قدر الغذاء والدواء

معظم مشاكلنا الحالية تكمن في تعدد الجهات المسؤولة عن شأن ما دون توفر الحرص لدى كل جهة بالقيام بدورها ويتزامن ذلك مع غياب المحاسبة وبالتالي فقدان الدافع لقيام كل جهة بدورها فتضيع الخدمة.
خذ على سبيل المثال مشاكلنا مع الغذاء فإن الصورة السائدة أننا نعاني فقط من مشكلة زيادة الأسعار التي عجزت وزارة التجارة عن حلها. لكن الحقيقة أن مشاكلنا مع الغذاء لا تقتصر على الأسعار، فثمة أمر لا يقل أهمية وهو مواصفات الأغذية والتأكد من عناصرها وتركيباتها، فهذا يدعي أن ألبانه تحتوي مواد مهضمة، وآخر يكتب أن عصائره غنية بالفيتامينات والكالسيوم ومقويات العظام، وثالث يقول إنه ينتج عصيراً طبيعياً مائة بالمائة وأنت بما آتاك الله من حاسة الذوق والشم تدرك بسهولة أنه خليط من مواد ملونة!!، وهذه الادعاءات والأكاذيب تشكل تغريراً بالمستهلك واستغفالا له. وإذا استعرضت الجهات المسؤولة عن فضح هذه الادعاءات فستجد أنها أكثر من ثلاث: أولها وزارة التجارة التي يفترض أن تحلل مكونات كل مادة غذائية وترفض ترخيصها ما لم تكن مطابقة لادعاءات الشركة المصنعة، وتمنع الدعايات المضللة للمستهلك، أما الجهة الأخرى فهي هيئة الغذاء والدواء والتي يفترض أن تبدأ في ممارسة دورها بوقف هذه المهازل بأسلوب علمي يوضح حقيقة أن هذا اللبن مجرد لبن وليس إنزيمات مهضمة وذلك العصير ليس فيتامينات أو كالسيوم أو دواء لهشاشة العظام وأن العصير الطبيعي 100% ما هو إلا صناعي 99% . أما الجهة الثالثة فهي حماية المستهلك التي يفترض أن تحمي المستهلك من كل ما ذكر سواء منها الحماية الرسمية أو التطوعية .

وزارة التجارة ممثلة بالجهة المعنية بالغش التجاري تحولت مع الزمن إلى حماية للماركات التجارية.

وهيئة الغذاء والدواء رغم أنها بلغت الحلم قياسا بعمرها الزمني فإنها لا تزال تعتبر نفسها في سن الرضاعة، وتكتفي بدورها الجيد في التعليق على بعض الشكاوى، لكنها لا تزال غير مستعدة لا نفسيا ولا هيكليا لتحمل أدوار أكثر حيوية فهي لا تستعجل ممارسة صلاحياتها لا في شأن الغذاء ولا الدواء.

أما حماية المستهلك فإن تجربتنا فيها لم تنضج بعد ففي وزارة التجارة بدأت لجنة ثم إدارة عامة ثم ألغيت أعواما مديدة والآن عادت في شكل حاميتين أحدهما رسمية والأخرى تطوعية ويبدو أن كلا منهما تنتظر أن تبدأ الأخرى .

على أي حال فإن الغش في الغذاء هو مجرد مثال توضيحي، والأمثلة على ازدواجية الأدوار في شؤون الخدمات كثيرة ومتعددة ودورها في شلل تلك الخدمات يجسده المثل الشعبي (قدر الشراكة ما يفوح) .

حالة تشبث

أستغرب كثيراً لماذا يعمد بعض المسؤولين عن جانب من جوانب القصور أسلوب المسارعة إلى إنكاره تماماً عوضاً عن الاعتراف به وتبريره بأسبابه الحقيقية، خاصة أن معظم أمثلة القصور في الخدمات واضحة، تتجسد على أرض الواقع، ومرئية يصعب إنكارها أو التقليل من حجمها وأهميتها.
في عالم الطب يوجد ما يعرف بظاهرة انكار المريض لحالة مرضية يعاني منها رغم إثباتها بالتحاليل والفحوصات والأشعة التشخيصية لكن المريض يصر على إنكارها ويحاول أن يقنع نفسه ومن حوله بل وحتى طبيبه بأنه لا يعاني من ذلك المرض، ولعل مرضى السكر أكثر المرضى رغبة ومحاولة للإنكار وعدم التسليم بوجود أعراض مرض السكر، لكنهم في النهاية يستسلمون.

