اليوم: أبريل 9, 2021

حقوق الإنسان على الحيوان

بعد أن أسرف بعض الناس في الإساءة للحيوانات، بالصيد الجائر لبعضها أو تعذيب البعض الآخر، وأصبح بعضهم يجاهر بتلك الممارسات الشاذة كنوع من “الهياط” أو البحث عن الشهرة، صدرت عقوبات شديدة وغرامات مجزية، جعلت من كان يطلق رصاصة بندقيته على غزال، يوقف سيارته لعبور قطيع غزلان يمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل، وأصبح من يملأ صندوق “الوانيت” بمئات الضبان المتراكمة يتوسل لضب أن يدخل جحره ويكفيه شر غرامة الخلوة بضب.

كان ذلك دليل قاطع على أن العقوبات والغرامات خير رادع لسوء الأعمال والممارسات، وأن ما فعله قرار غرامة في غضون ساعات لم تفعله التوعية والمطالبات التي دامت سنوات، وليتنا نعتبر ونطبق ذات النهج على كل مخالفة وسوء سلوك، ولكن بعدل وترك مجال واسع وسهل للاعتراض على الغرامات والعقوبات.

حسنا فعلنا بحماية الحيوان من الإنسان، وبقي علينا اليوم وبشكل عاجل أن نحمي الإنسان من أذى الحيوان، ونبدأ بجدية أكبر في تفعيل حقوق الإنسان على الحيوان، وذلك الحيوان المؤذي إما أن خلفه مالك -إنسان- أهمله وتركه سائبا يشكل خطرا على الغير فيعاقب صاحبه، أو أن الحيوان سائب ضال متكاثر، وهذا تكفينا شره الجهات التي تطالب بالرفق به والبلديات المعنية بالوقاية من كل كائن ضار سواء كان حشرة أو زواحف أو حيوانات ثدية.

أخطر مثال على النوع الأول، الجمال السائبة على الطرق، والتي أودت بحياة أسر كاملة و إصابة الآلاف من دون أن يرتدع أصحابها، ولا تزال من أهم أسباب حوادث المركبات وأعظمها خطرا ونتائج، رغم أنها من أقدم الأسباب التي لم ينفع معها حل حتى اليوم، أذكر أنني أجريت عن حوادثها تحقيقا في هذه الجريدة منذ أكثر من عشرين سنة، وحاورت خلاله الدكتور كمال العربي -رحمه الله- عندما كان يجري جراحة العمود الفقري في مستشفى الملك سعود “الشميسي” قبل أن ينتقل لمستشفى الحرس، وسألته: لماذا يصاب من ينجو من حادث بعير بشلل رباعي؟ فأجاب: إن ارتفاع البعير يجعل السيارة تصطدم بأرجله فيسقط بكامل ثقله على السائق والركاب فيكسر العمود الفقري.

والبعارين ليست الحيوانات السائبة الوحيدة التي لها صاحب يجب أن يحاسب، فقد خرج علينا أسود ونمور تجوب الأحياء، فقط تخيل أنك متوجه للمسجد ويقابلك أسد!! إن سلمت عليه أو لم تسلم عليه فلن تسلم.

النوع الثاني تمثله مآسي الكلاب الضالة المنتشرة التي قتلت طفلة في الرياض، وهددت أطفالا وكبارا في غيرها، ناهيك عن القرود المتكاثرة بشكل خطير في الطرق الجبلية، وهذه تتفنن في الأذى وفيها “ميانة” أكثر من اللازم فتشارك في الطعام، وتحذف بالحجر، وتعتلي السيارات، وتتيح لصغارها الترفيه بالتزلج على الزجاج الأمامي للمركبة!

