شهر: مايو 2018

أعتذر للرؤية 2030.. بنوكنا لا ترى

عندما كتبت في مقال سابق عن قصور أداء بنوكنا نحو العميل ونحو المسؤولية الاجتماعية ونحو الإسهام في نهضة الوطن، وكان بعنوان (كل شيء تطور إلا البنوك)  تلقيت اتصالات من أطراف ذات علاقة بالعلاقات العامة للبنوك والتي أصبحت موحدة (للأسف) وكان بعضها يدافع بشراسة عن البنوك ويلمح لعدم وعي العميل.

وتلقيت من أحد المدافعين دعوة كريمة لحضور ديوانية البنوك على شرف محافظ مؤسسة النقد ولم أتمكن من الحضور لظروفي العملية، ولم أندم لأنني أفضل أن تناقش هموم المواطن في اجتماع عام أو في الإعلام بالرد على ما يكتب وليس في مناسبة خاصة.

عموماً لم يمض سوى أيام قليلة ومررت بذات المواقف التي كتبت عنها وختمتها كالعادة بإستفتاء صحفي سريع عن انطباعات العملاء (عملاء التميز والعاديين) فوجدت الجميع يعانون مع أنهم واعون!.

سوف أسرد الموقف وأعتذر للذوق العام عن ما جاء فيه من مماطلة وكذب وعدم احترام للمال الخاص بالعميل: راجعت البنك الذي يتعامل معه مقر عملي بالشؤون الصحية بالحرس الوطني قبل انتهاء دوام البنك بـ40 دقيقة لسحب مبلغ نقدي كنت مضطراً له أثناء عطلة نهاية الأسبوع وأبلغني مشرف الفرع أنه لا يمكن صرف المبلغ بحجة أن الصرّافين أدخلوا المبالغ للخزنة وفي اخراجها إحراج لهم (وكأن الـ40 دقيقة ليست من ساعات العمل) وحاولت جاهداً إقناعه بظرفي وحاجتي الملحة للمبلغ في هذا الشهر الكريم، وكأني أستجدي جزءٌ يسير من رصيدي الذي لا أتقاضى عليه فوائد، وعلماً أني عميل تميز ولكن دون جدوى ثم (طقطق) الموظف على الحاسوب وأخبرني أن فرع حي التعاون يعمل يوم السبت من العاشرة صباحاً حتى الواحدة ظهراً وخرجت على هذا الأمل، ويوم السبت، يوم اجازتي، استيقظت باكراً وتوجهت للفرع الساعة 10 صباحاً وبقيت أنتظر فتح الباب الموعود ساعة كاملة فكان مثل أملنا في تحسن البنوك (مغلق) وقمت بطرق الباب فخرج حارس الامن وأبلغني أن المعلومات التي أعطيت لي (كاذبة)، يبدو أنها كانت تصريفة، ودور البنوك الصرف وليس التصريف!!، وعدت أدراجي، ويوم الأحد راجعت نفس فرع البنك وطلبت سحب المبلغ فرفض موظف التميز والحجة هذه المرة ان نظام الصرّافين معطل يقبل الإيداع ولا يقبل السحب وهمس في أذني مراجع قائلاً (عذر مكرر أسمعه دائماً)، يبدو ان الجماعة ما عندهم فلوس.

بعد المرور على أكثر من فرع ومواجهة نفس العذر توجهت لبنك أخر مختلف وحصلت على جزء مما أريد من مالي، وأثناء هذه الجولة المضنية سجلت انطباعات بعض عملاء التميز والعملاء العاديين فسمعت قصصاً يندى لها الجبين، أذكر منها ما يضحك وهو قول احد عملاء التميز أن لي عشرة أيام احاول تحويل مبلغ ويرفضون بحجة أن تاريخ ميلادك في البطاقة يختلف عن تاريخ الميلاد في العنوان الوطني!.

وطننا بكل فخر يتوجه نحو تطورٌ سريع ورؤية ثاقبة إلا أن بنوكنا لا تزال متخلفة عن الركب، بإختصار رؤيتنا حادة وبنوكنا عمياء. كما أتمنى إلغاء توحيد لجان الإعلام لكافة البنوك ففي ذلك تحزب وإصطفاف وأسلوب ضغط على الرأي العام.

الغوغاء.. وهم لربع مثقف!

