يا قاتل يا مقتول

حوادث كثيرة تلك التي تحدث من مرؤوس على رئيسه في العمل، تتراوح بين الضرب وتكسير السيارة والممتلكات وتصل غير مره إلى حد القتل، وأحدث أخبار قتل موظف لرئيسه في العمل هو ما حدث في حي النسيم في الرياض ونشرته «عكاظ» أمس.
أنا لن أكتب بعاطفة عن هذا الموضوع بشجب القاتل والمطالبة بحق الضحية، فالقتلة تتولاهم عدالة شريعة هذا البلد الأمين والضحايا رحلوا إلى دار القرار، والجريمة واضحة لا يمكن تبريرها أو تهوينها أو تضخيمها فليس شيء أعظم من قتل النفس بغير حق.
الذي يجب أن نثيره حول موضوع اعتداء المرؤوس على رئيسه السابق أو الحالي هو سن الأنظمة الشفافة التي تحيط بعلاقة الموظف بعمله وبرئيسه ونشرها وشرحها لكل موظف، والأهم من هذا وذاك التقيد بها وتطبيقها بحذافيرها وفرض الرقابة على التطبيق.
أرجو أن لا يطالب المديرون، وأنا واحد منهم، بعد هذه الحوادث بصرف (بدل خطر) لأن المشكلة ليست في خطورة الموظف ولا خطورة المسؤولية ولا في خطر يهدد كل رئيس ومدير، المشكلة يا سادة يا كرام في غياب الأنظمة التي تحكم هذه العلاقة وإن وجدت فثمة غياب لتطبيقها على أرض الواقع وتوضيحها للناس عن طريق هذا التطبيق حتى نصل إلى حالة واقعية واضحة لا يحق فيها للمدير أن يطبق ما يشاء متى شاء، ونترك للحاسب الآلي (الكومبيوتر) تطبيق النظام الشفاف وعندئذ دعهم يقتلون الكومبيوتر.
مشكلتنا يا سادة يا آمنين أن المدير والوكيل يتعامل مع مكان العمل وكأنه حوش في بيته أو بيت أبوه، والموظفين وكأنهم بشر (بلاش نغلط) في هذا الحوش مصيرهم مربوط بمزاج المدير أو الرئيس أو الوزير، والوظيفة بكل أنظمتها وقواعدها أداة بيده، هي سوط إن أرادها سوطا يروض ولا يكسر وعصا إن أرادها عصا تكسر العظم والخاطر يتكئ عليها في سلطته ويهش بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى، وهي جزرة إن أرادها جزرة حلوة يضعها في فم من يشاء.
لسنا في حاجة لبدل خطر للمدير، نحن في حاجة لمنع خطر المدير على الناس وعلى نفسه بتحديد علاقة يكون فيها المدير تنفيذيا لنظام وليس نافذا متحديا للنظام، وعندها لن يتكون شعور لدى موظف أن المدير ظلمه ولن يحتاج إلى معاقبته لأن الأداة لا تعاقب، فإذا أصبح النظام فقط هو من يعين ويرقي ويكافئ ويعاقب ويفصل (وذلك على الجميع) فلن يظلم أحد ولن يغضب أحد إلا على نفسه.

