شهر: أكتوبر 2019

تناقضات عجيبة لبعض الوزارات

بالرغم من افتقاد مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي للحس الإعلامي كونهم طارئين على المشهد الإعلامي، وبالرغم من تدني المستوى التعليمي لكثير منهم، وبالرغم من شح الرصيد المعرفي والثقافي لغالبيتهم، وبالرغم من ما يقعون فيه من أخطاء خطيرة في استغلالهم لشهرتهم، إلا أن بعض الوزارات والموسسات والهيئات أصبحت تعتمد عليهم اعتماداً كبيراً وواضحاً كشريك إعلامي، وأصبح المسؤول (وزير، أو محافظ أو رئيس هيئة) يمنح حظوة لمشاهير التواصل الاجتماعي (مشاهير السوشيال ميديا) مبررها الوحيد كثرت متابعيهم ، بصرف النظر عن صحة رقم المتابعين وكونهم أشخاص حقيقيين أم مجرد معرفات وهمية، لكن دعنا نقول أن عدد المتابعين هو عنصر الإغراء والجذب الذي اعتمد عليه المسؤول في منح تلك الحظوة.

حسنا، إذا كان عدد المتابعين مهماً جداً للمسؤول فهذا معناه أنه يرى أهمية كبيرة للجماهير والتفاعل معهم ومعرفة انطباعاتهم، لكن هذا الاستنتاج المنطقي ينتفي تماماً حين نعلم أن المسؤول نفسه بمجرد تعيينه، وزيراً أو محافظاً أو رئيس هيئة، يلغي متابعته (تويتريا مثلاً) للمئات ممن كان يتابعهم ويكتفي بأقل من عشرة أسماء، وهنا تناقض واضح، فلو كانت وجهة نظر الناس ورجع صداهم تهمه كثيراً لكان زاد عدد من يتابعهم وخصص وقتاً أطول لمعرفة ما يدور حول وزارته في مواقع التواصل الاجتماعي التي منح الحظوة لمشاهيرها وأصحاب الشعبية فيها وحرص على الاستعانة بهم رغم ضحالة مخزونهم المعرفي والثقافي وضعف حسهم الإعلامي وتواضع تجربتهم في التعاطي مع الإعلام (الحساس جداً).

لو كان منح تلك الحظوة لكتّاب الرأي في أعمدة الصحف، وصاحب تلك الحظوة إلغاء متابعته للمئات والإبقاء على أقل من عشرة، لقلنا أنه يكتفي بقراءة أعمدة كتّاب الرأي في صحفهم، سواءً ورقياً أو عبر الموقع الالكتروني للصحيفة فيتأثر بما يكتبون ويؤثر فيهم بما يطرح في حسابه أو حساب الوزارة، وهذا أمر طبيعي، لكن هذا الاندفاع خلف مشاهير التواصل الاجتماعي ومحاولة كسب (أو قل شراء) ودهم لا يمكن تفسيره إلا برغبة في التلميع الساطع الواسع على يد من لا يدرك خطورة سلاح الإعلام المشهور قديماً بأنه ذو الحدين، فحتى من يرافقون حملات بعض الوزارات الرقابية ويروجون لها افتضح أمر كثير منهم أنه مجرد أجير دعاية وإعلان لا يدرك خطورة ما يفعل ولا يملك القدرة ولا الرصيد المعرفي والتخصص الذي يمكنه من مساءلة الجهة التي تستخدمه وتمحيص المحتوى وطرح الأسئلة المنطقية العلمية التي تحرج الوزارة، وربما أن هذه هي الميزة الوحيدة التي تغري لمنحه الحظوة وليست جماهيريته أو عدد متابعيه.

الكهرباء والماء بين صعق الحدائق والفواتير

لا أعلم سبباً لسر إصرارنا على الخلط بين الكهرباء والماء رغم خطورة الجمع بينهما حد القتل!!، نحن جمعنا بين الكهرباء والماء ذات يوم في وزارة، فركز الوزير آنذاك د. عبدالله بن عبد الرحمن الحصين على ترشيد الماء في (سيفون) المنازل دون انكسار مواسير الشوارع، وركز على انخفاض سعر استهلاك الماء دون ارتفاع فواتير الكهرباء و صبرنا.

