الكاتب: محمد الأحيدب

شـكوى ودعاء

هذا الموضوع يعبر عن رأي المشتكي أولاً وأخيراً ويجسد واقعاً مراً وآخر حلواً لا أرى ضيراً في طرحه كما وردني وترك التعليق عليه لاحقاً مع علمي مسبقاً أنه قد يساء تفسيره ولكن لو حسبنا حساباً للتفسيرات لما كتبنا ولا تحدثنا وربما لما تحركنا مطلقاً.

المواطن عبدالرحمن الحسن اتصل بي يشرح معاناة أجزم أن كل من تعرض هو أو أحد أفراد أسرته لحادث سيواجهها: يقول في عصر يوم السبت 25ربيع الثاني سقط “دولاب” على رأس ابنتي (ثلاث سنوات) فأصيبت بحالة استفراغ شديد ثم إغماء وبدأ الدم يخرج من أذنها وتحولت إلى جثة هامدة.

نقلتها مسرعاً إلى مستوصف الحياة في حي الفيحاء فتفاعل معي الطبيب مشكوراً وأفادني بأن حالتها خطرة جداً وتحتاج إلى نقلها لمستشفى به أشعة مقطعية وبسرعة، فطلبت أن تنقل بإسعاف المستوصف لأنني مرتبك وأخشى أن أعبر الإشارات أو أتسبب في حادث أكثر فداحة فأخبرني انه لا يوجد سائق للإسعاف!! فنقلتها بسيارتي إلى مستشفى اليمامة التابع لوزارة الصحة، فوجدت انه أبعد ما يكون عن أن يسمى “مستشفى” ومنذ وصولي إلى “اليمامة” ونزولي من السيارة أحمل طفلة تلفظ أنفاسها وإذا بالحارس يلاحقني مردداً “أبعد السيارة” الأهم من أمر الحارس هو أن طبيب إسعاف اليمامة أخبرني أنه ليس بإمكانهم عمل شيء لأنها تحتاج إلى أشعة مقطعية وأنه لابد من تحويلها إلى مستشفى “الشميسي” لإجراء هذه الأشعة “كأول شيء يجب عمله!!” وعندما سألته هل ستنقل بالإسعاف؟! أفاد بأنه متعطل وكان أحد الموظفين متحمساً ولكن ليس في إمكانه عمل شيء وسألته عن أقرب مستشفى لديه هذه الأشعة فقال مستشفى التأمينات ولكن ذلك سيكلفك حوالي (50) ألف ريال، فحملت ابنتي وذهبت بسيارتي إلى مستشفى التأمينات ويعلم الله ما عانيته من أخطار وأنا أتنقل بسيارتي من مستشفى إلى آخر. أوقفت السيارة أمام الإسعاف ونزلت بالطفلة فاستقبلني طبيب من الأشقاء المصريين وكان مرتبكاً جداً ومتحمساً ويردد تحتاج إلى مقطعية وطبيب المخ والأعصاب المخول بطلب هذا النوع من الأشعة غير موجود، وأجرى اتصالاته ثم ذكر لي “ماذا نفعل بهذه الادارة السيئة فقد منح الاستشاري إجازة ولا يوجد غيره مخول بطلب هذه الأشعة” وطلب مني ان أذهب إلى الادارة لأنه على ما يبدو متحمس دون صلاحيات، وفي الادارة واجهت موظفاً يؤسفني انه من أبناء الوطن، لكنه على ما يبدو، تربى على وزن الأشياء بميزان المال والتكلفة، فكان بارداً جداً، لا تحرك فيه معاناتي وحالة ابنتي ساكناً، كل ما يشغل ذهنه هو هل علاج الطفلة ضمن الحالات الإسعافية أم أني سأدفع تكاليفها وإن كان لم يقل ذلك صراحة، لكن تمتمته لمن حوله توحي بذلك وبروده لم يكن طبيعياً، ثم التفت إليّ قائلاً “لا يوجد طبيب مخول بطلب أشعة مقطعية!!” قلت له حسناً، اطلب من الإسعاف أن ينقلها إلى مستشفى آخر فلم أعد قادراً على القيادة وعائلتي معي وجميعنا في خطر، فرفض إعطائي إسعافاً مدعياً ان ذلك ممنوع وتارة أخرى يقول لابد من إرسال فاكس إلى مستشفى آخر وانتظار رد القبول فما هو المستشفى الذي تريد؟! صعقني ذلك البرود وعدم المبالاة فأخبرته ان ما سيحدث لي ولعائلتي ولهذه الطفلة البريئة في ذمته وفي ذمة من سمح له بتعريضنا للخطر. وحملت ابنتي وتوجهت إلى مستشفى الملك فهد للحرس الوطني ولا أخفيكم انني كنت معتقداً انه طالما لم يتفاعل معي مستشفى وزارة الصحة المخصص لعامة الناس ولا المستشفى الخاص فكيف سيقبلها مستشفى خُصص لقطاع عسكري لا أنتمي إليه؟! ولكنني أردت ان يشاركني في حمل أزر هذه الروح البشرية أكبر عدد ممكن وأن أبري ذمتي بعمل ما يجب.

