الكاتب: محمد الأحيدب

الصناعة بمفهوم الدجاج!!

نحن بلد حقق نقلة نوعية سريعة في مجال الصناعة بما فيها صناعة الدواء والغذاء، وهي نقلة تحققت بفعل الطفرة، لكننا على ما يبدو لم ننجح في ترسيخ مفاهيم أساسية لا بد أن تصاحب أي تطور صناعي ومن أهمها مفهوم أن الصناعة كجهد بشري مهما بلغت من الدقة والميكنة لا بد أن تكون عرضة للعيوب الصناعية في أي وقت من الأوقات، بمعنى أنه لا بد لأي مصنع أن يتعرض لفشل في إحدى التشغيلات يستلزم سحب التشغيلة من الأسواق.

هذا القصور في الفهم لا يقتصر على المستهلك بل يشمل الجهات الحكومية والقائمين على المصنع وهم أساس ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ لدى المستهلك باتباع سياسة التكتم والتستر على العيوب إلى حد جعل فشل تشغيلة واحدة أو منتج واحد يصنف على أنه فضيحة كبرى تستدعي التكتم شفقة على المنتج ومالك المصنع وأن الإعلان عنها يعني إعلان نهاية المصنع!!.

هذه إحدى السلبيات العديدة لغياب الشفافية في هذا الصدد!! وهو أمر خطير جداً تنطوي عليه أخطاء أكبر تهدد صحة وحياة المستهلك خاصة في مجال الغذاء والدواء.

ما قيمة المواصفات والمقاييس والرقابة النوعية وعلامة الجودة إذا لم يصاحبها اقتناع بإمكانية حدوث الخلل ومخالفة المواصفات؟!.

إننا نتوجه وبقوة نحو الصناعة الدوائية “أكثر من سبعة مصانع كبرى تنتج مئات الأصناف وربما الآلاف” وقطعنا شوطاً كبيراً في مجال الصناعات الغذائية بأنواعها “مئات المصانع وآلاف المنتجات” فهل من المعقول أن لا يصاحب هذا الكم الكبير في المنتجات الدوائية والغذائية فشل في تشغيلة واحدة يستلزم التنويه والتحذير والسحب من الأسواق؟! وإذا حدث هذا الفشل وهو أمر طبيعي ومتوقع، فهل سوف نمارس نفس أسلوب التستر البغيض الذي حدث مع الدجاج المسموم أو عبوات الماء؟!.

إن بلداً أصبح صناعياً مثلنا لا بد أن يغير مفاهيم القرن الماضي في هذا الصدد وأن تكون البداية الأهم في تصحيح الخلط لدى المسؤولين بين حماية المنتج والتستر على إحدى التشغيلات!! وتصحيح ترتيب الأولويات بين حماية التاجر وحماية المستهلك!! بل تصحيح الخطأ الشائع في الاعتقاد بأن الإعلان عن فشل تشغيلة يعني الحكم على المصنع بالإفلاس.

لو تعوّد المستهلك في الداخل والخارج على سحب تشغيلة “أو حتى منتج كامل” والتحذير منها مع استمرار تشغيلات أخرى مشابهة أو منتجات أخرى لنفس الشركة فإننا سوف ننمي لديه مفهوم الاحتمال الكبير في فشل كمية من منتج وأن هذا لا يعني فشل الجميع أو مقاطعة كل منتجات المصنع وفي الوقت ذاته نكوّن لديه الثقة في أن صحته وسلامته هي الأهم من كل اعتبار آخر وبالتالي فإن أي منتج لم يعلن عن فشله هو في الواقع مأمون وصالح للاستخدام.

أما بالمنظور الحالي أو ما أستطيع تسميته التعامل بمفهوم الدجاج أو بنفس أسلوب التعامل مع الدجاج والمياه المعبأة فإننا سنخسر ثقة المستهلك في الداخل والخارج وسوف نسبب الضرر لكل المنتجين بسبب منتج واحد أو صنف واحد ونترك “الساحة” لرواج الشائعات وسنجعل التاجر أو المصنع يعمل في أمن تام من التشهير بمنتجه مهما حدث وسط شعور عام بأن سمعته أهم من سلامة المستهلك الأمر الذي يجعل الرقابة الذاتية ورقابة جودة المنتج هي آخر اهتمامات المصانع.

والأهم من هذا وذاك هو أننا سنبقى نشعر بأننا نعيش بمفاهيم عفا عليها الزمن مما يوحي بأن تطورنا لم يشمل الإنسان نفسه.

أرقام الفضائيات الهابطة أولى بالحجب

كنا نعتقد أن أهم سلبيات بعض القنوات العربية الفضائية من فئة (مين معانا) أنها مجرد صور فاضحة متحركة للإعلان عن جسد شبه عار لفتاة عربية تسوق نفسها من خلال برنامج على الهواء تمارس من خلاله استعراض الجسد في أشكال مختلفة تحت ستار ما يطلبه المشاهدون من أغنيات وفيديو كليب أقل ما يقال عنه أنه تصوير حي لانحطاط الأخلاق واتهام مقصود للعرب بأنهم ظاهرة جنسية!! عبر تمويل عربي جاهل بعواقب الكسب غير المشروع.

ما تسمى تجاوزا بمذيعة البرنامج تتفنن في استعراض ما تعتقد أنه مفاتن من زوايا مختلفة في إعلان واضح عن جسد أجوف منزوع الدسم ومنزوع الحياء والقيم، والبرنامج ملك للمذيعة بدءاً بالاسم وانتهاء بنتائج ومكاسب التسويق!!.