من يعايش غالبية أفراد المجتمع السعودي في محيط العمل وفي ميادين الإنتاج والكفاح ويتعامل معهم عن قرب واحتكاك مباشر دون فوقية ولا تعال، يصلي معهم الفروض جماعة ويستجيب لدعواتهم ويحضر مناسباتهم (زواج، أعياد، فرح وترح)، أي باختصار يختلط مع غالبية الناس ولا ينعزل عنهم، يدرك بما لا يدع مجال لأدنى شك بأن السواد الأعظم من أفراد المجتمع السعودي، نساءً ورجال، فتيات وشبان، بل وأطفال، هم من المطلعين إلى درجة معرفة جل الشيء عن كل شيء ومتمكنين جداً في مجال تخصصهم إلى درجة الابتكار، وأذكياء حد الإبداع، ويستحيل خداعهم أو استغفالهم، وهذا لم يأت من فراغ، فهو إرث جيني أساسه الفراسة وإرث اجتماعي أساسه التربية الحسنة وإرث ديني أساسه القدوة الحسنة وصقلت هذه الأساسات بتعليم عام وعال قدمه الوطن مجاناً بل وشجع عليه بمكافآت.

هذا ليس سرداً إنشائياً وحسب، بل ثمة أمثلة ليس من الإنصاف حصرها بالاستشهاد بأسماء دون غيرها، ولكن بذكر تخصصات فمن أفراد المجتمع السعودي من برز في ميادين الكيمياء والفيزياء وعلوم الطب والصيدلة والهندسة والفضاء وعلوم الذرة والحاسوب والرياضيات والأحياء الدقيقة ليس بروزاً عادياً بل أبهر العالم ومنهم من أبهر العالم وتفوق على مدربيه في المجال العسكري خاصة في الطيران والدفاع الجوي وصناعة الأسلحة واختراع الحلول الميكانيكية والصناعية.

كل ذلك الإبداع والتفوق لا يتحقق دون فكر نير وسعة اطلاع وتمييز، وهو تفوق شائع وعام وليس تميز لنوادر، فالشعب السعودي شعب واع بشهادة كل من خالطه، و(هنا مربط الفرس)، فعليك أن تخالطه، أما أن تنعزل في برج عالِ  و تسم السواد الأعظم بالغوغاء فأنت إنما تعبر عن نفسك!

أقول قولي هذا وأنا أرى بعض من لا يعجبه إلا رأيه إذا سمع رأياً آخر يخالف فكره اتهم صاحبه بأنه إنما يبحث عن إعجاب الغوغاء! مشيرا إلى الغالبية!، يقولون ذلك عن زملاء لهم غيروا من أفكارهم إلى الأفضل وتحولوا في نقدهم الأدبي أو شعرهم أو محاضراتهم ومقالاتهم أو تحليلهم الفني إلى نهج قويم مختلف، بعد أن أراهم الله الحق حقاً ورزقهم اتباعه، والأمثلة أيضاً كثيرة ليس من الإنصاف ذكرها بالأسماء، لكن بالمجالات فثمة أدباء و مثقفين وشعراء ونقاد فن وممثلين وفنانين وقصاصين إذا تحولوا في أفكارهم لما يتفق مع السواد الأعظم جاء من يتهمهم بالبحث عن إعجاب الغوغاء ومتابعتهم وتأييدهم!.

لماذا تصنف الغالبية بأنهم غوغاء؟! وغالبية المجتمع السعودي أثبتوا ما ذكرته سلفاً من ذكاء وتفوق وعدم انقياد إلا مع الحق؟! فأين الغوغاء؟!

تكمن المشكلة الحقيقية في من يتهم الغالبية بالغوغاء!، فهو غالباً شخص منعزل قرأ ربع كتاب عن فولتير أو توماس هوبز ولم يكمله، فظن أنه مثقف زمانه ومن يخالفه يبحث عن رضا غوغاء يتصورهم و هم لا وجود لهم بيننا!.

أم الجرائم .. للتربية دور

كل الجرائم قد يجد لها الإنسان مبرراً يمكن قبوله، يقبله من يقبله ويرفضه من يرفضه، لكنه قابل للنقاش إلا جريمة خيانة الوطن فإنها من الخسة بحيث لا تقبل مجرد النظر لمرتكبها ناهيك عن التحدث معه!!، أعان الله المحققين اللذين يضطرون لاستجواب خائن خسيس والتحدث معه والنظر في عينيه الذابلة من هول حقارته!.