لكن الخلط الأخطر، حد القتل، بين الكهرباء والماء هو ما حدث ولا زال يحدث في الحدائق العامة، حين تتلامس أسلاك الكهرباء العارية بماء نافورة أو ماء سقيا شجرة فيلمسها طفل(أو كبير) فيصعق وتتسبب الأسلاك العارية في تعرية المسؤول عن احتياطات السلامة وقتل نفس أو عدة أنفس مثلما حدث للطفل محمد بن نايف الغويري وعمته أحلام في حديقة الملك عبدالله بالرياض عندما حاول إخراج كرة من حوض النافورة (المخلوط ماءها بالكهرباء) فصعقته وعندما حاولت عمته إنقاذه صعقت بطبيعة الحال وتوفياً معاً تغمدهما الله بواسع رحمته وتوفيت معهما روح الشعور بأهمية احتياطات السلامة في حديقة عامة.

المشكلة الكبرى أننا لم نتعلم ولم نستفد من حادثة سابقة توفي خلالها شاب بذات السبب وبنفس الطريقة عندما كان يلعب الكرة ولامس عمود كهرباء مختلط بماء، وكان ذلك في عام ٢٠١٢م أي قبل سبع سنوات، وحينها كتبت في هذه الصحيفة الغراء مقالاً بعنوان (الإعدام بالعمود الكهربائي) قلت فيه:

 الشاب علي بن جمعة السالم الذي صعقه عمود كهربائي في كورنيش الدمام أثناء مزاولته لعب كرة القدم، ليس أول ضحايا الإهمال في المواقع والحدائق العامة، خصوصاً فيما يتعلق بأسلاك الكهرباء العارية أو الملامسة لمصادر المياه أو مقاسم الكهرباء المبللة، أو كل صور الأخطار التي تهدد حياة الأطفال والشباب والكبار على حد سواء.

حقيقة، أستغرب تداول قضية وفاة الشاب علي السالم بطريقة تحاول نفي أو اثبات مسؤولية أمانة المنطقة الشرقية عن التسبب في وفاة الشاب، ومحاولة حصر المتسبب في طرف واحد إما الأمانة أو المقاول، وكأن سبب الوفاة هو مادة وضعت في الموقع ساعة حدوث الوفاة، والمطلوب تحديد من وضعها في تلك الساعة ليكون هو المسؤول.

ويا خسارة الأرواح والحبر والجريدة فلم نتعلم، لقد فصلنا اختلاط الماء بالكهرباء في الوزارة ولم نفصل اختلاطهما في الحدائق العامة!.

عودة استقلالية الهيئات عن الصحة مطلب

الهيئة العامة للغذاء والدواء يفترض أن تكون هيئة مستقلة تماماً، لا ترتبط بوزير الصحة، لأن صلاحياتها وسلطتها الرقابية والتشريعية والتنفيذية تتقاطع كثيراً مع صلاحيات وزارة الصحة، ويحدث كثيراً أن تكون بعض منشأة وزارة الصحة والمواد المستخدمة فيها خاضعة لرقابة هيئة الغذاء والدواء وكثير من شؤون الدواء يجب أن تنتقل من وزارة الصحة للهيئة، ولا يبقى للوزارة إلا الرقابة الإدارية على الصيدليات كمنشأة صحية يعمل بها ممارس صحي.

نفس الشيء يقال عن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، وهذه تتقاطع صلاحياتها بشكل أكبر مع مصلحة وزارة الصحة، لأن جميع الممارسين الصحيين في مستشفيات الوزارة ومختبراتها والمؤسسات الصحية التابعة لها يتم الترخيص لهم وتجديد الترخيص لهم وتمحيص وتدقيق مؤهلاتهم بواسطة هيئة التخصصات الصحية، ولو حدث واكتشف في أحد مستشفيات وزارة الصحة ممارس صحي مزيف أو غير مؤهل أو غير مكتمل التأهيل فإن هيئة التخصصات الصحية هي من سيتعاطى مع هذا الأمر ويصعده أو يتعامل معه دون تصعيد.