في القنوات الغربية الجادة يستحوذ الصحفي على مسمى برنامجه بحكم تميزه وعمق تجربته وخلفيته الثقافية وقدرته الفريدة كمحاور استناداً إلى رصيد هائل من المعرفة، خذ على سبيل المثال استحواذ لاري كنج على مسمى برنامجه المباشر في شبكة cnn وإن كانت المقارنة هنا ظالمة للاري كنج، بل ان ثمة تناسب عكسي ففي الوقت الذي تتشبث فيه المحطة الجادة بالمذيع كلما كبر في السن فإن فضائيات “مين معانا” ترمي بالمذيعة قبل ظهور التجاعيد.

ما يهمنا كعرب هو أن هذه “الفضائحيات” تسيء لنا كثيراً وتخدم أعداء العرب بتمويل من العرب أنفسهم.

وبالإضافة إلى الهم العربي فإن ثمة هماً إضافياً يخصنا كسعوديين وهو أمر الاتصال بهذه القنوات من قبل فئة مستهترة تحت مسمى “اتصال من السعودية” يقوم من خلاله المتصل بتقديم اهداءاته إلى ألفاظ شوارعية بذيئة على أنها أسماء لأشخاص أو عائلات وبطبيعة الحال فإن المذيعة لا تفهم معاني تلك الألفاظ البذيئة لأنها صفات أو أفعال شوارعية تستخدم محلياً أو خليجياً على مستويات دنيا فيتلذذ المتصل ومن حوله بترديدها على الهواء مباشرة وهو أمر فيه إساءة واضحة لكل منتمي إلى هذه البلاد من قبل قلة تعاني أمراضاً نفسية وسلوكيات غريبة.

الإساءة للكل عبر تصرفات البعض يجب عدم التقليل من أهميتها ففي السابق كانت الإساءة تأتي من بعض المسافرين إلى الخارج، مما رسخ صوراً كان من الصعب تصحيحها لأن قادماً من السعودية مارس سلوكاً مشيناً، والمتصل من السعودية لا يقل تأثيره بل يزيد لأن القادم يتصرف على مرأى من قلة أما المتصل فيتحدث على مسمع من كثير بعضهم يعرف مغزى تلك الألفاظ.

أنا لست مع حجب أرقام الاتصال بقنوات الرأي الجاد حتى لو اتصل بها صاحب وجهة نظر تخالف الإجماع فهذا رأيه وحده ويمثله فقط ومن حقه التعبير عنه ولن يضير المجتمع ذلك في شيء.

ولكن وقياساً بسطحية قنوات الفن تلك وتدني برامجها واقتصار من يتصل بها على طلب إهداء أغنية أو تقديم التحية لمذيعة مع ما يصاحب ذلك من استغلال يسيء للوطن فإنني أتمنى أن يكون لدى الاتصالات القدرة على حجب الاتصال بتلك القنوات فور إعلان رقم الاتصال وأرى أنه أهم كثيراً من حجب مواقع على الشبكة العنكبوتية وربما يكون أسهل تقنياً خصوصاً أن تصفح موقع هابط يسيء للفرد المتصفح فقط أما الاتصال الهابط بقناة هابطة وترديد ألفاظ بذيئة تحت عنوان “اتصال من السعودية” يسيء لنا جميعاً وهو في نظري أجدر بالحجب!!

القصيم للسعودة أحلى

هذا العام قررتُ أن تكون سياحتي داخلية كالعادة ولكن هذه المرة قريبة جداً، في المنطقة الوسطى وتحديداً بين سدير والقصيم.

قد تكون شهادتي في سدير وخاصة مدينة جلاجل مجروحة عند البعض لاعتبارات المنشأ أو مسقط رأس الأب والأجداد، لكن القصيم شأنها شأن كل شبر في هذا الوطن لا تبعد عن قلبي أكثر من جلاجل فالقصيم كانت ولازالت قادرة على كسب القلوب أرضاً ورجالاً.

على أي حال أيا كان الشاهد أنا أو غيري فلا خلاف على أن نظافة جلاجل ملفتة للنظر بمثل نقاء هوائها وهدوئها ولعل الجامع الجديد بمئذنته المتميزة التي تصور مئذنة الطين القديمة التي أصابنا الحزن كثيراً على هدمها كإجراء احترازي محزن، ذلك الجامع المتميز الجديد هو ثمرة جهود وتكاتف الأهالي ورئيس المركز وأهل الخير حيث تعمل اللجان بنشاط ملحوظ ينبئ بمستقبل زاهر وتطور سريع نرجو أن يجد الدعم المعتاد.

في الطريق إلى حوطة سدير تمر بالتويم وهو توأم لجلاجل تستشعر بمجرد المرور عليه صفات الجد والكرم والالتزام وفي الروضة تشعر أنك تدور داخل لوحة بالغة الجمال فالروضة فتاة تعرف كيف تتجمل وترتدي الحلل. حوطة سدير مدينة تعج بالنشاط والحيوية وتوفر الخدمات وهي قلب نابض قريب من كل جسد سدير وأستغرب كثيراً لماذا لا تكون حوطة سدير محافظة فهي أكبر من أن تبقى مركزاً؟!!

لنعد إلى صلب الموضوع أو صلب العنوان ألا وهو القصيم، في القصيم قضيت نصف الإجازة متنقلاً بين محافظات متقاربة لكل منها طابعه الخاص ولا أعتقد أن القصيم في حاجة إلى أن أصفه تفصيلياً لكن الملفت للنظر هم أهل القصيم، شباب القصيم وشيّابهم، انهم في نظري الأجدر بتوطين الوظائف. أقولها شهادة حق أن الوظائف يجب أن تذهب “للقصمان” في ديارهم لا أن يخرجوا هم بحثاً عنها!!

