أي فضل لسحاب لا يسحّ ؟!

هذا الوطن أعطانا عطاءً مرئياً فعلياً ملموساً محسوساً محسوداً وإنني أعجب شديد العجب لمن يرد دَيءن الوطن في شكل وعود على ورق أو أقوال تطير في الهواء لأنها أخف من الهواء الخفيف.
لو حسب كل منا ما حصل عليه من هذا الوطن وما أخذه منه الوطن فسيجد أن كشف الحساب يصب في صالح وطن معطاء لم يأخذ شيئاً ولم يطلب إلا مواطناً صالحاً منتجاً أميناً على ما يؤتمن عليه .

لم ندفع له الضرائب بل أخذنا الإعانات والمؤسف أن أكثرنا أخذاً أقلنا عطاءً .

بعض المسؤولين يعتقد بأنه أنجز ما يعادل ما أخذ عندما “ينوي” عمل شيء أو يخطط له أو يعلن عنه دون تخطيط .

نحن لم نأخذ من الوطن وعوداً بل عطاءً محسوساً فما بالنا نرد الدَّيءن في شكل غير ملموس أو بما لا يرجى لمسه ؟!.

الوطن في حاجة لمن يقول له : هذا ما أنجزتُ، لا هذا ما سوف أنجز، والمليك المفدى قالها صريحة واضحة تسمع من به صمم “لا عذر لكم” فما بال بعض المسؤولين لا يزال يسير على تقليد قديم عفى عليه الزمن وهو الإنجاز بالقول لا بالعمل، والاستدلال بالورق لا بالشواهد على أرض الواقع .

التخطيط مطلب، وكتابة الخطط والأهداف على ورق ضرورة توثيقية، والحديث حول الخطط والأهداف والتحاور حولها أمر طبيعي، لكن هذا كله مكانه غرف الاجتماعات والمكاتب والملفات والأدراج، أما الإعلام فيعنى بتصوير النتائج، وزف البشرى بالإنجاز ونقل صورة للمشاهد، والقارئ لا ينظر إلى صورة اجتماع وما يهمه هو أن يرى نتائجه والفلاش الصحفي لم يقع قط على ورقة وإنما يبحث عن جدران ومبانٍ وأجهزة وعاملين، وجدير بكل مسؤول أن يدرك أن الوعود اليوم لم تعد سبباً لإطالة القعود .

نحن أخذنا من الوطن، مقدماً، شيئاً ملموساً ويجب أن نرد له عملاً ملموساً، لا قولاً معسولاً، وكفانا من مصائب الأقوال مقولة أن مخزون المياه في وطننا يعادل جريان نهر النيل مئات السنين .

نحن نعيش فترة ذهبية حبانا الله فيها كل أسباب النجاح والإنجاز وعلى رأسها ميزانية تاريخية لم تتحقق من قبل وظروف استقرار تساعد على العمل وقيادة تحثنا على العطاء وتشجعنا على الإنجاز وتقول لنا “لا عذر لكم” فإذا لم نستغل هذه الظروف لتحقيق أكبر قدر من الإنجازات الحقيقية الملموسة الباقية فإننا إنما نرتكب جرماً في حق الوطن والمواطن .

نحن ولله الحمد نعيش أجواءً تتلبد فيها سحب الخير من كل صوب وكل ما علينا هو العمل الجاد لاستمطار هذه السحب، والبرق والرعد لا يكفيان وكذا الفلاشات والجعجعة لا تمطر خيراً وليس لها فضل “أي فضل لسحاب لا يسح؟”.

عرج الحكومة الإلكترونية يُحرج الجوازات

حققت وزارة الداخلية نجاحاً باهراً ومدروساً وسريعاً (مقارنة بغيرها) فيما يخص استخدام تطبيقات الحاسب الآلي في تسهيل وتسريع إجراءات العمل، وكانت هذه الوزارة السباقة لتحويل جميع المعاملات من اليدوية إلى الآلية بنسبة تفوق (90%) في زمن قياسي مقارنة بجهات حكومية أخرى لا تزال تعتمد على أطنان من الورق لإتمام إجراء لا يقارن بحساسية وخطورة ما تتعامل معه وزارة الداخلية.
هذا الإنجاز لم يكن سهلاً على رجالات الداخلية، ولم يعتمد على الآلة في بداياته فقد أسس على قاعدة معلومات استغرق بناؤها عشرات السنين واستنزف جهداً وسكب عرقاً وقبل هذا وذاك استحضر ذهناً واعياً وعقلية طموحة تتقبل التطوير والميكنة.