  جريمة السرقة قد يبررها السارق بالحاجة الملحة، وقد تجد الحجة قبولاً، مثل ذلك الذي لقيته في عهد عمر بن الخطاب عندما كانت المجاعة والإشراف على الهلاك في عام الرمادة مانعاً لإقامة حد القطع على غلمان حاطب وغيرهم ممن سرق ليأكل وينقذ نفسه من الهلاك، فقد كان لهم مبرر تم قبوله.

حتى جريمة القتل العمد دفاعاً عن النفس أو العرض أو في حال الغضب الشديد، يستطيع مرتكبها أن ينظر إلى لائمه ويبدي ندمه لأن الشيطان استغل غضبه الشديد فنزغ بينه وبين أخيه فقتله وندم، وهذا بطبيعة الحال لا يلغي العقوبة ولا يعفي منها، ولكنه يجد قبولاً عند البعض لا يلغي الإحترام.

أما الخائن لصديق أو أخ أو قريب أو الخائن لأي شخص أتمنه فلا مبرر له غير دناءة النفس وخستها، لأن الخائن يخطط ويفكر وفي سعة من أمره ويمكنه التراجع لو وجد لديه ذرة من أمانة ونبل وقبل ذلك ذرة إيمان (آيات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف) وهذه صفات تنافي الإيمان وتجسد قبح المخبر وسوء المعشر.

وعندما تكون الخيانة للوطن، للموطن، للأرض التي احتضنته، لمكان عيشه وعيش أهله وذويه، ولمستقبل أولاده وأجيالهم، فإن خسته ونجاسته وقذارته تكون قد بلغت مبلغاً نتناً مقززاً يتعذر معه تنفس الهواء الذي يحيط به ويمر حوله.

إن الخونة السبعة اللذين ذكرهم بيان أمن الدولة وكل من تعامل معهم (وسيقع قريباً) هم نجس منحهم الوطن كل ما يتمناه مواطن من خيرات وأمن ورغد عيش وتعليم، ثم استهوتهم ثقافات من علموهم، رغم خلوها من قيم إسلامية نعتز بها وتفخر، وعندما شهد الوطن تحولاً إيجابياً سريعاً حقق لهم ما لم يحلموا به، مما لا يتعارض مع شرع الله وقيم الإسلام، تمادوا في غيهم وغرورهم وأدّى بهم الغباء الذي عادة ما يصاحب الغرور أن استعانوا بقطعة من أرض الوطن خصصت كسفارة للإساءة للوطن! فأي غباء وخسة تجعلهم يستعينون بقطعة صغيرة من الأرض ضد كل الأرض التي منحتهم كل ما حلموا به وما لم يحلموا به؟!!، ويتجسسون عليها ويغدرون بها ويشون بها ويسربون أسرارها للعدو وأرضنا تعيش حالة دفاع وحماية وحرب وعلى حدودها حماة يسقونها بدمائهم.

لدي شعور أن لتربية الخونة وتدليلهم وتخليهم عن القيم والغيرة على الأعراض دور في خيانتهم للوطن!.

للمخلصين .. تهنئة الواتس لا تكفي

أخذت على عاتقي تهنئة كل من أخلص لهذا الوطن حضورياً أو باتصال هاتفي ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولست بطبيعة الحال من يضع معايير تصنيف الإخلاص للوطن، فهي واضحة وضوح الشمس، في شكل إنجازات متميزة قوامها البذل وتأدية الأمانة وتغليب للمصلحة العامة على المصالح الشخصية.

من يخلص في عمله، ويؤدي أمانة مهامه في خدمتنا كمواطنين، لا شك أنه يجبرنا على الامتنان له، ونحمل في قلوبنا له واجب رد الجميل، مقارنة بمن لا يؤدي مهامه بنفس الإخلاص ويغلب مصالحه الشخصية على الصالح العام، أما الوطن فلا جميل لأحد عليه بل الفضل دائماً لله ثم للوطن.

من منطلق أن لكل موظف مخلص، سابق أو على رأس العمل، فضل علينا فإنني أرى أن أقل ما نقدم له هو تهنئته في المناسبات السعيدة مثل دخول شهر رمضان والعيدين، فالامتنان والشكر للمخلص واجب، وكذا تكريمه في حياته أما الثناء فخير ما يكون بعد الوفاة.