لأول مرة أرى سعودة حقيقية لكل فئات الوظائف، ليس لأن السعودة نشطة في القصيم ولكن لأن شباب القصيم جادون في الحصول على العمل “هذا تفسير شخصي”، في بعض المدن الرئيسية في كل أنحاء المملكة تبحث الصحف عن السعودي الذي يعمل في مطعم وجبات سريعة لتجري حواراً معه لندرته، بينما في القصيم يكاد أن يكون الآسيوي هو النادر في المطاعم!! لم أجد ألذّ من الأكل في مطعم يعمل به شباب سعوديون، حتى الطلب له نكهة خاصة ممتعة، كنت أقول: هامبرجر دجاج بالحبحر بدلاً من (سبايسي شيكن) من فرط الفرحة لأن شباباً يعمل في المطاعم سيقبل العمل في التمريض والمختبرات والورش والمصانع.

في ملاهي القصيم لا يكتفي الشباب بالعمل في الإشراف أو الإدارة مثلما يحدث في مناطق أخرى حيث يتسكع السعوديون إداريون فقط!! في القصيم يندر أن تجد لعبة يشغلها عامل آسيوي أو غير سعودي. دخلت ملاهي “دريم لاند” العائلية في عنيزة فوجدت أنها تجربة فريدة في المنطقة الوسطى جديرة بالتعميم ولا أدري لماذا لا تعمم؟!!

نحن مجتمع برز منا أطباء وصيادلة ومهندسون لكننا نبقى شغوفين دائماً بسماع اللهجة المحلية في الأعمال الأخرى لأننا نفتقدها رغم حاجة شبابنا لها وهذا الشغف الشديد أشبعته في القصيم حيث كانت كلمات “خلوه يلعب” أو “ركبوه بالقارب” تطربني كثيراً لأنها تعزف ألحان الجد والثقة بالنفس والوعي، كان ذلك في الملاهي أما في الورش والمطاعم والمصانع وأماكن البيع فإن الظاهرة الإيجابية الملفتة للنظر والمتمثلة في إقبال الشباب على العمل أعم وأشمل.

ان من الإجحاف ألا يكون في القصيم سوى شركة صناعية كبرى واحدة هي الدوائية ولا أجد عذراً لهذه الشركة وغيرها إن لم تسعود جميع فئات الوظائف.

قد يقول قائل إنك رأيت من يعملون في العطلة الصيفية فقط وهذا قول في صالح ما أدعو إليه فشباب يقضي الاجازة في مثل هذه الأعمال جدير بأن ترحل له الوظائف الدائمة فنحن هنا يهمنا الوعي والقبول بأداء نوعية من الأعمال وليس توقيت الوظيفة كما أن معظم من قابلتهم يعملون بصفة دائمة أو ليس لديهم الممانعة في الانخراط في هذه الأعمال.

إن القصيم وقياساً بالكثافة السكانية والوعي والجدية والرغبة في العمل مع الحرص الشديد على البقاء في المنطقة جدير بأن يكون المكان الأمثل للسعودة وان يحتضن المصانع والشركات الكبرى ويجب أن تخضع الشركات والمصانع المقامة فيه برقابة أكبر على التجاوب مع السعودة لأن عذر عدم الاقبال على الوظائف مرفوض جملة وتفصيلاً في منطقة أهلها بمثل وعي وحماس وجدية أهل القصيم وقد تتوفر هذه الخصائص في منطقة لم أتشرف بالبقاء فيها بنفس المدة. أرجو أن تكون كل مناطقنا قصيم.

الدجاج ‘المحجب’

عندما قام أحدهم بوضع مادة سامة في أحد مستحضرات خافضات الحرارة للأطفال، وبالرغم من أنه عمل إجرامي لاذنب للشركة الصانعة فيه، فإن إدارة الأغذية والدواء الامريكية لم تتردد في إشهار اسم المستحضر والتحذير منه مع سحب الدواء من كافة أنحاء العالم، بل إن الشركة الصانعة ساهمت في التحذير والسحب لعلمها أنها لو لم تفعل فسوف تقاضى حتى ولو كان دس السم تم بطريقة جنائية !!.

المهم في الأمر أن اسم المستحضر التجاري أعلن وتم تحذير الناس منه خلال زمن قصير بعد أول حالة تسمم.

وفي هذا الوقت الذي نسعد فيه بمزيد من الوعي الإداري والشفافية ونبذ التقاعس والمزيد من المصارحة نجد أن اسم شركة دجاج سام يحجب في حين تعلن تفاصيل التسمم نوعا وصنفا وعددا ويعلن أعداد المسحوب من الاسواق ومنع التصدير ودرجة خطورة ونوع البكتيريا السامة التي يحتويها ذلك الدجاج “المحجب”!!.

هل إصابة الإنسان بالتسمم وما سيعانيه من الآم وصراع مع المرض وتكاليف علاجه على نفسه أوعلى الدولة بل وفاته هل كل هذه الخسائر اقل أهمية من حفظ سمعة شركة دواجن أو خسارة تلك الشركة ؟!. لا أعتقد أن المصالح هي التي تحكم هذا الأمر لكن التحفظ الغريب الممعن في القدم ربما يكون هو السبب الأهم.

الحرص الزائد بل المفرط في عدم المساس بمصالح التجار هو مايجعل وزارة التجارة أقل حرصا “على صحة المستهلك وحقوقه !! ربما لأن مسمى الوزارة “التجارة ” يجعلها اكثر حرصا على التاجر تاركة أمر الصحة لوزارة الصحة وأمر الحقوق “أي حقوق ؟ ! وهل للمستهلك عندنا حقوق ؟!!”.