من كان يراجع دهاليز إدارة الجوازات في شارع الوشم منذ 30سنة، حيث حوّل تجريب الأختام طاولات المكاتب إلى جسد تغطيه الأوشام ويستغرق استخراج الجواز أكثر من شهر يدرك جيداً حجم العمل الذي جعل الجواز يخرج خلال نصف ساعة بعد تعبئة نموذج مسؤولية وحسب، واستخراج بطاقة الأحوال شاملة المعلومات لا يحتاج لأكثر من زيارة فرع لربع ساعة، وخروج رخصة القيادة ساخنة من الجهاز ينافس في سرعته زمن تسخين شطيرة في (الميكروويف).

قد يقول قائل : إن الزمن والتقنية هما من تغيرا، وهنا يكمن الهدف من هذا الثناء الذي لم أتعوده، لأن الزمن هو الزمن والتقنية هي التقنية لكن تعامل الوزارات معها يختلف تماماً، بل إن بعض الوزارات أصبحت عالة على الأخرى في تطبيق التعاملات الإلكترونية والحكومة الإلكترونية.

إدارة الجوازات، على سبيل المثال، سجلت أرقاماً قياسية في سرعة الإنجاز والتسهيل على المراجعين ونبذ المعوقات البيروقراطية التي تعيق سير العمل الحضاري حتى إن طموحها الإلكتروني وصل حد استخراج تأشيرة الخروج والعودة أو الخروج النهائي من المنزل عن طريق الإنترنت، بل إعطاء اسم مستخدم وكلمة مرور لرب الأسرة تجعله يخول من يشاء لإنهاء معاملاته عبر النت، واجزم أن طموح الجوازات في هذا الصدد لا يقف عند حد، لكن مشكلة التطبيقات الإلكترونية أو الحكومة الإلكترونية أنها لا تستطيع السير عرجاء، بمعنى أن جهة طموحة مثل الجوازات لا تستطيع السير بنفس السرعة ما لم تواكبها الجهات الأخرى المرتبطة معها بمتطلبات، فمثلاً وزارة العمل لا تملك قاعدة معلومات ولا تملك حساً إلكترونياً يجعلها ترتبط بالجوازات إلكترونياً لذا فإنها تطالب الجوازات بعدم تجديد إقامة من لم يحصل على رخصة عمل بموجب خطاب (أي ورقة مختومة ومصدقة وما إلى طابع العمل البيروقراطي من عقد) وهذا بالتأكيد سيعيق رغبة الجوازات في القفز أو حتى مجرد السير.

نفس الشيء ينطبق على الصحة عندما تطالب الجوازات بعدم منح تأشيرة سفر أو إقامة لعامل في الصحة دون (ما يفيد) باجتيازه فحصاً ما أو عدم ارتكابه خطأً طبياً (أي أوراق لا يحبذها الإلكترون)، وفي ذات الوقت فإن وزارة الصحة لا تملك القدرة على الارتباط الإلكتروني مع الجوازات.

وتفاوُت طموح وبُعد نظر الجهات المختلفة يشكل عرجاً في تطبيقات الحاسب الآلي تعاني منه الجهة الأكثر وعياً وطموحاً.

الرواتب الحرام

لا يغيب عن الذهن أن المستهلك لم يعد بمقدوره أن يتحمل مزيداً من الاستغلال، والتحايل، وهضم الحقوق، بل ليس من المصلحة أن نفترض قدرته على تحمل المزيد من (الغبن) وأجزم أن وزر تحميل المستهلك أكثر مما يحتمل، أو أكثر مما يجب أن يحتمل، يقع على كل موظف في شركة أو مؤسسة أو متجر يسهم في تمرير إجراء فيه هضم لحقوق العميل أو (الزبون) كما يسمونه .
خذ على سبيل المثال لا الحصر، حق المستهلك في استبدال أو صيانة جهاز تعطل أثناء فترة الضمان فستجد أن الشركات تبرمج موظفيها على رفض قبول الاستبدال أو الإصلاح رغم سريان الضمان، وتدربهم على حجة لا يملك العميل إثبات عدم صحتها وهي أن العطل بسبب سوء استخدام .

ورغم قناعة الموظف بزيف الحجة إلا أنه يقف في صف الشركة التي تدفع راتبه، وهنا يتمثل لنا سؤال عريض ومحير وهو لماذا يواجه شبابنا قلقاً وحيرة وتوجساً وشكاً وريبة من راتب العمل في البنوك، وهل هو حلال أم مشكوك في نقائه كون البنوك تتعامل بالفائدة، ويبحثون عن الفتاوى في هذا الشأن، بينما لا يواجه الشاب العامل في شركة تمارس الخداع والتملص وهضم حق العميل أي قلق من مشروعية ما يتقاضاه مقابل سلب حق “الزبون” في سريان ضمان دفع قيمته من عرقه وكده واستحقه بناءً على دعاية واسعة وإغراء عظيم قبل شراء الجهاز ليجد نفسه فاقداً لحقوقه بمجرد حجة فضفاضة زائفة، تفترض شيئاً حدث في المنزل (في السر) ولا تنظر لاحتمال أكثر حدوثاً وهو العيب المصنعي .

