طموحنا أعلى من مجرد اجتناب اللوم وتلافي المسؤولية وتجهيز الحجة، نحن نريد أن نصل إلى مصاف الدول التي تعمل فتجيد العمل وتقوم بالدور الصحيح على أكمل وجه وتترك الباقي للظروف ونسب الخطأ المقبولة عالميا.
منذ اللوم الشديد الذي وقع على مصلحة الأرصاد الجوية والنقد اللاذع الذي وجهه الإعلام لها وتحديدا بعد موجة الغبار التي ضربت منطقة الرياض ولم ترصدها الأرصاد وتحذر منها أو تعيرها أدنى ملاحظة، ثم الضربة القاضية والخطأ الجسيم المتمثل في كارثة سيول جدة التي لم تشر إليها الأرصاد وبالتالي لم يحذر منها الدفاع المدني، أو كما تدعي الأرصاد أنها نبهت الدفاع المدني وأن التحذير ليس من مهامها إنما هو مهمة الدفاع المدني، أيا كان تراشق المسؤولية الذي حدث بعد الحادثتين فإن الملاحظ أنه منذ ذلك اليوم وتلك الضربة القاضية فإن الملفت للنظر أن أرصادنا الجوية تتنبأ بالكوارث الطبيعية باستمرار والدفاع المدني يحذر كل يوم مع عدم وجود مبرر علمي أو مسوغ بيئي للتنبؤ أو التحذير، أي أن الأرصاد والدفاع المدني كل منهما أصبح يصدر التنبؤ والتحذير بشكل دوري مبالغ فيه تلافيا للوم ومن منطلق أداء الواجب حتى لو لم يحن وقت الواجب، وهذا وربي أسلوب لا يليق ولا يمت للمسؤولية ولا لأداء الواجب ولا للتطور والرقي بصلة بل هو أقرب إلى الأسلوب العشوائي غير المدروس الذي يعتمد على قاعدة (إن لقحت وإلا ما ضرها الجمل) وهذه العبارة تصح في تزاوج الإبل لكنها غير صحيحة وضارة عند تطبيقها في تزاوج المعلومة مع الحيطة والحذر، فمن شأن تكرار هذا الأسلوب أن يفقد هذه المؤسسات المصداقية ويفقد الناس الثقة وبالتالي تنتفي الفائدة وتحدث الكارثة مرة أخرى، لا لعدم القيام بالواجب ولكن بسبب سوء القيام به.
نهاية الأسبوع المنصرم توقعت مصلحة الأرصاد رياحا شديدة مصحوبة بعواصف رملية على منطقة الرياض وحذرت منها بعد هبوب موجة غبار وليس قبلها ولم يحدث من هذه التوقعات شيء، كما حذر الدفاع المدني من خطر السيول في جميع المناطق ولم نر السيول ولا زلنا نستسقي، وقبل هذه التحذيرات توالت التوقعات الخاطئة والتحذيرات المبالغ فيها من الأرصاد والدفاع المدني ولم يحدث شيء.
شيء من العمل العلمي الدقيق، شيء من احترام العقول وتوقع نضجها هذا ما نريده.
لا نريد أن تصبح أرصادنا مثل ذلك الراعي الذي يصيح (جاني الذيب) وهو غير صادق فإذا جاء الذيب لم يصدقه أحد ولا لدفاعنا المدني أن تعتمد قاعدة (إن لقحت وإلا ما ضرها الجمل).
الشهر: ديسمبر 2010
رضى الله ثم رضى الصحافيين
مخطئ في حق هذا الوطن من يرضى أن تبقى الصحافة هي القناة الوحيدة الفعالة لاستقبال شكاوى الناس والإسراع في حلها بحكم سرعة وجدية التجاوب معها، لأن هذا من شأنه أن تشهد صفحات المحليات والشكاوى في الصحف اليومية هذا السيل من المواقف والقضايا الغريبة التي لا تسر ولا تشرف، وكل هذا لأننا أصبحنا نعيش أزمة أو لزمة غريبة تتمثل في أن المسؤول لا يتجاوب ولا يتحرك إلا مع ما تنشره الصحف، وخلاف ذلك فإن أي شكوى أو مراجعة أو تظلم ينتهي باليأس من أي تحرك ولا يأتي الفرج الأكبر إلا بعد نشر الشكوى أو الخبر.