وأمام بوابة الطوارئ في مدينة الملك عبدالعزيز للحرس الوطني شعرت بأن من استقبلوني يستقبلون ضيفاً عزيزاً، منهم من يثبت الطفلة بالأربطة الخاصة، ومنهم من يضع المحلول الوريدي ومنهم من يضع جهاز التنفس ولم أشعر إلا وابنتي على سرير خاص تعاود الإفاقة تدريجياً واستمرت إجراءات إسعاف منظمة قرابة ساعة ونصف قبل مجرد ذكر للأشعة المقطعية إلا بعد أن عمل ما هو أهم وهو إنقاذ الحياة بإذن الله، وبعد أن أصبح وجودي غير ضروري حضر إليّ رجل أمن الإسعاف بنفسه هامساً بلطف “ممكن نبعد السيارة” فسلمت المفتاح لأحدهم وأبعد سيارتي وبعد أن خرجت مع عائلتي نبحث عن السيارة جاءني رجل الحرس ليشكرني على تجاوبي بإبعاد السيارة عن البوابة!! ولم تحتج الطفلة إلى أشعة مقطعية إلا بعد حوالي ساعتين للتأكد من نوع الاصابة وبعد أربعة أيام خرجت الطفلة سليمة معافاة بفضل الله ثم بفضل الجهود المدروسة والتعامل الحريص العلمي في إسعاف متخصص خطط له بعناية وبناء على حاجة الوطن وأبنائه. وخرجنا ندعو لولي العهد بأن تكون هذه الجهود في ميزان أعماله الحافلة بالإنسانية ونشكو إليه ما واجهنا من المستشفيات المذكورة من إهمال وبرود وتقاعس.

يا ملاّك العيادات.. استتروا

قال له صاحبه ناصحاً: إذا أردت أن تبرئ ذمتك وتتجنب الوقوع في الشبهات ويكون دخلك من هذه العيادة حلالاً خالصاً فاجعل من الواضح لجميع المرضى ان مركز الاشعة المجاور يتبع لك وان الصيدلية والمختبر المجاورين أيضاً هما من مرفقات العيادة رغم اختلاف الأسماء وألوان اللوحات.

وحين لاحظ عدم اقتناع صاحبه بالفكرة، قال له: أضعف الإيمان أن لا تمتدح مركز الأشعة والمختبر والصيدلية لدى مرضاك وكأنهم جميعاً ليسوا لك وأن لا تبالغ في طلب الأشعة والتحاليل ووصف الدواء.

هنا بدا واضحاً انه وضع إصبعه على الجرح، والجرح إذا لمسته الإصبع يحدث ألماً وانتفاضة وانفعالاً شديداً قد يخرج المجروح عن جادة الصواب!! رد الطبيب صاحب العيادة بانفعال: تطالبني بأن أكون مثالياً وكأنك لا تعرف مجتمعك؟!! وأردف قائلاً بمنتهى الفخر: يا أخي أنا من خيار الموجود، على الأقل استقلت وافتتحت عيادة ومركز أشعة ومختبراً وصيدلية بمشاركة زملاء استقالوا هم أيضاً قبل ان يخلطوا بين العمل الخاص والعمل الحكومي.

هل تعلم لمن المركز الطبي المجاور؟! إن ملكيته تعود لمسؤول لازال يعلو هرم المسؤولية عن خدمات طبية في أحد القطاعات ويستفيد من موقعه ومسؤولياته في التعاقد لهذا المركز وشراء الأجهزة له وربما أثّث بعض عياداته على حساب عمله!!، فهل يمكن مقارنتي بمثل هذا؟! بل كيف لي منافسته وقد وفر الكثير من التكاليف والاجراءات الادارية؟!

صاحبه أدرك ان الخلل يكمن في مقياس المقارنة ومرجعيته وبمن يقارن الإنسان أفعاله، ويقيس حجم مخالفاته.

هل يقارن أفعاله بالواقع السيئ فيعتبرها الحد الأدنى المقبول أم يقيسها بالتعاليم الأساسية فيدرك أن الفساد درجات وانه إنما يقع ضمن هذا السلم عندما يمارس مخالفة مهما صغرت مقارنة بالواقع من حولها.

الموقف يؤكد ان من يمارسون الفساد الاداري إنما يحملون على ظهورهم أزرين كبيرين، أزر سوء استغلال المال العام لمصالح خاصة وأزر لا يقل حجماً وهو تشجيع الغير على ممارسات يعتبرونها أقل خطورة وأهون مخالفة مما يشاهدونه عياناً بياناً ولذا فإن أضعف الإيمان أن نطالب من ابتلوا بإساءة استغلال المال العام أن يستتروا.

‘الفلاتر’ البشرية

الفلتر كلمة غير عربية، أستميحكم عذراً في استخدامها ذلك أن ترجمتها العربية “مرشح” لها معانٍ أخرى تعني عكس ما نريد هنا من الفلاتر البشرية، فهي لا ترشح بل تمنع، وهي لا تصفي لأن ما تمنعه ليس من الشوائب بل ربما أنقى كثيراً مما يمر عبر الفلاتر البشرية.

الفلاتر البشرية تتكون تلقائياً لتشكل حلقة محكمة تحيط بالشخص المهم صاحب القرار والنفوذ فتمنع غيرها من الوصول إليه خشية أن يفوزوا بنفس الحظوة أو يكتشف فيهم مواهب أفضل، وإمكانيات أعلى، ومؤهلات أقوى فيعجب بهم فيقربهم، والفلاتر لا تريد لأي أجسام كبيرة أن تقترب.