هذا مجرد مثال، والأمثلة التي يسخّر فيها الموظف قدراته لسلب حق إنسان لصالح آخر كثيرة جداً، سواء في الوظائف الحكومية أو القطاع الخاص، وهو أمر نهى عنه الشرع الحنيف في أكثر من موقع، فما بال شبابنا يركزون على الحلال والحرام في راتب البنوك فقط ؟!.

أعتقد أنه الإيحاء والتركيز على جانب واحد فقط، و”التحسس” من مثال واحد فقط وفقدان الحساسية لأمثلة أكثر رواجاً وأكثر خطورة وأكثر ضرراً وإضراراً، لذا فإننا في أمس الحاجة إلى تنمية ثقافة رفض الإضرار بالغير دون حق مهما كان المقابل وأياً كان الطرف الآخر .

وإذا وصلنا لهذا الوعي ستجد أن موظف الشركة يقول : (هو إصلاح مشمول بالضمان شاءت الشركة أم أبت).

حصيات المرور

إحكام الرقابة على المخالفات الصغيرة وتطبيق العقوبات الفورية على مرتكبها إحدى أهم وسائل الردع عن ارتكاب مخالفات أكبر، وفي مجال المرور على سبيل المثال فإن من يوقفه رجل المرور، ويحرر له مخالفة عدم إعطاء الأولوية في الدوار، لا يمكن أن يجرؤ على تجاوز الإشارة الحمراء أو القيادة عكس اتجاه السير، لأنه يدرك أن ثمة رقابة دائمة وعقوبة فورية.
ما يحدث، في جميع مدن المملكة، هو العكس تماماً فعدم الاكتراث (من قبل دوريات المرور) بالمخالفات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة (باستثناء تجاوز الإشارة والسرعة) هو ما يؤدي إلى الفوضى المرورية وارتكاب المخالفات الخطيرة كالسرعة وتجاوز الإشارة لأن ثمة شعوراً عاماً أن الرقابة معدومة حتى بعد تطبيق مرور الرياض مثلاً للدوريات السرية فإن المخالفة، في نظر الرقيب قبل المخالف، تنحصر في تجاوز الإشارة والسرعة والتفحيط .

عدم إعطاء الأولوية في الدوار وللقادم من اليسار، وتخطي خط الوقوف عند الإشارة والتجاوز من اليمين ثم حذف السيارة على المركبة المجاورة، وعكس اتجاه السير في المسافات القصيرة وقفل الطريق بوقوف مركبتين أو أكثر للتحدث أو الاستعداد لانطلاق واحد، والخروج من شارع فرعي إلى آخر رئيسي دون إعطاء الأولوية، والانعطاف المفاجئ دون إشعار السائق خلفه بتشغيل الإشارة بمسافة كافية، هذه كلها مخالفات تحدث يومياً وباستمرار وأحياناً أمام عين رجل المرور لكنه لا يلتفت لها مطلقاً مما جعلها تشيع وتتكرر ويتربى عليها الشاب المنتمي حديثاً لفن القيادة ويعتقد بمشروعيتها السائق القادم أو المستقدم من دول العالم الثالث .

يقول أحد الظرفاء: من كثرة ما تستفزني مثل تلك المخالفات التي يرتكبها السائق بدم بارد ولا يجد من يعاقبه أو يشعره بأنه ارتكب خطأً فإنني أتمنى أن أضع بجانبي كيساً يحتوي مجموعة من الحصيات أحذف بها كل من عرّضني للخطر جراء تلك المخالفات لأن استخدام المنبه وإشارات الاستنكار لم تعد تجدي، خاصة مع بعض المستقدمين ممن لا يرى فيما فعل خطأً أصلاً فينظر إليك باستغراب وكأنك لا تقصده، فأرى أن حذفه بالحصاة نوع من التوعية .

قلت ان المنبه يستخدم في بعض الدول المتقدمة كنوع من إهانة المخالف، أما في دول متقدمة أخرى فإنه إضافة إلى الإهانة يهدف إلى تنبيه الرقيب سواء كان رجل مرور ظاهرا أو سريا لرؤية المخالفة وفي الحالتين فإن المخالف لن يفلت من العقوبة.