هذا الشعور العام أو بلغة أكثر دقة السلوك العام أو الواقع الذي لا يقبل الإنكار، جعل الناس تجد في الصحف والنشر الطريق الوحيد للإنصاف، وأصبحت الصحف تعاني من زحمة وضغوط وإلحاح طالبي الإنصاف والمشتكين الباحثين عن الحل الوحيد والقناة الوحيدة الفاعلة وليس السريعة وحسب.
لماذا يحدث هذا ؟! يحدث لأن المسؤول لا يعمل لإرضاء الناس ولا يقوم بواجبه نحوهم ولا يحلل راتبه الذي يتقاضاه من الدولة من أجل خدمة المنصب الذي وضع فيه ليخدم الناس، ويهمل في هذا الصدد أيما إهمال، فلا يتفاعل مع شكوى ولا يلقي بالا لتظلم ولا يخاف من دعوة مستجابة، ولا يتابع مسؤولياته ويراقب موظفيه والأقسام التي تتبع له، ولا يقف بنفسه على احتياجات الناس ويطلع على أحوال الجهات التي تتبع منصبه وتقع تحت مسؤوليته أمام الله وأمام القيادة والوطن، إلا عندما تنشر الصحف جانبا من قصوره، أو يتعرض ناقد صحافي لمؤسسته عندها تنقلب المؤسسة رأسا على عقب ويحدث التجاوب السريع وتصل سيارات الخدمة للمشتكي ويستقبل أيما استقبال وتستنفر جهة العلاقات العامة لإرضاء المشتكي والتنسيق لحصوله على حق مستحق دون نشر أو خدمة هيئتها الدولة دون منه !!..
مشكلة هذا الوضع الذي ساد وانتشر أنه يجعل غسيل الوطن ينشر أكثر مما يجب، والوطن لا يستحق منا هذا الجحود، فعدم توفر قنوات بديلة مشابهة في الفاعلية والسرعة يجعل النشر هو الحل الوحيد ويجعل ما ينشر من السلبيات يعكس صورة سيئة كان يمكن تلافيها لو اخلص كل منا في عمله وحرص على رضى الله قبل رضى الصحافيين وخشي يوم نشر الصحف أكثر من خشيته مما تنشر الصحف وحرص على تلافي تشويه الصورة المشرقة لوطنه، كما أن الوطن يجب أن ينتصر لنفسه ممن لا يسعى لنصرته وهذا هو الأهم جدا.
وقفات أسبوع صالح كامل
**تمنيت لو أن رجل الأعمال صالح كامل ليس عكاظيا حتى (آخذ راحتي) في إبداء الإعجاب بإجاباته على أسئلة الزميل تركي الدخيل في (إضاءات) دون أن أتهم بالمجاملة وأتيح الفرصة لهواة الظنون، لذا فإنني أكتفي بالقول إن الحوار كان في مجمله مفيدا جدا وأن صراحة وشفافية الرجل أتاحت للزميل تركي الدخيل أن يبدع في طرح الأسئلة التلقائية غير المعدة مسبقا فشدنا الحوار، وشخصيا خرجت منه بأن التاجر إذا تسلح بثقافة دينية ورصيد لا بأس به من الاطلاع الشرعي ومعرفة بأحوال البسطاء من الناس وأسرار الأغنياء منهم ووعي تام بكيف تؤكل الكتف ووظف كل ذلك في الرد على الإجابات بصراحة وشجاعة، فإنه يكتسب ثقة غير محدودة.
