** أجمل وأسعد عيدية استقبلناها كانت إطلالة خادم الحرمين الشريفين ــ حفظه الله ــ عبر التلفاز، مطمئنا الجميع على سلامته، وممازحا كعادته بعباراته التلقائية العفوية الصادقة التي تخرج من القلب الكبير، فتدخل بسلاسة الصدق وتأشيرة الحب إلى كل القلوب، وتستقر فيها مطمئنة ومطمئنة على صحة ملك الإنسانية وسلامته.
** من شدة رابطة الحب المتبادل التي تربط الملك المفدى خادم الحرمين الشريفين بأبنائه، حرص ــ حفظه الله ــ على طمأنة أبناء شعبه وإسعادهم بأن وعكة الظهر لم تؤثر عليه، وأوصل ذلك بطريقة المحب المحبوب، عندما عمد إلى الممازحة والعبارات الطريفة حول مسمى الإصابة وروح الدعابة والضحك، وهكذا يطمئن المحب المخلص محبيه.
** الشفافية العالية والوضوح هما من أسرار علاقة الحب العظيمة التي تربط خادم الحرمين الشريفين بأبناء شعبه، أما طريقة التعبير عنها فتجلت في تكراره ــ يحفظه الله ــ عبارة (أخص بالشكر أبناء الشعب السعودي) عندما شكر كل من اهتم بحالته الصحية، لقد شعر واستشعر حرص أبناء شعبه عليه ودعاءهم الله له بالسلامة، فرغب في طمأنتهم ثم قدر حبهم بتخصيص الشكر لهم وتكرار ذلك، وهذه خصال المحب المحبوب.. شعور متبادل وتعبير شفاف عن الشعور.
** ذات الملك المتواضع الذي لا يقبل الفوارق والذي منع تقبيل اليد، يعتذر لمن جاءوا للاطمئنان عليه قائلا: (اعذروني أنني لم أقف)، مع أنهم جميعا يدركون الأسباب ويقدرون الظرف، لكنها أخلاقيات الملك الإنسان صاحب الحس المرهف والتواضع الجم، إنها دروس ملكية ألقاها عبد الله بن عبد العزيز، ويلقيها في كل مناسبة بما يتلاءم معها، وعلى الجميع الاستفادة والاقتداء.
الشهر: نوفمبر 2010
البديل المفقود
من أهم أسباب احترام المنع والانتهاء عن الممنوع إيجاد البديل للسلوك الممنوع، بطبيعة الحال نحن نتحدث هنا عن السلوك الممنوع في مكان ما، ولكنه مسموح في غيره، لكن مشكلتنا أننا نمنع دون أن نوجد البديل وهذا منع تنفيذه يستحيل.
خذ من الأمثلة ما شئت وستجد أننا نجيد المنع ولا نجيد إيجاد البدائل، ولذا فإننا لا نتجرأ على تنفيذ المنع ولا نكون جادين في معاقبة من يخالفه لكوننا ندرك أنه لا يملك خيارا آخر، ولأننا جميعا منطقيون وسوف نتقبل عذر من لا يلتزم بالمنع لانعدام الحلول، وهنا مربط الفرس في معاناتنا مع الفوضى العارمة، فكل منا يستطيع المنع كل في ما يخصه وكل منا لا يوجد البديل كل في ما يخصه، وكل منا يعذر الآخر والمعادلة صعبة جدا لا يمكن أن تتم هكذا وخذ بعض الأمثلة:
أمانة مدينة الرياض أوجدت منتزهات وادي حنيفة وغيره من المنتزهات الداخلية والبرية وسبق أن أشدت بذلك، لكنني أؤكد أنني بحثت في منتزهات وادي حنيفة عن سلة مهملات واحدة لأرمي فيها نفايات جلستي أنا وأحد أصدقائي فلم نجد، وكنا محظوظين عندما مرت علينا قطة (مرت ولا حتى تلتفت) لنقنعها بأكل ما يمكنها أكله فنتخلص من الطعام، أما لماذا مرت ولا حتى تلتفت فلأنها شبعانة من النفايات المتروكة في الأرض، والأمانة تمنع بشدة ترك النفايات لكنها لم توجد البديل، وهي ليست الوحيدة في ذلك فمعظم المدن تفتقد منتزهاتها لأماكن وضع النفايات وبعضها تفتقد للمنتزهات أصلا.
