الشهر: نوفمبر 2010

الخطوط السعودية تتبنى الافتراش

في الوقت الذي نجحت فيه جهود وزارة الداخلية ولجنة الحج العليا في الحد من الافتراش في حج هذا العام واختفائه تماما في مواقع كثيرة، أصرت الخطوط السعودية على نقل صورة الافتراش إلى مطار الملك عبد العزيز بجدة من خلال تأخر رحلات العودة أكثر من 12 ساعة لرحلات الحملات المحجوزة بالكامل وأكثر من ذلك للرحلات الأخرى. الصورة كما نقلها حجاج الداخل العائدون مخيفة للغاية ومخجلة إلى أبعد الحدود، ولا ألوم مصوري الصحف حينما لم يلتقطوا الصور المعبرة لهذا الافتراش لحجاج الداخل الذين افترشوا (بلاط) وممرات صالات المطار، لأن شيم المصورين وأخلاقياتهم منعتهم من التقاط صور لعائلات (نساء وبنات وأطفال ينامون على البلاطة حول رب الأسرة)، منعتهم من تصوير زوجة تتوسد ذراع زوجها والزوج يتوسد حذاءه، لكن إدارة الخطوط السعودية لم تسعفهم لمنع حدوث هذه الحالات غير الإنسانية، والتي لا تتناسب مع الجهود التي يبذلها هذا الوطن والمبالغ التي يصرفها والإمكانات التي يسخرها، والتي يبدو أنها لم تجد من يديرها. بعد أن عاد حجاج الداخل واستراحوا والتقطوا أنفاسهم واستعادوا نشاطهم أصبحت معاناتهم ــ بسبب تأخير الرحلات وانتظارهم في المطار يوما كاملا وأكثر ــ كابوسا يلاحقهم وهو حديث المجالس والمناسبات والسؤال واحد لماذا يحدث هذا؟! طائرات رحلات الحملات محجوزة بالكامل ومدفوعة الثمن مقدما، فلماذا لم تقلع في وقتها؟! والرحلات العادية هي الأخرى قام المسافرون عليها بكل واجباتهم من حجز وتأكيد وشراء تذاكر، فمن المسؤول عن بقائهم لعدة أيام ولماذا يحدث هذا وأين الخلل؟! أقول إن المعاناة إنسانية، لأن طوابير انتظار دورات المياه وصلت أكثر من مائة متر، ولأن النساء والأطفال والكبار وحتى الشباب واجهوا إحراجا بالغا في قضاء حاجاتهم الإنسانية، حتى في الحصول على الوجبات كان الانتظار والتلهف والتوسل لا يختلف عن حال كل الكوارث الإنسانية، وحقيقة استغرب أن هيئة وجمعية حقوق الإنسان لم تحرك ساكنا، غير أن الأخيرة تطرقت للمشكلة وصورت جانبا منها وحسب، أما الأولى فربما انشغلت بشأن العاملة المنزلية المعذبة عن آلاف المعذبين بسبب فوضى الخطوط السعودية. يقول أحد حجاج الداخل من الرتب العسكرية العليا والمركز الاجتماعي المرموق إن غياب الشفافية من قبل الخطوط السعودية وعدم مصارحتها المسافرين بأية معلومات عما يحدث وكم سيستمر التأخير فاقم المشكلة، فمن ضمن المتأخرين من بإمكانه استئجار فندق والبقاء حتى موعد إقلاع محدد ولو بعد أيام، ومنهم من يستطيع استئجار سيارة أو استدعاء (صالون) لنقله ونقل غيره معه كعمل خيري، إلا أننا بقينا نتفرج على حجاج الإمارات والكويت الذين أرسلت الطائرات من بلدانهم لحل مشكلتهم، بينما نحن ننتظر تحرك طائرات صرفت بلادنا الغالية أموالا لشرائها، لكنها لم تجد من يدير تحركها بفكر إداري واع ومخلص ومهتم أصلا.

