إزالة الشبوك لا تكفي

ضمن حزمة حزم وعزم سعت الدولة -أيدها الله- لمحاربة كافة أشكال الفساد، الفساد المالي والفساد الإداري ومن أهم أشكاله استغلال النفوذ والتفرقة بين الموظفين ومنح مزايا ورواتب عالية للنفس وللقريب والحبيب والتغطية على من لا تحضر أو انتدابها دون دور، أو من لا يحضر وانتدابه دون إنتاج حقيقي، وإسكانها هي أو هو في فندق سبع نجوم دون حق نظامي، وما إلى ذلك من ممارسات إدارية ومخالفات لا تحتاج إلا لمواطن صالح يبلغ عنها.

ولم يتوقف الحزم والعزم عند محاربة الفساد المالي والإداري بل شمل إزالة التعديات والشبوك لكائن من كان فأصبحنا مثالا عالميا رائعا لمكافحة الفساد يتمناه كل مواطن عربي أو حتى غربي في وطنه، وما أود لفت النظر إليه في هذا المقال هو أمر مهم ومكمل لإزالة الشبوك.

لاحظت أثناء تجولي في نواحي مدينة جلاجل في منطقة سدير وتحديدا بالقرب من معلم سياحي مهم هو حصاة القريف التي تقع شمال شرق مدينة جلاجل، لاحظت أن شبوكا أزيلت لكن جهة متابعة الإزالة فات عليها أن المواسير الحديدية الداعمة للشبوك تم قصها قصا وليس خلعها تماما من الأرض فبقيت بقاياها السفلية بارزة عن الأرض وبأطراف حديدية حادة جدا ومتقاربة تهدد إطارات أي سيارة تمر في المنطقة سواء نهارا أو ليلا لأنها صدئة وسوداء وتشكل مصيدة خطيرة وفخا قد يمزق الإطارات الأربعة دفعة واحدة بمجرد المرور عليها أو على بعضها، ونظرا لأن المنطقة مرغوبة وبها حصاة القريف وتحيط بها سهول معشبة ومراعٍ للماشية فإن عدد الضحايا سيكون كبيرا جدا وخسائرهم المادية ستكون بالغة، والأخطر من ذلك أن أي أسرة تتعرض لتلف إطارين ليلا في الشتاء القارس أو ظهرا في الصيف الحارق سوف تتضرر صحيا لدرجة فقدان الحياة قبل أن تصلها النجدة، وقد حدث هذا فعلا لأسرة مكونة من خمس نساء وطفلين ورجل وحيد، تمزق إطاران في سيارتهم بعد غروب الشمس فوقع رب الأسرة في حرج شديد ولولا فضل الله وفزعة شباب جلاجل الكرام لزادت المعاناة، وقد أبلغني رب الأسرة بما حدث له، فقال إنه لم يشاهد أطراف المواسير إطلاقا الا بعد سماع صوت انفجار الإطارات ونزل من السيارة، وقد وقفت بنفسي على المنطقة فوجدت أن مساحات شاسعة تمتد لأكثر من كيلو ونصف الكيلو تمت إزالة شبوكها دون خلع المواسير بل بقصها والإبقاء على حوالي عشرين سنتيمترا بارزة وحادة تهدد رواد المنطقة، وقد قمت بتصويرها وسوف أرفقها مع التغريدة بالمقال بعد نشره، وحقيقة فإنه بعد تحديث نقل المسؤوليات بين الجهات فإنني لا أدري على من تقع مسؤولية متابعة تفاصيل تنفيذ إزالة الشبوك، لكنني أرجو سرعة تلافي هذا الأمر سواء في سدير أو غيرها، وأن يتحمل أصحاب الشبوك غير النظامية خلع مواسير الحديد من (لغاليغها) وإزالة بقايا الشبوك ومخلفاتها الضارة بالبيئة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 2 شعبان 1447هـ 21 يناير 2026م