ولذا فإنني أقترح على مرورنا العزيز أن يشرع بتكثيف الرقابة على تلك المخالفات ويدرجها ضمن المخالفات التي تستحق عقوبة رادعة لتصبح لجميع أنظمة المرور هيبتها وليس فقط تجاوز الإشارة والسرعة، كما أن على رقيب المرور سواء كان ظاهراً أو سرياً أن يتفاعل ويستجيب لاستنجاد سائق أطال الضغط على المنبه من هول ما رأى ويقوم باستيقاف المخالف ومعاقبته في موقع الحدث، هذا إذا أردنا أن نشعر المخالفين بمخالفتهم وبوجود المرور حتى لا نضطر جميعاً إلى وضع كيس حصى للتوعية المرورية .

النقيض البغيض

كثر ما يغيظ مواطناً خرج للتو من مكتب موظف عطّل له شأناً بدون حق، أو ظلمه أو تعامل معه بغطرسة وغلظة دون مبرر، أن يدير التلفاز فيشاهد ذات الموظف يتحدث عن التعامل الحسن المثالي ويطالب به.
وأكثر ما يغيظ زوجة أهانها زوجها قبل خروجه من المنزل أن تشاهده أمام وسائل الإعلام يتحدث عن احترام المرأة ويمارس التنظير حول هذا الموضوع.

وأكثر ما يغيظ مريضاً أعياه المرض وزاده إعياءً انتظار طبيب لم يحضر لعيادته لأنه يسترزق (مخالفاً) في مستشفى آخر، أن يقرأ أو يسمع حواراً صحفياً مع ذات الطبيب يتحدث من خلاله عن إنسانية مهنة الطب وتضحية الطبيب من أجل مرضاه.

وأكثر ما يغيظ موظفاً يعاني من تحيز مديره وافتقاده للعدل بين الموظفين وممارسته لصور من الفساد الإداري واستغلال السلطة وظلم الناس، أن يراه على وسائل الإعلام يحاضر عن الإنسانية والنزاهة والنجاح الإداري ويبتسم بفم مائل، لأنه مجبر على ابتسامة غير واقعية، تتجاذبها الأعصاب اللاإرادية إلى جهة الحقيقة المرة ومن جهة تجذبها رغبة التظاهر فتميل.

الظهور إعلامياً بمظهر النقيض أمر يغيظ لمن يعرفون الشخص على حقيقته، فالمراجع قد يتحمل غطرسة الموظف بما منحه الله من قوة التحمل والصبر والاحتساب وعلى أساس أنه يشفق على ذلك الموظف لافتقاده لمفهوم التعامل الحسن ولكنه حينما يراه يتحدث عن حسن التعامل بما يشبه الإدراك يثور غضباً لهذا التناقض.

والزوجة لديها قدرة عظيمة على تحمل غلظة الزوج على افتراض افتقاده لصفة البشاشة ومفهوم تقدير المرأة، تماماً مثلما تتحمل وتصبر على افتقاده لأشياء أخرى مهمة، مما يؤكد أن المرأة أعقل كثيراً من الرجل في هذا الجانب، لكنها تستثار إلى درجة فقدان العقل لو علمت أن زوجها يمتلك الشيء لكنه يعطيه لغيرها وهذا ما يحدث عندما تراه على التلفاز يتحدث عن حقوق المرأة وهو قد حرمها للتو أهم حقوقها وهو الاحترام.

والمريض الذي أهمله طبيبه طمعاً في الدنيا وبطريق غير مشروع، قد يغفر لطبيبه هذه الزلة على أساس افتقاده لنعمة القناعة والإحساس بالغيرة فيدعو له بالهداية، لكنه حين يراه يتحدث بلغة من يعلّم ولا يطبق فإنه يستثار وقد يدعو عليه.

والموظف قد يحسن الظن في مديره فيعتبر تحيزه وعدم عدله وفساده وظلمه جهلاً وقلة خبرة إدارية، فإذا رآه يحاضر عن كل هذا علم أنه ممن أخذتهم العزة بالإثم.

أما أكثر ما يستفز ويغيظ هؤلاء جميعاً فهو أن يعلموا تمام العلم عن ذلك الموظف أو الزوج أو الطبيب أو المدير العام كما هائلاً من السلبيات والنقاط السوداء ثم يأتي من يلمعه لأهداف شخصية ومصلحة خاصة فيحول سلبياته إلى إيجابيات ونقاطه السوداء إلى بياض ناصع وفشله إلى نجاح، فيذكرهم بعيوب حاولوا تناسيها، لأن الشيء بالشيء يذكر والنقيض بغيض.