ترى هل ظاهرة إنكار المسؤول عن جهة خدمية للقصور في الخدمات تخضع لنفس العوامل النفسية التي يتعرض لها المريض عندما يعمد إلى إنكار المرض ؟.

بطبيعة الحال وطبيعة الإنكار، فإن ثمة فوارق كبيرة بين الحالتين، فالمريض يحاول أن يقنع نفسه ويقنعنا بأنه لا يعاني من المرض الذي يخصه هو، ويتعلق بصحته هو، وتقتصر المعاناة منه عليه هو، بينما المسؤول أو الموظف يحاول إنكار قصور يخصنا نحن، ويتعلق بنا نحن، وتعم المعاناة منه علينا جميعا، هذا من ناحية علاقة القصور والتأثر به.

أما من حيث الإحساس بالمشكلة فإن المريض ينكر شيئاً يحس به هو ولا يمكننا نحن الإحساس به، بينما المسؤول ينكر شيئاً نحس به جميعاً، بل نلمسه جميعاً.

ثم إن المريض أكثر منطقية في إنكاره، فأكثر المرضى عندما ينكر المرض فإنه لا ينكر الأعراض، لكنه يبررها ويربطها باشياء أخرى غير المرض فتجده يقول ان ارتفاع السكر كان بسبب إفراطي في أكل التمر يوم إجراء التحليل أو أن ارتفاع الضغط ليس مرضاً لكنه بسبب حالة غضب صادفت إجراء القياس، وهكذا بينما لا يصاحب إنكار القصور الوظيفي أو قصور الخدمات أي تبرير منطقي أو مقبول يحترم ذكاء المتلقي ويحسب حساباً لعقله.

خذ على سبيل المثال تبرير وزارة الماء والكهرباء لأزمة المياه في الرياض وجدة وعسير، فقد قيل إن السبب هم الناس أنفسهم فهم يتزاحمون على الصهاريج خوفاً من حدوث أزمة بينما لا توجد أزمة، فكيف بالله عليكم يلجأ إلى الصهاريج لو وجد في خزانه ما يكفيه من الماء؟!.

ونفس الشيء يقال عن تحليل وكيل وزارة الصحة الطبيب منصور الحواسي لوجود أزمة أسرة للولادة، فهو يبرر بالقول إن النساء يردن الولادة في مستشفيات معينة ذات تخصص بينما يمكنهن الولادة في مستشفيات أخرى، يقول ذلك وبعض الأزواج يجوبون بزوجاتهم شوارع المدينة بحثاً عن مسقط لرأس جنين أطل برأسه ولم يجدوا، وكلنا نعرف ذلك، لكن التبرير بلغ أقصاه حينما رآى ونحن في العصر الحديث أن بعض الولادات يمكن أن تتم في المنزل!!، وهذا معناه أننا نعاني من أزمة سرير ولادة في المستشفيات لكننا لا نريد أن نعترف.

السؤال العريض لماذا نبرر؟! هو بالتأكيد حالة تشبث بالحياة مثلما يبرر المريض، وهي حالة تشبث بالكرسي عندما يحلل الموظف.

دوائرنا وزائر الفجر

غرائب بعض دوائرنا في التعامل مع المراجعين لا تقف عند حد أو درجة تخيل، لكنها تبقى نتاجاً طبيعياً لترك الحبل على الغارب في الدائرة لكل من أراد أن يحدد صيغة هذا التعامل دون محاسبة من رئيسه، بل إن بعض رؤساء تلك الدوائر يرى أن التعامل مع المراجعين أمر يقل كثيرا عن مستوى اهتماماته.
إحدى تلك الغرائب الإصرار على تحديد الفجر موعدا لحضور المراجعين علنا وعيانا بيانا رغم أن ساعات الدوام الرسمي تبدأ بالسابعة والنصف صباحا.