** ست جهات وأربعين عنصر أمن لمواجهة شغب فتيات يقمن في دار الفتيات التابعة لقرية الأيتام بعد أن احتجزن المديرة والأخصائيات العاملات في قرية الأيتام في المدينة المنورة، وهذا الإشغال للجهات الست والأربعين عنصرا كان يمكن تلافيه لو قامت الشؤون الاجتماعية بدورها الذي كنا نطالب به دائما وهو تكثيف عدد الأخصائيات الاجتماعيات والأخصائيات النفسيات وحل مشاكل النزيلات أولا بأول، لكن ذلك لم يتم حسب تقرير حقوق الإنسان والأغرب من هذا كله أن مدير فرع وزارة الشؤون الاجتماعية في منطقة المدينة المنورة حاتم أمين بري يعتبر حادثة قرية الأيتام وضعا غير قابل للنشر، مع أن اليتيمات الهائجات انتشرن في الشارع وغطي الحدث صحفيا ولم يبق إلا تعليق مسؤول الشؤون الاجتماعية الذي أعلن تحفظه وهذا التحفظ وذلك الصمت والإهمال والشحن النفسي والممارسات الخاطئة بغياب المتخصصين والمتخصصات هو الجزء الأهم في المشكلة، بل سببها الرئيس.
** ارتفعت أسعار الفواكه والخضروات وتجاوز ارتفاعها 150 % ووكيل وزارة التجارة والصناعة لشؤون المستهلك صالح الخليل يؤكد لـ«عكاظ» أن مراقبة أسعار الخضار والفواكه ليست من اختصاص وزارة التجارة وإنما هي من عمل الأمانات والبلديات، وفي ظل توزيع دماء المسؤولية بين قبائل المؤسسات الحكومية نحن نتساءل، ما هي الأسعار التي تتولى وزارة التجارة مراقبتها؟! فإذا كانت نفت مسؤوليتها عن أسعار الفواكه والخضروات فهل تستطيع نفي مسؤوليتها عن السلع الأخرى التي زادت بنسب أكبر، مثل زيوت السيارات وقطع الغيار والمواد الغذائية الأخرى والتي لم تتدخل في أسعارها وزارة التجارة، أم أن التجاوب يكون بنفي المسؤولية فقط؟!!.
أما آن لهذا المحافظ أن يتجمل
والتجمل هنا أن يحسن صورته لدى الناس لا أن يمتن علينا، فسؤال الصحافة حق من حقوقها بل هو من أبسط حقوقها على المسؤول وإجابة السؤال حق من حقوق المواطن الباحث عن الإجابة وحق من حقوق الوطن المتجه إلى الشفافية والوضوح.
مر اليوم السادس والخمسون وسؤال نايف آل عقيل الموجه عبر (عكاظ) لمعالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودية الدكتور محمد بن سليمان الجاسر لم يهدأ، بل استمر نشر السؤال مع علامة الاستفهام الكبيرة يوماً بعد يوم في نفاد الهدوء من قلوب كثير من الناس ما بين مستغرب للتجاهل الواضح طويل الأمد وبين متخوف من عدم توفر الإجابة ومتوجس من عدم إيجابية النتائج وقلق من أن الوضع مخيف. خصوصاً وأن السؤال واضح ومباشر ويتعلق باختبار لمتانة المصارف السعودية وقدرتها على احتواء الأزمات المالية وهل أجري الاختبار أم لا وإذا كان تم فما هي النتائج وإذا لم يتم إجراء الاختبار فلماذا؟!.
العتب من عدم الإجابة يكمن في وضوح السؤال ومباشرته وعدم تركه الفرصة لأية إجابات أو احتمالات أخرى، أما القلق من عدم الإجابة رغم مرور 56 يوماً حتى الآن فيأتي من أن السؤال يتعلق بآخر معقل لما بقي من أموال الناس بعد كارثة الأسهم وهو البنوك.
أما استغرابي شخصياً لامتناع معالي المحافظ عن إجابة السؤال وتركه معلقاً مقلقاً قرابة شهرين فهو لمعرفتي بعلاقة معاليه مع الإعلام عندما كان نائباً فقد كان الأكثر تجاوباً والأكثر ظهوراً في إحدى القنوات الفضائية بعد كل غداء عمل فما الذي تغير؟! هل عمل النائب أقل إشغالا وأهمية إلى هذا الحد؟! أم أن عمل المحافظ أقل اكتراثاً وشفافية إلى هذه الدرجة؟! أم أن التواصل مع الإعلام من متطلبات مرحلة سبقت إلى مرحلة لاحقة.
لا أعتقد أن محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي ولا وزير التجارة ولا أي مسؤول آخر يقدر الناس ويجل توجه قيادة هذا الوطن لمزيد من الشفافية والوضوح يفضل نشر صورته يومياً على أن يجيب على سؤال مهم لا يهدأ ويطمئن من ينتظرون الإجابة.