الفلاتر البشرية تتشكل حول كل مدير ووكيل ووزير ومسئول كل حسب أهميته، وغالباً تكون محكمة الغلق تحاول جاهدة منع الاتصال المباشر بالمسئول، وحجب “الكفاءات” عنه، وتحرص جاهدة على لعب دور الوسيط الناقل للمعلومة، دون إتاحة الفرصة لغيرها من الاقتراب!!

كم من الكفاءات والقدرات الوطنية والمؤهلين حجبوا بهذه الطريقة، حتى أصبح المجال وكأنه يخلو إلا من فاهم واحد أو محنك واحد أو مؤهل واحد!!

المشكلة ليست في القدرة العالية للفلتر البشري على منع وصول كل جسم كبير التأهيل والقدرات فحسب بل ثمة مشكلة أكبر وهي أن بعض المحيطين بالمدير أو المسئول يمارسون عملية قرصنة للأفكار والمقترحات وينسبونها إلى أنفسهم، وبذلك تجيّر ابداعات المبدعين للناقلين وهذه مشكلة كبيرة جداً أوجدتها صعوبة الوصول، واستخدام الوسيط.

حتى داخل الدائرة الواحدة أو المؤسسة الواحدة تفرض بعض طقوس البيروقراطية أن لا يكتب موظف إلى رئيس الدائرة إلا من خلال مديره المباشر، حتى لو كان يقدم مشروع اقتراح أو فكرة جديدة من إبداعه، فإنه لابد أن “يرفعها” من خلال رئيسه المباشر وهذا الأخير قد تسوّل له نفسه أن من حقه كرئيس أن يستبدل اسم صاحب المجهود باسمه هو كونه المخول بالكتابة، وكم من فكرة وإبداع جيّر لغير صاحبه بهذه الحجة.

هذه الممارسة الخاطئة تقتل روح الإبداع وتحبط الهمم من ناحية ومن ناحية أخرى تقتل الفكرة نفسها لأن صاحبها المزيف غير قادر على شرحها أو متابعتها ناهيك عن تفعيلها. وبين الفلاتر البشرية وقراصنة الأفكار يبقى الوضع صعباً للغاية ويصبح التحرك إلى الأمام بطيء جداً ويعم الجمود وتتوقف الصورة الاجتماعية عند نفس الأشخاص، نفس الشخصيات، نفس الإصرار على اعتبار المدير أو الوزير محمية لمجموعة من الأشخاص ممن يحملون لافتات “ممنوع الاقتراب”.

صيدلانيات الصحة.. الظلم ظلمات

لا أعتقد أن معالي وزير الصحة قد اطلع على وضع الصيدلانيات السعوديات العاملات في وزارة الصحة، وعلم عن ما تعرضن له من ظلم وإجحاف وإخلاف للوعد، فحسب معرفتنا بشخصية معاليه عن قرب فهو رجل ورع، يكره الظلم وينبذ هضم الحقوق ولا يقبل إخلاف الوعد، وأجزم انه لم ولن يقبل ما تعرضت له مجموعة من الصيدلانيات اللاتي خدمن وزارة الصحة على مدى ست سنوات على وظيفة فني صيدلة أو مساعد صيدلي وهي الوظيفة التي لا يشكل راتبها وبدلاتها نصف المرتب المستحق لصيدلانية تحمل درجة البكالوريوس في الصيدلة ولا ترقى واجباتها ووصفها الوظيفي لوظيفة صيدلي قانوني المستحقة لهن أسوة بغيرهن، لكن هؤلاء الصيدلانيات قبلن بوظيفة “فني صيدلة” مؤقتاً على وعد من الوزارة وديوان الخدمة المدنية “آنذاك” أن تتم ترقيتهن تباعاً حسب الأقدمية كلما توفر رقم وظيفي على وظيفة صيدلي.

وفعلاً تمت ترقية بعضهن تباعاً ببطء شديد حيث لا تتوفر الوظيفة إلا بعد طول انتظار وبالقطارة كما ذكرن، وكن صابرات مقدرات لظروف الوزارة ينتظرن على أحر من الجمر أن يأتي الفرج ويمارسن عملهن الذي درسن من أجله أكثر من ست سنوات ويحصلن على الراتب الذي كافحن من أجل الوصول إليه وأنهن أثناء فترة الانتظار هذه يعملن على أساس فني صيدلة بكل ما في هذه الوظيفة من إجحاف لهن في الوصف الوظيفي والواجبات والدوام والأجر الزهيد.

وقد فوجئن بحلول عام 1422هـ أن الوظائف أو الأرقام اللاتي كن ينتظرنها طوال السنوات الست أصبحت تذهب لغيرهن. تذهب لصيدلانيات متنقلات من مستشفيات أخرى كالتخصصي أو الملك فهد للحرس الوطني أو مستشفى القوات المسلحة أو مستشفى الأمن العام. أما لماذا؟! فلأن الوعد أخلف وأصبح إعطاء الأرقام في وزارة الصحة للصيدلانيات حسب المفاضلة وليس حسب الاستحقاق والأقدمية وهذه المفاضلة تعتمد اعتماداً تاماً على الحصول على دورات وبطبيعة الحال فإن الموظفات المتنقلات من تلك المستشفيات كان لديهن فرص الحصول على الدورات بحكم مرونة رؤسائهن المباشرين في حين كان حجم العمل وعقلية بعض رؤساء موظفات وزارة الصحة لا تتيح لهن فرصاً مشابهة.