معلم كسلان

يتذمر صاحبي من هشاشة المنتجات الحديثة مقارنة بالزمن القديم ويستشهد بالسيارات، فيقول: إن جسم السيارة (البودي) كان من الحديد الخالص القوي، فكان أمان الركاب أكثر بكثير إلا من التطاير لعدم ربط الحزام، أما اليوم فإن جسم السيارة كله من (الفيبرجلاس) لا يكاد يحدث أبسط احتكاك حتى تجدها تحطمت تماما، ثم يضيف أمثلة أخرى بالعدد والمفكات والزراديات التي لم تعد تصلح لأكثر من استعمال واحد فتندثر أو تنكسر، ويقارنها بعدة الميكانيكي سابقا، حيث كان الميكانيكي يموت وتبقى عدته يرثها الأبناء أبا عن جد أو تباع برأس مالها بسبب المتانة والقوة وجودة الصناعة، وهكذا يستطرد صاحبي مستشهدا بأمثلة أخرى لهشاشة المنتجات الحديثة من أثاث وورق وأخشاب ومسامير وخلافه فلم يعد ثمة وجود للأصلي.
قلت إن التأصيل والجودة اختفت في كثير من الأشياء في حياتنا أهم كثيرا من المنتجات الاستهلاكية وأصبحت شكوى عامة، فأنت تشتكي من ضعف جودة المنتجات، وغيرك يشتكي من ضعف أدائك في عملك، وآخر يقارن معلم اليوم بمعلم الأمس فيجد فارقا كبيرا في الإخلاص والجهد، ويقارن بين طبيب اليوم وطبيب الأمس فيجد بونا شاسعا في الالتزام بأخلاقيات المهنة والصدق مع المريض والتعامل الإنساني وتحولا إلى المتاجرة في الصحة، ويقارن مهندس اليوم بمهندس الأمس فيجد تهاونا وفسادا استشرى وأثر على جودة المشاريع وقوة البناء وعمر المبنى، وآخر يقارن كاتب اليوم بكاتب الأمس فيجد ضعفا شديدا في الثبات على المبادئ وعينا تستحي إذا أطعم الفم.
حتى طلاب العلم الشرعي يا صاحبي لم يسلموا من الهشاشة، فكثر من يفتي بعد قراءة ربع كتاب وهذا إذا قارنته بمن كف بصره من القراءة أو من مات منقطعا في البحث والدراسة ولم يصدر من أي منهما فتوى واحدة، خارج سرب العلماء لمست فرق الأمس عن اليوم.
ضعف الجودة يا صاحبي شامل لا يقتصر على العدد والمواد والأدوات بل حتى على العقول والمبادئ والذوات، وإذا كانت علة السيارة في (البودي) فإن علة البشر في المكينة، وفي ظني أن السبب واحد وهو ضعف الصناعة والإعداد والاستعجال في الإنتاج، ففي الزمن الجميل كان كل شيء يأخذ وقته حتى ينضج، سواء كان منتجا استهلاكيا صناعيا أو خريجا بشريا يشكل مشروع إنسان يحمل أمانة عرضت على السموات والأرض ولم يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان الظلوم الجهول، وما كان أقل في السابق هو ظلم الإنسان وجهله، وهو ما زاد حاليا فقلت معه الجودة، فأصبح لدينا معلم كسلان وطبيب مهان ومهندس (خربان).

