الكاتب: محمد الأحيدب

عادنا في المطار

لا أدري لماذا تتعمد الخطوط السعودية تشويه سياحتنا الداخلية بعدم اهتمامها بالرحلات الداخلية من جميع الجوانب.

نخطو خطوات سريعة ووثابة نحو خلق سياحة داخلية جذابة بكل المقاييس ، ونبذل جهودا حثيثة لاستثمار الأجواء الرائعة في مصايفنا ، إلا أن أهم مقومات السياحة وهو الناقل لا يزال يراوح مكانه بل يتراجع كثيرا كلما زاد عدد المصطافين.

خدمات نقل السيارات من المدن الرئيسة إلى المصايف تطورت وزاد استيعابها وتسهيل استلامها حتى أصبح بعضها يسلم السيارة في المطار ، أيضا الفنادق والشقق المفروشة والفلل والشاليهات بل والقرى السكنية تعدت مستوى الخمسة نجوم عالميا.

كل مقومات السياحة الداخلية والاصطياف الداخلي تتسابق نحو الأفضل الا الناقل (أهم المقومات) فإنه يتراجع.

أبرز مظاهر تقاعس الخطوط السعودية تجده في تأخير الرحلات وعدم الاهتمام بالراكب من الداخل سواء كان مواطنا أو مقيما مع أن الراكب الداخلي هو عنصر الدعاية الأهم لخطوطنا الوطنية.

يندر أن تقلع رحلة من أبها أو إليها دون تأخير وشخصيا كنت على اطلاع واسع بحكم المهنة الصحفية على الشكوى في هذا الصدد لذلك لم يفاجئني مطلقا أننا ركاب الرحلة 1675 من الرياض إلى أبها مساء الاثنين الماضي لم ندخل الطائرة إلا بعد ساعة من الموعد المحدد للإقلاع !! وليت الأمر توقف عند تأخر دخول الطائرة بل إننا مكثنا أربعين دقيقة أخرى داخل الطائرة دون تكييف وفي حر شديد ووسط صراخ الأطفال وتضجر العائلات ثم أقلعت الطائرة متأخرة عن موعدها ساعة وأربعين دقيقة وهذا لدى ركاب (السعودية) طبيعي جدا ولدى القائمين عليها إقلاع في وقته!! وتأخير لايذكر!!.

كل ذلك لم يفاجئني لأنني قررت قضاء إجازتي في أبها رغم أن لدي ملفاً من شكاوي تأخر الإقلاع الذي وصل حد ست ساعات لإحدى الرحلات من أبها إلى الرياض وكان تبرير الخطوط السعودية للتأخير هو تأخر وصول الطائرة من الرياض وكأن طائرة (الرياض – أبها) لا تتبع لهم .

الغريب أن المؤسسات التجارية الأخرى تتحمل أخطاء الخطوط السعودية برحابة صدر فمثلا شركة نقليات السيارات تمنح موظفيها بدل عمل إضافي (خارج دوام) لأنهم يضطرون للبقاء بعد الثانية صباحا في انتظار ركاب طائرة متأخرة ممن شحنوا سياراتهم ويريدون استلامها من مكتب المطار.

بقي أن أذكركم بالعنوان (عادنا في المطار) فتلك هي العبارة التي تتردد في أجهزة جوالات المسافرين مخاطبين ذويهم الذين ينتظرون وصولهم.

ثمة عبارات أخرى رنانة مثل (عادنا في ما اقلعنا)، (تونا ما بعد دخلنا الطائرة) و(ما عندها نية تقلع) وهناك دعاء واحتساب وضجر شديد يشوه جمال مصايفنا فمتى يأتي الفرج.