في تقرير صحفي رائع نشرته جريدة “الرياض” هذا الأسبوع عن أزمة العطش في عسير، تحدث التقرير ضمن تغطيته الشاملة للمشكلة عن مطالبة مصلحة المياه والصرف الصحي بعسير للمواطنين بالحضور فجرا إذا أرادوا الحصول على رقم يضعهم في انتظار إعطائهم صهريج الماء، بل علقت ورقة رسمية نشر التقرير صورتها وقد كتب فيها (تعلن مصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة عسير للإخوة المواطنين ابتداء من يوم الثلاثاء الموافق 1429/6/13ه أنه سوف يتم توزيع أرقام صرف الكروت بعد الفجر مباشرة) وأكد التقرير على أن الموظفين في المحطة أوضحوا أن من يريد الماء عليه أن يحضر فجرا.

في مكاتب العمل سواء في العاصمة الرياض أو غيرها يُطالَب من يريد أن يحصل على (رقم المراجعة) أن يحضر بعد صلاة الفجر مباشرة (من المؤكد أن الموضوع لا علاقة له بالتشجيع على أداء صلاة الفجر مع الجماعة) وقد ارتفعت شكوى المراجعين في صفحات الصحف من تذمرهم من هذا الوضع خصوصا وأن (كرت المراجعة) إذا أعطي فجرا لا يعني إنهاء الإجراءات في ذات الوقت فالمطلوب التزاحم فجرا للحصول على رقم فقط، أما الشروع في إنهاء المعاملة فيبدأ مع الدوام وإذا نقصت ورقة واحدة فعليك البدء في فجر جديد.

في كثير من المستشفيات (المتقدمة) الكبرى التابعة لقطاعات مختلفة حدد الفجر موعدا للحصول على موعد لعيادة أو عملية جراحية!!.

لماذا يتعاملون مع المراجع بهذه الطريقة؟! وما هو السر وما هي الأسباب؟!

أما السر في ظني فهو لإخفاء مناظر التزاحم والتدافع والمعاناة عن أعين الرقيب لكن الإعلام ولله الحمد كشفها حتى وإن تمت فجرا!!.

أما الأسباب فهي كثيرة ومتأصلة أهمها كما ذكرت أن رئيس الدائرة لا تعنيه مشاكل المراجعين، إلا إذا أبرزها الإعلام لنفي صحتها كما حدث مع أزمة المياه في جدة وعسير والرياض.

ومن الأسباب عدم الوعي بأهمية التعاملات الإلكترونية كما في وزارة العمل التي أصبحت في هذا الشأن عالة على إدارة الجوازات كما سبق أن ذكرنا في مقال سابق، أما في المستشفيات فالعلة والأسباب والأهداف اكبر من أن نشرحها في مساحة ضيقة فهي متلازمة اخطر من متلازمة دارون تشتمل على انشغال ومصالح قطاع خاص ومحسوبيات وضياع إداري بحكم عد التخصص.

ضمير منفصل

التناقضات تشير دائما إلى وجود خلل في التوازن، أو ما أسميه عرجاً في التعامل مع الأشياء ذات العلاقة بالتناقض أو الازدواجية .
لمزيد من الإيضاح دعنا نستعرض تعامل أجيالنا مع (تحليل) الراتب، أي التأكد من جعله حلالاً خالصا نقيا لا شوائب فيه وسنجد أن ثمة تشددا في جانب واحد فقط هو التأكد من عدم الحصول على الراتب من جهة تتعامل بالفوائد الربوية كبعض البنوك أو عدم شراء أسهم الشركات المشكوك في تعاملها بالفوائد والربا.

التأكد من نقاء الدخل ومشروعيته أمر جيد، والالتزام بالقيم والأخلاق مجتمعة شي عظيم، لكن ثمة أمثلة أخرى كثيرة ومواقف متعددة يغيب فيها الالتزام بالقيم في هذا الصدد من نفس الشخص أو الأشخاص الحريصين على نقاء مصدر راتب الوظيفة، مثل عدم إعطاء الأداء الوظيفي حقه وتعطيل مصالح الناس، أو استخدام الوظيفة في حرمان شخص من حقه و إعطائه لآخر، أو الكذب على مراجع للتخلص منه، أو منعه من الحصول على ما يخول له النظام الحصول عليه، وسبق أن تطرقت لمخالفة مشابهة تتعلق بحرمان مستهلك أو عميل من استخدام حقه في الضمان لجهاز بادعاء الموظف أن سبب الخلل سوء استخدام وهو ليس كذلك .