اقتياد المرأة للسيارة

يصدم الملتقي إلى درجة الأسف والإحباط؛ حينما يرى أن الحوار يتحول إلى تعصب للرأي أو الهوى أو التيار إلى درجة المغالطة ولي عنق الحقيقة إلى حد الاستغفال، رغم أن المشاركين هم ممن يصنفون أنفسهم ضمن النخبة الواعية؛ إما حسب الشهادة أو التجربة الوظيفية أو المكانة الاجتماعية أو هم كذلك، مما حدا بالقنوات الفضائية استضافتهم لمناقشة قضية ما والتحاور حول جوانبها المتعددة سلبا وإيجابا بناء على حقائق وواقع وليس هوى واستغفالا.
خذ مثلا واضحا؛ موضوع قيادة المرأة للسيارة في السعودية، أولا من الجهل بتاريخ القضية أو التجاهل الأناني أن يقول قائل إن طرحها بدأ في عام 2005م، إذ إن الطرح بدأ من صحيفة الجزيرة في عهد رئاسة الأستاذ خالد المالك الأول؛ أي منذ ما يزيد على 30 سنة، وتحديدا في صفحة (عزيزتي الجزيرة) وكان حوارا جادا شاملا لكل الجوانب شارك فيه عدد كبير من المخلصين من فريقين؛ منهم من يؤيدون قيادة المرأة لأسباب أبدوها ولم ينكروا نقيضها أو يتجاهلوا صعوبتها وسلبياتها، وفريق لا يؤيدها لأسباب أبداها ولم ينكر ما يناقضها ونوقش الموضوع حتى قتل بحثا.
وعندما يأتي من يربط إثارة الموضوع بإثارته هو للموضوع ويتجاهل تاريخا مكتوبا، فليس من المستغرب أن يتجاهل جملة من الأساسيات منها أن المجتمع غير جاهز لخوض هذه التجربة.
من لي أعناق الحقائق أيضا أن يتم مقارنة المجتمع السعودي، الذي ولله الحمد، كون نفسه بنفسه ولم يدخله مستعمر، بمجتمعات دخلها المستعمر وبقي فيها زمنا طويلا أدخل خلاله قيادة المرأة للسيارة مبتدئا بالنساء من جنسيات المستعمر ووضع الأنظمة وجربها على هؤلاء النسوة كما هي في بلدانهم، وجس نبض المواطنين في خوض التجربة وبدأوا بها تدريجيا بالأكثر جرأة والأقل التزاما بقيود وعادات اجتماعية لم ينكرها المجتمع بأسره، بل إلى هذا الوقت ورغم سلامة التجربة لم يقتنع بها ويمارسها الجميع وما زال السائق موجودا ورؤية المرأة على المقود نادرا.
من المغالط أن تقارن مجتمعنا بمجتمعات عاشت أجيالا من الفتيات مارسن قيادة السيارة.
وهم أيضا تناسوا غياب الأدوات للتطبيق، يقارنوننا بدول أخرى ويتجاوزون حقيقة اختلاف تفعيل الأنظمة المرورية بيننا وبينهم بدليل أن من يفحط عندنا يربط الحزام هناك، حتى شركات إصلاح العطل على الطرق غير متوفرة لدينا ومتناثرة في مدن العالم وهي من الأدوات الغائبة.
الأهم أن رغبة الطرف المعني بالأمر وهي المرأة لم تدرس إحصائيا والذي تردد عن عدد من السيدات من مختلف الشرائح أنهن يردن ما هو أهم حقوقيا من القيادة وكأن البعض يريد أن يقتاد المرأة للسيارة.

لا تظلموا المالية

لم أندم على شيء كتبته قط، مثلما ندمت على مطالباتي منذ أكثر من 25 سنة بأن تستفيد كل مؤسسة حكومية من الإيرادات المالية لنشاطها، بدلا من أن تجتهد المؤسسة في نشاطات تحقق دخلا ماليا يذهب لوزارة المالية، فلا تستفيد منه الجهة التي اجتهدت في الحصول عليه، وبالتالي يقل حماسها للحصول على المزيد.
ندمت؛ لأنني وبعد أن تم تطبيق ما كنت وغيري نطالب به رأيت بأم عيني كيف أن إيرادات بعض المؤسسات يتم صرفها دون اكتراث ودون أولويات وبدون استفادة حقيقية، بل إنها أصبحت مثل المال السائب الذي يعلم السرقة؛ لأن الرقابة على الصرف وتحديد الاحتياجات لا بد أن يتما من جهة خارجية، وإلا فإن مثل هذه الإيرادات سيتم التعامل معها كمال سائب، ولعل أكثر الحالات شيوعا غير السرقة هو أن يستخدم المال في تلميع الأشخاص أو شخص المدير بعقود خيالية وغير مراقبة، ولا أنسى موقفا لأحد المتبرعين كان يقول: قدمت دعما ماليا هدفت منه إلى تحسين خدمة فئة تخدمها جهة حكومية، فقبل المدير العام رأسي لأجعلها لشأن آخر فيه بروز له شخصيا وليس في حاجة لدعم، لكنني أحرجت فقبلت بعد تقبيل الرأس.
إذا، فإن وزارة المالية لا تلام إذا تشددت في الصرف واعتماد المبالغ، فمن المؤكد أنها مرت بتجارب عديدة اعتمدت فيها مبالغ وصرفتها لمشاريع، لكنها وجدت أنها كانت كبيرة أو مبالغا فيها مقارنة بالمشروع بعد الإنجاز. وحقيقة، فإن ما حدث من نتائج ومشاهد لمشاريع صرف السيول ــ مثلا ــ هو شاهد لوزارة المالية وليس عليها، فثمة مشاريع كشفت السيول أنها مشاريع من قش، وهذا يدعو لمزيد من حذر وزارة المالية من اعتماد أرقام فلكية لمشاريع (فكاهية) في نتائجها.
الحل الوسط ــ في نظري، وأرجو أن لا أندم مرة أخرى ــ هو أن تمنح وزارة المالية صلاحية المساءلة عن ما تم صرفه بشكل تفصيلي لا يقتصر فقط على التأكد من البنود ومخصصاتها وتنقلاتها، ولكن عن تفاصيل تطابق ما تم صرفه مع ما تم إنجازه خطوة بخطوة وريالا بسلعة، وهذه تجربة موجودة على مستوى مصغر في منح الأبحاث المقدمة من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، حيث تتابع المدينة مراحل الصرف، وتطلب قوائم شراء الأجهزة والمواد وخلافه، ولكن تطبيق هذا الاقتراح يتطلب مزيدا من الوظائف الرقابية لوزارة المالية، ومزيدا من الدعم لهيكلتها التي بقيت كما هي، رغم أن الشق يكبر ويكبر عن رقعة الرقابة.