المصلحة الوطنية والفائدة المرجوة من هذه الهيئات تقتضي أن تعمل باستقلال تام وبعيداً عن الضغوطات والتدخلات من وزارة الصحة وفي معزل تام عن المجاملات المبنية على المرجعية الإدارية لرئيس الهيئة وإلا افتقد للقوة والإصرار على ممارسة الصلاحيات، وأصبح يطبق مقولة (الشور شورك يا يبه).

بالمناسبة، هذه الهيئات كان رئيس مجلس إدارتها هو صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز تغمده الله بواسع رحمته، عندما كان ولياً للعهد وكان مجلس الإدارة يضم عدد من الوزراء والمسؤولين في الوزارات ذات العلاقة.

أمن المدارس أمن للمجتمع

حذرت كثيراً جداً من مغبة غياب رجال ونساء الأمن المدرسي في مدارسنا، وقد يكون هذا الموضوع من أكثر المواضيع التي كررت الكتابة عنها في هذه الصحيفة وقبلها في صحيفتي (الجزيرة) و (الرياض)، وليس لهذا الإصرار تجربة شخصية (لم يدبغني أحد في المدرسة)، فمن أدلة احترام الحرم المدرسي أن جيلنا كان يتواعد المضاربة بعد الطلعة (الوعد الطلعة) فالمدرسة كان لها احتراماً كبيراً بدون وجود حراس أمن، لكن الوضع تغير اليوم، وهنا مربط الفرس، وسبب جوهري لتكراري المطالبة بتوظيف حراس أمن أشدّاء وحارسات أمن شديدات، أسميتهن (مستصحات) في مقال قديم.

كثرت المشاجرات بين الطلاب (تحديداً) كان أحد الأسباب، لكنه تطور لمشاجرة بين طلاب ومعلم ثم ولي أمر غاضب وطالب ثم أولياء أمور غاضبون، وكل هذا حدث منذ سنوات، بدليل هذا المقطع من مقال كتبته في هذه الصحيفة عام ٢٠١٠م  بعنوان (مدارس بلا أمن..شجار قبل الطلعة).

(زادت أخبار الاعتداءات والمضاربات في مدارس الجنسين وحدث ما حدث من ضرب طالب لمدرس وضرب أم طالبة لطالبة أخرى وشجار بين أم ومعلمة ثم شجار بين أبوين بسبب ضرب طالب لآخر، أما أغربها فهو ما حدث من شجار جماعي في محافظة وادي الدواسر وأدى إلى امتناع 90 من الآباء عن إرسال أبنائهم إلى المدارس خوفاً عليهم والأشد غرابة أن تستمر مدارس الجنسين في بلادنا خالية من العدد الكافي من الأخصائيين والأخصائيات الاجتماعيين والنفسيين وأفراد الأمن مع أنها متطلبات أساسية وفرص وظيفية لفئات متوافرة في سوق العمل بل عاطلة عن العمل) انتهى.

استجد اليوم أننا نبحث عن سبل توظيف للشباب محدود التعليم من الجنسين، وهذه فرصة مواتية أن نوظف الآلاف من حملة الشهادات الدنيا ممن أتاهم الله بسطة في الجسم من الجنسين كموظفي وموظفات حفظ أمن مدرسي.

استجد أيضاً أن أصبح عندنا فتيات لديهن الجرأة للشجار في الشارع وربما تشاجرت مع رجل فضربته بــ(البوكس) أو ركلته بقدمها أو فاجأته بركبة مؤلمة أو ضربة رأس خاطفة، وهذا كله يؤكد أن حالات العنف القاتل التي حدثت في مدارس الأولاد قد يحدث أخطر منها في مدارس البنات، فالأمر لم يعد قاصراً على (معط الشعر أو التقبيص).

إن في أمن المدارس أمن للمجتمع فليس كل أب سيعفو مثل خويتم الحارثي جزاه الله خيراً وعوضه وثبته، ثم أن في توظيف العاطلين كحراس أمن مدرسي وحارسات مزيد أمن للمجتمع.