لماذا لا نتعامل مع الجميع وكأنهم كتاب زوايا أو صحفيون؟!، بل لماذا لا نتعامل مع الناس جميعا وكأنهم يحملون (كاميرات) قنوات فضائية؟!

وهم الشركة الكبرى

الاعتقاد السائد أن الشركات العالمية الكبرى تكون كبيرة حتى في أخلاقياتها، اعتقاد خاطئ تدفع المجتمعات، وخصوصاً في دول العالم الثالث ثمنه باهظاً في شكل ثقة عمياء قائمة على أساس خاطئ هو أن حرص الشركات الكبرى على سمعتها ينعكس (دائما) على الصدقية والأمانة وهذا غير صحيح، أو لا يفترض المراهنة عليه، خصوصاً عندما تتعارض الصدقية مع المكاسب الكبيرة، وإليكم بعض الأمثلة والدلائل:
قبل أن يتولى الصيادلة السعوديون زمام إستراتيجية الدواء في المملكة، خصوصاً في مجال التسجيل والترخيص والتحليل، كان الاعتقاد السائد أن شركات الأدوية الكبرى لا تغش في الدواء فكانت منتجات الشركات الدوائية المشهورة، فوق مستوى الشبهة ويخجل مسؤول التسجيل أو الترخيص أن يطلب تحليل مكوناتها وتقويمها محلياً، حتى جاء عدد من صيادلة الوطن المتابعين وشمل إطلاعهم كتاباً صدر في أمريكا، بعنوان الأقراص التي لا تعمل، للمؤلف سيدني وولف الذي أفاد بأن أكثر من عشرين شركة دواء أمريكية كبرى ذكرها بالأسماء تصنع أقراصاً مغشوشة بعضها لا يحتوي مادة فعالة على الإطلاق، واطلع هؤلاء الصيادلة على فضائح الأدوية الممنوعة في أمريكا وتسوق لدول العالم الثالث وتصنعها شركات عملاقة وكبرى في كل شيء إلا الأخلاق.

ومنذ ذلك الوقت فرض الصيادلة السعوديون تحليل كل الأدوية قيد التسجيل وعينات عشوائية للأدوية المستخدمة في المملكة واشتراط شهادة الاستخدام في بلد الصنع بصرف النظر عن حجم الشركة وشهرتها!!.

وتكشف أساليب التحري والمقاضاة في الدول المتقدمة بشكل يومي أن كبريات شركات التأمين تمارس التحايل والتلاعب بالمستندات لتلافي الوفاء بالتزاماتها.

وكشفت لنا حوادث السيارات كيف أن شركات صناعة سيارات كبرى تصدر للعالم الثالث سيارات بمواصفات مغشوشة بعضها صدر لهذه الدول بدون قاعدة الهيكل “شاصيه” وهذا ما أدى إلى انقسامها إلى نصفين بعد حوادث عادية يفترض أن لا تحدث ما أحدثته.

وفي جريدة الاقتصادية عدد الأحد 1429/4/21ه نشر تقرير يوضح أن شركات الأدوية والأغذية تتلاعب بنتائج الأبحاث والدراسات.

ونقل عن مجلة “نيو ساينتست” أن شركة ميرك الدوائية العملاقة كانت على علم بأخطار عقار (فيوكس) الذي سحبته من الأسواق عام 2004م قبل سحبه بأعوام وأنها أي شركة ميرك أخفت تقرير الوفيات من دراسة على (فيوكس) أفادت بوفاة 46مريضاً ولم تقدم التقرير لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية!!.

وبعد فإن علينا في هذا الوطن الذي تقدم بسرعة وأحرز نقلات نوعية في المجالات العلمية والبحثية والطبية والرياضية أن نتخلص تماماً من مقولة إن الشركة الكبرى لا تكذب أو لا تتعمد الغش وعلينا أن لا نمنح الثقة بناءً على الشهرة وإنما على أساس الفحص الذي نقوم به نحن ونعتمد فيه على كوادرنا ومراكزنا بما يحقق الاطمئنان المبني على أساس المراجعة وليس مجرد التسليم بالأمانة، ولو أن أحداً استكثر على الصيادلة مطالبتهم بتحليل الأدوية التي أنتجتها شركات كبرى مشهورة فربما كنا نعيش الآن النتائج الخطيرة للثقة العمياء، ولذا فإنني اعتب كثيرا على من هاجم أساتذة جامعات وأكاديميين سعوديين متخصصين لمجرد أنهم انتقدوا دراسة أو بحثاً لشركة ربحية أجنبية، ثم إن من يهاجمهم لاعتراضهم أو نقدهم للدراسة إنما يناقض نفسه لأنه يصادر أراءهم ويشكك فيهم شخصيا لمجرد أنهم أبدوا وجهة نظر أكاديمية مدروسة أيضا!!.