هذا التناقض المتمثل في الحرص على (تحليل) الراتب، وعدم الحرص على (تحليل) السلوك الوظيفي سببه، في نظري، يعود إلى التركيز في التربية والتوجيه والنصح والوعظ في كافة المنابر سواء في المدرسة أو المنزل أو المجتمع أو المسجد على شأن واحد فقط هو نقاء الراتب من التعاملات الربوية، وذلك التركيز جاء على حساب قيم أخرى لا تقل أهمية كالتي ذكرناها آنفا، إضافة إلى سلوكيات أخرى تجمع بين عدم الاهتمام بمشروعية دخل الوظيفة وقدر كبير من القسوة والغلظة وعدم الرحمة، مثل المدير الذي يفصل موظفا فصلا تعسفيا لأسباب شخصية وتصفية حسابات، أو لتغطية فساد مالي أو إداري، فهذا جمع بين عدم نقاء الراتب وعدم نقاء الضمير وغياب الإنسانية .

ونفس الشيء ينطبق على الموظف الذي يجرؤ على حرمان مريض من حق العلاج أو الحصول على سرير، أو تفضيل مريض على آخر أو على حساب حق مريض آخر في سرير أو علاج .

وذات التناقض ينطبق على من يحرم إنسانا من الحصول على حق شرعي أو مقاضاة شخص أساء إليه أو أصابه بضرر أو حرمه حقا .

ما الذي يجعل نقاء الراتب أهم من نقاء المرتبة أو الوظيفة؟! أعتقد أنه خلل في توازن التربية والوعظ فثمة تركيز على جانب دون الآخر مما جعلنا نسير بعرج واضح ونتعامل بضمير منفصل يركز على تحليل المصدر المالي ولا يأبه بتحليل السلوكيات في العمل.

موضة جديدة لوظيفة مفصلة

العمل الوطني المخلص، الخالص لوجه الله ولرد الجميل لهذا الوطن، هو العمل الذي لا يرجى منه تحقيق مصلحة شخصية لصاحبه، ولا يصممه العامل ليعتمد على بقائه هو، وانتفاعه هو، وصعوده هو!!.
العمل من أجل الناس والوطن والمصلحة العامة يشبه كثيرا سباق التتابع، ذلك السباق الذي يبدأ بشخص يحمل عصا فيركض بجد وجهد وحماس وإخلاص، لكن هدفه تسليم العصا للمتسابق التالي في أسرع وقت ثم يخرج من مضمار السباق ليتحول إلى مشجع للمتسابق التالي يحثه على بلوغ الهدف، وهكذا مع من يليه.

هكذا يفترض بكل مسئول عن دائرة أو مدير عام لمؤسسة أو وكيل لوزارة أو وزير أن يعمل لكي يعطي بقدر ما أخذ، وينتج خلال مدة عمله ما يمكن للآخرين الانطلاق منه على أساس سليم صالح لغيره مثلما كان صالحا له ولاستمراريته لو استمر.

بعض دوائرنا لاتسير على هذا النسق بكل أسف، فقد ابتلينا ببعض المغرمين بمصلحتهم الشخصية، والشغوفين بالتخطيط للتدرج إلى أعلى على حساب الخطة، وعلى حساب المصلحة الوطنية، وخلافا للمنطق السليم للعمل الوطني المتقن.

ثمة من يصمم الإنجازات لتخدمه وظيفيا ثم لا يهمه أن تستمر أو تتوقف، يرسم الإستراتيجيات والخطط بعد أن يضع مصلحته الوظيفية هدفا أساسيا لكل ما رسم، بحيث تحمل أهداف الخطة أو الإستراتيجية إجابات لأسئلة ذاتية محددة : ما هو مسماه الوظيفي الجديد؟، ماهي مرتبته الجديدة؟، ماهي بدلاته الجديدة؟.

لماذا نتعامل مع الوطن بهذه الأنانية وذلك الجحود وتلك الجفوة؟!، لماذا نستخدم الوطن أداة لتحقيق مصالح خاصة بدلا من أن نجعل من أنفسنا أدوات لتحقيق المصلحة الوطنية؟!.