لكيلا يضيع دم التأمين بين المتهربين

من حق هذا العصر الزاهر علينا أن نتعامل مع إنجازاته الجبارة وحزمه وعزمه بإيجابية أكبر، وجدية أكثر وتفان أعظم وإيثار للصالح العام على المصالح الشخصية دون تردد ولا خوف من تحمل المسؤولية، بل بمزيد من المبادرة والجرأة ورؤية ما يجب القيام به وتنفيذه.. ومن متطلبات هذا السلوك الوظيفي الحميد ألا نرمي بالمسؤوليات على بعضنا البعض، والتهرب من تحمل المسؤولية وتقاذفها بين الأفراد أو الجهات، فيضيع دم المهام بين الجهات وكل يرى أن مسؤوليته محدودة وتتوقف عند حد وهمي افتراضي يتحمله الآخر، فهذا الشعور لا يليق بالمرحلة ولا يتناسب مع الهمة العالية لتحقيق أهداف يجب أن نسعى لها جميعا بعيدا عن الاتكالية وتقاذف المسؤوليات.

خذ على سبيل المثال لا الحصر التأمين الطبي، هذا الهدف الوطني المهم مر في العقود الماضية بمراحل صعبة واجتهادات غير موفقة وربما غير جادة وغير مدروسة، فكل يغني علي ليلاه، كطبيب لا يملك فكرا إداريا ودون خبرة ولا دراية ولا تخصص إداري، فهذا يريده تأمين تجاري بحت وذاك يريد قصره على المقيم دون المواطن وآخر يريد أن ينسبه لنفسه ويريده بلسما ولم يستطع إليه سبيلا، وثالث يريد هدم ما بناه سابقه، حتى جاء عصر الحزم والعزم والعمل الإداري المتخصص والخطوات الجادة المدروسة والشاملة فخرجنا بتأمين طبي فاعل ومفعل ومطبق على أرض الواقع ويجري تطويره وتحديث وتحسين أنظمته بما يحقق أمنا صحيا للمواطن والمقيم وسرعة في الإجراءات وحماية للمريض من معاناة تزيد آلامه.

الكرة الآن في مرمى شركات التأمين بحيث تتنافس على الخدمة والاستثمار فيها بتقديم خدمات أفضل وأسرع للمشترك مواطنا ومقيما ومن أهمها: سرعة الاستجابة مع المستشفيات في الرد والموافقة على الحالات التي يسمح فيها النظام بانتظار الموافقة، والكرة أيضا في مرمى الهيئات لتشديد الرقابة على أمر رفض بعض طلبات الموافقة أو تأخيرها وأن يكون ذلك أحد أهم عناصر التقييم وإعادة الترخيص بالممارسة.

كما أن من المهم جدا على الشركات والهيئات التدقيق في أمر التنافسية التي تحترم أولا عقلية المتلقي وثانيا احترام المنافس وقبل هذا وذاك الحرص على صورة وسمعة الرعاية الصحية في الوطن.. وسبق أن أشرت في مقال سابق إلى إعلان تلفزيوني لإحدى شركات التأمين يصور انتظار الموافقات بطريقة جد مشوهة ولا تعكس الواقع المشرق للإجراءات التي تتم إلكترونيا وبطرق جد راقية ومتقدمة، شأنها في ذلك شأن كل الخدمات التي تقدم في وطننا الغالي بضغطة زر، فلا يحق لشركة أن تشوه هذا التقدم لمجرد أن تقول أنا الأفضل، وللأسف أنه وحسب ردود الفعل فإن كل يتبرأ من المسؤولية عن وقف هذه الممارسة، فهذا يقول أنا مسؤول عن صحة المعلومة المشار لها في الإعلان وإن كان المقصود موافقات معينة غير المحددة في النظام سلفا وأن طريقة عرض الإعلان غير مرضية لكنها مسؤولية المعلن ومن سمح له ببث المادة الإعلانية وآخر لا يرد ولا يتجاوب، وأنا أقول إن استمرار هذه المادة الإعلانية المسيئة لنا لا يليق ويشوه الصورة الجميلة لواقعنا، ومسؤوليتنا جميعا وقفها لكيلا يضيع دم التأمين بين الجهات والموظفين.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 11 رجب 1447هـ – 31 ديسمبر 2025 م