وقفات أسبوع واقعي

** أشفق كثيرا على من يعتقد أن الناس ما زالت تصدق الأخبار الإنشائية المبهرجة التي تدعي إصدار قرارات لتطوير العمل الإداري والارتقاء بالخدمات، ذلك أن الناس تدرك الفرق بين ما يحدث على أرض الواقع في الوزارة وبين الجمل الإنشائية التي لا تعدو كونها إبداعات طالب كان ينجح في مادة «التعبير» يتجاهل أن الناس تتواصل مع موظفي الوزارة وتعلم أن شيئا لم يتغير لأن الأعداد هي الأعداد واللجان هي اللجان والإنتاج الحقيقي في تدنٍّ، حبذا لو تم استغلال الوقت وأموال شركات التلميع الإعلامي الساطع في محاولة جادة لرد دين هذا الوطن بدلا من الاستمرار في الاستدانة منه.
** سبق أن ذكرت وما زلت أؤكد أن جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي تمثل أنموذجا لقناة العمل الخيري الأسرع التي تنقل ما يتم التبرع به إلى دم المحتاج مباشرة في شكل غسل دموي يفرج كربة مريض عجزت كليته عن تنقية دمه، هذا المصرف لأموال الصدقة وتبرعات الخير هو الأسرع والأمثل لأن السيولة المالية لا تعرف التوقف ولا التجمع في شكل مياه راكدة بل تتحول مباشرة لدم مريض محتاج، ولا ينافس هذه القناة في سرعتها أي نوع من التبرعات، فحتى التبرع بالغذاء لجائع يستغرق فيه الغذاء وقتا للهضم والامتصاص حتى يصل للدم، لكن التبرع لغسل الكلى هو تبرع من يد لا تعدم إلى تيار الدم.
** تطبيق نظام «ساهر» لا يعني أن تتحول دوريات المرور إلى وضع «نائم»، وما لاحظته هو اختفاء دوريات المرور من الشوارع منذ بدء تطبيق النظام في الرياض، فلم نعد نرى الدوريات والمرور السري في الشوارع ولا في مواقع رصد المخالفات، وحسب علمي أن «كاميرات» ساهر ترصد من المخالفات ما تستطيع الكاميرا الثابتة رصده مثل تجاوز السرعة أو تجاوز إشارة المرور الحمراء وخلافه، لكن شبابنا لديهم أشكال أخرى من المخالفات، مثل تجاهل حق القادم من اليسار والداخل إلى الدوار وإعطاء أولوية المرور والتفحيط والتجاوز من الكتف والمكاتفة غير القانونية بين مركبتين، وهذه كلها مخالفات تسبب قلقا لمرتاد الشارع وتهدد سلامته ولا يرصدها «ساهر» فلا تناموا عنها.