أسلوب استخدام الخطط والإستراتيجيات سلما للصعود أسلوب يمثل الكثير من الأنانية والقليل من الوطنية، لكن صوره وأساليبه كثرت وتكررت، وأخشى أن يصبح موضة وظيفية جديدة، تحل محل موضة البقاء بالتحدث عن مشروع، ثم الدعاء بالبقاء لرؤية المشروع وقد أصبح حقيقة، مع أن المشروع برمته كان حلما صدقه صاحبه و(وطني) شاهد.

إن علينا أن نحتاط من أساليب بعض الموظفين في الصراع من أجل البقاء لأن أساليبه تعددت وطرقه تنوعت، ومن أشهر موضاتها تفصيل الوظيفة للموظف بدلا من تأهيل الموظف للوظيفة، إن حق الوطن المعطاء أكبر من أن يخفيه عن قلوبنا حب البقاء الوظيفي وحب الرقي غير المستحق، لأن وطننا أحق بكل شيء.

خط النهاية

ما دامت الوعود غير المحققة هي ديدن بعض الموظفين المكلفين بتحقيق طموحات الدولة وخططها وأهدافها النبيلة، فإن أفضل حل في نظري هو فرض خط نهاية لكل هدف بحيث يجب تحقيق ذلك الهدف قبل تاريخ محدد ومعلوم لا يقبل التمديد هو ما يعرف بخط النهاية أو (Dead Line) .
فمثلا لو منحنا كل دائرة حكومية ممثلة بالمسئول عنها إشعاراً أو حتى إنذاراً بأن عليها أن تطبق الحكومة الإلكترونية وتحقق الوصول إلى ما وصلت إليه وزارة الداخلية في هذا الصدد، خلال مدة زمنية محددة، وقبل تاريخ معلوم محدد وإلا فإنها سوف تعتبر مقصرة بصرف النظر عن ما تدعي إنجازه عبر الإعلام، فإننا سنحقق أحد هدفين، إما الوصول إلى استخدام أمثل للحاسب الآلي على مستوى وطني في وقت معلوم بنفس الجودة التي حققتها وزارة الداخلية بحيث لا تبقى وزارة العمل أو الصحة أو المياه والكهرباء عبئا على الجوازات مثلا وعبأ على الإجراءات الحاسوبية الميسرة، أو على أقل تقدير نعرف أن هذه الجهة لم تقم بدورها المطلوب منها فهي مقصرة حتى لو مارست ادعاء الكمال إعلامياً.

وبنفس الطريقة لو حددنا خط نهاية لحل مشكلة توفير مياه الشرب النقية بشكل منتظم لكل مدينة وقرية، فإننا نستطيع وضع وزارة الماء والكهرباء أمام المحك، فلا يمكن لإنجازات هذه الوزارة أن تبقى مجرد توزيع مرشدات.

ولو وضعنا حداً معلوماً كخط نهاية لتطبيق البطاقة الصحية الذكية والتي تم إقرارها منذ أكثر من 15سنة، ولم تر النور بعد مع أنها كفيلة بحل مشكلة تعدد الملفات الطبية للمريض الواحد وحرمان الآخر من العلاج إلا في القطاع الخاص المستفيد، لو وضعنا هذا الحد الزمني فإننا بذلك نضع حدا لمشكلة نقص الأسرة في المستشفيات الحكومية ونفتح باب القبول في القطاعات الصحية الحكومية دون حاجة للقطاع الخاص .

منجزات كثيرة كثر التحدث عنها والوعود بها إعلاميا من هواة التخدير وعشاق الأضواء ومدمني الإنجاز بالقول لا بالعمل، تلك المنجزات التي لم تر النور، لن تراه ما لم يحدد لها (ديد لاين) أو خط نهاية زمني لا يقبل بعده أي مبررات وأعذار .

حلول عاجزة

أثبتت الدلائل المتعددة أن القيادة – حفظها الله – عندما تكلف أحدا بمسؤولية تتعلق بالخدمات العامة والاحتياجات الأساسية فإن جل اهتمامها ينصب على تيسير وتسيير شؤون الناس وحل مشاكلهم وبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق هذا الهدف، وهذا ليس محض إنشاء أو مجاملة فمواقف الدولة في تحمل حل الكثير من المعضلات بالدعم والإعانة أو إلغاء الرسوم الجمركية شواهد واضحة، بل إن قرار منع تصدير الاسمنت كان قرارا شجاعا وشاهدا على ذات الهدف وهو التيسير على المواطن، ودليل على سلوك خط واضح يعتمد على أن تكون الحلول من أجل المواطن لا أن يكون المواطن حلا .
المشكلة تكمن في أن عقليات بعض الموظفين لم تتمكن من الرقي إلى مستوى هذه الأهداف فتجدها تعمد إلى جعل المواطن وسيلة لحل مشاكلها.