هيئة ثانية يا وزير العمل
ليس أخطر من ضياع الحقوق إلا حماية طرف دون آخر، وعندما نتكلم عن الحق أو الحقوق فإننا إنما نتحدث عن شأن ذي طرفين لا طرف واحد واتجاهين لا اتجاه واحد وفي الغالب فإن كلا من الطرفين يعتقد أنه صاحب الحق أو أن «الحق معه»، ويصل الأمر في معظم الحالات أن كل طرف يعتقد أنه مظلوم.
المؤكد أن الخلافات الحقوقية لا تعتمد على قاعدة فقد يكون من الفئة المظلومة اليوم ظالماً غداً والعكس صحيح، بل يصل الأمر إلى أن المظلوم اليوم قد يكون ظالماً غداً أو كان ظالماً بالأمس وهذا المفهوم لا يحتاج إلى مزيد من الفلسفة ولا إلى عمليات حسابية أو معادلات (لوغارتمية)، الموضوع يحتاج إلى عمل متكامل غير مرتجل يضمن حقوق كل الأطراف وليس مجرد حلول آنية أنانية مرتجلة لمواجهة طارئ حدث للتو ونسيان حوادث سابقة ويتوقع أن يكون لها لاحقة.
معالي وزير العمل المهندس عادل فقيه ذكر في حديثه لـ «عكاظ» أول أمس الأحد أنهم في وزارة العمل يسعون لتكوين هيئة لحماية العمالة المنزلية تتولى حمايتهم في حال انتهكت حقوقهم وتتولى الوزارة توفير المحامين والمترجمين الذين يبينون حجة هذه العمالة لكي تحصل على حقوقها كاملة، وهذا جيد ولا اعتراض عليه، ولكن نحن أرباب العمل من يحمينا في حال انتهكت حقوقنا وهي تنتهك بدرجات تتراوح بين رفض العمل وتعذيب الأطفال، وبين هذا وذاك تحدث انتهاكات متعددة منها الهرب واللجوء للسفارة واستخراج جواز والسفر دون إذن، وإيذاء أهل المنزل ووضع القاذورات في الأطعمة وإتلاف الممتلكات والسرقة وإدخال شخص غريب وممارسة الرذيلة وانتهاك حرمة المنزل ..إلخ.
من سيوفر لنا نحن المواطنين والمقيمين المحامين الذين يبينون حجتنا لكي نحصل على حقوقنا كاملة ولا يقال لنا (ما لك إلا تسفرها)؟! الكفيف الذي أحضر سائقاً بعد عناء ليعينه على قضاء حاجاته ويدله الطريق من سيبين له حجته وما هي الهيئة التي ستحمي حقوقه، والمعوق الذي دفع كل مدخراته وإعاناته لجلب سائق وعاملة منزلية من سيرد له حقوقه إذا رفضوا العمل أو زادوه إرهاقاً أو أوسعوه ضرباً؟!
بل الرجل القوي مفتول الشارب الذي (يمشي على زنده التيس) إذا لجأت عاملته المنزلية إلى مكتب الخادمات على أطرف ليموزين بعد مرور مهلة التجربة من سيرد له ما صرف عليها؟!.
العمالة المنزلية يا معالي وزير العمل ليست حياة فطرية تحتاج إلى حماية من طرف واحد، هم بشر مثلنا يحتاجون للحماية ونحتاج الحماية منهم فعليكم بإنشاء هيئة ثانية لحماية حقوقنا ولا تنسوا المحامين الذين يبينون لنا الحجة.
الحذاء إللي ما يصيب يدوش
قلت سابقا أن أمريكا وبعض دول أوروبا لا تختلف عن دول العالم الثالث (تحت النامية) في موضوع الحريات الشخصية والديمقراطية، والفرق يكمن في الظروف التي تحتم اختراق الخصوصية وكبت الحريات، ليس إلا، بدليل أن دولا كانت تدعي الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والحرية وحماية الخصوصية تخلت عنها مع أول اختبار وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي سجنت دون محاكمات في أشرس معتقل عرفه التاريخ (جوانتانامو) ومارست أبشع صور التعذيب في سجن أبو غريب، وأباحت التصنت على الشعب الأمريكي، واخترقت الخصوصيات، ثم جاءت فرنسا ودول أوروبية أخرى لتمنع الحجاب في الجامعات وتنزع النقاب في الشوارع رغم أنهما من الحريات الشخصية.