إننا يا معالي الوزير مع التوجه لتشجيع التعليم المستمر للصيادلة وحثهم على تطوير معلوماتهم بعد التخرج وأنا كصيدلي من أشد المؤيدين لهذا التوجه لكن تطبيقه في حق من انتظرن الوعد ستاً أو خمساً أو حتى أربع سنوات على أمل تعيينهن على الوظيفة المستحقة أمر فيه كثير من الإجحاف فقد كان الأجدر بصاحب الفكرة أن يحقق العدالة أولاً بإعطائهن حقهن الوظيفي وتعويضهن انتظار هذه السنوات وتعيينهن على الوظيفة المستحقة الموعودة ثم مطالبتهن بالدورات لتطوير أنفسهن بعد ضمان تساوي الفرص في الدورات.

إن عملية حسابية لمنصف، عدل توضح أن هؤلاء الصيدلانيات خسرن مبالغ طائلة أثناء انتظار الوعد وخسرن سنوات خدمة في الوظيفة المستحقة وبقين عدة سنوات في الوظيفة الأقل مادياً ومعنوياً ثم بعد هذا تذهب الوظيفة “باردة مبردة” لموظفة قادمة من جهة أخرى بعد أن “غرفت” من معين العلم والمال والبدلات المجزية. كل هذا من أجل توفر شرط الحصول على دورات لم تكن مهيأة أصلاً. هذا أمر فيه من الإجحاف ما لا يرضاه الوزير وأجزم انه قد حُجب عنه!!.

ضحايا تفسير النظام

لا شك أن أحد أهم أسباب شيوع الانزعاج النفسي في المجتمع وغياب الابتسامة وتسيّد حالة عدم الاستقرارالنفسي وظهور العامة بمظهر الانشغال والقلق يعود إلى غياب النظم والإجراءات السلسة التي يفترض أن تحكم شؤون الناس ويحتكمون إليها وتسهل سير معاملاتهم اليومية دون انزعاج وبحث عن وسيط أو الركون لحالة إحباط تام عند أول عقبة غير مبررة بنص قرار أو فقرة من نظام واضح.

وفي الوقت ذاته وكما سبق أن ذكرنا فإن غياب قنوات تقديم الشكوى ضد أي جهة تمارس تعطيل مصالح الناس دون مبرر نظامي ونعني القنوات المحايدة التي لا تعيد الشكوى إلى الخصم ليصبح الحكم ولا تعطل الشكاوى أكثر من تعطيل الجهة للمعاملة، نقول إن عدم توفر قنوات استقبال الشكاوى والبت فيها يأتي سبباً ثانياً إلى وضع الانشغال الذهني وربما الكآبة المستمرة والشكوى الدائمة التي تشغل المساحات الأكبر في الصحف المحلية منذ زمن بعيد تشاركها فيه حالياً الشبكة العنكبوتية، وذلك كون الصحافة و”النت” هما القنوات الأسرع والأجدى للشكوى التي قد تحظى باستجابة أو على أقل تقدير تحقق تخفيف الضغط النفسي عن طريق “التنفيس”.

الأدهى والأمرّ من غياب النظم والإجراءات الواضحة في الجهات الحكومية هو تفسير هذه النظم إذا وجدت فالمراجع الساعي وراء متابعة شؤونه أو مصالحه عرضة للإعاقة من قبل أصغر موظف نتيجة تفسيرهذا الموظف للنظام على حسب فهمه المحدود لفقرة النظام وتمسكه بهذا الفهم أو استغلاله بقصد لتفسير خاطئ للنظام وغالباً ما ينتهي سعي بعض المراجعين الحثيث والطويل إلى نتيجة “تفسير خاطئ للنظام”، وهذا التفسير ليس من خبير أو عضو في لجنة تشريعية ولكن من موظف محدود الفهم يفسر الفقرة بناءً على فهمه الخاطئ.

بيت القصيد أنه سواء غابت الأنظمة والإجراءات التي تحكم علاقة المراجع بالدائرة الحكومية أو تواجدت هذه الأنظمة وأسيء تفسيرها فإن مصلحة المواطن عرضة للإهدار دون أن يتوفر سبيل سهل وحيادي للشكوى واستئناف الركض وراء الحق فليس أمام صاحب الحق إلا شكوى الجهة على وزيرها والذي بدوره سيعيد المعاملة إلى نفس القسم مثار الجدل.. أو أن يعمد إلى الشكوى للصحف عسى أن يجد من يستجيب أو أن يركن إلى الاستسلام للإحباط فيصبح عكر المزاج دائم الانفعال ومن غير المستبعد أن يمارس الشيء نفسه مع مراجع آخر إذا كان موظفاً .. وهكذا يستشري الأمر مع أن حلوله سهلة وممكنة بشيء من المرونة.