عقرب وضب.. وموقف مخيف وطريف

في مقال الأسبوع الماضي كتبت وبتوصية من مجموعة من المهتمين بشأن الوقاية من السموم توضيحا لبطلان ما يروج في وسائل التواصل عن طرق وخزعبلات تدعي علاج الملدوغ بالعقرب وشرحت أن العامل المشترك الأعظم المضلل لهؤلاء هو أن العقرب لم يحقن السم أصلا لانسداد إبرته في 20 ٪ من الحالات، كما أثبتت دراساتنا في مركز الأمصال، ثم عرجت على (سباحين) الجدة حبابة التي تدعي أن عقربا خان الضفدع ولدغه فقتله وقلت إن ذوات الدم البارد (مثل الضفدع) لا تتأثر بسم العقارب ووعدتكم أن أذكر موقفا طريفا محرجا مر بي في هذا الصدد.

ما حدث هو أنني ومنذ أيام الشباب وممازحة الضب بصب الماء في جحره (قبل حمايته) كنت ألاحظ أن جحر الضب لا يخلو أبدا من عقرب تخرج علينا فور صب الماء وكأنها تقول (الأستاذ ضب نايم، وما يبي إزعاج واليد اللي تمتد لكفيلي ألدغها)، وزادت عندي هذه الملاحظة عندما بدأت تأسيس المركز الوطني لإنتاج الأمصال بالحرس الوطني، وأصبحنا نخرج في رحلات برية نصطاد الصل الأسود لاستخراج سمه، وكنا نعلم أن الصل يتواجد دوما في جحر الضب في تعايش بيئي فيه الكثير من الأنانية والاعتداء وثقل الدم، فالصل يدخل جحر الضب فإن وجده صغيرا ابتلعه واحتل بيته، وإن وجده كبيرا حل ضيفا ثقيلا عليه دون دعوة ولا استئذان، والضب مثل بعض الطيبين من البشر (وسيع صدر ويتغافل ويقول نعتبره حماية من يد مقرود يمد يده ليتل العكرة) احترسوا فما خرجنا به من رحلات صيد الصل أن الصل دائما تجده في جحر الضب ولكن ليس كل جحر ضب فيه صل وإن لم يكن فيه صل فإن فيه عقربا.

ملاحظتي تلك (وجود العقرب مع الضب) جعلتني أتساءل، تساؤل الباحث منذ بداية أبحاثي على السموم لنيل الماجستير حتى قبل انتقالي للحرس وتأسيس المركز، هل العقرب تلدغ الضب ولا يتأثر بسمها؟ (هنا يجب أن ندرس خصائص دمه وجهازه المناعي وما العنصر المسؤول عن هذه المناعة؟) أم أنها لا تلدغه ولو لدغته لمات مثل غيره، عندها قررت دراسة الأمر أثناء الوقت الطويل الذي أمضيه لساعات تفوق 15 ساعة في مراقبة تأثير السموم ومن ثم الأمصال على رحم الفار أو أوعية الجرذان أو عضلة الساق الأمامية للقط أو قلب الأرنب أو أمعاء الوبر، وجميعها تحتاج مراقبة أجهزة الرصد لساعات، فقمت بوضع ضب متوسط الحجم مع عقرب في إناء زجاجي عميق وقمت بمراقبتهما ووجهي أمام الإناء لمدة ثلاثة أيام متتالية، فكان الضب هادئا والعقرب يدور حوله وفوقه ولم يلدغه، ثم قررت أن أستثير الضب ليتحرك فوضعت فوقه اضاءة قوية، فذوات الدم البارد تستثار بالضوء فلعله يلطمها أو يدوس عليها فتلدغه لكن ذلك لم يحدث لمدة ثلاثة أيام أخرى، وما حدث هو أن أستاذي في الماجستير البروفيسور محمد إسماعيل حامد دخل علي في المختبر واستغرب وجود تجربة الضب والعقرب، وكان رجلا حاضر النكتة وصارما في ذات الوقت، فشرحت له فكرتي وأعجبته لكنه انتبه لما لم أحسب حسابه فقال لي (انت حاطط بوزك ببوز الضب، تعرف لو الضب خبط العقرب بذيله حيطير العقرب في وجهك وحتتمدد جنب القط اللي أنت مخدره دا)، ضحكنا ثم قمت بتغطية الإناء بزجاجة واستمررت في المراقبة، لكن لم ألاحظ أن العقرب لدغ كفيله، فقمت بإذابة سم عقرب في محلول ملحي وحقنت ثلاثة أضعاف الجرعة التي تقتل الأرنب في عضلة رجل الضب فشاهدت أن الرجل تشنجت وامتدت لأقل من دقيقتين ثم عادت طبيعية وبقي الضب حيا حتى قررت إطلاقه بعد أسبوع.