إدارة النطيحة والمتردية

لأن بعض القطاعات الصحية الحكومية – حالياً – يقوم عليها، إما قليلو خبرة إدارية، أو ضعيفو شخصية، أو هما معاً، فإنهم يعتقدون أنه مادام أن من سيتكفل بتكاليف انتداب الموظف، لحضور مؤتمر، أو معرض، هي شركة تجارية، أو مؤسسة داعمة، أو شركة راعية، وأن الجهة الحكومية لن تدفع ريالاً واحداً فإنها يجب ألا تدقق في أمر التزام المنتدب بالحضور والاستفادة، على أساس فكرة جد متواضعة؛ بل أقرب إلى السذاجة، ومفادها أن «البلاش ربحه بين».

هؤلاء المسؤولون بلغ بهم ضعف الخبرة، والمجاملة، وضعف الشخصية الإدارية، وغياب شمولية النظرة، أن نسوا أن ذلك المدير التنفيذي النائم في الفندق، يكلفهم أجره اليومي المدفوع له وهو نائم، ويكلفهم تراكم أعماله الإدارية التي تتعلق بمصالح مرضى ومراجعين وقطاع حكومي بأكمله، ويكلفهم ضياع فرصة استفادة موظف آخر من حضور تلك المناسبة، على حساب الشركة نفسها، ولكن بمشاركة فاعلة!!.

خذ على سبيل المثال الواضح تلك المناسبات المرغوبة من بعض المديرين التنفيذيين في الشأن الصحي؛ مثل معرض صحة العرب السنوي في دبي، الذي يسبب شللاً تاماً في بعض القطاعات الصحية والمستشفيات لدينا، في أثناء المؤتمر والمعرض، بسبب انتداب أغلبية المديرين التنفيذيين؛ لكي يناموا، أو يأكلوا و«يشربوا» في دبي، على حساب شركة؛ لأن صاحب القرار ضعيف مجامل، لا يقوى على الرفض، أو لا يدرك عواقب قرار الموافقة (حسب النظام)، أو يقصر نظره ليركز فقط على من يتحمل التكاليف المالية للانتداب، من دون باقي العواقب!!

ومن السلبيات الكبيرة جداً لانتداب مدير لا يحضر، تتمثل في خسارة عدد كبير من صغار الموظفين الطموحين، الذين يصيبهم الإحباط عندما ينتدب غير الجادين، بينما يتركون هم، محرومين من فرص التطوير، حتى المجانية منها !! التي تتكفل بها الشركات مع أنهم هم المعنيون حقاً، بتوفير الأجهزة والأدوات الطبية والأدوية، وإجراء المفاوضات، واختيار النوعيات.

إن المدير الضعيف الذي «يبصم» على مشاركة 80٪ من موظفيه التنفيذيين، في مثل ذلك المعرض أو غيره؛ لأنهم حصلوا على دعوات من شركات، أو رشحوا أنفسهم للسفر على حساب شركات، إنما يعرض المنشأة الحكومية لخطر الفساد الإداري، فالشركات تسمي من ينفعها، وكان يفترض به أن يرشح أسماء غير متوقعة ومستحقة ومضمونة الاستفادة .

طبيعة عمل الشؤون الصحية في جميع القطاعات، جعل الدولة تمنحها قدراً كبيراً من المرونة في اتخاذ القرارات، ولكن يكمن الشح في الفكر الإداري المتخصص، والخبير، ويبدو أننا نمر -حاليا – بسنوات عجاف إدارياً، في بعض منها، وأجزم أننا سوف نتخطاها قريباً – إن شاء الله – بإعطاء القوس باريها، والإدارة للمتخصص فيها، فأنا أستطيع تسمية السنوات القليلة الماضية والحالية – إدارياً – بسنوات النطيحة، والمتردية، والعوراء البين عورها، فلم نعد نرى المدير الحازم، الذكي، الخبير، المحايد، القادر على قيادة المنشأة إلى بر الأمان.

المناصب مكاسب!!

الأمر لا يتعلق بتخيل مدينة (أفلاطونية)، ولا بمطالبة بمثالية مستحيلة كل ما في الأمر هو تشخيص سبب مشكلة ثم اقتراح علاجها .