نحن أيضا تطورنا وأصبحنا نعتبر من يقضي حاجته على قارعة الطريق أو حتى على جانب الطرق السريعة سلوكا سيئا وممنوعا ومخالفا، لكننا لم نوجد دورات المياه وأتحدى من يعاتب من يفعل ذلك أن يجد ردا إذا قال له أين البديل؟!، ( وين تبغاني أسويها؟!)، سيغادر فورا مؤيدا منطقية السؤال.
مواقف السيارات مثال آخر، فلا يمكنك منعي من الوقوف أو معاقبتي عليه وأنت لم توجد مواقف ولو بعيدة، ونفس الشيء يقال عن كراسي الجلوس، فإذا لم توجد لي كراسي للجلوس فلا يمكنك منعي من الجلوس على العشب أو أي شيء مناسب آخر.
حتى المدخنون رغم أننا نمقت هذه العادة السيئة ونتمنى أن يقلع عنها من يمارسها، لكنك لا تستطيع تنفيذ المنع دون إيجاد أماكن خاصة بالمدخنين تتوافر فيها التهوية اللازمة لتحمي غيرهم منهم وتحميهم هم أنفسهم من التهوية السيئة.
هذه أمثلة للتوضيح فقط وإلا فالحالات كثيرة ومتعددة الجوانب والأبعاد، وعندما أقول (نحن) فإنما أقصد المسؤولين منا عن أي شأن يستوجب المنع، فالملاحظ هو شيوع ثقافة المنع وتصريحات (منعنا) دون أن يصاحبها (وفرنا البديل)، وفي هذا إجحاف في حق المواطن، أما الإجحاف الأكبر فهو اتهام المواطن بعدم التقيد بالأنظمة أو السلوكيات الراقية وعدم الوعي، ومقارنته بمواطني دول وفرت البدائل والحلول قبل المنع.
درس السكاكين
في مثل هذا اليوم من كل عام تتكرر الأخبار عن استقبال غرف الطوارئ في المستشفيات لعشرات الحالات من الإصابات الناجمة عن سكاكين وسواطير ذبح الضحايا، وهي إصابات تتراوح بين المتوسطة والخطيرة تحدث إما بسبب عدم الخبرة والذبح في المنزل باستئجار الجزار المتجول، أو بسبب دخول صاحب الأضحية ممرات المسالخ الذي يعمل فيه عشرات الجزارين في ممر واحد يعج بالسكاكين والسواطير التي تستخدم بسرعة هائلة يكفي طيران واحدة منها لإحداث اصابات خطيرة قد تودي بالحياة.
أيضا شهدت الأعوام الماضية وفاة أشخاص بسبب أضحيته، فالخروف يكون في قمة هيجانه بحيث يمكن أن يتغدى بصاحبه قبل أن يتعشى به، وقد قرأنا الكثير من الأخبار عن خراف قتلت أصحابها أو تسببت في إصابتهم بإصابات خطيرة، ومشكلتنا أننا نكتفي بالأخبار فقط ولا نتعلم من الدروس المتكررة وكأننا نضحي للمرة الأولى كل عام.
أما أخطر حوادث السكاكين في هذا اليوم من العام فهي تلك الناجمة عن خلاف وشجار بين الجزار وصاحب الأضحية، خصوصا أن الجزار يوم الذبح يكون قد تعود على الذبح وغير قابل للمناقشة وسكاكينه في يده ومسنونة!!.
ويوم عيد الأضحى يشهد إعلان العمالة السائبة عن نفسها، فكل عامل سائب بإمكانه حمل السكاكين وإدعاء الخبرة في الذبح وأكثر من يعاني من هذا السلوك هو الخروف لأنه سيتعرض للتعذيب أثناء ذبحه ونبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا بسن الشفرة وإراحة الذبيحة.