جاء موقع ويكيليكس لينشر فضائح تمس دولا تدعي الديمقراطية وحرية التعبير فكان نصيب مؤسس الموقع جوليان أسانج الاعتقال بتهمة تبدو ملفقة (الاغتصاب)، تماما مثلما يحدث في دول متخلفة مع خصوم السلطة والمعارضين، فأين كانت هذه التهمة قبل نشره للأسرار؟!، ويبدو أن العالم أجمع شهد ويشهد وسيشهد أنواعا من ردود الأفعال لسياسات الغطرسة والتهور التي مثلها أبشع تمثيل بوش الابن فكان حذاء منتصر الزيدي ردة فعل تحذيرية للتعبير عن الاستياء الناجم من كبت أي تعبير آخر يفترض أن يكون مباحا والولايات المتحدة الأمريكية تدفع اليوم ثمن ذلك الكبت والتحايل في شكل فضائح ويكيليكس التي لا تعدو كونها حذاء آخر ولكنه عالي الكعب.
يبدو أن السيد بوش لم يكن يتلقى النصائح الحكيمة ممن حوله بدليل التبرير المرتبك لأسباب استقباله بإطلاق زوج أحذية بدلا من إطلاق المدفعية 21 طلقة كما هو البروتوكول في البلدان التي تكتسب صداقتها بغير القوة!!، فقد برره ما حدث بأنه يدل على ممارسة الحرية وهو اعتراف صريح بأن السيد منتظر الزيدي كان يمارس حقاً من حقوقه التي تكفلها الحرية التي جلبتها أمريكا للعراق وبالتالي فإن أي محام عادي الذكاء قد يستخدم هذه الشهادة الصادرة من المجني عليه، كدليل دامغ بأن موكله لم يرتكب عملا يدعو للاعتقال وهو ما أكده نشر ويكيليكس للحقيقة التي استدعت إطلاق الحذاء آنذاك، وهل ما نشره جوليان أسانج إلا صورة من صور حرية التعبير التي تدعي أمريكا أنها رسالتها للعالم.
يجب أن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وكل رئيس لها أن سياسة الدولة العظمى المتحيزة لإسرائيل وممارساتها المهينة للأبرياء وغطرستها المتمثلة في احتلال العراق وتأييد ممارسات الاحتلال في فلسطين هي التي جعلت مواطناً عربياً يضحي بحذائه، رغم الأزمة الاقتصادية، ليبعث برسالة صادقة للرئيس الذي دمر العراق.
والحذاء أو «الجزمة» العراقية المنطلقة من منصة إطلاق أدمية تحمل رسالة أخرى لأمريكا والعالم، مفادها أن سلاح الدمار الشامل الذي تذرعتم به للاعتداء على العراق تمخض عن جزمة تفتقد للدقة في إصابة الهدف وهو ما أثبته موقع ويكيليكس.
العراق الذي تم ضربه بصواريخ عالية الدقة يتم توجيهها آلياً عن بعد لتصيب هدفا ثابتا غير متحرك يتمثل في منزل يعج بالمسنين والنساء والأطفال أو مستشفى أو ملجأ بحجة أنه يمتلك أسلحة دمار شامل، جاء رده بقذيفتين من طراز (جزمة مقاس 44) موجهة يدوياً نحو هدف متحرك استطاع أن يتلافاها لأن قدرتها في الإصابة لا تقارن بقدرته في المراوغة!! لكن أمريكا فشلت في تلافي تبعاتها فالعرب يقولون في الأمثال (العيار إلي ما يصيب يدوش).
زوج الحذاء تم التحفظ عليه رغم إطلاق سراح صاحبه وأخشى أن تفسر رائحة (شراب) الصحافي العراقي على أنها أثار لأسلحة دمار شامل لحفظ ماء وجه أمريكا ولو على جوز حذاء عراقي، وهو ما قد يكشفه موقع إلكتروني آخر أو موقع ويكيليكس ذاته والأهم هنا هو أن الدولة العظمى التي تحاول فرض مبادئ حقوق الإنسان والحريات الشخصية والديمقراطية باتت مصداقيتها على مرمى رجل واحد سواء بالحذاء أو المعلومة الإلكترونية.