بقي أن أذكر بأن القطط التي كثرت في الأحياء وتقفز داخل المنازل، مخلفاتها تعد أحد أسباب الإصابة بطفيليات “التوكسوبلازما”، والتي تسبب الإجهاض أو تشوهات الجنين وموته، ومجمل القول: إن على الجهات المعنية الالتفات لحمايتنا من تكاثر الحيوانات السائبة.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 15 شعبان 1442هـ 28 مارس 2021م

كيكة وزهور وعاجز مقهور

هي عادات نقلها لنا إخوة لنا لم يسعدهم ثراؤنا ولم يفرحوا قط لفرحنا، لكنهم وجدوا ترسيخها في نفوسنا وإقحامها في عاداتنا وتقاليدنا تجارة لهم وربحاً وفيراً، ونجحوا في جعلنا نتنافس ونتبارى ونتسابق في المبالغة في أحجامها وأشكالها وارتفاع أثمانها.

منذ متى ونحن كسعوديين لا ندخل على قريب نزوره إلا ونحن نحمل “كيكة” أو طبق حلوى باهظ الثمن، ومنذ متى ونحن كسعوديين لا نعود مريضاً إلا ونحن نحمل باقة زهور؟! وقبل أن أقول متى تحديداً، دعني أقول أولا إنها أساليب ثبت ضررها وقلة نفعها وخلقت تنافساً محرجاً لغير القادر على ثمنها، وتسببت في قلة التواصل بين الأقارب -قبل كورونا والتباعد- ففلانة من المؤكد أنها ستحضر كيكة ضخمة أو حلوى ماركة، وعلانة ترغب بالحضور لكنها لا تقدر على ثمن مثل تلك الكيكة أو الحلوى، وإن جلبت أقل منها -من حلوى الديرة أو وسط البلد مثلاً- فستكون مادة للسخرية و”كوميديا السنابات”، وما يقال عن كيكة الزيارة يصدق على باقة الزهور للمريض، فبعضها ويشهد الله أنني كنت أمر في ممرات المستشفى وأحسبها نخلة تحتاج إلى صعودها بحبل الكر وشمراخ لقاح!!

أما الضرر الصحي فعظيم جداً، فالكيكة ويسمونها بالمناسبة “كعكة” مليئة بالسكريات والأصباغ والدهون والمواد الملونة الضارة المصنفة عالميا كمسرطنات، والزهور قد تسبب الحساسية للمريض أو جاره في الغرفة والعنبر وإذا نشفت فخطورتها أكبر.

أما متى ابتلينا بها فقريب جداً، ومنذ اختلاطنا بمن استوطن المستعمر ديارهم ولوث أفكارهم، ونحن ولله الحمد لم يدنس أرضنا مستعمر، وكنا نعود المريض بالدعاء والرقية، ولا نحمل طعاماً لبيت آخر إلا لجار محتاج أو قريب في عزاء أو مريضة لا تستطيع طبخاً، ونجلب لهم المفيد النافع الذي يؤكل ولا يرمى في النفايات كما يحدث لكيك المباهاة.

ولعلي أعلم أن مثل هذه النصائح قد تؤدي لاتهام البعض لي بالتخلف، وله أؤكد أنني لم أقتنع قط بزهور المكتب التي كانت ومازالت تزين بها مكاتب مديري العموم وكنت واحدا منهم لو أردت زهوراً، ومازلت أعتقد أنها إسراف وتبذير يمكن بمنعها أن يتحقق الكثير من التوفير، كما أن تقليد قطع الكعكة في احتفالات بعض الدوائر فيه إسراف وتبذير ومجاملة يمكن الاستعاضة عنها بشهادة مكتوبة تبقى للتأريخ، ولا أذكر أن كعكة احتفال أكلت رغم ضخامة بعضها وتحسر جميع الحضور المجاملين على مصيرها، ويعلم أقربائي أنني لا أؤيد مطلقاً إحضار الكيك أو الحلوى لمن يزورني، وأقنعت أسرتي ألا يحملوه لأحد أو يتفاخروا به.

وكمعلومة إضافية فإنه وحسب ما عايشت أثناء دراستي في بريطانيا وعيشي مع أسرة بريطانية ومخالطتي لضيوفهم، فإن تقليد جلب شيء مع الضيف جاء من الغرب، فهم يجلبون معهم قارورة نبيذ كهدية ويتباهون بأنواعه، وشيء هذا أصله نحن في غنى وكرامة عنه، وفخر أن نوسم بالتخلف عن ركبه.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 8 شعبان 1442هـ 21 مارس 2021م