المخلصون في هذا الوطن كثر ولله الحمد، منهم من ترجل عن فرس المسئولية ومنهم من لا يزال يعلو صهوتها وأقل ما نقدم هو الامتنان لهم كلما حلت مناسبة وكلما كان الأمر ممكناً حسب قربهم وسهولة التواصل معهم، والامتنان لمن ترجل عن الفرس أسهل وأبلغ معنى، وأدل على الوفاء.

وإضافة للمخلصين ومن لهم بصمة على الخدمات التي نتلقاها عامة كمواطنين، هناك من لهم فضل شخصي وهؤلاء أيضاً جديرون بالإمتنان لهم وذكر فضلهم وحفظه والتواصل معهم ولو في المناسبات السنوية، وممن لا أنس فضلهم علي شخصياً جاري سابقاً في الملز عبدالعزيز بن محمد بن عثمان العبيد من أهل جلاجل والذي فدى بنفسه لإنقاذ إبني مهند من حادث دهس وتعرض هو للصدمة والكسور وتمزق أربطة الركب، وكذا جراح اليد العالمي السعودي الأشهر الدكتور محمد قطان الذي نجح في إعادة اصبع ابنتي المقطوع بعد أن كان طبيب بلجيكي ينوي رميه لاستحالة إعادته، وأستاذي في البكالوريس والماجستير البرفسور المصري محمد إسماعيل حامد والأستاذ خالد المالك رئيس تحرير الجزيرة الذي أجريت في عهده الأول أهم تحقيقاتي الصحفية عن دار العجزة والمخدرات ودكاكين ألعاب (الباكمان) التي كادت أن تحرف الصغار، وتركي بن عبدالله السديري الذي فتح لي أبواب صحيفة الرياض بعد تركي (الجزيرة) مع استقالة خالد المالك وحمد القاضي الذي يجسد قمة الوفاء والموقف النبيل.

لكل هؤلاء لا اعتقد أن التهنئة برسالة (واتس آب) تكفي أو تليق خاصة عندما ترسل بتحديد الكل، فهؤلاء لا يكفي إلا زيارتهم ما أمكن أو اتصال مباشر يليق بفضلهم وفضيلتهم.

 

بوتكس وأطباء وعلب سجائر

منذ بداياتنا كصيادلة سعوديين أخذنا على عاتقنا (أثناء عملنا في المستشفيات) منع الصيادلة مندوبي الدعاية التابعين لشركات ووكلاء الأدوية من الوصول للأطباء منفردين لأننا كنا نعلم أنهم كمندوبي دعاية وتسويق يعطون الأطباء معلومات مغلوطة عن الدواء فيذكرون إيجابياته دون ذكر أعراضه الجانبية وتفاعلاته مع الأدوية الأخرى وتعارضه مع بعض الأمراض والأعراض كقصور وظائف الكبد أو الكلى وموانع استخدامه لدى بعض المرضى.

 كنا نفرض على المندوب المرور على الصيدلية أولاً ومرافقة صيدلي من صيدلية المستشفى لحضور المقابلة وكشف ما قد يخفيه مندوب الدعاية!.

عندما اعترضت في مقال الثلاثاء الماضي في هذه الصحيفة على ادعاء طبيب جلدية لبرنامج إذاعي أن حقن البوتكس ليس له أضرار جانبية إطلاقاً، وهي بالتأكيد معلومة خاطئة وخادعة للعامة، فثمة تفاعلات وأعراض جانبية بعضها خطير لحقن البوتكس، اعترض قلة من المستفيدين من هذه التقنية عبر وسائل التواصل مدعين سلامتها ويطلبون دليل على ضررها، وهو طلب غريب (إن صح أنهم أطباء أو حملة دكتوراه) فمجرد دخول أي موقع مكتبة علمية والبحث عن أوراق علمية عن الأعراض الجانبية للبوتكس سيرشدك إلى مئات الأوراق والأبحاث المنشورة عن أثاره الجانبية، ومن الكسل أو الإنكار والتعصب للرأي أن يدعي شخص أنها خالية تماماً من أي أعراض جانبية وتفاعلات ضارة دون أن يبحث هو عن حقيقتها بتجرد عن الانتفاع من الدعاية لها!، وهذا من مستجدات العمل غير المهني التي طرأت على الطب بعد دخول وسخ المال إليه!.