وتعاطفا مع الضب الذي صبر كثيرا قررت إطلاقه في روض معشب، فخرجت من جامعة الملك سعود على طريق الملك فهد شمالا باتجاه سدير ثم لمحت على يميني أرضا معشبة مزهرة فتوقفت قرب الشبك وخشيت أن أطلقه فيعود خلفي للطريق السريع حيث الكفرات ليس منها مناعة فقمت بتوجيهه نحو العشب عبر ماسورة واسعة لتصريف السيل وبدأت بمداعبة عكرته ليتحرك وكان الوقت قرب غروب الشمس فإذا بيد ضخمة تداعب كتفي ثم رقبتي لألتفت مرعوبا (كنا نسمع أن الضب يتجنس أي أن الجن يتمثل في شكل ضب) نظرت خلفي فإذا برجلين طويلين عريضي المنكبين قال أحدهم (وش عندك؟!) قلت (أبي أدخل الضب في النفق) قال (وأنت بتدخل معنا في الدورية ما لقيت تطلق ضبك إلا في شبك قوات الأمن الخاصة؟!) شرحت له القصة وكأني بالضب يضحك ويقول (خل أبحاثك تنفعك) وتفهم رجلا الأمن الوضع وأمسكت بضبي وقد أصبح يستخف بي ويمون ولسان حاله يقول (سيب العكرة يا واد) فأطلقته في مزرعة والدي (السمرية) في جلاجل وكان، -رحمه الله-، رحيما لا يحب إيذاء أحد حتى الحيوانات.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 4 رجب 1447هـ -24 ديسمبر 2025م

العقرب المسكين بريء من دم الضفدع

حاولت جاهدا وسوف استمر في المحاولات بتسخير ما أجريته من بحوث علمية مكثفة على سموم الثعابين والعقارب لنشر التوعية وتصحيح ما يحاك حول علاج الملدوغ من آثار سموم العقارب والثعابين من معلومات مغلوطة واجتهادات خاطئة لها أسبابها التي شرحتها في حسابي على اليوتيوب أو في حوارات متلفزة أو عبر المقالات، ومن تلك المعلومات الاعتقاد بإمكانية إنقاذ الملدوغ بالعقرب بوضع كلوركس أو تمرة أو جمرة أو بنزين، وقلت مرارا أن من أسباب هذا الوهم أن العقرب أصلا لم يحقن السم لانسداد إبرته فحدث الوهم بشفاء المصاب من تسمم لم يحدث أصلا، ولو حدث فإن السم لن يخرجه من الأنسجة لا تمرة ولا جمرة ولا عجينة، وأكثر ما يقلقنا كمتخصصين أن تؤدي تلك الأوهام (الواتسابية) إلى حرمان مصاب من العلاج أو تأخير وصوله للمستشفى فلا يصل إلا بعد فوات الأوان.

في حالة عضات الثعابين فإن تلك الأوهام أقل انتشارا لأن الثعابين إما أن تكون سامة جدا سريعة الفتك فتكون حالات الوفيات أكثر من حالات السلامة (خاصة لمن لا يصل للمستشفى ويتلقى العلاج بالأمصال) أو أن الأفعى تكون سامة جدا لكن تأثيرها يبدأ موضعيا ثم يزداد فيعرف أن العلاج بتلك الطرق الوهمية فشل سابقا وتعلم الناس دروسا مستفادة تجعلهم لا يجازفون، أو أن الثعبان أصلا غير سام لكنه مخيف جدا وهيبته فرضت النقل للمستشفى وظن الناس أن التسمم عولج، وبهذا أصبحت عضات الثعابين والأفاعي ليست مجالا للمجازفة والاجتهادات والقصص الوهمية مثل لدغات العقارب.