اصرف من بند الفقراء

لا خير فينا إذا لم نوظف خبرتنا في تجارب فاشلة سابقة لمنع حدوث مزيد من الفشل لتجارب مشابهة مستقبلية، فمن المهم أن لا نكون متشائمين ولا معارضين لأي فكرة جديدة، ولكن الأهم أن نستفيد من الأخطاء السابقة ونتلافاها.
وزارة الشؤون الاجتماعية تنوي استثمار الأموال المرصودة للضمان الاجتماعي حسب ما نشر على صدر الصفحة الأولى لـ «عكاظ» وتناولته «عكاظ» في افتتاحيتها (رأي) وعرضت أراء بعض المتخصصين (عضو مجلس الشورى الدكتور أحمد الزيلعي والاقتصادي الدكتور فهد بن جمعة) حول الفكرة في الصفحة 20 في ذات العدد ضمن أسلوب «عكاظ» المهني في تناول مثل هذه القضايا شديدة الحساسية.
أجمع كل من رأي عكاظ وآراء عضو لجنة الشؤون الاجتماعية والأسرة والشباب والاقتصادي على ضرورة توخي الحذر من المخاطرة بهذه الأموال وضرورة التأكد من أن يكون الاستثمار آمنا ومدروسا ولا يعرض هذه الأموال لمخاطر.
أنا لست خبيرا اقتصاديا، لكنني أزعم أن لدي خبرة في رصد تعاطي بعض الجهات الحكومية مع الأرباح أو التبرعات أو الأموال الزائدة عن ما تخصصه وزارة المالية وتتابع عملية صرفه وتدققه الجهات الرقابية، وقبل أن أخوض في مشاهداتي في هذا الجانب دعونا أولا نتساءل عن الجزء من أموال الضمان الاجتماعي الذي تنوي وزارة الشؤون الاجتماعية استثماره كيف بقي وأصبح متاحا للاستثمار، فالمعروف من تصريحات مسؤولي الوزارة أنفسهم أن أموال الضمان محددة حسب عدد المستحقين المسجلين في الضمان، بل إننا مررنا بسنوات عجاف لم يكن خلالها المبلغ يغطي كل المحتاجين، ثم وبفضل من الله ونعمة منه ثم توفيق وسداد من خادم الحرمين الشريفين تمت زيادة الأموال المخصصة للضمان أكثر من مرة، وإذا كان هذا هو ما خلق فائضا من الأموال تنوي الوزارة استثماره فإن ذلك يؤكد أن الوزارة بطيئة جدا في تسجيل المزيد من الحالات المستحقة بحكم البيروقراطية، وأنها لا تدرس الوضع الاجتماعي ميدانيا بالطريقة الصحيحة وتعتمد على تقديم طلبات الاستجداء والرد عليها بطلبات تعجيزية، أي أن الأموال المرصودة للضمان تزداد مع ثبات عدد المستفيدين وهو ما ذكرته سابقا في أكثر من مقال في هذه الزاوية.
إذاً فوجود الفائض غير مبرر أصلا ويجب أن تستثمر الوزارة الأموال المخصصة في الفقراء أنفسهم أولا قبل أن تستثمرها لتحقيق أرباح لبعضهم، فتحقيق التغطية لأكبر عدد ممكن من المستحقين هو الاستثمار الحقيقي للوطن في مجالات عدة منها على سبيل المثال تحسن صحة المجتمع نفسيا واجتماعيا ورفاهية أبنائه وانخفاض مستوى الجرائم والسلوكيات السلبية وارتفاع الروح المعنوية الاجتماعية وترسيخ الولاء واتقاد حميميته.
أما التجارب السابقة في استثمار بعض الجهات الحكومية لبعض مرافقها وخدماتها وتحقيقها مبالغ إضافية لا تخضع لذات الرقابة التي تطبق على ما تقدمه وزارة المالية من مبالغ، فقد شهدت صورا من التساهل أو الصرف في أوجه غير ذات أولوية أو غير نظامية، خصوصا بند التلميع والصرف على الفلاشات الإعلامية التي تستهدف إبراز الأشخاص على حساب المؤسسات، فهذه الأرباح ينطبق عليها تعريف المال السائب الذي يشجع على السرقة أو قل سوء الاستخدام، ونحن لا نريد أن يأتي يوم ولو بعد حين يقال فيه اصرف من بند أرباح أموال الفقراء.