فكفانا ثقة عمياء في الشركات المشهورة وكان يفترض أن تعرض طريقتهم ومنهجهم في الدراسة على ذات الأكاديميين السعوديين قبل الشروع بها.

ثقافة التعريف

والتعريف الذي أتمنى أن ننمي ثقافته لدينا ليس تعريف العمدة، تلك الورقة التي يختمها رجل كفيف أو ضعيف بصر لمجرد أن أحداً قال إنه من سكان الحي، فذلك إجراء عفا عليه الزمن وعوضتنا عنه وزارة الداخلية بتطبيق الحاسب الآلي وتقنية المعلومات حسب رقم بطاقة الأحوال .
ثقافة التعريف التي أطالب بتنميتها والتركيز عليها تتلخص في توعية كل مواطن ومقيم بضرورة أن يطلب من أي شخص يدّعي صفة رسمية أو مهنية أن يبرز بطاقته التعريفية ويتفحصها قبل تصديقه وتمكينه من نفسه، وهذه الثقافة يجب أن نغرسها في الأطفال والمراهقين والشباب والكبار نساءً ورجالاً وحبذا لو أمكن غرسها أو زرعها في حديثي الولادة فربما منعنا خطف المواليد من المستشفيات .

خلال يوم واحد تقرأ العديد من أخبار انتحال الشخصيات، فهذا بنغالي يعمل عامل نظافة في مستوصف وينتحل شخصية ممرض يعطي الحقن والمغذيات الوريدية في المنازل، وهذا مريض نفسي ينتحل شخصية طبيب نساء في مستشفى كبير ليفحص النساء ويشبع رغبة جنسية غير طبيعية، واثنان ينتحلان شخصية رجال شرطة ويرتكبان السرقة والسطو، وبنغالي آخر ينتحل شخصية رجل حِسءبَه ويستدرج حدثاً .

كل حوادث انتحال الشخصية تلك لو تم قبل التجاوب مع مرتكبيها طلب بطاقة التعريف لما تمكن هؤلاء المجرمون من التمادي في جرائمهم وحققنا خفضاً لنسب هذا النوع من جرائم الانتحال، شريطة أن تلزم كل جهة بإصدار بطاقة تعريف بارزة وغير قابلة للتزييف والتزوير والتقليد وتحمل رقم اتصال بالجهة المعنية للتأكد من صحة انتماء حاملها.

نحن في أمس الحاجة لبطاقة التعريف أولاً لحماية الناس من المنتحلين وثانياً لحماية الموظفين الحقيقيين ممن يدعون عدم معرفة انتمائهم الرسمي والأهم من هذا وذاك تنمية ثقافة طلب التعريف الشخصي قبل التجاوب مع أي شخص .

نصف المرض المهمل

مثل الأمراض العضوية، فإن الأمراض النفسية في زيادة، بل ان الأمراض النفسية تزداد وتتراكم زياداتها بشكل أكبر بكثير من الأمراض العضوية التي يشفى منها نسبة كبيرة جداً لا تقارن بالشفاء من المرض النفسي، كما أن مسببات المرض العضوي يمكن التحكم بها والحد منها فهي إما ميكروب أو فيروس أو مادة كيميائية أو إصابة، أما مسببات الأمراض النفسية فهي صدمات نفسية زادت مسبباتها ودواعيها وأصبحت خارج أطر التحكم.
لقد زاد عدد المرضى النفسيين بشكل كبير وأصبحوا يهيمون في الشوارع والأحياء ويشكلون خطراً، فأمراضهم تتفاقم ودون علاج، وتكررت الحوادث التي يتسبب فيها أناس لا ذنب لهم لأنهم مرضى يحتاجون من يساعدهم “إكلينيكياً” ونفسياً على تخطي حالة مرضية تفقدهم السيطرة على انفعالاتهم وسلوكياتهم، تماماً مثلما أن المرض العضوي يفقد المريض السيطرة على قدراته الجسدية.

أي باختصار فإن المريض النفسي لا يختلف عن المريض العضوي في الحاجة إلى علاج،بل إن حاجته أكبر بكثير وخطورته تتعداه هو وأقاربه إلى المجتمع بأسره، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا لا تولي القطاعات الصحية اهتماماً يذكر بالأمراض النفسية مثل اهتمامهم بالأمراض العضوية ؟! خاصة في التنويم والرعاية وعدد الأسِرَّة.