مشكلتنا الأكبر مع العقارب التي جميعها سامة وبعضها أشد سمية من الآخر ومع ذلك مررت في محاضراتي بمواقف لأطباء يعتقدون أن العقرب غير سام بل واجهت في مباشرتي لحالات ضحايا لدغ العقرب في غرف الطوارئ بطبيب طوارئ لم يقتنع أن العقرب سام إلا بعد وفاة خمسيني حضر ملدوغا بعقرب في يده وأحضر العقرب معه وتوفي (رحمه الله) نتيجة الاستهانة بصرخاته.

أثبتت دراساتنا في المركز الوطني لإنتاج الأمصال المعادلة لسموم الثعابين والعقارب بوزارة الحرس الوطني أن 20٪ من العقارب السوداء تكون إبرتها مسدودة، وعندما نحاول استخراج السم منها بالتنبيه الكهربي فإننا نضطر لقص طرف الإبرة ليخرج السم، هذه الظاهرة هي السبب الرئيس في شيوع الاعتقاد أن تلك العلاجات الشعبية من تمر وجمر وخلافه أنقذت الملدوغ وأخرجت السم، بينما السم لم يدخل أصلا!!

ومن أعجب ما شاع مؤخرا في مواقع التواصل الاجتماعي ما قاله أحد المجتهدين من كبار السن أن حرق العقرب ثم طحنه ودهن طحينه على حلمة ثدي الأم المرضع يجعل الرضيع يكتسب مناعة ضد سم العقرب، وهذا طبعا غير صحيح مطلقا وقد يؤدي للتساهل في حماية الطفل الذي اعتقدوا أنه مطعم ضد العقارب، فالحقيقة أن علم المناعة ومضادات الأجسام بريء تماما من مثل هذه الآليات، وقد نأتي في مقال آخر على ما نعانيه لحث جسم الخيل على إنتاج مضادات أجسام للسم عن طريق الحقن تحت الجلد على مدى شهور طويلة، والمؤكد أنه حتى الملدوغ عدة مرات لا يكتسب مناعة ضد السم كما يزعم البعض.

أما أطرف ما سمعت فهو قول الجدة حبابة في (سباحينها) وقصصها للأطفال أن العقرب اتفق مع الضفدع لينقله على ظهره فوق الماء لليابسة ووعده ألا يلدغه فيغرقان معا، لكن العقرب غلبه طبعه فلدغ الضفدع ومات وغرقا معا، ولحبابه أقول رفقا بمعلومات أطفالنا فسم العقرب لا يؤثر في ذوات الدم البارد إطلاقا (الضفدع من ذوات الدم البارد مثل الضب)، ولي في ذلك تجربة علمية طبقتها لمعرفة لماذا يعيش الضب مع العقرب بسلام وحماية دون أن تلدغه بل هي تحمي (بوابته) من أن تمسها يد، وقد خرجت من التجربة الدقيقة بموقف محرج طريف أرويه لكم في المقال القادم لضيق المساحة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 26 جمادى الآخرة 1447هـ 17 ديسمبر 2025م

رمز سري مختلف للخدمات الثانوية غير البنكية

عندما كثرت محاولات الاختراق للحسابات البنكية وسحب الأموال بطرق احتيالات متعددة تعتمد على طلب الرمز السري المرسل، وعندما كثرت التحذيرات الحكومية من صور تلك الاحتيالات، اقترحت عبر حسابي في منصة (X) تويتر سابقا، أن نفرض على الشركات الخدمية (الاتصالات وإيصال الشحنات والمتاجر وتوصيل الطلبات) استخدام رمز سري يختلف تماما في صيغته وعدد خاناته عن الرمز السري الأهم وهو الخاص بتطبيق أبشر والنفاذ الوطني والبنوك وتوكلنا، بحيث لا يكون هناك أي تشابه ولا أدنى فرصة للخلط والإيهام أن الرمز المطلوب هو لخدمة ثانوية بينما الحقيقة أنه لعملية بنكية أو حساب في منصة أبشر أو النفاذ الوطني أو توكلنا تمكن من الاختراق والاحتيال.