دعونا نجارِ الوزارة في مفهوم حماية التاجر ، ونوجه سؤالا بريئاً يتناسب مع سياق هذا المفهوم وهو “ماذنب بقية شركات الدواجن عندما نحذر من دجاج مجهول ؟!” ألا يؤدي هذا إلى الشك في كل دجاجة محلية ؟! ولماذا يترك تحديد اسم المنتج للشائعات ؟! كل دجاجنا اليوم في وضع شبهة ولا أقول “شك ” لأن هذا المصطلح يستخدم للدجاج الذي يستعد لوضع بيضه ودجاجنا جميعا حسب تصريح الوزارة المسئولة مستعد لوضع بكتيريا سلمونيلا في بطن المستهلك، لأن الدجاجة المسئولة عن حمل هذه البكتيريا مجهولة الهوية !!.

بالمناسبة أليس من المفارقات المؤلمة والخطيرة أن يُفضح مريض يحمل فيروس الإيدز وتنشر صورته بينما يتم التستر على “دجاجة” تحمل بكتيريا؟!! بالأمس القريب صدرت تصاريح مشابهة لحمى الدجاج ولكن تتعلق بالمياه المعبأة التي تسمى تجاوزا “المياه الصحية وكانت كالعادة تصاريح مبهمة، متسترة على اسم المنتج ولازال الشك يحوم حول كل أنواع هذه المياه تاركاً المستهلك في قلق وخوف تارة من وجود مواد مسرطنه في أحد الأنواع وتارة أخرى من وجود تلوث بمياه مجارٍ في نوع آخر وكل منهما مجهول، بل معلوم ولكن متستر عليه (!!) لماذا؟! لأن الشفافية لازالت مثل تظليل السيارات، يكون قاتما في النهار وشفافاً في الليل عندما يضاء المصباح من الداخل لكن المصباح لايضاء إلا لمعجب هيمان !!

ياجماعة ألا يحق لنا أن نعلم مانأكل ونشرب ؟! ألا يحق لنا أن نعرف ماءنا ودجاجنا؟! دجاجنا ياعالم !!دجاجنا!!

مريض الإيدز فضح المستور!!

بدأت في الأسبوع الماضي بتناول قضية مريض الإيدز الذي هرب وانعزل وتمت ملاحقته رسمياً وإعلامياً وكأنه مريض الإيدز الوحيد في بلادنا، وذكرت أن ثمة العديد من العبر التي يمكن أن نستشفها من هذا الموقف لكن مساحة هذه الزاوية قد لا تكفي لسردها، وبدأت بثلاثة من تلك العبر وهي أن هروب ذلك المريض يدل على سوء تعاملنا مع مرضى الإيدز وعدم الشفافية في معالجة قضية الإيدز وأن المطالبة بحرق سريره وأدواته تدل على الجهل بطرق انتقال المرض وعدم تصحيح تلك المعلومة من الجهات المختصة “وعلى رأسها الطب الوقائي بوزارة الصحة” يؤكد مصدر التجاهل والتجهيل وعرجت على المطاردة الإعلامية والرسمية لذلك المريض وكأنه مريض الإيدز الوحيد وما سيؤدي إليه هذا التصرف من عزوف أي شخص آخر عن إجراء فحص الإيدز.

واستكمالاً لما سبق فإن الوقفة الرابعة تكون مع التعامل الطبي مع ذلك المريض بعد اكتشاف إصابته بالمرض، فالمتوقع هو أن يتم استدعاؤه لإخباره شخصياً بأمر إصابته بهذا الداء الخطير ثم تنويمه في المستشفى لمعرفة مرحلة المرض وإمكانية علاجه من بعض الأعراض والمضاعفات المعتادة. ثم إشعار زوجته وأقرب المقربين له بأنه يحمل فيروساً يعدي بالاتصال الجنسي مع حفظ حق المريض في سرية معلوماته الصحية حسب أخلاقيات المهنة.

لكن المفاجأة أن المريض ترك ليغادر المركز أو المستشفى الذي كشف وضعه، وهرب وانعزل وأفشى سره إلى درجة معرفة الصحافة بالأمر وملاحقته ونشر صوره وفضح أمره!!

ولأن الصحافة دخلت في الموضوع فإن العديد من الجهات أصبحت تدلي بدلوها في أمره وأخذ الموضوع طابعاً من الاهتمام المختلف والمعاكس لأبسط حقوق السرية في المعلومات الشخصية.

الوقفة الخامسة مع مفهوم الطب الوقائي لدينا فلماذا نصر كل هذه المدة الطويلة على الاعتماد في استراتيجية الوقاية على وكالة مساعدة للطب الوقائي أثبت الزمن أنها غير قادرة على القيام بأعبائها الأساسية؟! وطالما أن لدينا الوعي التام من كل وجهات النظر الاقتصادية والطبية أن الوقاية من المرض أهم وأجدى اقتصادياً من علاج مضاعفاته “درهم وقاية خير من قنطار علاج” فلماذا لا نولي أمر الطب الوقائي لهيئة وطنية عليا تتكفل برسم استراتيجية سليمة للوقاية من الأمراض خاصة الوبائية والمعدية.

دعونا نقارن بين نشاط اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات ونشاط مكافحة التدخين في كفة ونشاط الطب الوقائي في الكفة الأخرى وسنجد أن أي طفل وكهل وعجوز يدرك جيداً أخطار المخدرات والتدخين وفي الوقت ذاته يجهل السواد الأعظم من السكان طرق انتقال الأمراض المعدية والأوبئة الفتاكة التي يعاني مجتمعنا من انتشارها ولعل أقرب الأدلة المطالبة بحرق أدوات مريض الإيدز “غير المعدية”.

كما يحفل سجل مكافحة المخدرات والتدخين بإحصائيات دقيقة ومحدثة في حين يحمر وجه الطبيب السعودي خجلاً في المحافل الدولية عندما يسأل عن رقم إحصائي في مجال الأمراض المعدية!! أو معدلات انتشار الأوبئة!!