إذا نحن أمام تجربة سنوية تتكرر ولا نستفيد منها إطلاقا، بدليل أننا نكرر ذات الخطأ كل عام، ولو استفدنا من تجربة السكاكين فإننا سنجد أن حوادث الإصابات تكلفنا أهم ما لدينا وهو الإنسان، كما أنها تكلفنا أيضا جهودا كبيرة في الإسعاف وازدحام غرف الطوارئ، والتعامل مع هذه الحالات التي يمكن تلافيها لو صححنا الأخطاء وكثفنا الاحتياطات بمنع الناس من تعريض أنفسهم للخطر عن طريق منع تواجدهم في مواقع الخطر وملاحقة الجزار المتجول والقبض على غير النظامي منهم ومن لا يحملون إقامات نظامية وكثفنا المسالخ ونظمناها بما لا يدع سببا للذبح في المنزل، لكننا لا نفعل ذلك مطلقا ونتركه يتكرر، فمتى نستفيد من تجاربنا ونطور تعاملنا معها كل عام؟!
مقارنة وطنية
احتفظ بالصحف القديمة في مكتبتي، وكلما راجعت بعضها وقرأت الوعود التي يقدمها المسؤولون صحافيا، وقارنتها بالزمن المحدد لتنفيذها فأجده قد انتهى قبل مدة طويلة ولم تنفذ، أتساءل متألما: هل يستحق الوطن منا هذا الجحود وعدم تنفيذ الوعود، ثم أتساءل لو أن 50 في المائة مما يقوله المسؤولون قد نفذ كيف ستكون حالنا، وكيف سيكون هذا الوطن المعطاء، فأجد أنه سيكون البلد المثالي بالمدن المثالية وبالمشاريع المنفذة التي تتناسب مع طموح قيادة هذا الوطن وأمنيات كل مواطن.
هذه الأيام أتواجد في اليونان، حيث المشاكل الاقتصادية الحادة والأزمارت المالية المخيفة، فترى في الوجوه أينما ذهبت أثرا لهذه الأزمات وحزنا واضحا على وجوه كل من تقابلهم، فالجميع تراهم وكأن الواحد منهم يئن من الأزمات الإقتصادية، ليس هذا فقط، فقد تجولت في العاصمة وضواحيها، فرأيت كيف أن بعض المراكز التجارية مغلقة تماما بسبب الأزمة الاقتصادية، وكثيرا من المتاجر التي كان يسترزق منها المواطن اليوناني لم يبق منها إلا بقايا زجاج مكسر ومكان مهجور، ومع ذلك ثمة مشاريع وأعمال مستمرة وتحديثات دائمة، فالحزن على الوجوه يعكس خسارة شخصية، لكن الأمل في بناء الوطن قائم.
أنا أريد أن نعمل من أجل الوطن، خصوصا أننا ــ ولله الحمد ــ لا نعاني من أزمات مالية، بل نحن نعيش أفضل الظروف الاقتصادية التي تؤهل لبناء مشاريع وتحقيق أمانٍ يفترض أن لا تكون على الورق فقط.
وأن كل ما نمنى به ونوعد به، عبر تصريحات المسؤولين في الصحف القديمة والجديدة والتي ستصدر، يجب أن نجعله حقيقة؛ لأن الوطن يستحق منا أكثر من مجرد الوعود.
ظهر الأمة
لا غرابة أن تهتز الأمة أجمع، بل العالم بأسره؛ لأن وعكة طارئة ألمت بظهر عبد الله بن عبد العزيز؛ لأن خادم الحرمين الشريفين هو ظهر الأمة الذي حمل همومها مجتمعة على اختلاف أوزانها وأثقالها وأنواعها وتعقيداتها وتشعب مسالكها واختلاف هوية وأهواء أطرافها بينما عبد الله بن عبد العزيز يحمل هوية واحدة هي هوية المسلم الإنسان وهوى واحدا هو السلام.
هو الظهر الذي حمل هم قضية العالم (القضية الفلسطينية)، وهو الظهر الذي حمل هم العراق، وهو الظهر الذي حمل هم لبنان، وهو الظهر الذي حمل هم حوار الأديان، وهو ذات الظهر الذي جاء مباشرة من نيس إلى جازان ليطمئن على أبنائه من ضحايا حمى الوادي المتصدع، وهو ذات الظهر الذي انحنى ليدخل الأبواب الضيقة منخفضة السقف في بيوت الفقراء، عندما زارهم (لم يكتف بإيكال من يزورهم)، وهو لم يستكثر هذه الانحناءة عليهم لكنه استكثر أن تكون أسقف بيوتهم تستدعي الانحناء، فبادر باستراتيجية محاربة الفقر وتسهيل القروض وبناء المساكن التي لا تستدعي إنحناء الظهر، وذات الظهر الذي انحنى لدخول بيوت الفقراء، انحنى احتراما له وإجلالا لأعماله الإنسانية رئيس الدولة العظمى في العالم لأنه يدرك أنه ظهر الأمة.