لا عفو لكم

مشكلة الفاسد إداريا أنه لا يعرف قدر نفسه أصلا، وبالتالي فإنه يجهل ما يترتب على فساد هذه النفس من إضرار بالآخرين، وكون الفاسد ماليا وإداريا لا يحترم نفسه فإنه لا يقدر خطر فسادها، ويعتقد أن الفساد المالي أو الإداري جريمة تحقق الثراء ولا تمس الآخرين مثل ما تفعل جرائم القتل المباشر والاعتداء المباشر وقطع الطريق وخلافه، فهو ومن ضلاله يرى أن جريمته وفساده شأن بينه وبين ربه والمال العام.
جاءت كارثة جدة بكل صورها المأساوية وآلامها وهول ما أدت إليه من إزهاق مئات الأرواح وإتلاف الممتلكات لتشعر عديم الشعور بهول ما ارتكب، ومع ذلك فإن الفاسد ومن عظم الفساد نسي وبسرعة كل ضحاياه الذين جرفتهم السيول، وراح يفكر في مصيره هو، وهل (سيفلت) وينجو بفعلته ويخرج من عجينة الفساد كالشعرة القذرة، مستقويا بماله أو مكانته الاجتماعية أو جاهه، لكن عبارة واحدة من ثلاث كلمات أرعبت كل فاسد كان له دور في إزهاق روح صارعت أمواج الغرق، جملة واحدة هي (كائن من كان) قالها عبد الله بن عبد العزيز، وهو رجل إذا قال فعل، رجل يتحدث بهم الإنسان الضحية، وهم الضحية في قلب المخلص يكبر ولا يصغر.. يزداد ولا يقل.
تأمل اختيار ملك الإنسانية لعبارة (وتخفيفا من لوعة ذوي الضحايا الأبرياء وتعزيزا لكرامة الشهداء ــ رحمهم الله)، وستجد أن من همه تخفيف لوعة ذوي الضحايا الأبرياء، لا تكل همته ولا تقل؛ لأنه يدرك أن اللوعة تزداد، ومطلب تعزيز كرامة الشهيد ينمو في القلب الصالح.
لهذا جاءت قرارات إبراء الذمة أمام الله من رجل يخاف الله ولا يخشى فيه لومة لائم، جاءت دلالات إصرار القائد على المضي قدما والإسراع في محاسبة ومعاقبة من تورطوا في هذا الفساد وكل فساد يشبهه ليس في جدة فقط، بل في كل بؤر الفساد، والفساد لا يعرف مدينة أو قرية أو هجرة، هو يعرف نفسا فاسدة يقيم فيها.
وإذا كانت عبارة (كائن من كان) قد فعلت فعلها في النفوس المريضة، فإن الأمر بإحالة جميع المتهمين في فاجعة جدة إلى هيئتي الرقابة والإدعاء، المتبوع بإدراج الفساد المالي والإداري ضمن الجرائم التي لا يشملها العفو سيدق بإذن الله، ثم بإرادة الملك العادل آخر مسمار في نعش الفساد والمفسدين، فهم يدركون أنهم أمام ملك صالح يستهدي بقول الحق جل جلاله (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، هو الملك الحازم الذي أعطى ثم قال: لا عذر لكم، وعدل فقال: لا عفو لكم.