مؤتمر صحفي راق ومراسل أقل

مشكلة بعض الصحف والقنوات الفضائية أنهم يعتمدون في تمثيلهم في المؤتمرات الصحفية على نهج قديم ممعن في السلبية؛ وهو إرسال مراسل هو أقرب للمعقب منه للمراسل وكان دوره في ذلك الزمن هو إحضار صور الكلمات الخطابية التي تلقى في مناسبة افتتاح أو وضع حجر أساس، وكان قمة الإنجاز الصحفي الذي يحققه المراسل هو خطف الكلمة من على المنصة أو من يد المتحدث بعد انتهائه دون أن يحصل عليها غيره ليحقق بذلك سبقا صحفيا، ومثل هذا المراسل أو المرسول لا يحتاج إلى مواصفات صحفية أو تأهيل صحفي عال.
يبدو أن بعض الصحف لا زالت تعتمد على هذه النوعية من المراسلين في تمثيلها في مؤتمرات صحفية مهمة وحساسة، وهذه إساءة للصحافة والمجتمع ولأهمية الحدث والمتحدث، وهذا يحدث كثيرا وتنجم عنه أسئلة سطحية ضحلة لا تتناسب وأهمية المناسبة.
المؤتمر الصحفي المهم جدا الذي تحدث من خلاله المتحدث الرسمي في وزارة الداخلية اللواء منصور التركي يوم الجمعة الماضي عن انتصار وطني جديد على قوى الغدر والظلام وإنجاز أمني متميز أحبط مخططات لاغتيال رجال أمن ومسؤولين وإعلاميين وأسقط 19 خلية إرهابية تضم 149 ضالا كانوا يخططون لزعزعة أمن هذا الوطن الغالي وسفك دماء الأبرياء. هذا المؤتمر الشفاف كعادة وزارة الداخلية كان راقيا في كل شيء، في لغته وفي صراحته وشفافيته وفي شموله وعمق أهدافه التي توضح للجميع حجم الخطر ودرجة اليقظة له وعظم الإنجاز وتفاصيله المسموحة أمنيا.
في المقابل، فإن بعض الصحف والفضائيات كانت ممثلة بمراسلين من النوع الذي ذكرت آنفا والذي لا يرقى في مهنيته وربما درجة تعليمه إلى مستوى الحدث والمتحدث، فجاءت الأسئلة سطحية وضحلة وبعضها غير لائق أمنيا مثل كيف اكتشفتموهم؟! وكيف قبضتم عليهم؟! ومتى قبضتم عليهم؟
أنا لا ألوم المراسل ولكن ألوم من أرسله ومن رشحه وكلفه بالحضور، فمثل هذا المؤتمر الصحفي الوطني المهم يجب أن يكون المرشح له على درجة عالية من الاطلاع والتخصص والحكمة، بحيث يسأل السؤال الذي من خلال إجابته تتحقق التوعية والتنبيه للعامة من مستمعي الإجابة أو التحذير لمن تسول له نفسه عملا مشابها أو الخروج بإجابة تفتح آفاقا جديدة لترسيخ جعل المواطن (أبا أو أما أو أخا أو أختا أو جارا) جزءا من المكافحة أو على الأقل تذكير المتحدث بجانب ربما فات عليه ذكره وهو مهم.
على كل حال، فإن الشكوى من ضحالة وبساطة أسئلة بعض المراسلين أو بشكل أعم وأهم تدني التمثيل الصحفي لكثير من الصحف في المؤتمرات الصحفية المهمة، هي شكوى تكررت وأصبحت شكوى عامة.
أتمنى أن تفرق الصحف بين مؤتمر صحفي مهم وحساس ومفصلي، ومؤتمر صحفي للتلميع وادعاء الإنجازات فهذا الأخير رشحوا له سائق الصحيفة فهو أرقى من المؤتمر التلميعي، أما الأول فرشحوا له خير من يمثل الوطن ويمثلكم.

عدالة المقارنة

يساورني شعور أننا ما دمنا غير قادرين على إصلاح حال الخدمات فإننا يجب أن نغير القوانين والأنظمة التي وضعت مقارنة بدول تتوفر فيها كافة الخدمات وتتطور سنويا بما يكفل الاستجابة مع الأنظمة.
دعونا نستشهد بأمثلة للتوضيح فقط فليس أفضل للتوضيح والفهم الصحيح من الاستشهاد بمثال أو أكثر فمثلا نظام عقوبات الغياب في الجامعات والذي يصل حد الفصل أو الحرمان من فصل دراسي لمن تصل نسبة غيابه حدا محددا وضع اقتداء بجامعات عالمية فيقال نحن نطبق النظام المعتمد في جامعة أمريكية أو بريطانية، هذا النظام لا يمكن الاستمرار في تطبيقه على طالب يدرس في جامعة في الرياض أو جدة وهو من سكان أبها في ظل الوضع الحالي السيئ للنقل الجوي والمتمثل في تأخر رحلات الخطوط السعودية المعتاد لأكثر من أربع ساعات مع عدم توفر البديل فلا ناقل آخر موثوق ولا غير موثوق، فمجرد تكرار تأخر رحلة العودة من المدينة التي يقيم بها أهل الطالب بعد قضائه إجازة نهاية الأسبوع معهم إلى المدينة التي يدرس بها كفيل بفقدانه فرصة تعليمه الجامعي لمجرد أننا نطبق عليه نظام مطبق في دول لديها أكثر من ناقل جوي ولا تعاني من التأخير وتمتلك أدوات لا نمتلكها بعد أو نمتلكها ناقصة.
ذات الشيء يقال عن تعيين معلمة في منطقة نائية أو حتى تبعد عن مقر سكن أسرتها ولو مائة كيلومتر، لا يمكن التعاطي مع غيابها أو تأخرها أو حتى رفضها للمباشرة مقارنة بأنظمة مطبقة في ظل توفر شبكة قطارات تغطي جميع القرى والهجر والمدن وبرحلات متتالية لا يفرقها سوى بضع دقائق وحافلات ووسائل نقل أخرى منتظمة ومنظمة.
أريد أن أقول إننا طالما يئسنا من تطور بعض الخدمات لتصبح أدوات مناسبة لتطبيق الأنظمة، وطال انتظارنا لتحسن كثير من هذه الخدمات، بل منينا بتراجع بعضها وتحديدا الناقل الجوي فإننا يجب أن نعيد النظر في التشدد في تطبيق الأنظمة التي لا تتوفر أدوات التقيد بتعليماتها، ولا تتحقق فيها الإدانة لتقصير طالب أو موظف أو موظفة من ذات نفسه وإنما لافتقاده للوسائل التي تعينه على أن يصبح مثل طالب أو موظف أو موظفة في بلد آخر وفر هذه الوسائل.