والأمثلة على هذا الإصرار العجيب الغريب كثيرة، وتتراوح بين إجراءات يومية بسيطة وأخرى خطيرة ذات أبعاد ونتائج سيئة، وجميعها تشترك في أنها قرارات فردية لا تحمل حتى الصفة النظامية .

في وزارة التربية والتعليم مثلا أعتقد أن من الحلول العاجزة أن تعالج قصور توفير المستلزمات الأساسية ووسائل الإيضاح بل وأجهزة التكييف بأن تجعل المعلمات يوفرنها من جيوبهن الخاصة، أو حتى أن تقبل بذلك، لمجرد أنك لا تريد أن تطلب أو تجتهد في أداء مسؤولياتك، ونفس الشيء فيما يخص تحميل أولياء الأمور مسؤولية نقل أبنائهم من وإلى مدرسة بعيدة لمجرد أنك لا تريد أن تلح في زيادة عدد الحافلات ليتناسب مع حقيقة زيادة عدد الطلاب والطالبات .

الخطوط السعودية هي الأخرى باتت تتخذ خطوات تتعدى صلاحياتها مثل الرفع المفاجئ لأسعار التذاكر والذي سبب إرباكا وصراعات ومشاجرات بين المسافرين والمكاتب السياحية لأنه تم بين عشية وضحاها بينما كان بإمكانها حل هذه المشكلة الطارئة دون استخدام العميل حلا، كما أن توجهها بفرض غرامات على المسافرين حل عاجز آخر لا تملك صلاحيته وكان بإمكانها حله عبر إدخال برنامج حاسوبي دقيق للحجز يعتمد على جهد الخطوط في متابعة تأكيد الحجز كما تفعل كل شركات الطيران الكبرى التي لا تخسر ولا تغرم .

سحب سيارات المرضى ومرافقيهم في ميادين المستشفيات الكبرى وبدون تدخل المرور، وتغريمهم مبالغ نقدية غير نظامية، اعتبره حلا عاجزاً إذا ما قورن بضرورة بناء مواقف متعددة الأدوار أو توفير مواقف قريبة وكافية بدلا من تخصيص المواقف للأطباء والإداريين القادرين على السير بعكس مريض غسيل الكلى أو السرطان أو مريض القلب والذي يعني سحب سيارته مزيدا من المعاناة .

الحل العاجز باستخدام المواطن حلا هو سمة المسؤول الذي يعتقد أنه إذا طالب فإن كرسيه في خطر، لذا فهو يطالب المواطن فقط .

دفن جثة واستخراج كنز

أستغرب كثيراً تمسكنا بطبع غريب وكأننا اتخذنا على أنفسنا نذراً أن لا نغيره !!، فنحن لازلنا نرفض الامتنان للشخص أو حتى ذكره بما يحب رفضاً باتاً حتى يموت، فإذا دفناه أخرجنا أفضاله ونجاحاته وإنجازاته الخارقة وكأنها كنز كان مدفوناً في ذات القبر وكان لزاماً علينا أن نستبدله بجثمان المتوفى في ذات اللحظة!!.
أعلم جيدا أن ذكر محاسن الموتى من السنن، لكن ذكر محاسن الأحياء (المستحقة) ليست من المحرمات.

عندما تسمع أو تشاهد أو تقرأ عن المواقف الإنسانية أو الوطنية والمميزات والإنجازات لشخص دفن للتو، تتمنى لو أنك علمت عن الكثير منها قبل وفاته لتقدم له الشكر والامتنان منك كمواطن، فيما يخص المنجزات الوطنية، وكإنسان، فيما يتعلق بالمواقف الإنسانية، لكن طبعنا الذي لم يتغير يحتم علينا التكتم على منجزات الأحياء حتى ندفنهم أولا ثم نخرج كنوزهم !!.