قلوب بأقفال .. درج بلا سياج
بعد أن كاد أن يكلف طالبا حياته ويكلف أما وأبا فقد فلذة كبدهما ويكلف أسرة فقدان أحد أفرادها وبعد أن كلف المجتمع السعودي شعورا دائما بعدم أمن أبنائهم في مدارسهم قرر مدير التربية والتعليم في الأحساء أحمد بالغنيم أنه (سوف) يكلف فرق الصيانة لوضع حواجز أمنية أمام سلم الدرج الذي يشكل خطرا على طلاب مدرسة ابن قدامة في مدينة المبرز في المنطقة الشرقية كون الدرج بدون سياج مما أدى إلى سقوط طفل في المرحلة الابتدائية من الدور الثاني، حسب خبر «عكاظ» المجاور لهذه الزاوية ص6 يوم الخميس الماضي وهي مجاورة مؤذية للجار فمثل هذا الخبر يوحي بأشياء كثيرة وخطيرة تتراوح بين الإهمال والفساد مرورا بعدم إعطاء المسؤولية حقها.
أما الإهمال فيتمثل في سكوت مدير المدرسة الابتدائية (أطفال) على وجود درج (سلم) دون حاجز واق مع أن الصعود والتدافع سمة لطلاب هذه المرحلة، وقبول المدير (حتى لو قام بالتبليغ) بأن يستقبل الطلاب في هذا المبنى دون حل لأنهم أمانة في عنق مدير المدرسة بعد مدير التربية والتعليم في المنطقة وبعد نائب الوزير والوزير، لكن بالنسبة لأولياء أمور الطلاب فإن المدير هو المسؤول الأول والمؤتمن المباشر على سلامة أبنائهم.
أما عدم إعطاء المسؤولية حقها فيبدو جليا في عدم قيام مدير التربية والتعليم في المنطقة بواجبه الرقابي في المرور على المدارس والتأكد من سلامتها سواء بمروره شخصيا أو (تكليف) إدارة المتابعة، لكن سعادته انتظر حتى سقوط طالب من الدور الثاني لكي يقرر (تكليف) الصيانة بوضع حاجز (بالله عليكم هل حياة إنسان، طفل، بريء، وحزن أم وأسرة ومجتمع لو توفي أرخص من حاجز سلم درج؟!) بل هل يتردد أي ممن ذكرناهم في موقع المسؤولية في وضع السياج لو كان الخطر يهدد أحد أبنائه؟!.
أما جانب الفساد الذي فضحته هذه الحادثة فيتمثل في اللجان التي كشفت على المبنى قبل قبوله والموافقة عليه، هل فات عليهم رؤية الدرج دون سياج؟! هل غم عليهم فضنوا أن ثمة سياجا أم على قلوب أقفالها فغفلت عن الشعور بأهمية قفل الحماية والإحساس بخطورة غياب السياج؟! أم أن قلوبهم غلف فلم يهمهم أن يسقط طفل؟!.
السؤال الأهم، كم مدرسة سلم درجها بدون سياج حماية؟ وماهي أشكال الخطر الأخرى التي لم نكتشفها بضحية ولماذا ونحن لدينا المال ولدينا قائد مخلص حريص يردد لا عذر لكم؟!.
نبض المواطن والساعات الثلاث
ليسمح لي صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي أن أستعير عبارته المعبرة التي قالها لدى إطلاقه النسخة الثالثة من التقرير العربي السنوي للتنمية الثقافية يوم الثلاثاء الماضي في بيروت حين قال «لو أعطى كل مسؤول عربي للقراءة ثلاث ساعات لتغير الوضع جذريا».