وقفات أسبوع اتحاد الإحصاءات

** أكرر التذكير بأن متحف دار القرآن الكريم بالمدينة المنورة التابع لوزارة الشؤون الإسلامية يحتاج إلى التفاتة متخصصة تعنى بإعادة صياغة المتحف بالكامل، خصوصا في طريقة حفظ مقتنياته والتعاطي معه كمعلم ومزار سياحي مهم، فالمقتنيات نادرة وثمينة بينما جهود المحافظة عليها، جهود ذاتية واجتهادات أفراد غيورين لكن الوزارة غير متخصصة في مجالات التعامل مع هذه المقتنيات وطرق عرضها فأصبح المتحف أشبه بمستودع مقتنياته مهددة بالتلف وعدم جلب الأنظار.
**ألا تلاحظون أننا أصبحنا مجتمع إعلان إحصاءات صحافية دون أدنى عمل فعلي يستجيب لهذه الإحصاءات، نحن نقول 33 % من المجتمع السعودي بدناء، و50 % من الأطفال عرضة للسمنة المفرطة و34 % من البنات مدخنات، لكننا لم نقل قط كم نسبة الجهود التي بذلت لمواجهة هذه الأرقام الإحصائية، فالمؤكد أننا لا نتحرك لمواجهة المشكلات وأصبحنا فقط ندرسها ونحصيها لنعذب أنفسنا بالأرقام وأخشى أن يصل الخطر إلى نسبة 100 % والتحرك صفر.
** من ضمن الإحصاءات المؤلمة قالت هيئة التحقيق والادعاء العام أن قضايا العرض والأخلاق وصلت إلى 38 ألف حالة خلال عام واحد، هذا مع أننا مجتمع يحرص على إخفاء حالات العرض والأخلاق ومعالجتها ذاتيا، ومع ذلك يأتي من يطالب بترك (الدرعى) ترعى، يبدو أنهم يريدون الوصول للرقم 100 ألف في عام.
** على طاري الإحصاءات، الاتحاد الدولي للتأريخ والإحصاءات في مجال كرة القدم (مجهول الموقع والهوية) والذي كشف برنامج خط الستة أن هاتفه لا يرد عليه سوى (شغالة) أعلن أمس إحصاءات جديدة أغرب من سابقتها يبدو أنهم غيروا (الشغالة) أو أنهم يعتقدون أن السعودية التي عذبت العاملة المنزلية نصراوية، فالواضح أن هذا المكتب المجهول يحاول الكسب من حماس وكثرة الجماهير الرياضية السعودية ونسي أن السعودي ليس مغفلا ولن يكون مغفلا وأن من كشف زيفه هم رجالات إعلام سعوديون.