في المجال الوظيفي أستطيع، بحكم معايشة طويلة، أن أشخص الواقع وأستنبط الأسباب وأهمها أننا مجتمع وظيفي يسيطر فيه المدير ويعتبر أن امتداح غيره اعتداء على حقه الحصري في الثناء والامتنان، أو إنقاص من قدره بتسليط الضوء على غيره مهما صغر مركزه الوظيفي مقارنة بالمدير، أو تهديد لكرسيه الذي لا يريد لغيره أن يبدو مستحقا له إذا كان ثمة تقارب في التأهيل .

أما في مجال المجتمع أو الطبائع الاجتماعية فيبدو، وأرجو أن أكون مخطئا، أن لدينا حساسية عالية لامتداح كل شخص حي، إن لم يكن كل كائن حي، ويتضح ذلك من أن البعض وبمجرد الثناء على ايجابيات شخص يبدأ في البحث عن عيوبه، وهنا خلط واضح بين ذكر المحاسن وادعاء الكمال والكمال لله وحده، وذكر محاسن شخص لا يعني أنها منسوبة إلى تقصير غيره أو مساوئ غيره .

ربما يعود ذلك إلى ترسبات غريبة وشاذة كون بعضنا يستخدم الثناء على شخص للنيل من غيره، أو حتى امتداح أحد الأبناء لإشعار الآخر بقصوره، لكن الشاذ لا حكم له، ومثل هذا السلوك سواء كان أسريا أو وظيفيا أو اجتماعيا يجب أن يبقى نادرا وشاذا.

المؤكد أننا ومن منطلق وطني بحت يجب أن نعمل على تغيير هذه الطباع وأن يكون الوطن قدوة في تكريم من يستحق التكريم، كما أن علينا جميعا أن نسهم في رسم خطة وطنية فورية لشكر المستحقين من الأحياء، ليس المتميزين علميا وثقافياً فقط، بل كل من أبدع في أداء واجبه حتى لو صغرت وظيفته، فمثلا رجل الإطفاء المثابر يستحق التكريم الفوري، وكذا المسعف ورجل الأمن ورجل الجمارك وعامل النظافة وكل من أحسن صنعاً حتى في تأدية واجب.

أما إذا أردتم بداية موفقة وسليمة فلا يكن المدير أو الرئيس المباشر مرجعكم الوحيد في تقدير الاستحقاق لأن ثمة تعارض مصالح، أو افتراضا لتضارب مصالح تعاني منه نفسية المدير الذي أدمن التلميع.

دعوى مؤلمة

نقلت لنا الصحف الأسبوع الماضي خبراً، يعتبر في عالمنا العربي خبرا طريفا ونادرا وفي ذات الوقت مؤلما.
أما الطرافة والندرة فلأنه أمر لا يمكن أن يحدث في وطننا العربي، بكل تأكيد أما سبب كونه مؤلما فأتركه يتضح من المقارنة التالية.

يقول الخبر إن سائحا بريطانياً رفع دعوى على شركة سياحية نظمت له رحلة سياحية إلى اليونان وتحديدا إلى جزيرة كوس اليونانية وفحوى الدعوى أن الأسرة لم تتمكن من المشاركة في الأنشطة الترفيهية في الفندق لأنها كانت تعتمد فقط اللغة الألمانية، ورفع السائح البريطاني دعوى على ذات شركة السفر بتهمة انتهاك العقد بينهما مؤكدا أنه لم يتم إخطاره أن زبائن الفندق هم من الألمان فقط، وأوضح السائح بقوله (لست عنصريا ولا أحب أن أصطحب أسرتي إلى إجازة في فندق يجتاحه سياح انجليز وكذلك الأمر بالنسبة لسياح فرنسيين أو أسبان أو من جنسية أخرى)، وقد حكمت المحكمة لصالح المدعي ديفيد بارنيش على شركة السفر بدفع 750جنيها إسترلينيا تعويضا للسائح الانجليزي لمجرد أنه وجد نفسه بين عدد من السياح الألمان بفندق في اليونان.