قتلته الرقابة وحقوق الإنسان

الجانب المخيف في نواحي القصور التي تنشر الصحف جزءا يسيرا منها يوميا؛ هو أنها جميعا تؤكد انعدام الرقابة تماما وتشترك جميعها في أن أسبابها تعود إلى أن نسبة كبيرة جدا من موظفي الدولة لا يقومون بأدوارهم المطلوبة منهم، لا إداريا ولا إشرافيا ولا تنفيذيا ولا حتى صغار الموظفين يقومون بالعمل المطلوب منهم، وهذا أمر متوقع فالموظف الصغير مهما بلغ به الحماس في البداية، فإنه لا بد أن يرقص إذا ضرب مديره بالدف، ويتحول إلى اعتبار الراتب الشهري لا يعني أن تعمل يوميا بل هو حق مكتسب.
ضعف الرقابة أو قل انعدامها حاليا أدخل النتائج إلى حيز الجانب الحقوقي، ليس حق الوطن في أن (يحلل) العاملون رواتبهم، ولكن حق جميع العاملين في تساوي الجهد، فمن غير الإنصاف أن يكون ثمة موظفون يحاسبون على التأخر بالدقيقة وآخرون لا يحضرون مطلقا، وموظفون يبذلون أقصى درجات الجهد المنهك، وآخرون لا يبذلون أي جهد ويحصلون على الراتب نفسه أو أكثر أو حتى أقل، المهم أنه لا عدالة في أن يحاسب أناس ويعمل أناس، بينما غيرهم لا يحاسب ولا يعمل وكل ذلك لانعدام الرقابة المركزية الفاعلة التي تشمل الجميع.
الجانب الحقوقي الآخر الذي أدى غياب الرقابة إلى ضياعه تماما هو حق الإنسان الآخر في الحصول على خدمة الموظف الذي يتقاضى راتبا من الدولة بهدف خدمته؛ وهذه الفكرة لكي تتضح فإنها تحتاج إلى مثال، وليس أحدث ولا أوضح ولا أقسى من مثال نشرته الصحف صباح أمس عن مواطن توفي بسبب ارتفاع السكر (وهو عرض لا يقتل إذا تم التعامل معه بسرعة واحترافية) في مكتب استلام العاملات المنزليات في مطار الملك خالد (الدولي) في الرياض، فما الذي كشفه موت ذلك الرجل؟!، كشف أن الخدمات الطبية في المطار خارج الخدمة تماما، فسيارة إسعاف المطار لم تصل إلا بعد ساعة كاملة (هذا وهي في المطار محدود المساحة مقارنة بالمطارات الحديثة)، وعندما وصلت لم تستطع الدخول لأن ارتفاعها يفوق ارتفاع مدخل (القبو)، وهذا معناه أن السيارة لم تدخل المكان قط ولم يتم إجراء تجربة وهمية لحالة طوارئ في أقسام المطار، والطبيب جاء (يطوطح) يديه أي يد وراء ويد قدام ليس معه أجهزة غير السماعة وهذه يحملونها حتى في (القهاوي) للتمييز، ومعنى ذلك أن الطبيب لم يكن مستعدا وجاء من غير مكان عمله أو أن مكان عمله غير مجهز، ولأن سيارة الإسعاف التي جاءت متأخرة علقت في المدخل فقد حملت أدوات إنعاش القلب على الأكتاف مسافة طويلة.
أي قلب وأي ارتفاع سكر أو انخفاضه سينتظر ويتحمل كل هذا القصور؟ نحمد الله أن أقاربه لم يموتوا قهرا.
أعتقد أن على حقوق الإنسان أن تتدخل في تعويض غياب الرقابة على الموظفين؛ لأن النتائج أصبحت حقوقية وليست مجرد تسيب وظيفي، فالمرحوم قتلته الرقابة وغياب العدالة.

تحول «نقطة تحول»