أخوكم متعب بن عبد الله

عندما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لمن بالغ في امتداحه «والله إني أقل مما قلت وأعظم مما في قلبك» كان كرم الله وجهه قد كشف مبالغة في الثناء تخالف ما في القلب، بل إنه قصد أنني أعظم من أن أصدق ما قلت عني.
أنا لا أؤيد مقالات إطراء الأشخاص والتعبير عن حبهم لأن أجمل مكان للحب هو القلب، وأشهد الله أنني أحب متعب بن عبدالله لسببين الأول أنني أحب كل من يمت لعبدالله بن عبدالعزيز بصلة، ومتعب بن عبدالله ترى فيه صفات والده في حلمه وفي تواضعه وفي عفويته وفي قربه من الناس، والسبب الثاني لأنني جربت مكارم أخلاق متعب بن عبدالله فغمرتني في لحظة تخلق مكارم الأخلاق فيها الفارق الكبير بين مواقف الرجال، ومع شدة هذا الحب وعمق مبرراته لم يسبق أن عبرت عنه في مقال لأن الحب مكانه القلب.
لا أؤيد مقالات إطراء الأشخاص، لكنني أؤيد وبشدة إطراء مواقفهم، لأنني أؤمن أن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال فالحق معروف وموقف صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالله في أول لقاء له بمنسوبي الحرس الوطني بعد تعيينه وزيرا للدولة وعضوا في مجلس الوزراء ورئيسا للحرس الوطني يستحق التسجيل، ليس من أجل أن أمتدح متعب بن عبدالله فهو ليس في حاجة لإطرائي له وأنا في غنى عن أن يساء فهم ما أكتب، ولم يسبق لي أن فعلت ذلك، لكنني أؤمن أن تسجيل مواقف الرجال مدعاة للاقتداء وشيوع روح العمل السامي المخلص الرفيع.
استهل متعب بن عبدالله حديثه لرجال الحرس الوطني معيدا تعريف نفسه (وهو معروف) قائلا: أنا أخوكم متعب بن عبدالله الملازم في الحرس الوطني كما عرفتموني منذ 39 سنة، لا يغيرني المنصب ولن أتغير (انتهى). هنا لا يسجل القائد موقف ثقته بنفسه فقط بل ثقته المطلقة في المتلقي، وتأكيده على أهمية اللبنة الأساسية لهذا الكيان وهي الرتب العسكرية الأولى (ولا أقول الدنيا) في سلم البناء، لقد ذكرهم بأنه (الملازم) ولم يتطرق للمرتبة المهيبة (الوزير) أو الرئيس، وفي عمرنا الوظيفي والصحفي المديد عايشنا أناسا تحولوا خلال 24 ساعة هي الزمن الفاصل بين حالة ما قبل المنصب وما بعد إعلانه، وبدأوا يومهم الأول بالتهديد والوعيد والتلميح والتصريح بالقوة الجديدة، رافضين أي ذكر أو تذكير بما كانوا عليه.
قال متعب بن عبدالله، وكان ملحا: يا إخوان أنا بشر يمكن أن أخطئ بمثل ما يمكن أن أصيب وأرجوكم إذا أخطأت نبهوني، فصديقك من يصدق معك، أرجوكم إذا وجد لديكم نصيحة فلا تؤخروها ثانية واحدة فبابي مفتوح وأنا أريد أن تكون الشورى بيننا في كل ما يخدم هذا الكيان (انتهى).
دخلت ذات مرة مكتب سمو الأمير متعب بن عبدالله حاملا وجهة نظر وطنية حددت لها على ساعتي ثلاث دقائق ومتوقعا المقاطعة والنقاش وأقسم بالله غير حانث أنني أمضيت ساعة كاملة وتحدثت دون مقاطعة لأكثر من عشر دقائق متصلة، لم أر في حياتي شخصا ينصت بمثل إنصات الأمير ولو كان حديثي معه هاتفيا لظننت أن الخط قد انقطع من شدة الإنصات، ثم سمعت منه كلمات هادئة مخلصة شفافة كل كلمة منها تكشف لك شيئا في شخصية الرجل، احترام الآخر، الثقة في الآخر، الصدق مع الآخر، التواضع الجم، نبل الأخلاق والرغبة الجامحة في الإصلاح وقبول النصيحة.
عندما نسرد مثل هذا الموقف فإننا إنما نربط بين القول والعمل، فنحن أيضا كموظفين وكصحفيين سمعنا كثيرا من يطالبنا بالمناصحة وعندما تأتي للمناصحة تشعر أنك أمام إنسان يريد أن يقول للباب (افتح يا سمسم واخرج يا ناصح) إنسان دعاك ليقول لك اسمع ما عندي لا قل ما عندك.
كان وقع كلمات متعب بن عبدالله في حفل الاستقبال مؤثرا كثيرا في نفسي لأن كل كلمة كانت تعبر عن موقف عايشته واقعا لا كلاما عابرا وبالتأكيد أنني لست الوحيد في الحرس الوطني الذي سمع الكلمة وعاش الواقع، لكنني أحد من يرون أن نشر المواقف الحسنة سبيل للاقتداء وخلاف ذلك فلم يبق في العمر مثل ما مضى حتى نمتدح أو نتزلف ولو بقي ضعفه ما فعلنا.