المشكلة واضحة لا نختلف عليها وتكمن في وجود قصور شديد في أداء كثير من الوزارات والمؤسسات رغم زوال الأسباب الاقتصادية التي كانت شماعة «تلك أسباب انتفت منذ صدور أعلى ميزانية للمملكة ومنذ القول الشهير للقائد أبو متعب مخاطباً الوزراء «لا عذر لكم اليوم».

السبب كما أتخيله وكما تراه كثير من الأطروحات المتخصصة هو أن بعض الوزراء ووكلاء الوزارات والمديرين التنفيذيين لا يعملون بنفس إخلاص وحماس ووطنية البعض الآخر، بل يحرصون على الحصول من المنصب على أكبر قدر من المميزات والمكاسب مقابل إعطاءه القليل جداً أو لا شيء.

المدير العام التنفيذي يريد أن يصبح وزيراً بتلميع ذاته ودون أن يبذل ما يؤهله لذلك ويعتقد أن منصبه منصة انطلاق بسرعة الصاروخ للمنصب المستهدف عن طريق الشكليات والعلاقات والليونة والتنازلات وإرضاء الجميع، وبذلك فإنه لا ينتج مطلقاً ويترك العمل لغيره بحجة اللامركزية «قاتل الله هذه الحجة فكم هدمت من جميل البناء» بينما الواقع هو «لا وطنية» وأنانية وبحث عن مصالح ذاتية .

والوزير يريد أن يستمر وزيراً بإعلان خطط مستقبلية طويلة المدى تغلب عليها البهرجة والأماني الهلامية وتفتقد للمعالجة السريعة لمشاكل الوزارة وانعكاساتها على المجتمع إلا ما ندر .

الحل الذي قد يبدو مثالياً أو «أفلاطونياً» يتحقق لو حرص كل مسئول على عمله مثلما يحرص على مميزاته، ولو تعامل المدير العام التنفيذي مع مصالح الناس بنفس حرصه على مصالح أقربائه الكثر وسعد بتأثيث إدارته بمقومات الإنجاز بمثل سعادته بالأثاث الفاخر المكلف لمكتبه «لو تجولت الجهات الرقابية على مكاتب المديرين وقارنتها بإنجازاتهم لكان هذا كافياً لوضعهم في خانة المديونية»!!.

أيضاً يتحقق الحل لو تعامل المسئول مع كل مراجع أو محتاج كما لو كان جاءه من طرف واسطة نافذة!! ولو اهتم الوزير بكل قضية أو شكوى وكأنها منشورة في جريدة!!.

أما الحل الجذري الحاسم الحازم فيتحقق لكل مشاكلنا لو أوكلنا المسئولية للشخص المجرب الناجح في الإدارة وليس الناجح في مهنة فنية، لأن جل مشاكلنا تنبع من سوء إدارة، ويتحقق الحل أيضاً عندما نستأجر القوي الأمين فالضعيف إدارياً يهدم ما بناه الأقوياء من هيبة وإنجازات .

وعندما تتزامن الحلول المثالية والحلول الجذرية مع محاسبة دقيقة وعقوبات رادعة فإن النجاح يتحقق بامتياز.

عائق التشهير

لاشك أن صحافتنا تسير يوماً بعد يوم نحو هامش جيد من المرونة في الطرح والشفافية وحرية الرأي واحترام الرأي الآخر.

ثمة ملاحظة أرجو أن يجد فيها القارئ ووزارة الثقافة وهيئة الصحفيين ما يفيد مستقبل الصحافة السعودية، والأهم من مستقبلها هو مستقبل الإفادة مما يطرح فيها، والاستفادة من هامش الحرية المتاح وذلك الذي سيتاح في عملية الإصلاح وتقويم ما قد يوجد من اعوجاج في بعض الدوائر والمؤسسات والوزارات والقطاع الخاص والأهلي والتجاري.