أود أن أستعير هذه العبارة وأطبقها ليس على الفكر والثقافة والتقرير بل على الشأن المحلي وخاصة قراءة ما يكتبه كل مخلص لتوجيه النظر إلى مشكلة مواطن أو معاناته أو قصور خدمي أو تقصير مسؤول والتفاعل معه، فلو أعطى كل مسؤول سعودي عن وزارة خدمية أو مؤسسة أو إدارة أو أي مصلحة تعنى بهموم المواطن ومشاكله ثلاث ساعات أسبوعيا بمعدل نصف ساعة كل يوم عمل ومثلها نهاية الأسبوع وتفاعل إيجابيا مع ما يكتب لتغير وضع الخدمات جذريا، ولو لم يقرأ أو لم يتفاعل ولكن حوسب على ما كتب عن وزارته أو مؤسسته وتمت مساءلته عنه لتغير الوضع جذريا أيضا.
إننا فعلا في أمس الحاجة إلى قراءة ما يكتب والتفاعل معه في كل شأن من شؤون حياتنا ومشكلتنا الكبرى في عدم قراءة ما يكتب أو قراءته وعدم التفاعل معه، رغم أن القيادة حفظها الله لم تقصر في التأكيد على هذا الأمر فثمة أمر سام كريم بالتجاوب مع ما يكتب خلال 15 يوما من نشره، وهو دليل على اقتناع القيادة العليا بدور الصحافة ودور النقد وأن الصحافة الصادقة المخلصة هي مرآة المجتمع، والعين الثالثة للدولة، وصحافتنا ولله الحمد تمثل هذا الدور ومشهود لها بذلك خاصة فيما يتعلق بنشر معاناة الناس ومشاكل الخدمات وقصور الوزارات والمؤسسات، لكن احدا لا يقرأ أو يقرأ ولا يتجاوب ويتلذذ بقراءة ما يعجبه فقط، والتجاوب مع ما يحقق إعلانه عن ذاته وبروزه الشخصي.
إننا حقا في حاجة إلى من يقرأ ثلاث ساعات دفعة واحدة لقراءة تقرير أو مقسطة على أيام لمتابعة ما يكتب في الصحف ويشكل نبض المواطن، أفلا يستحق نبض المواطن الذي تقيسه الصحف وتعكس صوته على صفحاتها نصف ساعة يوميا لسماعه؟!.
أشغلونا الله يهديهم
أحب أن أستشهد بأمثلة أو مواقف عند طرح ما قد يساء فهمه لكي يفهم، وهنا سوف أستشهد بالانشغال بالتافه من الأمور عن الهام بموقف طريف غريب (سخيف) فعندما كنت معيدا في كلية الصيدلة في جامعة الملك سعود كنا نستعد لإجراء اختبار عملي هام لطلبة أحد مقررات علم الأدوية وهو امتحان يستغرق أربع ساعات ويتطلب تحضير محاليل فيسيولوجية بكميات كبيرة يستخدمها الطلاب لإجراء تجاربهم، ويجب البدء في تحضيرها مبكرا وأذكر أنني كلما دخلت معمل التحضير حيث يقبع زميلان عزيزان فنيان من السودان الشقيق مهمتهما تحضير هذه المحاليل، وجدتهما منهمكين في نقاش حاد، كل منهما يورد حجته ودليله ومرجعه ولكن حول ماذا؟ حول العقرب إذا سقطت في وعاء ماء فهل يصلح للوضوء أم لا.
قارب وقت الامتحان والمحاليل لم تحضر وفاتتهما صلاة الظهر مع الجماعة ودخلت عليهما بعد الصلاة وأحدهما يردد: الترمذي قال .. ينطقها بلهجة أحبتنا في السودان بالزاي بدل الذال (الترمزي قال)، فنفد صبري وقررت حسم الموضوع وصرخت بهما قائلا: والله لو علم الترمزي بأنكما تركتما صلاة الجماعة وأداء واجبكما نحو الطلاب من أجل هذا الحوار لألقم فم كل منكما عقربا، ثم إن العقرب لا يستطيع تسلق الإناء ولو سقط فيه من علو فمتى تأتي الصدفة التي يسقط فيها عقرب في وعاء ماء ولا يوجد غير هذا الماء، إنه افتراض شاذ غريب لكن المؤكد أن أكثر من 30 طالبا لن يجدوا ماء لإجراء اختبارهم بعد دقائق.