ظهرك يا ملك الإنسانية آثر المشي على الوقوف، والوقوف على الجلوس فمشى في أنحاء المعمورة لينشر السلام، ووقف ليقدم الكرسي لمواطن يشتكي له (من غيره إلي أقعد الكرسي لمواطن يشتكي له، من غيره اللي شال هم الناس في صبحه وليله؟) ومثل هذا الظهر لن يرى إلا كل خير فأكف الحجيج سترتفع لتدعو له، وقلوب سكان المعمورة تخفق حبا له وتضخ الأمنيات بسرعة شفائه، وفي هذه العشر المباركة يدعو المصلون ربهم لك بالشفاء العاجل، وفي يوم عرفة يناجي الصائمون ربهم بأن يكشف الضر عنك (اللهم كاشف الضر عن أيوب وراد البصر إلى يعقوب اكشف الضر عمن خدم الحرمين وكفل اليتامى وأنصف المظلومين وهب لنجدة المستنجدين من المرضى والفقراء والمحتاجين وعم خيره وعدله ورعايته القريبين والبعيدين).
فكّونا من توقعاتكم
توقع وزير الزراعة أن ترتفع أسعار الشعير قبل حدوث الارتفاع بعدة أشهر لاعتبارات يراها فحدث الارتفاع الفاحش في أسعار الشعير الذي تبعه صدق توقع آخر بارتفاع أسعار الماشية خاصة الأضاحي فارتفعت ارتفاعاً فاحشاً هي الأخرى.
وكان ارتفاع أسعار الطماطم مسبوقا بتوقعات متكررة نشرتها الصحف ولم تكن مبنية على أسس واضحة منطقية لكن الارتفاع حدث.
وفي سنوات مضت سبق ارتفاع أسعار الأرز تصريحات صحافية بتوقع ارتفاع أسعاره أصدرها مسؤولو وزارة التجارة ووعدوا آنذاك محاسبة التجار الذين يخزنون الأرز وبمتابعة السوق لمنع استغلال الارتفاع المتوقع قبل حدوثه لكن الاستغلال حدث والارتفاع المبكر حدث ولا المراقبة حدثت ولا المحاسبة تمت فدفعنا نحن ثمن التوقعات الصحافية مبكراً ولم نسعد بأية حماية.
الشيء ذاته حدث مع السكر الذي ارتفع وخزن مبكراً بسبب تصريحات مسؤولي التجارة وعدم حصول الحماية.
الحديد واجهنا معه المشكلة ذاتها (تصريحات صحافية مسؤولة بتوقع التخزين والارتفاع مع عدم حصول فعل مسؤول بالدرجة الكافية لمنع التخزين والاستغلال والارتفاع).
بعد هذا كله ألا يحق لنا القول إن تصريحات بعض المسؤولين المبكرة هي أحد أسباب الارتفاع المبكر والاستغلال والتخزين مع عدم فائدتها في الحماية.
هم يريدون بذلك حماية أنفسهم مبكراً لكنهم لا يستطيعون حمايتنا لا مبكراً ولا متأخراً ليس لأنهم غير قادرين، ولكن يقدمون حماية أنفسهم ويجتهدون فيها ولا يفعلون الحماس ذاته لحمايتنا.
ألا يحق لنا إذاً أن نقول دعونا في حالنا لا تصرحوا ولا تتوقعوا طالما أن النتيجة واحدة (استغلالنا وارتفاع الأسعار) وإن توقعاتكم تتيح أرضية مناسبة للاستغلال المبكر.
بإختصار فكونا من توقعاتكم وتصريحاتكم.