لا زلنا نتعامل مع نقد المؤسسات سواء الحكومية أو التجارية الذي يورد أسماء المسؤولين على أنه «تشهير» تحاسب المطبوعة عليه وقد تغرم أو تطالب بالاعتذار بصرف النظر عن توفر الأدلة الداحضة للحجج وتكامل كافة أدوات العمل الصحفي المهني وهذا وربي قصور عن الوصول إلى مصاف الإعلام الفاعل المؤثر.

من غير العدل أن نساوي بين العمل الصحفي المدعوم بالأدلة المحسوسة العينية وذلك المبني على توقعات صحفي كسول لم يبذل جهداً.

كيف لصحافتنا وصحفيينا أن يسهموا مع الجهاز الرقابي في الدولة في فضح وإيقاف الممارسات الخاطئة ومحاربة الفساد إذا كانت عقوبة التشهير تنتظر الصحيفة والصحفي حتى لو دعموا عملهم بالأدلة والبراهين والصور؟!

إن اعتماد توفر الأدلة والوثائق كوسيلة لإسقاط دعوى التشهير، مثل ما هو معمول به في الدول المتقدمة، لايخدم فقط حرية الصحافة ونجاح الإعلام في الإسهام في عملية الإصلاح بل انه يخدم إصلاح المهنة ذاتها ويشجع الصحفي والصحيفة على توثيق ما تطرح لأنه سوف يصبح ثمة فرق كبير في التعامل مع من يوثق ومن يفبرك وهو فرق غير موجو د نظاماً في الوقت الحالي فيما يخص مفهوم التشهير تحديداً.

حركة جسد امرأة

كانت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية ميري إيزين في وضع لا تحسد عليه وهي تحاول تبرير مجزرة قانا الثانية التي حصدت أكثر من ستين من النساء والأطفال (لم تكن في نفس وضع أقارب الضحايا بطبيعة الحال ولا وضع أخوانهم المسلمين في أنحاء الأرض من الحزن والألم والهلع) لكن المسئولة اليهودية كانت محجورة في زاوية، وقد بدا عليها الخزي ووصل وجهها إلى سرها كمن ينظر في مرآة محدبة أو قل السطح الخارجي اللامع لإبريق (أعد الشريط وستجد أن وصفي لم يخطئ وجهها القبيح كقبح أفعال حكومتها).

كل ذلك لأن مذيعة الفترة الإخبارية لمحطة ال CNN روزمري شرش «حشرتها» بالأسئلة والحجج القوية المتتالية قالت لها وخلال أقل من دقيقتين:-

كيف تهدمون عمارة سكنية من أربعة أدوار يقطنها الأطفال والنساء وتدّعون أن الصواريخ كانت تنطلق من هذه العمارة؟! وما هو دليلك إذا كان كل الشهود من الصحفيين والمراقبين المحايدين ومنهم مراسلنا لم يشاهدوا أي أثر لإطلاق صواريخ من تلك المنطقة، وهل تقولين لنا أن أولئك الأطفال الأبرياء الذين رأينا جثثهم كانوا مسئولين عن إطلاق الصواريخ؟!.

الإسرائيلية المتلعثمة لا تجيب بأكثر من «سوري» «نحن أسفون كان ذلك خطأً».

روزمري تكيل لها مزيداً من الأسئلة المخزية لجيش إسرائيل فتقول: ثم إن حزب الله يحاربكم بأسلحة تقليدية عادية، وليس لديه طائرات ولا تقنيات عالية، كل ما لديه صواريخ، بل هي ليست صواريخ هي مجرد سهام محدودة الإمكانات وأنتم جيش مدجج بالسلاح المتطور والطائرات والتقنيات العالية والتحديد بأشعة الليزر وتخطئون أهدافكم وتقتلون النساء والأطفال الأبرياء؟!.

وجه الناطقة باسم الحكومة الإسرائيلية يزداد سواداً وامتداداً إلى الأسفل والمذيعة روزمري لا تخفي سخريتها من الإجابات بنظرة ساخرة!! تنهي بها الحوار .