بيئة للأخطاء الطبية

لن تنتهي مآسي الأخطاء الطبية ومعاناة الناس منها ما لم يتم تطبيق تعويضات مالية مجزية تعد في خانة الملايين تقتطع من المستشفى المتسبب لصالح المريض المتضرر أو الأسرة المنكوبة، مثلما هي الحال في دول سبقتنا في هذا المجال بميزاته وعلاته.

هذا من ناحية العقوبة الرادعة التي تجعل كل مستشفى يسعى إلى وضع نظم وإجراءات واحتياطات دقيقة وحذرة يهدف منها إلى تلافي الخسارة المالية وبالتالي يحمي الناس من أخطائه.

ومن ناحية أخرى لابد من ترسيخ مفهوم “الرأي الثاني والثالث” لدى كل من المريض والطبيب كحق يجب أن لا يخجل المريض من طلبه ولا يمتعض الطبيب من قبوله.

إن مجتمعنا الصحي رغم كل ما يشهده من تطور، يعتبر وسطاً ملائماً جداً لشيوع الأخطاء الطبية القاتلة وذلك لعدة أسباب أهمها: أمن العقوبة، وبطء إجراءات البت في قضايا الأخطاء الطبية حتى تهدأ الأنفس ويقل الحماس وتزداد المخارج والأعذار، وعدم فرض تعويضات تعادل الآثار الجسدية والنفسية وتبعات الخطأ الطبي التي تمتد مع الضحية الحي حتى يموت ومع أسرة الضحية الذي مات حتى آخر فرد فيها!!

تأتي كل عوامل غياب المحاسبة الجادة متزامنة مع الانشغال بالمصالح الخاصة ومحاولة تحقيق أكبر دخل مادي ممكن من هذه المهنة الإنسانية النبيلة والمتمثل في عمل الطبيب في أكثر من مستشفى وتشتيت وقته وفكره بين عدة التزامات منها الرسمي ومنها خارج وقت الدوام ومنها الاستشارات ومنها التلميع الإعلامي. ووسط هذا الانشغال لكبار الأطباء يبقى صغارهم محرومين من الاحتكاك بالخبرات مهملين تماماً، يتلقون الاستشارة عبر الهاتف على أفضل الاحتمالات ويضطرون للتقرير في مواقف طبية تفوق خبرتهم وقدراتهم. وكأي إنسان فإن العامل في المجال الصحي وبحكم التعود والتأقلم مع الأحداث يصل إلى مرحلة يعتبر فيها بتر العضو وإزالة جزء حيوي وتقرير الاصابة بمرض عضال أو قرب الوفاة عادياً جداً بل روتيناً يومياً مثلما يتعود رجل الدفاع المدني على حمل الأشلاء أو رفع الجثث المتفحمة أو فصل قطع اللحم البشري من حديد السيارة.

نحن لا نطالب بمحاسبة العامل في المجال الصحي على تعوده على معايشة الأحداث المريعة وإنما نطالب بما يجعل هذا العامل يفكر ملياً قبل اتخاذ قراره وهذا لا يمكن ضمانه من الجميع على حد سواء دون فرض سبب مادي وملموس يحث على التريث مع عدم نبذ الجانب الإنساني أو تجاهله.

أما ترسيخ مفهوم طلب رأي آخر كحق من حقوق المريض فيقع على عاتق جهات عدة منها المستشفى والطبيب نفسه والإعلام (عندما تنصح مريضاً بأن يستأذن طبيبه باستشارة طبيب آخر، يخجل كثيراً ويرد بحياء “قله أنت”).

بقي أن نذكّر الزملاء الأطباء وغيرهم من العاملين في المجال الصحي ان أزمة الثقة بين المريض والمنشأة الصحية أو الطبيب ليس سببها ما يكتب من مقالات تهدف لمعالجة المشكلة فالسبب الفعلي هو كثرة الأخطاء الطبية، ولذا فإن مفهوم إن لم تكن معي فأنت ضدي مرفوض في كافة سبل الحياة بما فيها هذا الموضوع.

الإعلام يظلم عسير

أكاد أجزم ان من كتبوا او رسموا الكاريكاتير ملمحين الى غلاء السكن أو عدم توفر المساكن في مصايفنا وبالذات في أبها، هم ممن لم يزوروا المصايف الداخلية واذا غلبنا حسن الظن فهم ممن اعتمدوا على السماع دون الممارسة وقد سمعوا من مُبالغ او من غير مؤيد للسياحة الداخلية.

أمضيت صيف العام الماضي متنقلاً بين عدة مصايف داخلية ومستقراً في ابها، وتعمدت تنويع السكن دون سابق حجز فوجدت عكس ما كنت اقرأ من مقالات توحي بغلاء السكن او رسومات تسخر من عدم توفر المساكن وغلاء الايجارات مما يهبط همة من ينوي قضاء الاجازة في مصايفنا..

حصلت على اجازتي العام الماضي فجأة دون سابق تخطيط لظروف عملي وحجزت على الخطوط السعودية لثمانية افراد الى أبها فلم أجد أدنى عناء، ووصلت ابها دون ان احجز مسكنا فلم أجد أدنى مشقة في العثور على سكن رائع في فلل قرية سياحية في السودة، “أجمل بقاع الدنيا مناخا صيفيا” باسعار يومية تتراوح بين 250و 400ريال حسب عدد الغرف وهذا المبلغ يعتبر معقولا للغاية مقارنة بسعر سكن فيلا او حتى غرفة مفردة في فندق في اية منطقة جذب في العالم فأين الغلاء؟! وأين شح المساكن؟! “البعض صور شح السكن الى درجة اضطرته للسكن في مستشفى!!