أمر آخر غريب جداً وصادم، وهو أنني  حينما شبهت إنكار المنتفعين من تجارة البوتكس لأضراره بإنكار شركات التبغ لأضراره رغم الوفيات بأمراض القلب والسرطان بسبب التدخين،  خرج أطباء بمعرفاتهم في (تويتر) يقولون كيف تدعي أن شركات التبغ أنكرت أضراره وهم يضعون التحذير على علب السجائر؟!، وهو سؤال ينذر بجهل أو تجاهل وكلاهما خطير، فهل وصل حد الجهل بهم أن لا يعلمون أن العبارات التحذيرية مفروضة على صناع السجائر من منظمة الصحة العالمية ومن السلطات الصحية في البلدان التي تمنع دخوله دون عبارات تحذير؟!، وهل وصل بهم (وهم أطباء) الجهل بأن شركات التبغ كانت ولا زالت تمول حملات لإنكار أضرار وإدمان التدخين؟!.

إن كان جهلاً منهم فمن قلة وعي وضعف مخرجات وإن كان تجاهلاً فمن قلة عقل فحري بالطبيب أن يكون أكثر وعياً من أن يجهل أن التحذير على علب السجائر مفروض على شركات التبغ وأكثر عقلاً من أن يتجاهله لمجرد التعصب لرأيه.

احذروهم وخذوا المعلومة من مصدرها العلمي

تطورنا كثيراً وتطورت وسائل الإتصال وأصبحت المعلومة تأتيك مع الهواء الذي تتنفسه ، ولكننا لم ندرك بعد ضرورة التثبت من المعلومة من مصادرها العلمية البحثية وهو أمر سهل، وعدم التثبت هذا في ظل تطور وسائل الإتصال وسهولة الوصول للمعلومة أمر ينافي التطور في تعاطينا مع التقنية، أي أننا نبحث عن السهل (وهي المعلومة الطائشة) ونترك الأقل سهولة (وهو التثبت من المعلومة)، وقد قال الشاعر (يا مدور الهين ترا الكايد أحلى).

كثرت المعلومات الصحية عموماً والطبية على وجه الخصوص والصيدلانية والعلاجية بالطرق العشبية ومعلومات كثيرة عن منتجات بكافة اشكالها يروج لها مستفيدون ومنتفعون (معلنون) ولكن بطريقة خفية وكأنهم ناصحون وأصبحت هذه المعلومات تصل إليك عبر الجوال (وخاصة الواتساب) أو عن طريق البريد الإلكتروني أو تويتر والفيسبوك، وهذا أمر طبيعي أو واقع سلبي لكنه مقبول، أقصد المقبول أن تأتيك المعلومة عبر وسائل الإتصال تلك ومهمتك كإنسان عاقل، قادر، وتتوفر لديك التقنية أن تتأكد من المعلومة من المصادر العلمية الموثوقة مثل المجلات والدوريات العلمية المحكمة والتي لا تنشر إلا ما تتثبت منه بالبحث والتجربة والمراجع العلمية والعرض على علماء محكمين والتأكد أمر سهل جداً مع توفر تقنية الشبكة العنكبوتية ومكان البحث، ويجب علينا جميعاً أن نقوم بهذا التثبت تلافياً للوقوع ضحية خدعة إعلانية أو معلومة شخص (يطير في العجة).

الأمر المحزن المبكي أن تأتي المعلومة الغير صحيحة بل الكاذبة والمخادعة عن طريق قنوات إعلامية كإذاعات الـ FM أو القنوات الفضائية أو الصحف السيارّة، فهذه الوسائل الإعلامية تعتبر لدى المتلقي مصادر موثوقة، ويفترض أنها كذلك إلا فيما يخص المعلومات الصحية والطبية والصيدلانية والدوائية والغذائية وغيرها من المعلومات التي ترتبط باكتشافات علمية تستدعي تثبتاً من المصادر العلمية الموثوقة فتلك الوسائل الإعلامية للأسف لا تتثبت انما تطرح المعلومة دون حتى ان تفحصها عقلياً فالمثل يقول حدّث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له، وهذه الوسائل الإعلامية أحياناً تأتي بما لا يعقل ولا يقبله العقل.