في مقال بعنوان (المحصنون في الأرض) نشر في هذه الزاوية في 30 مارس 2010 م، لمحت إلى أن بعض نقاط التحول القبيحة يخفيها بعض ضيوف برنامج «نقطة تحول» عن الزميل الوسيم سعود الدوسري، الذي لا تعرض عليه إلا التحولات «الوسيمة» ويحجب عن برنامجه كل تحول قبيح، وسبب وجهة نظري هذه أنني تابعت البرنامج الرائع (نقطة تحول)، ووجدت أن قلة من ضيوفه نجحوا في تصوير نقاط التحول وكأنها جميعا مضيئة بينما يعلم من يعرفهم أنها ليست كذلك، فبعض التحولات يكون بالتدليس وبعضها بالصعود على أكتاف الغير والبعض الآخر يكون من موقف تسلل، لكن المؤكد أن الزميل سعود الدوسري غير ملزم بإخضاع ضيوفه لجهاز فحص الكذب وإن كان التحري قبل الإبراز الإعلامي أمرا مطلوبا ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وتعويض المشاهد يكون بالضغط بالأسئلة بحيث لا تكون الحلقة كلها خدمة لإبراز الجوانب الإيجابية في تحولات الضيف وإخفاء السلبية منها.
مع توالي حلقات البرنامج، الذي أصر على أنه ممتع ورائع، يبدو أن الزميل سعود الدوسري أدرك أن المتلقي لا يبحث فقط عن ما يريد أن يقوله النجوم عن أنفسهم، ولكن يريد أن يتفحص النجم من كل الجهات وبواسطة (تيلسكوب) قوي فاحص وثلاثي الأبعاد، فتحول الدوسري إلى التحقق من التحولات بدلا من عرضها كما يريد الضيوف، عندها قلت: ليت البرنامج يعيد التحاور مع بعض ضيوفه فيسألهم كيف تحولوا؟ وما حقيقة تحولهم، ومن كان خلفه فعلا؟!، فالنعجة دولي ــ مثلا ــ كانت جزءا من حلقة لنقطة تحول كانت هي النجمة فيها لكن لم تكن هي السبب ولا البطل بكل تأكيد.
من الإنصاف القول إن البرنامج يتألق حلقة بعد حلقة، حتى جاءت الحلقة الأخيرة في جزئها الثاني مع الشيخ عائض القرني استثنائية في شدها للمشاهد ودقة أسئلتها وصراحة الضيف وشفافيته وحضوره، ومن الإنصاف القول ــ أيضا ــ أن روعة الحلقة لم تكن بسبب روعة الضيف فقط، بل لأن المحاور سعود الدوسري كان يمثلنا جميعا ويسأل الشيخ ما كنا نريد أن نسأله والشيخ يجيب بما يجب أن يقوله كل من يحترم السؤال والسائل والمتلقي، ولأن نجاح الحوار هو من نجاح الطرفين فإن الجزء الأول من ذات الحلقة مع الشيخ عبدالمحسن العبيكان كان عاديا جدا إلى درجة الملل.
برنامج نقطة تحول شهد تحولا إيجابيا كبيرا أفلت منه كثيرون.

دحض لطرفين متطرفين

في بلد يحكم بشرع الله ودستوره القرآن فإن شرع الله هو الفيصل في الأمور كلها وهو المرجعية وهو الإقناع وهو الدليل في كل شؤون الحياة دون تمييز ولا استثناء، فهذه البلاد أسست على التقوى وارتضت كتاب الله وسنة نبيه دستورا وأساسا للحكم وهديا لأسلوب حياة ورادعا لكل من تسول له نفسه إزهاق الروح أو إنهاء الحياة أو سلب الأموال بغير حق أو كل أشكال الإفساد في الأرض.
الشرع الحكيم هو المرجعية في كل شؤون حياتنا وهو الحجة على كل من يريد بنا أو بديننا أو بأمننا شرا أو سوءا وبين ما قدمه المفتي العام للمملكة رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ في كتاب يتضمن قرار هيئة كبار العلماء الذي يجرم تمويل الإرهاب لما فيه من الإفساد وزعزعة الأمن والجناية على الأنفس والأموال والممتلكات الخاصة والعامة، وخطاب الشكر والتقدير الذي وجهه خادم الحرمين الشريفين للمفتي وأعضاء هيئة كبار العلماء، أقول بين الكتاب والخطاب تتجسد صورة ناصعة البياض هي أيضا محجة بيضاء ليلها كنهارها تجسد حقيقة موقف الدين الحنيف من الإرهاب واعتماد الدولة الفتية على الدين والفتوى مرجعية أساسية في منطلقاتها في تسمية الأشياء والحكم عليها.
قالها من اختار خدمة الحرمين الشريفين فخره ومهمته وعنوانه «الإرهاب زعزعة لأمننا ونيل من منهجنا الوسطي المعتدل»، وأعلن المفتي العام وجميع أعضاء هيئة كبار العلماء، وهم المرجع المتعمق في العلم الشرعي وصفوة من أفنوا أعمارهم في دراسته والدرس على علمائه السابقين الراسخين في العلم، أن الدين براء ممن يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل.
في تلك الصورة الناصعة البياض رد ودحض لطرفين متطرفين هما من حاولا أو يحاولان تبرير سفك الدماء أو جمع الأموال لسفكها ومن حاول أو يحاول التقليل من أهمية الرجوع إلى النص الشرعي والفتوى المعتمدة عليه في سائر شؤون حياة الناس والحفاظ على الحياة وهنا تتجسد إحدى معاني الوسطية.
حفظ الله لنا ديننا وحكمة قادتنا وأمننا.