«شرهة» مدير الخطوط لهيئة الصحفيين
بعد زيارته الميمونة لهيئة الصحفيين وإجراء حوار مفتوح، أعلن مدير عام الخطوط السعودية منح تسهيلات لأعضاء هيئة الصحفيين، وقبل أن نتحدث عن محاذير هذا الإغراء أو الجسر الذكي الذي أراد مدير الخطوط السعودية مده مع الصحافة، ناسيا أو ربما لا يعلم أن غالبية الكتاب الصحافيين والمراسلين الميدانيين ليسو أعضاء في الهيئة بسبب إقصاء الهيئة لغير المتفرغين وحرمانهم الحقوق التي يتمتع بها العضو كامل العضوية في الهيئة، أقول قبل أن نتطرق للجانب الأخلاقي دعونا نذكر الهيئة أن التسهيلات والتخفيضات التي يحظى بها أي عضو في جمعية أو هيئة أو مؤسسة يفترض أن تحصل عليها تلك الهيئة أو المؤسسة أو الجمعية لأعضائها عن طريق التفاوض مع مانح الخدمة وبإغرائه بقصر تعامل الأعضاء مع هذه الشركة دون غيرها مقابل منح التسهيلات، وهذا هو الأسلوب المحترم الذي تطبقه كل الجمعيات المهنية مثل جمعية الصيادلة وجمعية أطباء العيون وهيئة المحاسبين، لا أن يتم ذلك عن طريق (شرهة) يعلنها مدير الشركة مقدمة الخدمة بمناسبة زيارة أو لقاء مفتوح، فهذا الأسلوب أقرب إلى شراء ذمة الأعضاء منه إلى إغرائهم كعملاء.
لك أن تتخيل لو أن كل مسؤول يعاني من نقد الصحافة جاء في لقاء مفتوح لمحاورته وإحراجه بما يخدم الوطن والمواطن ويعكس نبض الشارع وبادر بطرح إغراءات من هذا النوع، فقام مسؤول الخدمة المدنية بعرض تسهيلات لأعضاء الهيئة في استخراج أوراقهم الثبوتية وتجديد دفتر العائلة، وقام مسؤول النقل بمنحهم مميزات القطار الوحيد، وبادر مسؤول الزراعة بتدبير طماطم مخفضة، ومسؤول التعليم بمنح تسهيلات للطلبة من أبناء أعضاء هيئة الصحافيين.. هل هذا أسلوب يليق بهيئة السلطة الرابعة؟!!، وما هو انعكاس ذلك على تعاطي الأعضاء مع هذه المؤسسات الخدمية، خصوصا أن منهم من يجيز ما ينشر، ومنهم من يحدد من ينتقد ومن يغض عنه الطرف هذا ما قصدت به الجانب الأخلاقي ولا ضرورة لمزيد من التفصيل، لكن الأمر المطمئن للجميع أن غالبية كتاب الرأي والصحافيين الفاعلين ليسو أعضاء في الهيئة، بل إن معظمهم انتقدوا الهيئة بمثل نقدهم للخطوط السعودية، وبعض رؤوساء التحرير يمنحونهم الاستقلالية التامة في آرائهم.
عين المسؤول ضد الكسر
والعين المكسورة هي تلك العين التي ارتكب صاحبها خطأ فعرفه بعض الناس أو كل الناس، فيصبح صاحبها غير قادر على مواجهة من اطلع على ما ارتكب ناهيك عن القدرة على توجيهه أو زجره عن ممارسة مثل ما ارتكب أو ما يشبهه.
وعندما تنكسر عين المدير أو أي مسؤول فإنه يفقد القدرة على السيطرة على موظفيه أو حتى إقناعهم، لذا فإن من متطلبات القيادة الناجحة أن تكون مثلا أعلى يقتدى به في خلو السجل مما يكسر العين قبل تولي المسؤولية والمحافظة عليه خاليا خلالها.
المسؤول الذي يعلم الناس أنه بنى مجده على أكتاف الآخرين يجب أن لا يتوقع أن أحدا سيعينه على بناء مجد في أية مسؤولية يتولاها، والمدير الذي لا يخلص لعمله لا بد أن يدرك أن موظفيه يكتشفون ذلك وقد يخلصون بحكم أمانتهم ووطنيتهم لكن عينه لا تستطيع مواجهة من لايخلص منهم، ومن يسرق إنجازات موظفيه وينسبها لنفسه يخطئ إذا اعتقد أن أمره لا يكتشف وأن كل من يتعامل معه في أي موقع يوكل إليه لا يعلمون عن طبيعته، فالموظفون في أي مكان لديهم شغف شديد لمعرفة كل شيء عن من يتولى قيادة مركبهم حتى وإن كانوا غير قادرين على فعل شيء حياله، فهم قادرون على التكيف مع واقعهم الجديد بما يليق به.