وفي الوقت الذي تحتضن فيه مستشفيات الأمل وعيادات مكافحة التدخين كل محتاج للعلاج بسرية تامة وخطط مدروسة وإجراءات غاية في الدقة والتطوير ومسايرة المتغيرات فإن مريض الإيدز يهرب من الواقع المر إلى الشارع وتتناقل أخباره الصحف، ولولا أن يد الخير والجود امتدت لعلاجه فربما مات وتعفن قبل أن يشكل رقماً في إحصائيات الطب الوقائي!!

وفي حين تعج وسائل الإعلام برسائل التوعية حول المخدرات والتدخين فإن الإطلالة السنوية الوحيدة للطب الوقائي هي في موسم الحج للتأكيد على أن الأمور “تمام” هذا خلاف إطلالات النفي في مناسبات أخرى كلما انتشرت الأوبئة.

إن مريض الإيدز الشهير لم يفضح نفسه وإنما فضح صوراً عديدة من التخبط وقلة الوعي وغياب المتابعة وإهمال الوقاية وإسقاط حقوق السرية الشخصية للمريض والتعامل مع كل حدث طبي على حدة بارتجالية وعشوائية القرن الماضي.

مريض الإيدز والطب الوقائي

لو كتبت سلسلة مقالات عن الكم الهائل من العبر التي قد نستشفها من “حادثة” مريض الإيدز التي اصبحت مادة دسمة للصحف، لربما امتدت سلسلة هذه المقالات سنة كاملة وبطبيعة الحال سوف أُتهم بأني لم أجد ما أكتبه فاشغلت هذه المساحة بموضوع مريض الايدز ذاك، لكن الواقع ان الموقف مخجل للغاية ويستحق لوقفة طويلة،، ليس بسبب اصابة شخص بهذا المرض ولكن بسبب تعاملنا الغريب والمتخلف مع الموقف..

سوف أبدأ وأرى إن كنت سأنتهي او متى أستطيع الانتهاء ولابد من التأكيد على ان مساحة هذه الزاوية لن تكفي لاعطاء الموضوع ما يستحقه.

اولاً: إن هروب مريض الايدز وانعزاله عن الناس يدل بوضوح على اننا لم نتعامل مع موضوع الإصابة بهذا المرض بجلاء ووضوح ولم نتناول مشكلة الايدز في بلادنا بنفس الشفافية التي تناولنا بها مشكلة المخدرات مثلاً بل ليس بربع الشفافية وهذا يدل ايضاً على أننا لم نرسم استراتيجية موحدة لمعالجة قضايانا الاجتماعية وانما نعتمد على اجتهاد الجهة الواحدة او المسئول الواحد وفي هذه المقارنة اجتهدت وزارة الداخلية فنجحت وتقاعست وزارة الصحة فأخفقنا!!..

ثانياً: المطالبة الصحفية بحرق ما تركه مريض الايدز من اغراض كالبطانيات والسرير وخلافه يدل على جهل بكيفية انتقال هذا المرض والذي عرف عن الفيروس المسبب له ضعفه الشديد خارج سوائل الجسم وانه لا ينتقل إلا بالانتقال “المباشر” للدم وبعض سوائل الجسم ولا ينتقل عن طريق ملامسة ادوات المريض وملابسه. ويقابل هذا الجهل بطريقة العدوى والمطالبة بحرق الادوات صمت وعدم تصحيح من ذوي الاختصاص، ما يؤكد ان الجهل سببه التجهيل والتجاهل وكأن ادارة الطب الوقائي في وزارة الصحة لا يعنيها امر تصحيح المفهوم حول هذا المرض ناهيك عن امر التوعية به والشفافية في طرح مشكلته، اما وضع الخطط والاحتياطات للوقاية من المرض والحد من انتشاره فيبدو انها اكبر من مؤهلات هذه الادارة.

ثالثاً: تم التعامل مع هذا المريض وكزنه مريض الايدز الوحيد وهذا خلاف للواقع ومخالف للاحصائيات الخجولة والمتحفظة وقد هبت بعض الجهات على طريقة (مع الخيل يا شقراء) في ملاحقة ذلك المريض ونشر اخبار الملاحقة اولاً بأول حتى غطت اخباره على اخبار شبح الهند (الرجل القرد)، وكأن مريضنا هذا حالة نادرة وهو ليس كذلك،، فكيف نتوقع بعد هذا التصرف وذلك التعامل ان يعترف شخص في هذه البلاد بأنه مصاب بالايدز بل كيف نتوقع ان يقبل انسان بإجراء فحص الايدز، اذا علم انه سوف يطارد هذه المطاردة الإعلامية والرسمية؟

الحلوى الفاسدة لماذا أعيدت؟!

امتداداً لما كتبته في هذه الزاوية يوم الأربعاء الماضي بعنوان “عقوبات تشجع الغش التجاري” حول ما أظنه من عدم كفاية غرامة مائة ألف ريال وقفل المستودع (90) يوماً في حق من يبيع أو يوزع حليب أطفال منتهي الصلاحية وهشاشة هذه العقوبة في حق مثل هؤلاء المجرمين في وقت ترتفع فيه الرسوم تدريجياً على ذوي الدخل المحدود في حين يفترض رفع الغرامات فيما يخص المخالفات التجارية ومنها الغش قبل التفكير في أي شيء آخر.

أقول امتداداً لهذا الموضوع أجد من الضروري التطرق لأمر ورد في نفس الخبر أو نفس اليوم في عدد من الصحف وهو إعادة كميات من الحلوى الأردنية غير الصالحة لاستخدام الآدمي وأخرى من سوريا غير مطابقة للمواصفات وبعض المواد الغذائية من دول أخرى وجد أنها في حال سيئة أو غير صالحة للاستخدام الآدمي.