حدث هذا بينما قنواتنا العربية تنقسم بين «جزيرة» تستحث العرب ضد بعضهم البعض وتوظف سخرية مذيعيها للنيل من العرب والمسلمين وإشعال فتيل الأحقاد والفتن مع كامل تقديرنا لقدراتها الإخبارية ونقلها الحي للحدث عبر مراسلين أفذاذ ولكن المشكلة في سطحية وأحقاد بعض مقدمي البرامج وخبث أهداف من وراءهم من الداعمين الهادمين لكل اتفاق عربي مسلم قد يحقق لنا عزاً .

وبين قنوات الغناء والمجون والابتذال وهذه بلغت من عدم الإحساس حد الثمالة الذي لا يحركه قتل طفل أو تقطيع جسد امرأة لأنها قنوات تعيش على حركة جسد امرأة.

أمريكا وقناة الجزيرة صنوان كشفهما حميدان

لو قيل لك إن في فساد النية إيجابية لقلت إن المتحدث فقد عقله، ومع ذلك لا أجد غضاضة في القول إن (أجمل) ما في فساد النية على قبحها هو أن من يمارسها يستحيل عليه أن يخفي مشاعره ويتحكم في سلوكياته بحيث يبدو للآخرين حياديا أو (حقانيا) أو منصفا للطرف المستهدف.

يستحيل ذلك لأن تعبير النفس البشرية عما يدور في داخلها يفوق قدرة العقل على ضبط انفعالاتها و تعابيرها مهما بلغ هذا العقل من القدرة والدهاء.

قناة الجزيرة من قطر والولايات المتحدة الأمريكية مثال متطابق لما ذهبت إليه وفي مجالين متشابهين.

قناة الجزيرة التي استعجلت انتقاد موقف (السعودية) من الحرب في لبنان وسخرت كل من يجيد النعيق من غربان السياسة المتربصين لفرصة استرزاق عن طريق محاولة النيل من هذا البلد الذي يحمل هم الأمة ويمثل عقلانيتها ورزانتها. وقناة الجزيرة التي سخرت من التبرع المبدئي العاجل الذي قدمته المملكة كإغاثة عاجلة بخمسين مليون دولار وركزت عليه في برامجها الموجهة ضد المملكة.

نفس القناة أخرسها تماما الموقف الحازم لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز نحو الغطرسة الإسرائيلية، ذلك الموقف الشجاع الرادع غير المسبوق لم تتناوله (الجزيرة) مطلقا ولو كمادة إعلامية كونه موقفاً نادر الحدوث منذ حرب 73م.

التبرع السعودي السخي لإعمار لبنان (500 مليون دولار) ومليار دولار لدعم الاقتصاد اللبناني لم يحرك روح الصحافة في (الجزيرة) لمواكبة الحدث والتعليق عليه مثلما فعلت مع التبرع المبدئي العاجل للسعودية.

المضحك أن التبرع النهائي للدول العربية الأخرى بمعدل20مليون دولار (أقل من نصف التبرع المبدئي السعودي) والذي يشكل 4٪ من مساعدات الإعمار السعودية الجديدة لم تتناوله قناة الجزيرة بالنقد أو المقارنة مع المساعدات السعودية مما يدل أن الهدف ليس لبنان ولا شعب لبنان ولا ضحايا الحرب بل السعودية.

لو كان للعقل سيطرة على أهواء النفس لدى (الجزيرة) لكانت أظهرت ولو إيهاماً بالحياد وتعاملت مع الموقف الثاني بنفس مقدار التعامل مع الموقف الأول لتوهم جمهورها بالحياد , لكن فساد النية هنا أجبر(الجزيرة) على عدم إخفاء مشاعر الحقد على المملكة فعجزت عن تمثيل دور الحياد!! ولذا فأنا أعتبر هذه الخاصية في فساد النية جميلة لأنها تكشف الستار.