المسؤول الذي يمارس أي نوع من الفساد الإداري أو المالي هو مسؤول مكسور العين أمام موظفيه صغارا وكبارا، والعين المكسورة لا تقود صاحبها إلى الطريق الصحيح، لأنه لايملك القوة والشجاعة والقدرة على المواجهة التي تؤهله لتصحيح العيوب أو حتى مجرد التحدث عنها.
نفس الشيء يقال عن أستاذ الجامعة والمعلم والأب والأم والمسؤول عن الرقابة والمراقب والقاضي والمحامي وغيرهم ممن تضعف قدرته على المواجهة لأنه ارتكب ما قد ينهى عنه وعلم به من يفترض به أن ينهاهم.
المشكلة الكبرى أننا نعنى كثيرا بفحص البصر وسلامة العين من قصر النظر أو طول النظر لكننا لا نعير اهتماما بفحص العين من آثار الكسر وهو بالمناسبة كسر لا يظهر في فحوصات العين والعين منه براء؛ لأن الأصل هو كسر في الشخصية ووهن في القلب وضعف نفسي نابع من سوابق يعلمها الناس وما العين إلا أداة تعبير مجازي عن عدم القدرة على المواجهة الذي من علاماته طأطأة الرأس وخفض النظر وغض البصر عن كل منكر.
نحن في أمس الحاجة إلى إدخال عنصر فحص العين من الكسر ضمن أولوياتنا في الاختيار؛ لأن من الخطورة بمكان أن يقود جماعة من الموظفين قائد لا يستطيع المواجهة ولا التوجيه.
خطر الصلاحية المطلقة
تمتع المسؤول (وزير أو محافظ أو مدير) بالصلاحية المطلقة في التعامل مع موظفيه فيما يخص شأنهم الوظيفي مع غياب آلية مراقبة هذه الصلاحية والتأكد من حسن استغلالها ومع وجود بطء شديد في التعاطي مع قضايا التظلم الوظيفي تحديدا، أمر أقل ما يقال عنه أنه باب مشرع لاستغلال السلطة ودخول هوى النفس وخروج أعداد من المحبطين المظلومين الذين ربما كانوا من أكثر المخلصين.
كثير من الدول عانت من جور هذه الصلاحية والسلطة المطلقة ولم تنعكس فقط على سلوكيات بعض أفرادها بل أثرت في المجتمع ككل؛ في تعاملاته وطموحه وعدم تطوره بل تخلفه وتحوله إلى مجتمع يتعاطى بأسلوب من أنت؟! بدلا من ما هو مؤهلك وعلمك ومستوى تفكيرك؟ ومن أنت هنا؟ تعني من تعرف وما هي علاقاتك وسلطتك ونفوذك.
نحن وطن طموح تواق للتقدم والنمو وعلينا أن لا نكرر تجارب مدارس فشلت بسبب استفراد المدير أو حتى الوزير بمصير موظفيه، بحيث يمثل الموظف الإنسان الكادح الزارع والمدير أو الوزير قاطف كل الثمار ثم ما يلبث الموظف أن يلقى شبه جزاء سنمار دون أن يعلم عنه أحد، ودون أن نوجد له قناة الشكوى السالكة ولمديره وسائل فضح ممارساته ومنع تسلطه.
لا يمكننا أن نغلق الباب على مسؤول ومجموعة موظفين يمارس في حقهم ما يشاء، فيحبط هذا، ويسرق أفكار ذاك، ويستغل الثالث في مصالحه الخاصة، ويهين رابعا ثم نطمح في مؤسسة منتجة.
المسؤول أخذ ما يستحق على تحمل مسؤولياته وقيامه بدوره القيادي لمجموعة موظفيه، لكن القيادة لا تعني الانقياد والإذعان فلا بد من الاهتمام بالموظف، ذلك العنصر الفعال الذي هو لبنة البناء الأساسية وحفظ حقوقه وكرامته وفرصة بروزه بأفكاره وإبداعاته واستقلال شخصيته، وهذا لا يمكن أن يتم دون أن يسند ظهره بقناة شكوى تتيح له مقاضاة من يستغل سلطته ضده.