بالأمس كنت استمع لإذاعة من نوعية الـ(FM) وهي اذاعة احترمها كثيراً لكن البرنامج استضاف طبيب تجميل كان يتحدث عن استخدامات (البوتكس) ويقول انه يستخدم في مجالات كثيرة ومنها منع التعرق في الرجال وان مفعوله يتراوح بين 4-6 أشهر وأنه مأمون وليس له أعراض جانبية وبالرغم من سؤال المذيع هل له أعراض جانبية أكد الطبيب أنه ليس له أي أعراض جانبية (!!!) فبالله عليكم هل يعقل أن مادة تمنع التعرق، أي تمنع افرازات السموم من الجسم ولمدة 6 أشهر ولا يكون لها آثار جانبية ضارّة؟!، والله لو منعت التعرق 6 دقائق لأحدثت ضرراً كبيراً، لكن الطبيب المنتفع لا يريد أن يذكر ذلك وهذه مصيبة أو أنه يجهله والمصيبة أعظم.

الجمعية السعودية للسموم مطلب وطني

على هامش المؤتمر الدولي للسموم الذي حضرته في بلغراد بصربيا، التقيت العالم المصري الدكتور سميح عبد القادر منصور أستاذ علم المبيدات والسموم البيئية بالمركز القومي للبحوث ورئيس اللجنة القومية للسميات بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والذي تم تكريمه في المؤتمر لجهوده في أنشطة الاتحاد الدولي لعلم السموم.

دار بين د. سميح منصور وبيني حديث شيق عن مدى الاهتمام الحكومي في الوطن العربي بعلم السموم والرقابة على السميات وخاصة المبيدات وعن رأيه في قضية الفراولة المصرية والتي أثيرت منذ عدة أشهر وأدت إلى حظر استيرادها في السعودية لمدة زادت عن سبعة أشهر، فقال كلاماً هاماً جداً.

اتفقنا أن المملكة العربية السعودية يجب أن تؤسس جمعية علمية للسموم وتنضم للاتحاد الدولي لعلم السموم وهذا أمر سهل جداً لا يستدعي إلا تكاتف عدد لا يتجاوز عشرة من المتخصصين في فروع علم السموم وإنشاء الجمعية بدعم حكومي ثم انضمام الجمعية للاتحاد الدولي لعلم السموم (IUTOX) لتوحيد الجهود والاستفادة من خبرة الاتحاد وتوحيد المعايير والمستويات المسموحة من المبيدات وأنواع المحظور منها. (أعلم أن لدينا جمعية خيرية للوقاية من السموم في القصيم بمسمى “سموم” قد تكون نواة لكنها لا تكفي بوضعها الحالي).

ويرى د. سميح منصور أن من الضروري جداً أن توحد الدول العربية الكبرى كالسعودية ومصر معايير ومستويات المبيدات والحدود المسموحة وطرق التحليل، فهو يرى أن اختلاف طرق التحليل واختلاف المعايير، قد يحدث لبساً وشكوكاً مثل ما حدث في قضية الفراولة والفلفل المصري، مؤكداً أن التجاوز والإسراف في استخدام المبيدات يحدث، لكن المهم اكتشافه ومعرفة نسبة تجاوز الحدود المسموحة، وقال: أثناء الأزمة واجهتني الصحافة المصرية بسيل من الأسئلة حول حظر السعودية للفراولة المصرية، وكانت إجابتي واحدة وهي أن التجاوز يحدث، لكن حجمه لا يحدده إلا معايير موحدة وطرق تحليل واحدة، والموضوع علمي بحت يجب أن يتم تناوله بين الجهات الوقائية بعيداً عن الإثارة الإعلامية والزوابع الصحفية.

واستدرك العالم المصري قائلاً: يجب أن نوقف الممارسات الخاطئة مثل أن يحمل المزارع المصري جهاز الرش ويرش المبيد بنفسه، دون تقنين للكمية والتركيز والنوع ورقابة وتنفيذ متخصص، وإلا فإننا سنواجه أزمات وخطورة على المزارع نفسه والبيئة والمحصول وسمعة الصادرات (انتهى).

أرى أن علينا وبصفة عاجلة تأسيس جمعية سعودية علمية للسموم تضم جميع المتخصصين في السموم الحيوانية والنباتية والكيميائية والمبيدات الحشرية وتنضم للاتحاد الدولي لعلم السموم وتعقد أحد مؤتمراته في المملكة.