وبعد أن تعددت صور الاحتيالات وتعددت نصائح التحذير من إعطاء الرقم السري للمتصل الذي يوهمك أنه مندوب إيصال شحنة أو موظف اتصالات أو مندوب مبيعات، ومع استمرار وقوع ضحايا لهذه الاحتيالات بسبب طيبة البعض لاسيما كبار السن والكبيرات ممن لا يتوقع سوء النوايا أو لا يخطر بباله الربط بين إعطاء الرقم والخدمات الأساسية أو جهل البعض برسائل التحذير لمحدودية اطلاعه على وسائل التواصل والتحذيرات وقصص الاحتيالات فإنني لا أجد بُداً من تكرار الاقتراح على أساس مهم، وهو قطع دابر الارتباط بين الرقمين أو الرمزين أصلا بحيث يعلم العميل فورا أن صيغة الرمز المطلوب تخص عملية بنكية أو دخولا لأبشر أو للنفاذ أو توكلنا وليست من الصيغ الخاصة بخدمة ثانوية عابرة كتوصيل شحنة أو طعام أو شركة اتصالات أو قفل بلاغ أو شكوى، وهي الأعذار التي يتحجج بها المحتال للحصول على الرقم.

لنتفق مثلا على ألا تزيد رموز الخدمات الثانوية عن خانتين من الأرقام فقط وهذا كاف لمثل تلك الخدمات غير الخطيرة، فالرمز مطلوب فقط لإثبات استلام شحنة أو إتمام طلب أو قفل بلاغ فلا داع أن يكون الرمز أكثر من خانتين، وتبقى الأرقام ذات الأربع خانات للخدمات الأساسية كالدخول لحساب بنكي أو منصة أبشر والنفاذ وتوكلنا وهي أرقام لا يطلبها الموظف أصلا، وما إن يطلب المتصل رقما من أربع خانات يدق ناقوس الخطر لدى العميل ويقوم فورا بالإبلاغ، كما أن من الممكن أيضا أن تكون صيغة رمز الخدمات التي اسميتها (الثانوية) أو غير الأساسية عبارة عن حروف وليست أرقام فيكون التمييز أكثر وأبعد عن الشبهات، والمهم أن نقطع دابر الخلط بين ما هو أساسي خطير مهدد بـ(التهكير) وما هو ثانوي بسيط وأمره يسير.. والله أعلم وأحكم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 19 جمادى الآخرة 1447هـ 10 ديسمبر2025م

الأنظمة لا تلغي حق الجار

حق الجار كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة باقٍ، وله حقوق وحرمة استقيناها من تعاليم ديننا الحنيف، وإن أوضحت الأنظمة والقوانين حدود التعامل درءًا للاختلاف فإن علينا أن نحترم الأنظمة كمرجعية عند الاختلاف؛ لا أن نجعلها وسيلة لأذية الجار بطريقة تشيع الخلاف، ولن يفعل هذا إلا جار جائر..

تسن الأنظمة والتشريعات لتكون مرجعية لتحديد الحقوق والمسؤوليات عند الاختلافات، لكنها لم تكن قط داعيا لاختلاق الخلافات في التعاملات ولا تبيح تجاهل تعاليم الدين وأساسيات القيم والأخلاقيات في التعامل بين الأبناء والوالدين والأشقاء والإخوان والأقارب والجيران، ولا تنسينا فسحة الأنظمة والقوانين الالتزام بحقوق الجيران والوالدين والأشقاء وذوي القربى وكل من لهم حق علينا فرضته تعاليم ديننا الحنيف الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية.