لماذا يتباهى المديرون للشأن الصحي في القطاعات المختلفة (ليس فقط وزارة الصحة) بافتتاح الأقسام الطبية والأجنحة وزيادة عدد الأسِرّة لكثير من الأمراض، خاصة أمراض المرفهين، ولا يولون أدنى اهتمام بالمرضى النفسيين ؟!.

ولا يمكن لأحد من القائمين على الشأن الصحي في القطاعات المختلفة أن يتحجج بالميزانية أو اعتمادات وزارة المالية في هذا الصدد لأن الدولة- حفظها الله- دعمت كل توسع صحي بدعم لا محدود، لكن توجيه هذا الدعم من قبل المسئولين أنفسهم كان خاطئاً ومهملاً للمرضى النفسيين، بدليل أننا خالفنا العالم وأصبحت المستشفيات تفتتح كليات طب وتتدخل في أمر أكاديمي تختص به وزارة التعليم العالي!!، وفي الوقت نفسه تهمل نصف مسئولياتها!! فالمعلوم أن المرض نصفان ؛ إما عضوي أو نفسي، فلماذا أهملوا تماماً نصف المرض، وانشغلوا بمشاريع شكلية تلميعية ؟! وكيف يكون شح الدعم المالي هو السبب ونحن خالفنا القاعدة فبدلاً من أن يكون لكل كلية طب مستشفى أصبح لكل مستشفى كلية طب؟!!.

الدولة تدعم وتصرف بسخاء، ولكن يبقى التنافس السطحي غير العقلاني سبباً في إهمال المرضى النفسيين والتوجه لمشاريع تنافسية، بمعنى أن هوى النفس أهمل الأمراض واهتم بالاستعراض، فأصبح هذا المستشفى يزرع الكبد لأن مستشفى آخر برع فيها مع علمنا بشح الأعضاء والمتبرعين، وأصبح لكل مستشفى جراحة قلب مفتوح مع أن مركزاً واحداً أو اثنين يعد كافيا!!، كل ذلك بسبب تنافس أشخاص، على المديح، لكن أحداً لم يدخل المنافسة على علاج الكم الهائل الهائم من المرضى النفسيين لأنهم لا يمدحون وإذا مدحوا فمدحهم كالقدح، لذا فهم لا يجدون التنويم ولا الدواء المنتظم ولا الرعاية الطبية الضرورية علاجا لهم وحماية للمجتمع وإراحة لأسرهم التي تعاني ولا تجد العون.

لقد سبق أن كررت المطالبة بأن لا يترك أمر رسم استراتيجيات الصحة لأشخاص، لأن الفرد يتأثر بالهوى والرغبة في التميز الشخصي ويفترض، في ظل ضعف مجلس الخدمات الصحية وعنايته بأمور ثانوية وعدم قدرته على فرض قراراته ورسم إستراتيجية شاملة ملزمة للجميع، أن تتولى هذه الأمور الصحية هيئة عليا.

اضرب اللبن يتأدب الرز

وجود مبرر لرفع أسعار بعض السلع أمر يمكن قبوله نسبة لسعر صرف العملة وبعض الظروف ذات العلاقة بسلعة مستوردة بعينها من بلد محدد، ولكن نسبة الارتفاع تبقى غير منطقية إطلاقا وتنم عن استغلال واضح لفرصة المبرر وعدم نشاط الرقيب، أما الأمر الأكثر وضوحا هو أن كثيراً من السلع المصنعة محليا ركبت الموجة دون مبرر، وهذه أيضا في ظروف ضعف الرقيب لا علاج لها إلا المقاطعة وفق مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أرخصوها أنتم).
ونجاح مقاطعة الألبان والتي بدأت منذ مدة طويلة على أساس أنها لمدة أسبوعين ثم استمرت خصوصا بوجود صنف لم يُرفع سعره وجهت رسالة واضحة لكل من أراد الاستفراد بالمستهلك على المدى القريب أو البعيد، بأن المستهلك لديه الوعي وقادر على حماية نفسه لأن التاجر في حاجة له والمقاطعة رادع لمن لا رادع له.

ثم جاء قرار الدولة أعزها الله بتفعيل دور حماية المستهلك وإنشاء جمعية لحماية المستهلك ليؤكد الإصرار على عدم ترك المواطن والمقيم لقمة سائغة لأشكال الجشع الذي استشرى (واستسعر) سواء بالغش أو رفع الأسعار أو التلاعب بالمكونات أو العيوب التصنيعية أو الاستغلال والتحايل في التعاملات التي لا تحترم حق المستهلك في الإرجاع والاستبدال وتطبيق بنود الضمان.