لعبة أعجبت مدير الخطوط

في خضم التراجع الذي منيت به الخطوط السعودية والتدني في أدائها، وتوالي أمثلة القصور الإداري، ومع تعالي الأصوات الغاضبة من أحوال الناقل الوطني، وتعدد الشكاوى من التأخير والإلغاء.
وبعد أن أصبحت الخطوط السعودية عائقاً في نجاح موسم السياحة وتنكيد متعة الاصطياف بشهادة العديد من الأطراف.
وبعد أن كدرت الخطوط السعودية على الحجاج جمال ويسر وهناء موسم حج هذا العام فكانت الشكوى الوحيدة في ختام موسم حج ناجح هي تأخير عودة حجاج الداخل وحجاج الإمارات وحجاج الكويت وغيرهم ممن لم يلتفت لهم إعلامهم، وطول انتظار في المطار وأزمة التزام بالمواعيد خدش جمال نجاح بذل من أجله المال والجهد والغالي والنفيس.
أقول في خضم كل ما حدث يخرج علينا مدير عام الخطوط السعودية بعد صمت لا ليعتذر، ولا ليوضح ولا ليبدي أسفه، ولكن ليقول شيئا لا علاقة له مطلقا بحديث الساعة، ليقول لنا سوف نوظف نساء سعوديات في بيع التذاكر؛ ولأننا نحترم إنسانية ومكانة مدير الخطوط فإننا نرجوه أن يحترم عقولنا، فالهدف من هذا التصريح في هذا الوقت واضح ومفهوم.
ألم أقل لكم أن كل من شاع تقصيره يحاول أن يشغل الشارع في شأن مثل هذا ليلهي الناس بالأخذ والرد حوله ويبعدهم عن الموضوع الأساس وهو القصور الإداري؟!.
ما علاقة بيع التذاكر، الذي أصبح من الماضي بعد تقنية شراء التذكرة عبر (النت) واستخراج بطاقة صعود الطائرة ذاتيا ما علاقته بالصعوبات الجمة التي جعلت ناقلنا الوطني متخلفا عن غيره سبعين خريفا؟!.
صدقوني أرجوكم عندما قلت في مقال (مدير الكاشيرة) أن القطاع الخاص غير جاد في السعودة ويريد أن يشغلنا بتوظيف (الكاشيرة) عن توظيف مديرها وكافة التخصصات الأخرى، وصدقوني الآن أرجوكم عندما أقول لكم أن هذه اللعبة استهوت كل من قصر وأراد أن يشغلنا عن تقصيره.
لاحظوا التوقيت، نحن نعاني من عدم إقلاع وتأخر في الإقلاع وارتباك ما بعد البيع وما قبل الإقلاع وهو يتحدث عن توظيف بائعات والطريف في الأمر أن إدارة الخطوط التي فرطت في طيارين سعوديين وموظفين أرضيين وإداريين أفذاذ وتسببت في ما يحدث من إرباك هي ذاتها تختار وقت التقصير للحديث عن توظيف بائعات تذاكر.
هو أسلوب ذكي نجح سابقا لذا فإنني أرجو من الإعلام أن لا يتيح له النجاح هذه المرة، دعونا نعيده للمربع الذي يريد أن يخرجنا منه ونسأله متى ستحلق الخطوط السعودية في وقتها؟! متى سيزول حجر العثرة من طريق النجاح؟! ولا يهمنا ذكرا وظفت أم أنثى.

عاملة مضروبة كطفل معذب

الشعور الإنساني كل لا يتجزأ، والتفاعل مع المواقف الإنسانية هو الآخر يجب أن يكون واحدا في كل الأحوال، وهذه الأيام نشهد تعاطفا إعلاميا محليا مستحقا مع العاملة المنزلية الإندونيسية سيتى سلام (22عاما)، التي تعرضت للتعذيب على يد كفيلتها الأرملة (ر.س)، وترقد في أحد مستشفيات المدينة المنورة، وزارتها وزيرة تمكين المرأة وحماية الطفل الإندونيسية ليندا أماليا، ومكثت معها زهاء الساعة.
وتابعنا تصريحات السفير السعودي في إندونيسيا عبد الرحمن خياط، وتطميناته للرأي العام الإندونيسي بإنصاف العاملة وحصولها على حقها.
كل هذا الشعور والتفاعل الإنساني، سواء الإعلامي المحلي أو الرسمي الإندونيسي أو الرسمي السعودي، أمر جميل ومطلوب ورائع، لكننا نريد ذات التفاعل من كافة الأطراف مع الأطفال السعوديين الذين تعرضوا ويتعرضون للتعذيب من العاملات المنزليات، سواء من الجنسية الإندونيسية أو غيرها، خصوصا أن الوزيرة ليندا أماليا التي زارت العاملة المنزلية المعتدى عليها هي وزيرة تمكين المرأة وحماية الطفل، وبالتالي فإنها تدرك جيدا قسوة الاعتداء على طفل بريء وتعذيبه.
لقد تابعنا العديد من حوادث تعذيب الأطفال من قبل العاملات المنزليات، التي تراوحت بين الحرق بماء السخانة وحرق الجلد وكي المناطق الحساسة وإرضاع المواد الحارقة، ورغم أنها حوادث مروعة بعضها موثق بالصور وأشرطة الفيديو، إلا أن التفاعل الإعلامي والرسمي لم يصعد بالشكل الذي حدث مع العاملة المنزلية الإندونيسية التي لا نقبل مطلقا بما حدث لها، ولكننا أيضا لا نقبل مطلقا بأقل من التفاعل الذي تم نحوها مع ضحايا التعذيب من الأطفال الأبرياء، لأن الشعور الإنساني والتفاعل معه لا يفرق بين إنسان وآخر.