بعد الاستقرار لعدة ايام والاستمتاع بخدمات ومرافق القرية السياحية، غلبت عليّ ميولي القروي فقررت الاستمتاع بالريف في مسكن منفرد في نفس المنطقة شاهقة الارتفاع فكانت الخيارات متعددة من المنازل الجميلة المفروشة والمؤثثة بكل الاحتياجات الاسرية ولم يتجاوز ايجار اي منها مائتي ريال يومياً مع ان العقد يحدد ان الماء والكهرباء على المالك واخترت منزلا جميلا يقع منفردا في قمة جبل تلامسه السحب من كل جانب ويصل اليه الطريق المعبد حتى عتبة الباب بايجار يومي قدره مائة وخمسون ريالا علما ان قيمة صهريج الماء الذي يتكفل به المالك متى شئت هي مائة ريال!! فما عساه يوفر؟! واي غلاء يتحدثون عنه؟

في ذلك المنزل امضت الاسرة أسعد 30يوما صيفيا لم تجدها في اي مصيف آخر من قبل (لا أحب الحديث عن تجارب الذات ولا اقولها تباهيا ولكن توثيقا واداء شهادة حق وحتى لا يقول قائل، هذا ماشاف عيشه، فقد قضيت اجازات صيف في اورلاندو وباريس وماليزيا ولندن ولم اجد امتع ولا أجمل ولا ارخص ولا آمن من عسير).

كان السحاب يحتضن المنزل الصغير من كل جانب حتى لا تكاد ترى من حولك، تنام على صوت زخات المطر وخرير الجداول وتصحو على نغمات حبات البرد تطرق الباب الحديدي الآمن فأي سعادة اكبر ينشدها السائح!

ما الذي يريده الهارب من حر الصيف اكثر من نسمات باردة وظواهر طبيعية فريدة وتحليق فوق السحاب وتجوال في منتزهات طبيعية بكر “بأمان تام لا غريب ولا مستغرب” وبين مواطنين قمة في الكرم وحسن التعامل..

اين يجد رب الاسرة نظما واجراءات تصون حرمة العائلة وتمنحها الميزات والاولوية (العائلة في مصايفنا هي بطاقة التسهيلات الذهبية) هذه الميزة لا تشعر باهميتها الا عندما تفتقدها في الخارج باستثناء من لا يهمهم تقديم التنازلات من بند العادات والتقاليد والأخلاق والقيم..

البرفسورالوحيد

البرفسور لقب علمي بحت يفترض أن يتداول في الأوراق البحثية المتخصصة وفي المجلات العلمية والمؤتمرات إذا لزم الأمر، لأن مولد هذا اللقب يتم في أروقة الجامعات ويمنح لكل من وصل إلى درجة أستاذ، بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه وتدرج في سلك التعليم الجامعي وترقى بموجب أبحاثه وتحقيقه لمتطلبات الترقية حسب اللوائح من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك ثم أستاذ.

أعداد من حصلوا على هذا الشرف من أساتذة الجامعات لدينا كثر بل هم كثيرون جداً، لكنهم لا يستخدمون لقب “برفسور” في غير محله وأعني مثلاً في الإعلام!!

ولأن لكل قاعدة شواذ فإن قلة قليلة يحرصون على ترسيخ هذا اللقب عند ظهورهم الإعلامي، حتى أصبح يتكرر في الإعلام المقروء والمرئي والمسموع عن شخص أو اثنين، وكأن هذا البلد الزاخر بالمؤهلات والقدرات ليس فيه إلا برفسور واحد.

هذا السلوك لا ننتقده لأننا نمقت حرص البعض على استغلال غفلة الإعلام لتزيين ذاته بألقاب يرفض غيرها استخدامها في غير محلها كما يفعل هو، ولا نستنكر هذا السلوك حسداً لمستخدمه، لكننا نرى في هذا الاستغلال لسطحية بعض الإعلاميين إضراراً بالصورة العامة للوطن لأن ما يحدث يصور الوطن وكأنه “وحيد البرفسور” وهو ليس كذلك، ويميز شخصاً على أقرانه ممن هم أقدم منه في هذا الشرف لمجرد أنه خالف القاعدة ونجح في استغلال الغفلة لإيهام الآخرين بتميزه وهو غير مميز!!

تلك ليست هي الأسباب الوحيدة، فالموضوع تعدى مجرد إرضاء هوى النفس بإشباع رغبة التزين بالألقاب إلى الحصول على مميزات مادية مصدرها إيهام الناس بالتميز، ففي هذا الزمن تتسابق المستشفيات الخاصة مثلاً على استقطاب بعض أساتذة كليات الطب، ورغم أن عدداً كبيراً منهم هم في الواقع سواسية في مجال اللقب العلمي “أي أنهم أساتذة جامعة، استشاريون في مجال تخصصهم الطبي” إلا أن استخدام قلة منهم لكلمة “برفسور” إعلامياً يجعل إقبال المستشفيات الخاصة على هذه الفئة أكبر بكثير ويغدقون عليهم في العطاء ليس جهلاً بحقيقة أنهم سواء مع غيرهم في هذا اللقب، ولكن لعلمهم أن استخدامه إعلامياً مصدر جذب للمرضى الذين لا يدركون حقيقة غياب التميز، وبذلك فإن هذا الاستخدام غير المنطقي يطال ضرره العامة في شكل استغلال واضح وتغرير يسهم فيه الإعلام بشكل كبير.