أنظمة المرور (مثلا) تحدد نسبة المسؤولية عند حدوث حادث؛ لكنها لا تعني عدم الصفح والتنازل، وأنظمة فض المنازعات والخلافات، بل وحتى المشاجرات تحدد صاحب الحق لكنها تحث على الصلح وتشجع التنازل، وحتى في قضايا القتل فإن الله سبحانه وتعالى قد كتب علينا القصاص في القتلى وأتاح العفو، وجعل ثوابه عظيما، فما بال بعضنا اليوم يتشبث ببعض الأنظمة البلدية وأنظمة الوقوف فيؤذي جيرانه بالتبليغ عن هذا وسحب سيارة ذاك ومضايقة قريب أو جار بحق وبغير حق؟ فالأمر علينا غريب وطارئ لم نتربَّ عليه ولم نعتده من الآباء والأجداد، بل تربى مجتمعنا على إكرام الجار وكف الأذى والصفح عنه إذا أخطأ هو أو أحد أفراد أسرته، وعرف عن مجتمعنا عبر التاريخ أن للجار حقوقا وحرمة استقيناها من تعاليم ديننا الحنيف فنتقاسم معه الرزق إن شعرنا بقلة ذات يده، ونقتسم معه الرغيف إن لاحظنا على أبنائه جوعا، بل كم من بيت بات جائعا ليشبع جاره دون علمه، وإن سمح المجال فقد أورد موقفا واقعيا لجار تحمل خطأ من جاره في بناء ولم يشتكِ أو يتذمر أو يتجهم وجهه بل ابتسم أمامه عند كل صلاة.

نعم أوضحت الأنظمة حدود وقوف السيارات في الحي تسهيلا على السكان ومنعا للخلافات والنزاعات، ولكن ذلك لا يعني أن تترصد لجيرانك فتضع السلاسل على سيارة جار مضطر أو تعاقبه بالإحاطة بسيارته ومنعه من الخروج، فأنت بذلك تتعمد الأذى لا الإصلاح، وهنا لا ننسى أن الوقوف أمام باب الجار أذى لا يجوز لا قبل صدور النظام ولا بعده، لكن خطأ الجار (عند الكرام) لا يعالج بالأذى!، ونعم صدرت أنظمة تمنع نوعا من المظلات لكن أمر أولوية التنفيذ لدى الجهة الرقابية وليست من شيم الكرام أن تزعج الجهات بالتبليغ عن جارك!، وعندما تدفع حاوية القمامة لتصبح أمام جارك فأنت جار مؤذٍ أقشر، وعندما يضطر جارك لإجراء ترميم في منزله فإن أمر التأكد من حصوله على تصريح الترميم هو مسؤولية مراقب البلدية، وعندما تزعجه بالبلاغات فأنت جار مؤذٍ مزعج تعتقد أنك مواطن صالح.

عندما كنا نقطن حي جبرة بالرياض قبل أكثر من ستين سنة، كانت بيوتنا من طين لكن قلوبنا من قطن، وتذكر شقيقتي الكبرى أن جارنا أراد إضافة غرفة من طين وطبق ومرابيع وقام عماله بإدخال الخشب في الجدار الذي بيننا وبينه وربما بطريق الخطأ بالغوا في طرق الخشب فاخترق جدار ديوانية منزلنا وخرج علينا مطلا عبر رفوف جبس مشب الديوانية وسقطت الدلال وتكسرت الرفوف ومع ذلك لم يشتك والدي -رحمهم الله جميعا-، بل أصبح والدي يقابله في المسجد بابتسامة أعرض مما كان يفعل ولم يبلغ أحد من الجيران ونهانا عن أن نتحدث عن الأمر وأعاد ترميم أرفف الوجار بالجبس حول الخشب ولم يعلم جارنا عن الوضع إلا بعد بيع بيت جبرة وذكر العيب في شروط البيع.

