريكا.
في الولايات المتحدة الأمريكية أوكل أمر العنف الأسري برمته لأصحاب أو (صاحبات) الاختصاص وهم الاختصاصيات والاختصاصيون الاجتماعيون (Social Workers)، حتى أن تعديل القوانين في هذا الصدد لا يتم إلا بعد مراجعة عدد من الاختصاصيات الاجتماعيات كونهن من يقمن على هذا المشروع، بينما لدينا أوكل الأمر لطبيبة!!.
في الولايات المتحدة الأمريكية تتراوح نسبة الاختصاصيات الاجتماعيات في المجتمع ما معدله خمس اختصاصيات مرخصات لكل ألف نسمة أي 500 اختصاصي أو اختصاصية لكل مائة ألف من السكان، بينما لا يتوافر لدينا نفس هذا الرقم لكامل عدد السكان.
في أمريكا تتوافر آلية دقيقة للتبليغ عن حالات العنف الأسري وتسجيل الحالات والتعاطي معها بنظام واضح، بينما لدينا رقم هاتف لم تتذكره المسؤولة في لقاء تلفزيوني، وعانت الأمرين للتفريق بين الرقمين. إذا أردنا أن نقارن أنفسنا بأية دولة متقدمة في أمر ما، فيجب أن يكون لدينا نفس الدقة ونفس المرونة ونفس الكفاءات ونفس الأنظمة الصارمة، وإلا فلا داعي للتحجج بمقارنات غير منطقية.

ثوب الوزير

لم يمر على الفقراء والمحتاجين للضمان الاجتماعي (لم أقل المستفيدين) سنوات سمان بلغت فيها السيولة المخصصة لدعمهم مثلما بلغته هذا العام خاصة بعد أن أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ــ حفظه الله ــ بصرف مليار و 110 ملايين ريال لتوزيعها فوريا وإضافيا على مستحقي الضمان الاجتماعي.
هذا المبلغ لا شك أنه رفع قيمة ما رصد للصرف على المستحقين إلى رقم غير مسبوق وغير مستكثر على وطن يسخر ما حباه الله من نعمة لإسعاد أبنائه وإعانتهم على مواجهة الفقر والحاجة فيخلق توازنا يحفظ للفقير كرامته وللغني استقراره.
المال والمخصصات لم تعد مشكلة ولله الفضل والمنة المشكلة الكبرى تكمن في التعرف على المحتاج الحقيقي وتعريفه والوصول إليه وضمه لقائمة المستفيدين من الضمان الاجتماعي؛ لأن هذه القائمة إذا بقيت على حالها وعددها الثابت بحكم عدم سعي وزارة الشؤون الاجتماعية للبحث عن المحتاجين الذين لا يسألون الناس إلحافا فإن المبالغ والمخصصات للضمان الاجتماعي تزداد في ظل ثبات الرقم المقسوم عليه وبالتالي اقتصار التغطية على مساحة صغيرة لا تشكل رقعة الفقر الحقيقية ولا أعداد المحتاجين الفعليين، وكل هذا بسبب قصور وزارة الشؤون الاجتماعية في جزئية البحث عن المحتاج الحقيقي الذي لا يسأل ولا يطالب أو يسأل ويطالب ولكن لا يملك الإثبات الورقي الذي تصر عليه الوزارة وأوضح مثال على هؤلاء هي المهجورة والمعلقة التي لم تجد من يمنحها الورقة والمتقاعد الذي شاءت الأقدار أن يفوق عدد من يعولهم وظروفهم وإمكاناتهم قدرة راتبه التقاعدي على إعالتهم والموظف الذي لا يكفي راتبه قوت يومه وعياله.
ما ينقص وزارة الشؤون الاجتماعية هو القناعة بدور الدراسات الاجتماعية ودور الأخصائي والأخصائية الاجتماعية وبالتالي السعي مع كل الجهات المعنية لزيادة أعداد هؤلاء الأخصائيين والأخصائيات وزيادة الوظائف المعتمدة لهم في هيكل الوزارة ولو كنت في ثوب وزير الشؤون الاجتماعية لسعيت لإنشاء أكثر من كلية علم اجتماع تتبع للوزارة إداريا وتحت مظلة أكاديمية شامخة مثل جامعة الملك سعود بالرياض وجامعة أم القرى بمكة ومثلها في الشرقية والجنوبية لتتولى تخريج أجيال من الأخصائيين والأخصائيات إلى جانب إجراء الدراسات الاجتماعية في منطقتها علما أن حاجة هذه الوزارة للأخصائي الاجتماعي لا تقتصر على الضمان الاجتماعي بل كم هائل من دور الرعاية التي تفتقر لمن يفهم ويتفهم أحوال نزلائها.
نحن في أمس الحاجة لتفعيل دور الأخصائية الاجتماعية في كل شأن في حياتنا بدليل أنها لا تتواجد لا في الحوادث ولا مصائب الأسرة ولا الفقر ولا الدور الاجتماعية بالعدد المطلوب ولا لمساندة من لا سند له اجتماعيا في الفواجع والوزارة نائمة عن هذه الأدوار المهمة لاستقرار المجتمع.