الولايات المتحدة الأمريكية أكثر أدعياء العدالة والديمقراطية أجبرها فساد النوايا نحو الإسلام والمسلمين على إظهار زيف ادعاءاتها فجاءت مواقفها من الاعتراض على وقف القتل في لبنان متوافقة مع ممارساتها في (غوانتانامو) وأبو غريب من حيث الافتقاد للحكمة في إظهار الحياد.

حميدان التركي (فك الله أسره) ضرب العصفورين (الجزيرة) وأمريكا بحجر واحد يتمثل في قضيته، فقد كشفت زيف العدالة الأمريكية لتصبح أقل بلاد العالم أمنا وأكثرها استهدافا وتجريدا من الحريات وحقوق الإنسان، وبينت أن (الجزيرة) لا تطيق التعامل مع أي (سعودي) حتى لو كان أسيرا في أمريكا طالما وقفت معه بلاده، فلم نشاهد أدنى إشارة من (الجزيرة) لقضية حميدان التركي أو وقوفاً إلى صفه ولو بعشر ما يحدث مع تيسير علوني أو سامي الحاج.

نحن لا نقول لا تتابعوا قناة الجزيرة فتلك حريتكم ولكن تابعوها بحس العاقل ودققوا في أهدافها ولا تنخدعوا، والشيء نفسه مع المبادئ الأمريكية المعلنة، قارنوها مع واقع أفعال أمريكا في الداخل و الخارج وستجدون أنها أكثر السياسات سلباً للحقوق والحريات?. ?

سياحة خليجية مشتركة

تشهد ولادة أي اتفاق خليجي مشترك مخاضاً صعباً وطويلاً وتنتهي غالباً بخروج الجنين بالمقعدة وهذا في علم الولادة، بل حتى لدى القابلات، يعني استحالة الولادة الطبيعية وتهديداً لحياة الأم والجنين .

صعوبة اتفاق دول الخليج العربي على مشروع مشترك أو تفعيل اتحاد خليجي في شأن اقتصادي أو حتى إجرائي كالتنقلات أمر لا يتناسب مع توفر المعطيات لهذا الاتحاد أو الاتفاق مثل تقارب العادات والتقاليد والظروف المعيشية وطبيعة السكان واللغة الواحدة والدين الواحد وغيرها من العوامل التي لم تتوفر للاتحاد الأوروبي مثلاً ومع ذلك حقق اتحاداً شبه تام وسوقاً مشتركة وعملة مشتركة وحرية تنقلات .

الغريب أن الحاقدين على الخليجيين ينظرون إليهم كوحدة واحدة ويوجهون لهم النقد والحسد بل والشتم على أساس أنهم خليجيون في بوتقة واحدة بينما لا يتعامل الخليجيون مع بعضهم كوحدة واحدة !!.

رغم كل المحن التي تعاملت مع الخليج كوحدة واحدة الا أن الخليج لم يتعامل مع نفسه كذلك فغريب جداً أن ينظر إلينا الخصوم كرقم واحد وننظر لأنفسنا على أننا ستة أرقام مختلفة !!.

وعلى أي حال فإن كل عوامل البطء والإحباط يجب أن لا تجعلنا نتوقف عن المحاولة تلو الأخرى، لذا فإنني أقترح فكرة سياحة خليجية مشتركة “دعونا نتحد ولو في السياحة”، بمعنى أن نحول خليجنا إلى وجهة سياحية واحدة نشجع عليها وإليها كسياحة داخلية خليجية بدلاً من السياحة الداخلية لكل دولة على حدة .

دول مجلس التعاون الخليجي لو توجهت مجتمعة لصناعة السياحة المشتركة فسوف تحقق استثمارات بينية وفردية ومشتركة كبيرة جداً.

لتحافظ كل دولة على قناعاتها ومسموحاتها وممنوعاتها ولكن تعمل معاً على استثمار عوامل الجذب لكل دولة فتكون السياحة الداخلية “خليجية” ووجهة السائح الأجنبي خليجية بتأشيرة زيارة واحدة لنسمها “خلجن” على وزن “شنجن” تسمح للسائح بزيارة شواطئ دبي وجدة ومصايف أبها وصلالة والشيء نفسه يقال عن نقاط الجذب في الكويت وقطر والبحرين .