تذكرت هذا الموقف وأنا أتحسر على عام انشغلنا خلاله بفتوى رضاعة الكبير عن فتوى إهمال الشيخ الكبير أبا أو جدا أو عما أو خالا في دور الرعاية دون رعاية، وانشغلنا إعلاميا بموضوع توظيف الكاشيرة عن بطالة الآلاف من المعلمات والممرضات والصيدلانيات والطبيبات والمحاسبات وفنيات الحاسب الآلي ومثلهم من الشباب في كافة التخصصات بسبب تعنت القطاع الخاص ومقاومته للسعودة، وانشغلنا بجني كاتب العدل عن آلاف (الإنس) ممن ينشدون الإنصاف والعدل والنظر في قضاياهم وإنهاء معاملاتهم، وانشغلنا بقيادة المرأة للسيارة عن حق المرأة المعلمة في الوصول الآمن إلى مقر عملها وتعيينها قريبا من مكان إقامتها أو تأمين المواصلات الآمنة المجدولة لها وحماية أرواح المئات ممن قضين بسبب حوادث المعلمات، وعن حق المرأة في ممارسة تجارة لا يسيطر عليها الولي أو الزوج ودخل مستقل، وحق المرأة المعلقة في ورقة طلاق تمنحها عيش السعداء، والمطلقة في رؤية أبنائها وتسجيلهم في المدارس والمستشفيات، انشغلنا بسكين رجل الهيئة عن آلاف حوادث الطعن والنهب والسرقة والمخدرات.
وحقيقة لم أجد أدنى فرق بين من يركز على حالة نادرة لعقرب سقط في وعاء فهل ينجس أم يعتبر طاهرا وينشغل بها عن صلاة الجماعة وأداء واجب العمل، وبين من يركز على حالات نادرة سطحية ويشغلنا بها عن قضايا أساسية.
لنجعل 1432هـ سنة الأفعال
خلال العام المنصرم أكمل القائد الرائد خادم الحرمين الشريفين كل الأسس اللازمة لكل وزارة ومؤسسة لكي تعمل وتنجز وتبدع، ومن أهم هذه الأسس التمويل اللازم لتحقيق الإنجازات والمتمثل في ميزانية هي الأضخم في تاريخ هذه البلاد، ثم قال كلمته الخالدة (لا عذر لكم)، ثم كرر ذات التوجيهات المخلصة الجادة التي تعكس شعورا صادقا بضرورة العمل على رقي هذا الوطن، وطموحا عاليا للوصول به إلى أعلى درجات التطور وحزما واضحا وجادا في أنه لا مكان لغير العمل، فنبه يحفظه الله إلى المشاريع البطيئة ووجه السفارات بضرورة الاهتمام بالمواطن واحترامه لكي يحترمه الآخرون وكان دائما كعادته شفافا صريحا حازما ومباشرا في تناوله لمشاكل الوطن والأمة أجمع، فكانت كلمته الوافية في مجلس الشورى تشخيصا شفافا للواقع وتحديدا واضح المعالم لسبل العلاج.
وكردة فعل طبيعية ومتوقعة، ورد على لسان الكثير من الوزراء وعود وخطط واستراتيجيات مبشرة ومتفائلة وعازمة على حسن استغلال ما تم توفيره من إمكانات لا تدع عذرا لوزير ولا محافظ ولا وكيل وزارة ولا مدير عام ولا تسمح بغير العمل الذي يتناسب مع اكتمال المعطيات وحزم التوجيهات.
نحن كمجتمع طموح ومواطن دائم التفاؤل متطلع للإنجازات ربما استعجلنا بعضها واستكثرنا عدم اكتمال ما وعد به الوزراء خلال عام 1431هـ، وهذا من العشم والثقة والاستبشار بالخير، مع أننا نعي وندرك أن الإنجاز يحتاج إلى وقته وربما كان لبعض المبالغات في الوعود أو الاستعجال في التصاريح أو سوء فهمها دور فيما حدث من استكثار لتأخر بعض الوعود أو تذمر من عدم تحقيقها، لكن دعونا نودع العام المنصرم 1431هـ على أنه عام الإعداد أو عام الوعد أو عام الأقوال (سمه ما شئت) المهم أن نعاهد أنفسنا وقائدنا الطموح بأن يكون عام 1432هـ هو عام الأفعال فكل المعطيات تشير إلى أنه لا عذر لكم.