هنا لابد من وقفة هامة تتعلق بمفهوم اعادة ما يصل إلى موانىء المملكة من مواد غذائية غير صالحة للاستخدام الآدمي أو أثبتت فحوصات مختبرات الجودة عدم صلاحيتها أو عدم مطابقتها للمواصفات، فهذه المادة طالما أنها ترد إلى وكلاء يعلمون جيداً ضرورة مطابقتها للمواصفات وصلاحيتها للاستخدام الآدمي، وهي تصدر من تلك الدول من مصانع تدرك هذه الحقيقة فإن من المفترض عدم إعادتها بإتلافها واعتبارها لم تصل للوكيل وبالتالي فإن المصنع أو المصدر يتحمل مغبة هذا الإجراء وما يترتب عليه من خسارة كما يجب أن يتحمل الوكيل في المملكة غرامة مجزية تعادل الخطورة المترتبة على استخدام هذه المواد لو نجحت في المرور أو اجتازت العينة العشوائية منها الفحوص وأعطت انطباعاً خاطئاً عن صلاحيتها وبالتالي وصلت لمستخدم وسببت له أضراراً صحية..

إن تطبيق الاتلاف للمواد غير الصالحة يحمل عدة مضامين إيجابية تشتمل على سبيل المثال لا الحصر: تشكيل رادع قوي لمن تسول له نفسه تمرير مواد غير صالحة فهو إذا علم أن هذه المواد سوف تتلف إذا ضبطت فإنه لن يجازف بإرسالها للمملكة أما إذاكان يعلم بأن أقصى ما سيتعرض له هو إعادتها فإنه في ظل غياب الضمير لن يتردد بتصديرها فليس هناك ما يدعو لمجرد القلق.

الإيجابية الثانية هي حماية الإنسان في دول أخرى ليس لديها إمكانية إجراء الفحوص أو تفتقر إلى وجود أنظمة رقابية متطورة وبالتالي فإن مصير هذه المواد بعد إعادتها سيكون إعادة تصديرها لهذه الدول وتضرر سكانها.

الإيجابية الثالثة تتمثل في توفير عناء إجراءات الإعادة على موانىء المملكة وما يسببه الأخذ والرد في هذا الخصوص من شغل هذه المواد لمساحات في الموانىء.،، وفي حين لايكلف الاتلاف سوى تشكيل لجنة من كافة الأطراف بما فيه المصدر والوكيل والاتلاف السريع لتلك المواد الضارة..

وللمعلومية فإن إجراء الإتلاف هذا تطبقه وزارة الصححة السعودية في حق كل دواء لا يجتاز فحوص المختبر المركزي حتى الأدوية المصنعة في المملكة،، وهي خطوة تشكر الوزارة على تطبيقها دون هوادة ما جعل للمملكة هيبة شديدة في هذا الصدد، وتجد هذه الخطوة قبولاً لدى الجميع بما فيهم مصانع الأدوية الوطنية ويشكل الإتلاف أحد أهم العوامل في رفع كفاءة الصناعة الدوائية السعودية إلى جانب الهدف الأسمى وهو حماية المريض من أن يداوى بما هو داء.

أتمنى أن تستفيد وزارة التجارة والجهات المعنية في الموانئ من تجربة وزارة الصحة في هذا الصدد وأن نسمع قريباً عن إتلاف المواد الغذائية غير الصالحة بدلاً من إعادتها كما ورد في الخبر.

عقوبات تشجع الغش التجاري

أعلنت وزارة التجارة ممثلة بمكافحة الغش التجاري كشف عدد من عمليات الغش التجاري في مستودعات تحتوي على حليب الأطفال منتهي الصلاحية يجرب بيعه وترويجه وذكر الخبر أن العقوبة بحق أصحاب هذه المستودعات هي غرامة مائة ألف ريال وقفل المستودع (90) يوماً. وأعجب كيف تطبق الحنية والرأفة بمثل هؤلاء المجرمين في وقت ترتفع فيه الرسوم تدريجياً على ذوي الدخل المحدود إلى درجة التفكير في تطبيق رسوم على الطرق.

إذا قسنا هذه العقوبة بالمفهوم التجاري مفهوم الربح والخسارة وهو في صميم تخصص وزارة التجارة فإن أولئك الغشاشين رابحون لا محالة حتى مع خصم مائة ألف ريال وإغلاق المستودع (90) يوماً فهذا المبلغ لا يشكل سوى قيمة بضعة “كراتين” والتالي فإن المجازفة بممارسة الغش التجاري تعتبر أمراً مشجعاً للغاية فذلك الغشاش لو نجح في ممارسة جرائمه مدة ثلاثة أيام سيكون قد ضمن ربحاً كبيراً حتى لو تم القبض عليه، خاصة وأن الربح في سلعة منتهية الصلاحية يعتبر 100% لأن الأصل هو إتلاف هذه السلعة أي أن قيمتها الفعلية قبل البيع هي صفر.

هذا فيما يخص ممارسة الغش في حق أبناء الوطن والمقيمين فيه حيث يعتبر بناء على العملية الحسابية آنفة الذكر رابحاً في كل الأحوال وإذا لم يقبض عليه أو تأجل القبض عليه بضعة أسابيع فإنه سيصبح مليونيراً في ظل تلك العقوبات الهشة المشجعة.

دعونا ننظر للطرف الآخر وهو الوطن، كم سيتكلف نتيجة لتلك العملية؟!.

