شهر: فبراير 2019

معيار الاختيار طار

هذا الوقت تحديداً، بما فيه من جدية المحاسبة ومحاربة الفساد هو أنسب وقت لمراجعة معيار الترشيح والاختيار للأشخاص والمحاسبة عليه بشدة، فيفترض أن يبنى كل اختيار، أو ترشيح لشخص، على معيار أو مجموعة عناصر (معايير) معروفة يجب توفرها لدى من يتم ترشيحه أو ترشيحها لوظيفة أو إنجاز مهمة.

لم يسبقنا الغرب في الاهتمام  بمعيار اختيار الأشخاص  للمهام ووضع مقاييس أو معايير أو صفات لابد أن تتوفر في من يتم اختياره لإنجاز المهام، بل نحن سبقناهم، بدليل أننا من قال في هذا الخصوص (للحروب رجال يعرفون بها وللدواوين حساب وكتاب)، لكن الغرب تفوق علينا في استمرارية التطبيق ودقته والمحاسبة عليه.

والفرنجة يطلقون على المعيار لفض (كريتيريا) بالانجليزية وهي مفردة دقيقة وبليغة وذات معنى شامل ويحاسبون عليها بشدة وحزم، فسؤالهم الدائم: ماهي الكرتيريا التي بني عليها اختيار ذلك الشخص أو الأشخاص، وإذا لم تنطبق (الكريتيريا) بدأ البحث عن فساد أو هوى تحكم في الاختيار.

في وزاراتنا وهيئاتنا ومؤسساتنا نفتقد كثيراً لمعايير الاختيار والترشيح ونفتقد أكثر للسؤال عنها والمحاسبة عليها، وفي أغلب الأحيان نركز على الشخص دون التركيز على مؤهلاته و سيرته الذاتية ومواصفاته التي هي جزء من خصائص ومعايير يفترض أن تطبق للحكم على استحقاقه دون غيره لتولي مهمة أو وظيفة.

عندما تعمل لسنوات طويلة في جهة حكومية أو عدة جهات، تشهد مواقف تشعرك بأن معيار الاختيار طار في كثير من الاختيارات، أو أنه معيار خاطئ سيطر عليه الهوى،  فقد ترى شخص  رشح لأنه صهر أو قريب أو عديل (زوج أخت الزوجة) أو صديق وهذه جميعها معايير لا علاقة لها بالوظيفة أو المهمة المرشح لها، وقد شهدت مسؤولاً يسيطر عليه التحيز للمهنة دون الكفاءة فلا يختار لأي وظيفة إلا طبيباً حتى لو كانت الوظيفة تتعلق بالشأن الاجتماعي الذي يتطلب أخصائية اجتماعية أو شأن هندسي أو وظيفة  فنية لا علاقة لها بالطب، إلى درجة أننا قلنا: من الطبيب الذي سيشرف على قسم الصيانة والنظافة؟!.

سألت أحدهم: ما هي المعايير التي تعتمدونها في اختيار رجال ونساء يمثلوننا في المؤتمرات والحوارات الخارجية غير إجادة اللغة الانجليزية؟! فوجدت من الإجابة أن الكوادر المتخصصة ذات الإطلاع والإلمام والحجة والقناعة الذاتية بتوجه الوطن لم تمنح الفرصة ومنحت لمن لا يمتلك الحد الأدنى من المقومات ومعايير الاختيار.

وزارة الصنعتين عذاب

حضرنا ككتّاب رأي اجتماعين مع وزيري عمل وتنمية اجتماعية، السابق معالي الدكتور علي الغفيص والحالي معالي المهندس أحمد الراجحي في تاريخين مختلفين وفي ذات القاعة بمبنى وزارة العمل، وفي الاجتماعين كان التركيز منحصراً على العمل، دون التطرق لشق الوزارة الثاني المهم عن النواحي الاجتماعية!.

ككاتب رأي، وموظف حكومي في ذات الوقت، كنت أضطر لأخذ إجازة يوم من عملي لألبي الدعوة للاجتماع وأحضر وأنا أحمل ملفات قضايا اجتماعية لمعاناة ذوي الدخل المحدود والمعلقات والمطلقات ونزلاء دور العجزة ودور اليتامى وذوي الاحتياجات الخاصة ودور الرعاية الاجتماعية، وقضايا العنف الأسري وغياب التخصص في شؤون الحماية الأسرية وإهمال دور الأخصائية الاجتماعية في الوقوف مع المتعرض للعنف أو أقارب المتوفى في حادث أو المتعرض لمصائب الدهر وهو النهج الأنجع لمجتمع سليم، لكن المفاجأة تكون بأن النقاش سيدور حول العمل فقط!، مما يعطي شعوراً على أقل تقدير (شعور) بأن الوزارة مشغولة بالعمل عن التنمية الاجتماعية.

وعندما تتابع أنشطة وتصريحات وحوارات وزير التجارة والاستثمار تجد أن الاستثمار يطغى على كل شيء في وقت يحتاج فيه شق التجارة لوقت أكبر وجهد مضاعف.