عايشت كثيرا من أمثلة (توهيق) مكاتبنا السياحية العزيزة للعديد من الأسر الذين دفعوا مبالغ طائلة للاستمتاع بإجازاتهم خارج المملكة فتحولت الإجازة إلى خدعة سياحية، وشجار وارتفاع للضغط والسكر مع موظف الفندق المدفوع له مقدما كون ما ذكره المكتب السياحي كان غير صحيح، وغير متفق عليه مع الفندق المقصود، وإضافة إلى المعايشة والمشاهدة فقد تلقيت خلال عمري الصحفي أشكالا وألوانا من شكاوى ومواقف غريبة ومؤلمة تعرض أصحابها لجشع وخداع المكاتب السياحية في الداخل، والتي تراوحت بين مكتب سياحي وهمي لا يفتح إلا في الصيف، وينهب أموال المواطنين بدعوى التخفيضات، وهي تخفيضات في الخدمات (إن وجد خدمات) وبين مكتب آخر حقيقي ومشهور لكن موظفه نذر نفسه لإغراء الزبون بوعود من سراب!!

فكم من أسرة دفعت ثمن فطور مجاني مقدما ولم تذق طعم الفطور رغم غلاء المعيشة في البلد المقصود، وكم من أسرة حجزت فندقا على أنه خمس نجوم فوجدوه نزلاً متواضعاً وحجرات صغيرة يفتقد لأبسط الخدمات.

ومن أطرف ما شاهدته عيانا بيانا ان أحد مكاتب السياحة لدينا حجز لعائلة فندقا في غير الجزيرة الأسبانية التي قصدوها وكأنه يريد منهم أن يسبحوا من الجزيرة التي بها سكنهم إلى الجزيرة المقصودة.

ترى كم من المواطنين عانوا من مكاتب السياحة العام الماضي والذي سبقه وكم منهم سيعاني هذا الصيف ؟! لكن السؤال الأهم والذي يجيب عن سبب الألم هو لمن يشتكي السائح بعد عودته وما هو تعويضه؟!

الغريب أن احد تجار السياحة الخارجية لا يزال يلطم ويحلطم غاضباً من السياحة الداخلية بحجة أن فنادقنا لا تلتزم بأسعار عالية تمكنه من إعطاء التخفيضات التي وعدته بها!!

آفة الوزارات وكلاؤها

في معظم دول العالم الثالث، حيث لا يوجد توزيع واضح للمسئوليات، وتفويض معلن للصلاحيات، فإن اللوم الإعلامي والشعبي يقع دائماً على الوزير على أساس انه الرأس، والرأس دائماً كثير الوجع .
وإذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر شكاوي الناس عبر الإعلام تتعلق بإجراءات يومية وتفاصيل عمل يومي أكثر منها بسياسات العمل أو استراتيجياته فإن من الإنصاف أن نقول أن جل الشكوى أو الشكاوي تتعلق بتقصير من الوكيل أو الوكيل المساعد في أداء المهام الموكلة لهم أو لأقسام ترتبط بهم بناءً على الهيكل الوظيفي أو ضمن الصلاحيات المفوضة، لهذا السبب فإن من الإنصاف لوم الوكيل وتحميله مسئولية الإخفاق أكثر من الوزير نفسه (هذا فقط على مستوى الخدمات ومشاكل الناس مع الوزارة).

أما السبب الثاني فهو أن الوكيل، في الغالب، أكثر بقاءً من الوزير، وأكثر معايشة للوزارة بعيوبها وعلاتها من الوزير نفسه، فثمة وكلاء وزارات أمضوا أكثر من عشرين سنة في مناصبهم وشهدوا الإخفاق مع أكثر من وزير، وربما كانوا هم سبب الإخفاق، لذا فقد اقترحت في أكثر من مقال سابق أن يشهد منصب وكيل الوزارة حراكاً أكبر، فربما حل الكثير من المشاكل المستديمة، على أساس أن الوزير يمضي جل وقته في رسم سياسات وتخطيط استراتيجيات وإجراء إصلاحات أساسية، بينما تبقى تفاصيل القصور في العمل اليومي ملازمة لأسلوب وكيل الوزارة الذي لم يتغير ولن تتغير تلك المشاكل أو تحل بوجوده.

وكيل الوزارة في دول العالم الثالث يقبع بعيداً عن صخب المسئولية أمام الناس، خاصة الإعلام، فالنقد يوجه للوزير، لكن وكيل الوزارة إذا أراد ضوءاً إعلامياً فإنه يجده بسهولة ولو عبر تصريح غريب كذلك الذي يقول بأن الولادات الطبيعية يمكن أن تتم في البيت، فحتى على مستوى التصاريح الإعلامية، يخطئ وكيل الوزارة ويلام الوزير .