الطريف أن تعريب هذا اللقب هو “الأستاذ الدكتور” ويرمز له بـ(أ.د) لكن هذا التعريب لا يشبع رغبة الباحث عن البهرجة الإعلامية لأن كلمة “أستاذ” اشتهر استخدامها الخاطئ في الإشارة إلى كل (مدير) أو (أديب) أو (كاتب) فأصبحت أقرب إلى غير المؤهل أكاديمياً منها إلى ما بعد الدكتوراه!!، لذا فإن ارتداء حلة “البرفسور” أحب إلى من يحب نفسه من نفسه!!

المستشار المنشار

وعدت في مقال السبت الماضي أن أتطرق لبعض الصور السلبية لعمل المستشار غير المتفرغ في الجهة التي طلبته “للاستشارة” وذلك بعد أن عرجت على بعض الممارسات في الجهة الأصلية حيث أهمل بعض أساتذة الجامعات وظائفهم الأساسية وتفرغوا لجهة الاستشارة وظاهرة تعدد الاستشارات لشخص واحد.

في بعض الوزارات التي تستعين بمستشارين من الجامعة تحدث ممارسات غريبة أستغرب السكوت عليها كل هذه المدة بل من المضحك المبكي انها تحدث أصلاً رغم وضوح الهدف والوصف الوظيفي للمستشار!!

في بعض الوزارات يقوم المستشار غير المتفرغ بمهام تنفيذية ويتمتع بصلاحيات اتخاذ قرار تنفيذي، كان من المفترض ان يتخذه الوزير أو وكيل الوزارة أو المديرون التنفيذيون في الادارات المختصة، مما جعل بعض المستشارين غير المتفرغين في وزارة ما أهم بكثير من وكلائها وأكثر انشغالاً منهم وأعم صلاحيات، وهو أمر له خطورة بالغة لأن المستشار في هذه الحالة يتمتع بصلاحيات ليست من حقه ولا ضمن صميم عمله كمستشار ومعفى تماماً من مسئولية القرارات التي يبت فيها تنفيذياً لأنه لا يتبع لتلك الوزارة. فهو داخل في الأهمية والصلاحيات خارج من المسئولية والمحاسبة.

المستشار من المفترض أن يقدم استشارته وآراءه بحكم تخصصه للجهة المعنية في الوزارة لكنه لا يدخل في النواحي التنفيذية ولا يحتك بالمراجعين وأصحاب المصالح ولا يصرح للصحف ويقرر ما يعتمد وما يرفض في معاملات المراجعين.

ما يحدث في بعض الوزارات ان مستشارين غير متفرغين من أساتذة الجامعات مثلاً هم أهل القرار فيما يخص مصالح شريحة عريضة من الشركات والمؤسسات والوكلاء وملاك منشآت خاصة ذات علاقة مباشرة بالناس، وهؤلاء الملاك يهمهم من يملك القرار في شأن منشآتهم، ولذا أصبح بعض المستشارين أهم من وكلاء الوزارة أنفسهم!! والأهمية كشخص ليست العنصر الوحيد الحساس هنا ولكن تحديد المسئولية فيما قد يحدث من سلبيات في أمور حيوية!!

الأدهى والأمرّ أن بعض المستشارين غير المتفرغين هم أعضاء فاعلون في لجان تنفيذية في الوزارة تتعلق بمصير ومصالح شركات أو مؤسسات وفي الوقت ذاته هم مستشارون في بعض هذه الشركات أو أعضاء مجلس ادارة في شركة مصيرها مرهون بقرار تلك اللجنة فكيف يسمح بذلك؟!

أليس لدينا في هذا البلد إلا هذا الولد لنسمح له بأن يكون عضواً في لجنة تنفيذية ونحن نعلم أنه مجرد مستشار؟!، ثم إذا علمنا أنه عضو في مجلس ادارة أو مستشار في شركة تدخل ضمن تخصص الوزارة وأعمالها مرهونة بهذه اللجنة فلماذا يستمر عضواً في قرار تنفيذي يتعلق بنفس المجال؟!

الكثيرون من أساتذة الجامعة المثاليون أو الملتزمون بالحد المقبول من الابتعاد عن المحاذير يرفضون وضع أنفسهم في مثل هذا الحرج!! فإذا وجد من لا يهمه التقيد بمثل هذه الأخلاقيات فلماذا نسمح له أصلاً؟!

خلاصة القول في مقال السبت الماضي وهذا اليوم أن موضوع المستشار غير المتفرغ يحتاج إلى إعادة نظر ومحاسبة وتدقيق بما يخدم الصالح العام ويدرأ الشبهات حتى لا يصبح المستشار كالمنشار!!

المستشار غير المتفرغ لعمله

هذه السطور لا تلغي إجلالنا وثقتنا الكبيرة في معظم أساتذة الجامعات بل هي حماية لسمعة الأستاذ الجامعي الرمز.