قد ينتج عن استخدام حليب أطفال منتهي الصلاحية عدد كبير من الوفيات لفلذات أكباد مواطنين أو مقيمين ولا يحق لنا هنا وضع قيمة مادية لخسارة بشرية لأنها لا تقاس بثمن، ناهيك عن ما يترتب عليها من آثار نفسية على الأهل يعاني منها المجتمع ويدفع تكاليف علاجها وثمن انخفاض انتاجية أفرادها، هذا فقط من منظور اقتصادي.

بالمناسبة فإن دية المقتول خطأ كحوادث السيارات هي مائة ألف ريال للفرد الواحد، ولا أعتقد أن القاتل بحليب منتهي الصلاحية يصنف ضمن القتل الخطأ وأذكّر بأنه قتل جماعي إذا حدث وليس قتل فرد.

التكلفة الوطنية الثانية تتمثل في علاج المصابين جراء تناول حليب منتهي الصلاحية إذا كتبت لهم الحياة وهذه أتمنى من وزير التجارة أن يطلب من وزارة الصحة أو أي قطاع صحي آخر إفادته عن فواتيرها!!.

الخسارة الوطنية الثالثة تكمن في تشجيع سلوك الغش والفساد والممارسات الخاطئة على حساب السلوك التجاري السليم “الحلال” فالعقوبات الهشة، المشجعة تشكل وسطاً مناسباً لتفشي الانحراف من المسار السليم إلى الخاطئ إذا نجح الشيطان في مادة الرياضيات ووضع أمام التاجر عدداً من الخيارات المحاسبية للربح والخسارة بناءً على حساب العقوبة الدنيوية الخاصة بوزارة التجارة والأرباح التي تترتب عليها!!

وقد يقول قائل إنك بما كتبت فتحت العيون وسهلت على إبليس عمله وهنا أقول إن عيون الغشاشين مفتوحة بحجم الريال ويبقى أن تفتح وزارة التجارة عيونها!!.

الخسارة الوطنية الرابعة تكمن في حرمان الوطن من موارد مالية مستحقة في شكل غرامات مجزية ومفيدة مثل مليون بدل مائة ألف وهذا أمر أعجب له كثيراً ويقلقني أكثر، ففي الوقت الذي ترتفع فيه رسوم الخدمات من كهرباء وهاتف وانترنت وماء وترتفع فيه غرامات إعادة هذه الخدمات على مواطن كل ذنبه ان الفاتورة لم تصله أو انتظر على أحر من الجمر جمع قيمتها فإن غرامات الغشاشين تكون على هذه الدرجة من الحنية والهشاشة.

لعل من المصادفات الطريفة أن أحد وكلاء وزارة التجارة السابقين كسب قضية تسمم غذائي ضد الخطوط البريطانية وحصل على تعويض قدر بحوالي مليون ونصف المليون ريال مع أن التسمم لم يكن مقصوداً.

أسرى الحواجز لمن يشتكون؟!

أرجو أن تخصَّص دائرة أو هيئة مستقلة تعنى بتقصي أحوال وظروف فئات من المواطنين لا يستطيعون إيصال شكواهم لأنهم يقبعون خلف أسوار لا تسمح لهم بالخروج لأسباب وظروف متعددة ومختلفة ولكنهم غير قادرين على المطالبة لا حضورياً ولا في الصحف ولا في “الإنترنت” وهؤلاء أعانهم الله لا أدري كيف سيتحملون المعاناة اليومية، سواء ممن يتعاملون معهم أو من قصور الخدمات أو من سوء الأحوال الصحية أو كل هذه الظروف مجتمعة.

إذا كان القادر على الشكوى والوصول عبر عدة قنوات، سواء المقابلة المباشرة أو الاتصال الهاتفي أو عبر الصحافة والشبكة العنكبوتية يشتكي بحرقة وألم رغم قدرته على التنفيس عن نفسه بالشكوى، فكيف ستكون حال من يتولد لديه الضغط يوماً بعد يوم دون توفر وسيلة ولو للتنفيس.

الفئات التي أتحدث عنها كثيرة ومعاناتها أكثر من عددها، وفرص الشكوى لديها معدومة لا تتعدى الشكوى لحكم هو الخصم.

كل من حكمت عليه الظروف ان لا يخرج من مأواه يدخل ضمن من أقصدهم وخذ منهم على سبيل المثال لا الحصر نزلاء دور رعاية القصر أو الأحداث ونزلاء دور الرعاية الاجتماعية من العجزة والمقعدين ونزلاء السجون خاصة المحكوم عليهم في قضايا الحقوق الخاصة (وأقصد غير عتاة المجرمين المستحقين للعقاب الجسدي والنفسي)، ونزلاء مستشفيات العزل والمرضى النفسيين في مستشفيات الصحة النفسية والأطفال في دور الرعاية الخاصة بالأيتام واللقطاء.

كل هؤلاء قد يتعرضون (في ظل الرقابة الخارجية المستمرة) للمعاناة من القصور في الخدمات أو الاهمال أو ربما الاساءة والاستغلال من قبل زملائهم أو المشرفين عليهم دون أن يكون لهم سبيل للشكوى إلا لخالقهم سبحانه.

إن ظروف مثل هؤلاء وخاصة غياب السند المحايد أو من هو في صفهم جملة وتفصيلاً قد يغري ضعاف النفوس بالإساءة إليهم أو حرمانهم حقوقهم وهو أمر حدث ويحدث في دول كثيرة لم تنجح في التغلب عليه إلا بدخول الرقابة الخارجية المحايدة من جهة مستقلة استقلالاً تاماً عن القطاع المعني برعايتهم فأحد أهم أساسيات معايير الرقابة هو استقلال الرقيب وإلا فإن عنصر المجاملة والتسويف والتعتيم “وطمطمة” المصائب سيكون هو الأعم والأقرب للحدوث.