وقفات أسبوع .. قالوا وقلنا

** حال المتقاعدين لا تسر العدو ولا الصديق ولا تليق بما قدموه لهذا الوطن من عطاء، ولا تليق بمقامهم كمواطنين وصلوا إلى مرحلة عمرية وظيفيا لكنهم لا يزالون مواطنين، تصوروا أن آخر الإساءات لهذه الفئة من المواطنين أن شركات تأجير السيارات لا تقبل تأجيرهم، بينما تقبل تأجير سائقهم الأجنبي (إن وجد)، وهذا يدل على أنه لا مظلة لهم تكفلهم وتتكفل بهم في مجتمع (بيروقراطي) يعتمد على التعريف من العمل.
** العكاظي الجميل الزميل خالد السليمان كتب مؤكدا أن لا أحد فوق النقد، وطالب المسؤول الذي يضيق بالنقد بأن يجلس في بيته ويرى إن كنا سننتقده أم لا، وأن انتقاد أدائه في وظيفته والمسؤولية التي أوكلت إليه حق مشروع يجب أن يمارس على الجميع، وللزميل خالد السليمان أقول إننا في هذا العهد الزاهر الشفاف منحنا قائد الشفافية والحوار الملك عبد الله بن عبد العزيز هامشا واسعا وسقفا عاليا للإسهام في الإصلاح بالنقد الهادف، وهذا أخاف من في قلبه مرض وعلى رأسه بطحاء، فأصبح يوهم الناس أنه فوق النقد أو أن له حصانة، وفي ظني أن ما نعاني منه هو إشاعة وهم الحصانة، وليس توفر الحصانة أو القناعة بأن أحدا فوق النقد.
** يقول مدير الشؤون المالية بوزارة التربية والتعليم إن الوزارة ليست ضمانا اجتماعيا، وأن إلغاء عقود معلمات محو الأمية هو تطبيق للنظام، وأنا أقول أن الأمر يتعلق بـ (توهيقا) اجتماعيا وليس ضمانا، ولا أحد يطالب الوزارة بأن تكون ضمانا اجتماعيا، ولكن يفترض أن لا تكون (تغريرا) اجتماعيا، فالأمر برمته وبأعداده من آلاف المغرر بهن لم يكن نظاميا، كما نذكره بأن الوزارة ليست دارا لرعاية المسنين أيضا.

الدفع هل يجيز الكذب؟!

منيت الصحافة السعودية منذ عشر سنوات تقريبا وحتى اليوم بسابقة خطيرة تتمثل في المادة التحريرية المرافقة للإعلان المدفوع، حيث تقدم بعض الصحف إغراء للمعلن يتمثل في منحه مساحة تحريرية لا تحمل ما يشير إلى أنها إعلان مع كل إعلان تقدمه الوزارة أو المؤسسة أو الشركة للصحيفة، وهذه المساحة التحريرية إضافة إلى أنها تنشر دون الإشارة إلى أنها مادة إعلانية، فإنها مساحة تحريرية حرة يمارس عن طريقها المعلن (الجهة الحكومية أو الخاصة) كتابة ما يريد في شكل رأي أو خبر أو تحقيق صحفي يشعر القارئ أنه جزء من مادة الصحيفة وضمن مسؤوليتها عن المصداقية وتحري الدقة، وهو في الحقيقة مادة إعلانية بحته تحتمل كل ما يحتمله الإعلان من وهم ومبالغة وتدليس يصل حد الكذب البواح والتلميع لشخص بعينه أو جهة أو الإغراء بمميزات سلعة دون غيرها أو إطراء ومديح وإدعاءات كاذبة، وكل هذا يصاغ بطريقة لا تشير إلى أنه إعلان بل تغلف تماما بغلاف المادة الصحفية، فلا يعلم القارئ أنها من إعداد الشخص نفسه وإعلان مسبق الدفع لخداع القارئ.
عدم وضع إشارة واضحة إلى كون المادة التحريرية هي في الواقع مادة إعلانية من إعداد المعلن إجراء غير مهني وغير مسبوق في صحافة العالم التي تحترم قراءها وتحترم ما ينسب إليها، فيكفي أنه نوع من تضليل القارئ وإرباكه وجعله يشعر بأن ما يقرأه هو شهادة محايدة من صحيفة منحها ثقته.
وإلى جانب عدم المهنية، فإن هذا الأسلوب يتنافى مع الأنظمة والقوانين التي تحمي المستهلك والقارئ والإنسان إجمالا من التضليل، وتركز على ضرورة تنبيه المتلقي للمادة الإعلانية، سواء أكانت بالصوت أو الصورة أو الحرف، وأنها ليست معلومة موثقة من طرف محايد، وهذا ينطبق على الخبر وتزكية النفس وادعاء الإنجازات ورصد التاريخ بهدف حماية المتلقي من جهة وإنصاف الآخرين من جهة أخرى، فالمعلن عن ذاته أو سلعته أو إدعاءاته لا بد أن ينبه القارئ إلى أنها تزكية للنفس ويترك له الحكم على هذا الأساس، لأن ثمة منافسا أو صاحب حق حقيقي أو صاحب حق تاريخي من حقه أن لا يشعر المتلقي أن الشهادة من الصحيفة ضمن موادها المحايدة، وإنما ينبه أنها إعلان عن الذات وحكم القارئ عندئذ سيكون مختلفا. إن الدفع لا يبرر الكذب والتضليل، وإلا فإنها ستكون سابقة خطيرة تفوق سابقة رقابة المعلن، وتضع مصداقية الإعلام السعودي بأكمله على المحك.