مقاطعة الألبان ريثما يتم وضع أنظمة وخطوات واضحة لدور حماية المستهلك أشعرت كل الموردين والوكلاء والتجار بحقيقة أن المستهلك هو العنصر الأساسي لنجاحهم إذا ما أرادوا النجاح، وان رضاه يفترض أن يكون هدفهم الأساسي، وأن عليهم أن يضعوا ذلك في الحسبان قبل مجرد التفكير في اتخاذ أي قرار من شأنه استفزازه أو تجاهل أهمية مواقفه.

وجمعية حماية المستهلك ستعيد للجودة في العمل والتعامل هيبتهما وسيكون البقاء للأصلح والأجود من حيث التصنيع والصنيع !!.

ويفترض العقل أن يسعد كل تاجر وكل رجل أعمال وكل مصنع بموقف المستهلك وقرار الحماية لأن التاجر في سلعة هو مستهلك لسلعة أخرى، والذي يبيع اللبن يأكل الرز وإذا ضرب اللبن يتأدب الرز والعكس صحيح.

مكياج عزاء

كنت أعتقد أنني على اطلاع مقبول بتطورات ومتغيرات الصرعات والموضة في حدود ضرورة معرفة بعض الشيء عن كل شيء، لكنني تعرضت لأكثر من موقف تبين من خلالها أنني بعيد كل البعد عن اللحاق بتلك المستجدات والمتغيرات لسرعتها وليس لبطئي. أحد تلك المواقف عندما كنت ضيفاً على برنامج دوائر في الإخبارية مع أحد أطباء التجميل واتصلت احداهن لتسأل الطبيب ان كانوا يعملون “تاتو”، واعتقدت حينها أنها تقصد “جاتو” وهو نوع من الحلويات بينما كان المقصود وشماً أو كحل حواجب تضعه النساء وتكفلت به عيادات التجميل التي أصبحت تسترزق في كل شيء حتى تداخل فيها الطب مع عمل “الكوافيرات”.!!
الموقف الثاني عندما علمت أن ثمة “مكاييج” متعددة حسب الأغراض والزيارات، والهدف من الزيارة، وكان حد علمي أن هناك مكياج سوق تضعه الفتيات عندما يزمعن الذهاب للسوق مما يدل على أن التسوق هو آخر ما يفكرن فيه، وهو نفس ما يؤكد شكوى عدد من الشباب في أحد برامج قناة الرياضية السعودية للزميل عبدالرحمن الحسين منذ سنوات عندما اشتكوا أن البنات هن من يجلبن لأنفسهن المشاكل ويدخلن الأسواق للمعاكسة عوضاً عن قضاء حاجة ماسة وليس الشباب من يتعمد التحرش أو يبدأه كما يعتقد البعض.

ومقولة الشباب تلك مع “مكياج السوق” ذكرتني بحديث أحد شياب قرانا فقد كان يصف تغير الزمن والطباع فيقول: كل الأشياء تغيرت ليس في المرأة والرجل وحسب بل حتى في الحيوانات فقد كان التيس يلاحق خمساً من الماعز في الشوارع، واليوم أصبح يختبئ تحت سيارة وانيت وهن يحاولن إخراجه بوكزه من كل جانب.!!

أما الشيء الذي فاجأني وأشعرني بقصور اطلاعي هو أن ثمة مكياجاً خاصاً بالعزاء تضعه من تريد أن تذهب للتعزية في متوفى، ومن الطبيعي أن تكون ألوان هذا “المكياج” باعثة على الحزن والكآبة وتعكس شحوب الوجه الذي يفترض أنه، وفي ذلك الموقف لا يحتاج إلى تصنع واصطناع ووضع ألوان، فإما أن تتعاطف مع المحزون فعلاً ويبدو ذلك في وجهك أو أن تعينه على الصبر ببشاشة الوجه والتذكير بالاحتساب.

مكياج العزاء هذا يثير في نفسي تساؤلاً يحتاج إلى عزاء بلا مكياج “هل أصبحنا نتصنع كل شيء؟! وهل أمسينا نحتاج إلى تلوين وجوهنا ومشاعرنا في كل موقف ولكل موقف ونلبس لكل مناسبة قناعها المخادع؟!

لماذا نتصنع ولا نصنع؟! ولماذا أصبحنا نفتعل المشاعر ونفتقد للتفاعل؟!

مكياج للفرح، ومكياج للحزن، ومكياج للسوق، ومكياج لزيارة المريض، ومكياج لتهنئة الناجح ومكياج للعزاء، هل يعني هذا أن مجتمعنا برجاله ونسائه، وليس النساء فقط، يعيش في جو من التصنع والتمثيل؟