بين الحاج كوجي والحرس الوطني

منذ أكثر من عشرين سنة، وتحديدا في يوم الأحد 28 يناير 1990م، عقد الحرس الوطني ندوة صحية عالمية بعنوان الندوة العالمية عن التحصين والعلاج المناعي ضمن نشاطات الحرس الوطني الصحية، ممثلا بمستشفى الملك فهد للحرس الوطني، فالحرس الوطني ليس ولم يكن قط مقتصرا على الدور العسكري، بل كان وما زال صرحا شامخا يعنى بالثقافة والصحة والتعليم، مثل عنايته بأدواره العسكرية.
في تلك الندوة العالمية، شرفني مدير عام التطوير والتدريب بالحرس الوطني ــ آنذاك ــ الدكتور عبد المحسن بن عبد الله التويجري بمهمة إصدار صحيفة يومية ملونة تنقل أخبار الندوة العالمية بالحرف والصور الملونة في اليوم التالي لحدوثها (تخيل حفلا ليليا ينتهي الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا، ويكون خبره منشورا في الصباح مع الصور الملونة بين أيدي ضيوف الندوة وباللغتين العربية والإنجليزية).
كان التحدي كبيرا تعجز عنه كبريات الصحف، فحتى كبرى الصحف لا تتمكن من نشر خبر متأخر مثل هذا إلا في طبعتها المتأخرة وبدون صور، وقد لا تستطيع، لكننا في الحرس نواجه التحدي بروح العمل الجماعي، فمطابع الحرس الوطني منحتنا طاقما خاصا يسهر حتى الصباح لإنجاز هذه الصحيفة اليومية الملونة التي أسميناها (نشرة)، وما زلت أحتفظ بأعدادها لجميع أيام الندوة.
حسنا، ما الذي ذكرني بهذه الصحيفة اليوم، وبعد أكثر من عشرين سنة؟!، ذكرني بها حج هذا العام، والذي شهد تطورا كبيرا عن العام الماضي، من حيث التوسعات والتسهيلات وتطوير وسائل النقل، خاصة قطار المشاعر، وهي تطويرات تتم كل عام، فيكون مختلفا عن الذي قبله، وهو أمر تفخر به المملكة العربية السعودية، ويحق لها أن تفاخر به، فكنت وما زلت أؤمن بأهمية صورة المقارنة بين الماضي والحاضر لاستشعار عظمة التغيير الذي حدث، ففي تلك الصحيفة التي تحدثت عنها آنفا (النشرة)، قررنا أن نستفيد من هذا الجهد الخارق، فلا نكتفي بنقل أخبار البارحة بالصور الملونة وباللغتين العربية والإنجليزية ليسعد برؤيتها ضيوف المؤتمر، فمن المؤكد أيضا أنهم سيحتفظون بهذه الصحيفة ويحملونها معهم إلى أهلهم وأصدقائهم، ولا سيما أنها تحمل صورا تذكارية لهم، أما كيفية الاستفادة من هذا الجهد الخارق لما يخدم الوطن، فقد كان بوضع زاوية يومية مصورة على أربعة أعمدة تحت عنوان كيف كنا وكيف أصبحنا (how were we & how are we)، وعلى اليمين كنا نضع صورة قديمة للمملكة وعلى اليسار صورة لحاضر هذا الوطن الغالي تعكس حجم التطور. وقد وجدت هذه الزاوية إقبالا كبيرا، وكان لها تأثير عظيم على المتلقي، فقد اختصرت قصة إنجاز عظيم في صورتين (كيف كنا؟ وكيف أصبحنا؟).
كم أتمنى أن نركز على ذات المقارنة في فلم عن الحج أو صور عن الحج تقارن بين الماضي القديم جدا والحاضر اليوم؛ ليعلم المشاهد لهذا الفلم أو تلك الصور حجم الجهد الذي بذلته المملكة العربية السعودية، مقارنة بقصر المدة ليتحول الحج مما كان إلى ما أصبح، فبعض الحجاج الذين يحجون لأكثر من مرة يستشعرون حجم التحول، مثلما فعل الحاج الياباني الإعلامي كوجي عبد العزيز الذي نقلت لنا (واس) مقدار انبهاره بالفارق الإعجازي بين حجه هذا العام وحجته الأولى قبل 42 عاما، لكن العالم أجمع يجب (في نظري) أن يرى المقارنة في فلم وصور كالتي بدأنا فكرتها في نشرة الحرس الوطني، ومن أجل إعطاء كل ذي حق حقه، فقد عمل معي في إصدار تلك الصحيفة اليومية فريق تحرير مكون من رشيد الرشيد، عبدالله الحميد، صبار العنزي، وصالح القبلان، وأخرجها راضي جودة، أما الفضل الكبير في سرعة الطباعة التي هي سر الإنجاز، فقد كان لرجال مطابع الحرس الوطني وبتفهم وحماس من رجل له دور جبار في تطور مطابع الحرس ــ آنذاك ــ وصاحب خطوة توظيف المعوقين في المطابع العميد ناصر العرق الذي تقاعد مؤخرا.