وإحقاقا للحق فإننا في هذا العهد الميمون نشهد اهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ــ حفظه الله ــ بأمر استغلال السلطة وسوء استخدام الصلاحيات وتوجيهاته الدائمة بمحاربتها وتغليظ عقوباتها في أكثر من مثال وهي واحدة من خطوات مليونية نحو مجتمع صحيح نفسيا قادر على تحقيق طموحات قادته.
مدير «الكاشيرة»
قلت أكثر من مرة إنني لا أقبل استغفال المواطن السعودي، لأن المواطن السعودي ليس مغفلا ولم يكن قط مغفلا، لذا فإنني أرجو أن نمعن النظر في التناقض الحاصل في مواقف القطاع الخاص من السعودة بين مقاومة شديدة لكافة الوظائف ذات الإقبال الشديد وأعداد الخريجين الكبيرة مثل وظائف المعلمة والممرضة والطبيبة والصيدلانية والمحاسبة وإدارة الأعمال وحماس شديد لوظيفة الكاشيرة.
أنت وأنا لا نختلف على أهمية عمل المرأة وضرورة توفير كل فرص العمل للسعوديين والسعوديات ولا نقلل من شأن عمل المرأة وكسبها للرزق بما يحفظ كرامتها ويصونها، وأنت وأنا لدينا عقل لا نحب أن يستغفل ونميز بين تباين مواقف القطاع الخاص من مطالباتنا هذه.
هل يخفى على كل ذي لب وعقل راجح أن القطاع الخاص إنما يمارس إشغال الإعلام بوظيفة (الكاشيرة) ليلهيهم عن ما هو أكبر وأهم وهو المطالبة بالسعودة في المجالات ذات الإقبال والقبول من الجميع؟!، بل هل وظف ذات التاجر شبابا سعوديين في ذات الوظيفة (كاشير) بنسبة السعودة المطلوبة والراتب المعقول؟!.
أنا مع أهمية وظيفة محصل النقود لامرأة أو لرجل وضد أن توكل هذه الوظائف لأجانب، وبناتنا وأبناؤنا يعانون البطالة ولكنني جازم أيضا بعدم جدية القطاع الخاص في سعودة هذه الوظيفة وإعطائها الراتب المجزي اللائق وأن التجار إنما يمارسون إشغال إعلامنا الوطني في قضايا (الكاشيرة) عن ما هو أهم وأكبر وأكثر حلا للبطالة وهو نسبة السعودة في الوظائف الأساسية!!.
تقارير بعض الفضائيات عن قضية (الكاشيرة) وانحيازها نحو ضرورة توظيف المرأة في هذه الوظيفة بتصريحات إعلاميين سعوديين، وموسيقى حزينة مثيرة للشفقة وتساؤلات حول مصير المرأة إذا لم تمارس هذا العمل وأنها ربما تلجأ لكسب رزقها بما هو أخطر وأكثر حرمة، لو دققت في تلك التقارير في الفضائيات هل ستجد أن كل من تحدث من المشرفين (المديرين) في تلك المتاجر التي تتحسر على عدم توظيف (الكاشيرة) هم مشرفون ومديرون غير سعوديين من الإخوة العرب!!، وهل تعلم أن ذات المراكز التجارية لا توظف السعودي مشرفا ولا مديرا (مانيجر) حتى لو كان أعلى تأهيلا من الأخ العربي وخبراته في التسويق وإدارة الأعمال أكثر، وهنا سؤال هام هو لماذا لم تجد وظيفة (مدير الكاشيرة) ذات الحماس الذي تجده وظيفة (الكاشيرة)؟!، لماذا لم يوظف السعودي (مانيجر) على وزن السعودية (كاشيرة) ولماذا الشخص الذي يتحدث بأسى عن عدم توظيف السعودية هو مدير وظيفته لم تسعود؟!.
أما الأمر الأكثر إيلاما وإهانة للمرأة فهو أن يفترض إنسان يعتقد أنه عاقل أن المرأة إذا حرمت من وظيفة (كاشيرة) ستعمد للحرام ويعلن ذلك عبر التلفاز؟!.
إنها الإهانة الكبرى التي يجب أن ترفضها المرأة سواء كانت كاتبة صحافية أو (كاشيرة) مرخصة.