ولأن التجار أذكياء بالفطرة فقد استفادوا كثيراً من برود جانب حماية المستهلك ورقابة الأسعار والتأكد من صحة إعلانات التخفيضات وتنفيذ بنود الضمان والصيانة ناهيك عن تخلي الوزارة عن الخلافات التعاقدية بين العميل ووكلاء السيارات وإحالتها لمحاكم تستغرق وقتاً وجهداً وتكاليف محاماة تجعل مالك السيارة يعزف عن المطالبة بحقوقه كما أشرت سابقاً.

حتى وزارة التعليم منذ أن جمعت بين التعليم العام والتعليم العالي تركزت جهودها على المشاكل الكبيرة للتعليم العام و باتت الجامعات كل يغني على ليلاه!.

إذا كان المثل الشعبي يقول أن صاحب صنعتين كذاب، بصرف النظر عن صواب وجهة نظر المثل من عدمه فإن المؤكد أن  الوزارة ذات الصنعتين تعاني عذاب التحكم في كل صنعة وأداء واجباتها خصوصاً أن الكوادر لم تزد ولم تتنوع ولم تتطور.

“تعسير” فاتورة كهرباء أم سالم

وأم سالم عجوز عصامية عرفتها منذ عشرات السنين تبيع في بسطة في سوق العويس بالرياض، وعرفتها لأنني كنت وما زلت أحب التحدث لكبيرات السن اللاتي يبعن في الأسواق، قبل قرار إيكال البيع للفتيات، ويعملن بجد ومثابرة لكسب العيش وإعاشة أسر كاملة (لا لشحن جوال أو لشراء شنطة ماركة أو جوال جديد)، وحديثي معهن لا يشمله قانون التحرش، لأنه حديث للتعلم لا للتحرش فمن أم سالم وزميلاتها تعرفت (سابقاً) على معاناتهن من قسوة مراقبي البلديات بسحب البضاعة والطرد (مع أنها ملابس لا غذاء ولا دواء)، حتى رحمهن ربي بالدكتورة ليلى الهلالي في أمانة مدينة الرياض، التي تبنت مشروع الأسر المنتجة والبساطات، فسمح لهن وانبسطن البساطات ولم تنبسط ليلى بتكريم، إلا بنجاح إنجازها الإنساني، فلم تشكر وتدعم بعد ذلك.

ما علينا، أم سالم أرملة تولت أسرة تزيد عن عشرة أولاد وبنات، أهلت الأولاد للدخول لدورات ومعاهد عسكرية وسيخدمون هذا الوطن الحب، وعلمت بناتها الكسب عبر العمل مع مواصلة الدراسة ثم زوجتهن بشهادة تربية عليا وكفاح أعلى، وبلغت أم سالم اليوم من الكبر عتيا وأرهق قلبها المرض وهم الدنيا ولا زالت تبيع في العويس بعد عملية صمام قلب!.

قابلتها الأسبوع المنصرم وسألتها عن الحال، فحمدت الله وشكرت وطناً وفر لها تقاعد زوجها المتوفى وضمان اجتماعي وحساب مواطن ووفر لها فرصة تيسير البيع وكسب الرزق بعد عسر مضى، لكنها تشتكي من شركة الكهرباء (ومن لا يشتكي من شركة الكهرباء؟!)، تقول أم سالم: خدعونا ببرنامج (تيسير) واكتشفنا أنه (تعسير)، تقول عودونا على قسط لا يتجاوز ١٣٧ ريال شهرياً، ثم فجأة قالوا أن عليك فاتورة ب ١٥٠٠ ريال وذهبت وسددت ثم قالوا عليك ١٥٠٠ ريال مرة ثانية، وعندما جمعت المبلغ وذهبت للتسديد قالوا: عليك تسديد ٣٥٠٠ ريال كاملة، وطبعاً لا أملك هذا المبلغ دفعة واحدة فرجعت، والآن فصلوا الكهرباء ويطالبونني بمبلغ ٤٤٠٠ ريال! فأين التيسير؟!، هذا تعسير!!.

أعرض لشركة الكهرباء حالة أم سالم وهي بالمناسبة تمثل حالة شريحة كبرى من ذوي الدخل المحدود اللذين (وهقتهم) الشركة بنظام (تيسير) الذي اعترض عليه النقاد ولم يشرح للمشتركين بطريقة توضح سلبياته ونتائجه الوخيمة إذا تراكم على المشترك مبلغ كبير.

أطالب شركة الكهرباء أن تتحمل أخطاء توريطها لذوي الدخل المحدود بنظام التقسيط هذا (تيسير) الذي ثبت أنه (تعسير) وتعيد لأم سالم وغيرها من المشتركين خدمة الكهرباء وتقوم بتسوية المبالغ المتراكمة كديون غير مرجوة (غير محصلة) ولا تربطها بفصل التيار، و(خلوا حيلكم على الي ما يسدد واستهلاكه الشهري يدل على أنه قادر).