من المهم جداً أن ينعم المواطن الخليجي بمميزات خاصة تشجعه على سياحة خليجية داخلية مثل تذاكر طيران مخفضة، تذاكر دخول مخفضة، إجراءات تنقل ميسرة، وأسعار إقامة مخفضة ومتقاربة حتى ولو بدعم من هيئة سياحة خليجية مشتركة .

دعونا نجرب شيئاً مشتركاً سهل التطبيق، نجرب فقط .

تدهور طبي وأخلاقي

لا أعتقد أن ممارسة خاطئة مرت على هذا الوطن أخطر من ترك الأطباء الاستشاريين مواقع عملهم الحكومي نهاراً جهاراً وأثناء الدوام الرسمي ليعملوا في مستشفيات خاصة، ضاربين عرض الحائط بالأنظمة والمنع وقبل ذلك الخوف من الله وأمانة المهنة.

أساس تقييم الخطورة هنا يعود إلى عدة اعتبارات أساسية منها ترك المريض في المستشفى الحكومي محروماً من إشراف الطبيب الاستشاري الذي تدفع له الدولة رواتب عالية وبدلات أعلى وصرفت على تعليمه وتدريبه وأوصلته إلى ما وصل إليه، ومنها أيضا ممارسة الطبيب الاستشاري لمخالفة لا تليق بمن يطلق على مهنته أعلى صفات الإنسانية واضطراره لممارسة الكذب لتبرير عدم تواجده في مقر عمله الرسمي، وغني عن القول أن مجرد الانخراط في سلك التحايل ومخادعة الناس بداية أعراض الفساد إن لم تكن أعراضه المتقدمة.

عندما يرد طبيب استشاري على النداء الآلي من خارج المستشفى الحكومي أثناء وقت الدوام الرسمي ويبلغ سكرتير القسم مثلاً أنه في غرفة العمليات وهو ليس كذلك بحكم اتصاله من خارج المستشفى فقد أساء لمهنة الطب النبيلة ولجميع من ينتسب إليها لأن هذا النوع من المراوغة مقبول من أصحاب مؤهلات دنيا أو صغار سن ومركز ولكن ليس ممن أدى القسم بناء على حساسية مهنته.!!

وعندما يطلب الطبيب الاستشاري من أحد أعضاء فريقه الطبي المبتدئين أو المتدربين التغطية على غيابه غير النظامي بالادعاء أنه في غرفة العمليات فهو بذلك درب وعود وربى أحد تلامذته على الكذب وخيانة الأمانة، هذا خلاف أنه لم يشرف على تدريبه حسب ما تقتضيه الأمانة وأهمله مثلما أهمل المريض.

الوضع الصحي المتدهور وتراجع التعليم الطبي والأخطاء الطبية نتائج لممارسة الأطباء الاستشاريين لهذه المخالفات المتمثلة بأخذ راتب ضخم من الدولة والعمل في القطاع الخاص أثناء الدوام الحكومي تحدث عنها المجتمع بأسره واشتكى منها في كل موقع وأصبحت حديث المجالس واللجان والاجتماعات لكن علاجها لا يزال مستعصياً.

الوضع الأخلاقي المتدهور في مهنة الطب هي النتيجة الثانية التي بدأت رائحتها تفوح في شكل لجوء الاستشاري للمراوغة والكذب والتسيب وسيادة فكر المتاجرة بالاسم والتوقيع ووصف الأجهزة من متاجر طبية محددة تصرف نسبة أو تعود ملكيتها للطبيب وهذا التدني الخطير أمر متوقع فليس أسهل ولا أسرع من توالي التنازلات الأخلاقية.