بين قصير ثوب وقصير نظر

احترت كثيرا هل أضحك أم أبكي عندما سألني أحدهم عن أحوالي بعد أن تحولت إلى الكتابة اليومية وهل أجد صعوبة في إيجاد الفكرة الجديدة كل يوم؟! وحقيقة فإنه عندما يثار موضوع هموم الناس فإنك تكون إلى وضع البكاء أقرب، فياصاحبي هل ترى أنك عندما تتناول هم الشارع السعودي وتكون ضمن فريق عمل القناة الوحيدة للشكوى ستجد شحا في المواضيع؟!.
الإعلام حاليا هو القناة الوحيدة الفاعلة والسريعة والمؤثرة والتي يخشاها المسؤول ويتجاوب معها بسرعة، ليس حبا فيها، ولا حبا لمن يكتب فيها، ولكن عشقا للكرسي الذي تهدده وتخيفه هي وهي فقط.
لا مساءلة الشورى الخجولة أخافتهم، ولا ديوان المظالم البطيء ردعهم، ولا الرقابة الصديقة الحنونة أقلقتهم، ولا الضمير النائم أيقظهم، ما يخشاه المسؤول المقصر أو الفاسد أو غير القادر على ملء مكانه من المسؤولية هو الإعلام وخاصة الصحافة المكتوبة الورقية ثم الإلكترونية فكيف لا نجد المواضيع كل يوم بل كل ساعة إذا أردنا فعلا أن نكتب بنبض شارع ينبض هما كل دقيقة.
إننا نلتمس العذر ممن نبطئ عليهم في طرح شكواهم لأننا لا نكتب إلا كل 24 ساعة مرة وصور التقصير والشكوى تحدث 24 مرة كل ساعة.
كيف يمكن أن ندعي شح المواضيع يوميا ونحن في عهد ملك رفع سقف التعبير عن هم المواطن ويدعو يوميا للشفافية والحوار وتوضيح الصورة ويقول لكل من أولاه مسؤولية الناس (لا عذر لكم).
كيف يمكن أن ندعي شح الهموم ونحن نجيد التعبير ونرى التقصير ونشهد على من يختلق الحجج والمعاذير؟! كيف لا نجد المواضيع ونحن نمسي على شكوى لعاطل مع ميسور، وفقير مقهور ويتيم منهور ونصبح على تعليم يعاني من القصور؟! كيف وبعوض الضنك يطير رغم عدم التقتير والمريض على الأرض لم يجد سريرا، وممنوح نهبت منه الأرض ولم يجد تبريرا، وضحية لخطأ طبي كاد من همه أن يطير؟! كيف ونحن نمسي على عطشان لم يجد ماء ونصبح على شارع أغرقه الماء.
المؤسف يا صاحبي أن يكون لدينا كل هذه الهموم ومساحة رحبة لمناقشتها ونشغل أقلامنا في مساجلات حول خلاف أيديولوجي سطحي لا هم له إلا ماذا قصد فلان ولماذا سافر علان وكأن أحدا أراد أن يشغلنا عن قصوره بصراع بين قصير ثوب وقصير نظر.