لذا فإنني أدعو لسرعة الالتفات لفتح قنوات واسعة “محايدة” للتواصل مع النزلاء خلف الأسوار، مع كامل الثقة والتقدير لمن يرعاهم.

ضريبة تدليل القطاع الصحي

أوردت في زاوية يوم الاثنين الماضي معاناة أب سقط “دولاب” على رأس صغيرته “ثلاث سنوات” وتعرضت لإصابة بالغة وعانى الأمرين من التنقل بها من مستشفى لآخر ونقلها بسيارته أربع مرات وهي مغمى عليها وتلفظ أنفاسها ولم تسعف إلا في المستشفى الرابع.

وكنت قد وعدت بالتعليق على الموقف لاحقاً، وهنا لابد أولاً أن نتفق وعسى أن نتفق على أن جميع المستشفيات والمستوصفات، الخاص منها والحكومي من المفترض أن تكون “سفارات” تمثل الوزارة المسؤولة عن الصحة وتطبق تعليماتها في التعامل مع جميع الحالات والظروف بما في ذلك وضع الكوارث وإعلان حالة الطوارئ العامة لا سمح الله.

أي ان القطاع الخاص الصحي يفترض أن يكون جزءاً من منظومة صحية أهدافها مشتركة وواجباتها متداخلة تصب في الصالح العام مع حفظ حق القطاع الخاص في الاستثمار في جزء الرعاية الصحية، غير حالات الطوارئ!!

دعونا نبدأ بالمستشفى الخاص الذي كان مؤهلاً من حيث الامكانات لإنقاذ حياة الطفلة بتوفيق الله، ولم يفعل، هنا أعتقد جازماً أن معالي وزير الصحة يتحمل المسؤولية في تخاذل المستشفيات الخاصة نحو إسعاف المصابين فقد نشر في الصحف على لسانه تصريحاً مفاده ان قبول الحالات الإسعافية في المستشفيات الخاصة يكون للحالات الحرجة جداً دون وضع تعريف أو مواصفات للحالات الحرجة وضمن أضيق الحدود، وأن يكون ذلك خلال أول أربع وعشرين ساعة من الوضع الحرج، بعده يجب على الأهل نقل المريض إلى مستشفى آخر حال توفر سرير وذلك للحد من تقاعس البعض في نقل أقاربهم “كما ذكر التصريح”.

والمستشفيات الخاصة استقبلت هذا التصريح بالتهليل والتكبير واستفادت من عدم تعريف الحالات الحرجة وأصبحت تتملص من كل الجهات وقد كتبت سابقاً أنني تجولت في أكثر من مستشفى خاص ووجدتهم قد صوروا تصريح معاليه وألصقوه على زجاج غرف الطوارئ وطالبت في حينه بسحب هذا التصريح ومنع المستشفيات الخاصة من اعتبار التصاريح الصحفية “تعاميم رسمية”.

إن من المفترض اعتبار إسعاف المصابين والأمراض الحادة أحد الواجبات لمستشفيات القطاع الخاص شأنها شأن المستشفيات الحكومية، فهي ضريبة الاستثمار في المجال الصحي في دول كثيرة تفرض أنواعاً أخرى من الضرائب ومن باب أولى أن تكون في بلد يقدم كافة أشكال التسهيلات والقروض ويعفى من الضرائب.

وإذا استمرت الحال على ما هي عليه الآن وفق التصريح المذكور ووفق ما يحدث من تملص مسكوت عنه فكيف سنتعامل كوطن مع حالات الكوارث الجماعية لا سمح الله؟!

الجانب الآخر الذي تكشفه القصة وقصص أخرى عديدة هو ضعف الرقابة على التجهيز، فالمستوصف الخاص، لديه سيارة إسعاف ولكن بدون سائق وهذا يدل على أن مجرد وضع هيكل لسيارة إسعاف دون محرك، كاف للمراقبين ان وجدوا!! والمستوصفات أدركت ذلك جيداً فوضعت السيارة للحصول على الترخيص ولم تفعل دورها.

ايضاً حال مستشفى وزارة الصحة ليس بأفضل من حال المستوصف الخاص في هذا الصدد، فسيارة الإسعاف موجودة في مستشفى اليمامة لكنها معطلة أي موجودة شكلاً وغير موجودة في الخدمة مما يدل على أن الوزارة لا تطبق في مستشفياتها مفهوم المراجعة الدورية للجاهزية ووضع خطط طوارئ واختبارها ولو سنوياً بتطبيق حالة طوارئ وهمية فكيف ستكون الحال في المستشفيات والمستوصفات الخاصة التي تشرف عليها الوزارة.

إن المستشفيات والمستوصفات بكافة انتماءاتها سواء كانت خاصة أو تابعة لوزارة الصحة أو أي قطاع آخر هي بمثابة الكف التي يضع عليها ناقل المصاب رأسه لتحمل عنه ما تبقى من معاناة بعد أن نجح في ايصال المريض إليها ويفترض أن تتحمل مسؤولية كافة الاجراءات الإسعافية حتى ضمان استقرار الحالة تماماً دون مقابل مادي ودون تقاعس ويجب أن تكون جاهزة على مدار الساعة لهذا الدور وأن لا تتاح لها فرص التملص أو الاستثمار في هذا العمل أو رفض المصاب بحجة عدم انتمائه للقطاع الذي يتبع له المستشفى.. ويكفي القول ان ثمة معاناة كبيرة في هذا الجانب بسبب عدم الوضوح وترك الأمر دون رقابة إلى درجة ان هذا الأمر أصبح يشكل أكبر همّ لقريب المصاب أو مسعفه في اللحظات الأولى الحرجة حيث يتساءل إلى أين أنقله؟! ومن سيقبل بعلاجه؟!، وهي مسؤولية جسيمة في ذمة المسؤول عنها.