ثم عاد ابن همام عربيا

يبدو أن المسؤول العربي يعاني من نقص في إنزيم خاص بهضم الإعلام، وهذا النقص في الإنزيم ليس عيبا خلقيا يولد المسؤول وهو يعاني منه، بل هو تحول جيني حاد يحدث بعد الحصول على منصب كان للإعلام الدور الأكبر في الوصول إليه، الأمثلة كثيرة، ولعلي سبق أن ذكرت قناعتي بأن بعض المسؤولين يعتبر الإعلام كالسلم يصعد عليه ثم يرفسه ليسقط، فلا يهبط هو من خلاله ولا يصعد غيره باستخدامه.
كنت أتصور أن هذه الأعراض (عسر هضم الإعلام) تحدث للعرب داخليا ضمن مسؤولياتهم المحلية وضد إعلامهم الداخلي، حتى شاهدت منذ يومين حوارا تلفزيونيا مباشرا نقلته الفضائيات باللغة الإنجليزية مع رئيس الاتحاد الآسيوي محمد بن همام، بدأ الحوار مع المحاور الرئيس، ثم أتيحت المداخلات للعدد الكبير من الصحافيين المتواجدين من أنحاء العالم وأكثرهم غربيون، وابن همام بدأ بإجابات جيدة رزينة ودبلوماسية فيما يخص الفساد الذي اكتشف في الاتحاد الدولي (الفيفا)، خصوصا في لجان ترشيحات كأس العالم 2018 و 2022، والذي كشفه الإعلام الإنجليزي، ولم يستجب ابن همام لمحاولات بعض الأسئلة جرجرته لتقمص دور رئيس للفيفا أو النيل من بلاتر، فكان أداء ابن همام جيدا ومقبولا.
فجأة، عاد ابن همام لطباع المسؤول العربي، فانتقد الإعلام إجمالا ودون تحديد، وطلب من الإعلام أن ينظر إلى الإيجابيات ولا يحبط من يعملون ليل نهار، وما إلى ذلك من جمل عربية الطباع، فوقع ابن همام في المحظور، لأن النيل من حرية الإعلام في كشف الفساد أمر محظور لدى جل المتواجدين من الصحافة الغربية، وتقييد الإعلام أو انتقاد دوره الأساس خط أحمر عبره ابن همام بقدم عربية، وهو رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.
بدأ المحاور الرئيس وكذا عدد من الحضور في إفهام ابن همام العربي الهمام أن الإعلام إنما كان يمارس دوره المطلوب، وأن تيار ماء الإعلام الجارف النقي هو الذي يغسل الأوساخ، وليس الماء الراكد المتسخ الآسن.
عندها أدرك ابن همام أنه أخطأ الزمان والمكان، وخصوصا حضور المكان، فحاول ترقيع ما يمكن ترقيعه، لذا فإنني أنصح كل مسؤول عربي وصل إلى العالمية أن يتذكر كل شيء في حواراته الصحفية: دينه، عروبته، انتماءه، قيمه العربية، ومكارم أخلاقه، لكن عليه أن ينسى موقفه كمسؤول عربي من الإعلام (سلم الصعود المرفوس).