المفترض نظاماً أن يعمل المستشار غير المتفرغ لجهة ما حوالي 15ـ 20) ساعة أسبوعياً خارج وقت الدوام الرسمي لجهة الاستشارة وأن يبقى جل وقته لصالح عمله الرسمي في جهته الأصلية. وأن تكون الاستشارة لجهة واحدة فقط.

ما يحدث الآن من ممارسات من بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات ممن يعملون كمستشارين غير متفرغين لوزارات أو قطاعات أخرى أنهم يعملون جل الوقت أو كله لصالح جهة الاستشارة تاركين أعباء التدريس والدروس العملية لبعض المساعدين من المتعاقدين.

البعض أصبح يكلف الفنيين للقيام بأعبائه الأساسية في الكلية ويتواجد في جهة الاستشارة صباحاً وظهراً، ولا يكاد “يزور” جهة عمله الأساسية إلا لحضور اجتماع القسم او الكلية أو إعطاء أقل من الحد الأدنى من المحاضرات وفي هذا إجحاف في حق زملائه المخلصين والحصول على مميزات غير مستحقة نظاماً وتسهيلات لا تقرها اللوائح ولا تدخل ضمن أهداف الاستشارة بدون تفرغ.

المستشار غير المتفرغ أصبح موظفاً متفرغاً لجهة عمله الأصلية وهذه الظاهرة لها تبعات خطيرة على مستوى أداء الجامعات وحق الطالب في الاحتكاك بأستاذه والنهل من نبع علمه ومبادئه وأخلاقياته.

ليس هذا فحسب بل إن بعض المستشارين ونتيجة انصرافه نحو اعمال الجهة التي استشارته وتراكمها عليه أصبح يستغل بعض الفنيين في الكلية للقيام ببعض أعباء أعماله كمستشار فيكلفهم بأعمال خارجة عن حدود عملهم ولجهة أخرى هو المستفيد منها.

هذا السلوك استشرى وتمادى بعد الغاء التفرغ الكلي في الاستشارات فأصبح المستشار المتفرغ جزئياً هو في الواقع متفرغا كلياً بل عبء على الجامعة أو الكلية.

ليس هذا فقط بل إن البعض وفي مخالفة صريحة شائعة للنظام يعمل مستشاراً غير متفرغ لأكثر من جهة وبمعدل ثلاث استشارات للأستاذ الواحد في الوقت نفسه!! فأين عدم التفرغ هنا؟! وأين التركيز؟! وأين الفائدة الوطنية أو المردود الإيجابي في هذه الحالات؟!

تبعات هذه المخالفة الصريحة لا تنحصر في فقدان الثقة والكسب غير المشروع، وهضم حقوق المخلصين وأصحاب المبادىء الثابتة بل إن عنصر القدوة الحسنة أصبح مهدداً بالاهتزاز فأساتذة الجامعات الجدد ونعني الأستاذ المساعد اصبح يفتقر للقدوة الحسنة بعد أن تفشت هذه الظاهرة، فهو أمام خيارين أحدهما مثالي لكنه مر وهو أن يتمسك بمبادئه ويتحمل التبعات في شكل ضغط العمل والإرهاق لمصلحة غير مشروعة للآخرين أما الخيار الآخر فهو أن ينجرف مع التيار المخالف فيعم الفساد!!.

أما إذا أردتم المضحك المبكي لتأثير هذه المخالفة غير اللائقة بصروح العلم الشامخة فإنه المتمثل في تحول الكليات إلى “أقلمة” ذاتها مع هذا الوضع الخاطىء فالكلية أصبحت تضع جداول المحاضرات العملية والنظرية لتنتهي الساعة الثانية عشرة ظهراً وذلك لتناسب “السادة المستشارين” وهذا يعتبر من أخطر أنواع التأقلم مع الأخطاء!! ومن دلالات تفشي الظاهرة.

وإذا صح لنا أن نقترح الحلول فإنني أعتقد أنها سهلة وممكنة ومنها نبذ المجاملات وفرض اللوائح والأنظمة دون تراخٍ والتأكيد على ضرورة الالتزام بإرسال خطاب من الجهة الراغبة في الاستشارة ولا أعتقد أن البجاحة ستصل إلى حد إحضار الشخص لثلاثة خطابات من جهات مختلفة!! وبذلك نقضي على تعدد الاستشارات!!

ويجب أن يوقع المستشار المتفرغ تعهداً بأن هذه الاستشارة هي الوحيدة وأنه ملتزم باللوائح وشروط التفرغ الجزئي يؤسفني أن يطلب من أستاذ الجامعة توقيع تعهد، لكن هذا ذنب من يسيئون إلى المهنة!!.

كما أن من الضروري فرض المزيد من الرقابة الذاتية داخل الجامعات والرقابة الإدارية من جهات خارجها بما يضمن أن تكون صروح التخريج على درجة من الانتظام لنضمن أخلاقيات منتجاتها.

هذا فيما يخص صور إساءة استغلال الاستشارة مع عدم التفرغ في الجهة الأصلية للعمل. أما الصور الغريبة الملتقطة من الجهة “المستشيرة” فإنها مثيرة ونتطرق لها لاحقاً.