لذلك فإن من الحكمة أن نوقف هذه الممارسات فوراً وبأساليب رادعة لا أن نندفع خلف مقترحات إعطائها المظلة النظامية لأن الوضع حالياً يعتبر مأساوياً فما بالك عندما نوجد لهم الأعذار.

قلتها كثيراً ومراراً وتكراراً من أراده القطاع الخاص فليطلبه للانتقال ويمنحه الراتب المغري الذي يزيد على ما تمنحه الدولة ولن يقبل الرحيل ولو حصل على أضعاف مضاعفة لأنه يعلم أن الاستقرار لا يوفره القطاع الخاص ولا العائلي وما دام الأمر كذلك فعلى التاجر أن يبحث عن الحلول بقيمتها وليس على حساب الحكومة فيكفي أن الدولة منحت الأرض والقرض والتسهيلات وكان ردهم لأفضال الوطن هو التلميح بالرحيل إلى دول مجاورة فدعهم يرحلون وسيعودون لأنهم يعلمون أن أحدا لن يدللهم مثل هذا الوطن.

وعي المواطن العادي

لطالما كانت هذه العبارة «وعي المواطن» مخرجاً بل مفراً للمسؤول المتقاعس يحاول من خلالها الإيهام بأن «وعي المواطن» هو ما ينقص كمال كل اجراء أو خطوة أو حسن استخدام للمكان العام والمال العام والممتلكات العامة.

قلتها بالفم المليان في أكثر من لقاء تلفزيوني وأكتبها بالقلم المليان ان وعي المواطن بات يفوق وعي كثير من المسؤولين أو الموظفين والشواهد كثيرة وواضحة.

وعي بالمواطنة الحقّة في شكل تضحيات رجل الأمن ورجل الحرس ورجل المطافئ بل ورجل الشارع في حين يحرص بعض كبار الموظفين على مصالحهم الشخصية مع قدر «صفر» من التضحية.

وعي بالحقوق والواجبات واطلاع على تجارب الدول الأخرى يفوق تقدير كثير من المسؤولين واطلاعهم.

أفكار نيرة ومقترحات رائعة من موظفين صغار وصلت في قيمتها وعلو شأنها ان المدير ينسبها لنفسه أو يسرقها ولا يسرق إلا الثمين.

سعة اطلاع وثقافة عالية وإلمام بالمستجدات والتقنيات الحديثة من حاسب آلي ووسائل اتصال وثقافات شعوب وحقوق إنسان وأنظمة دول يبدو جلياً من كتابات ومداخلات وتعقيبات مواطنين عاديين يبهرونك بدرجة وعيهم وتفوقهم حتى على المعنيين بالأمر.

أنا اعتقد ان الارتياد الكبير لما يسمى بشارع الحوامل أو مضمار المشي الرياضي المجاور لشارع الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الرياض والعدد الهائل من الرجال والنساء شيباً وشباباً وبطريقة هادئة ودون فوضى ولا مضايقات وبحد أعلى من النظافة مقياس مهم لدرجة الوعي العالية لدى شريحة كبيرة من الناس والذي أجزم به أكثر ان أحداً من المسؤولين لم يكن يتوقع هذا الإقبال المبني على الوعي بدليل شح دورات المياه وقلتها وإقفال إحداها للتطوير والابقاء على الأخرى مقفلة فترات طويلة وسعة محدودة.

الجوازات مثال آخر فعندما اتضحت الاحتياجات وسير المعاملة ويسرت متطلباتها ولعبت الأرقام التسلسلية دورها امتثل المراجع للنظام والتزم بدوره واصبحت الأمور تسير في انسياب مفرح وصمت وانعدام البحث عن واسطة وأجزم ان 90٪ من المراجعين لا يعرف اسم مدير عام الجوازات ولا مساعديه ولا رؤساء الأقسام ولعل هذا ما يحذره المديرون الآخرون ممن لا يسعدهم تطبيق الشفافية في الاجراءات حتى ينعموا بالتوسل والتوسط وترديد الاسم.. ألم أقل لكم إن المواطن العادي أكثر وعياً.