هكذا كنا جميعا مع جيراننا وليس والدي فقط، وهكذا كانت تربيتنا في التعاطي مع الجار، وهكذا يجب أن نستمر، فحق الجار كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يبقى، وإن أوضحت الأنظمة والقوانين حدود التعامل درءًا للاختلاف فإن علينا أن نحترم الأنظمة كمرجعية عند الاختلاف لا أن نجعلها وسيلة لأذية الجار بطريقة تشيع الخلاف ولن يفعل هذا إلا جار جائر.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 12 جمادى الآخرة 1447هـ 3 ديسمبر 2025م

تشديد الرقابة على الإعلانات الطبية المسيئة

لا خير في إعلان يوهم أن ثمة مشكلة وهي غير موجودة، أو يضخم سلبية وهي جد صغيرة، ويشوه الصورة عن الوضع الصحي وهي في أجمل حللها، لا لشيء إلا ليوهم بأنه الأفضل، وأنه هو الحل لمشكلة يوهم الناس بوجودها وهي غير موجودة، أو أن وجودها نادر جدا وهو أحد أسبابها، والإعلان الطبي هو في الأساس حساس جدا يمس مشاعر المرضى فيجرحها أو يستغل حاجة المريض فيروج لطبيب أو دواء أو مستشفى أو شركة تأمين بطريقة وهمية، لذا فهو ممنوع نظاما ويجب تشديد الرقابة عليه، خاصة تلفزيونيا وفي مواقع التواصل التي هي الأكثر إيهاما وترويجا وإغراء.

الأمثلة على الترويج الطبي في هذا الزمان كثيرة جدا مع تعدد القنوات خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت منفلتة عالميا ويديرها أشخاص وأصحاب مصالح شخصية وأنانية، إما لخدمة الطبيب نفسه أو لخدمة المستشفى أو الشركة بمقابل مالي، ومن حسن الحظ أن قنوات التواصل الاجتماعي لا تنعم بمزيد ثقة اجتماعيا، بل إن الثقة بها تقل كلما زاد الوعي المجتمعي، وكلما أثبتت أخبارها ودعاياتها أنها غير صحيحة ولا صادقة.

المشكلة تكمن في الإعلانات المتلفزة لقنوات فضائية تجارية خاصة في أوقات مشاهدة الأطفال وأوقات الذروة وبين مباريات كرة القدم أو الأنشطة الرياضية الأخرى، فالتلفاز ما زال يتمتع بثقة ومتابعة وإن كانت المصداقية تعتمد على المعلومة ووعي المتلقي إلا أن خطورة الإعلانات التلفزيونية لا يمكن تجاهلها فهي الأكثر انتشارا، وبالتالي تأثيرا سواء في الداخل أو الخارج، لذا فقد أسفت (كمواطن) أن تعلن إحدى شركات التأمين الطبي تلفزيونيا عن تميزها ببث مشاهد توحي بوجود فوضى (غير حقيقية) في شارع التأمين ولقطات لمرضى وهم يتزاحمون ويعانون بحثا عن موافقة وتصورهم بطريقة مضحكة (كوميدية) لا تليق ولا تتناسب مع حقيقة واقعنا في هذا العصر، وليست صورة صحيحة إطلاقا، بل ظالمة لواقعنا، حيث لو وجدت حالات قليلة أو نادرة لمشكلة مع موافقات بعض شركات التأمين (وهي منهم) فإن الأمر لا يصل للحد الذي يصوره الإعلان، وكان جديرا أن يحترم المعلن الوضع الصحي المتقدم والمتميز عالميا الذي نعيشه ولله الحمد، وأن يتعامل بوقار واحترام مع المرضى الذين صورهم وكأنهم فوضويون، وأن يحترم المعلن منافسيه في سوق التأمين، وقطاع التأمين عامة فلا يصوره بهذا الصورة المسيئة.

أعلم أننا نتمتع -ولله الحمد- بأنظمة وتشريعات تعنى بأمر الإعلانات، خاصة الصحية، وكل ما يؤثر سلبا على المستفيد مريضا أو مستهلكا، خاصة من إعلانات مشاهير التواصل الاجتماعي، لكن من المهم جدا تشديد الرقابة على محتوى الإعلان الطبي في جميع القنوات نظرا لحساسيته البالغة.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 5 جمادى الآخرة 1447هـ 26 نوفمبر 2025م

للممارس والمعلم حماية وللمريض والطالب حماية أيضًا

جميل جدا أن يركز المسؤولون في وزارتي الصحة والتعليم على أمر حماية الممارس الصحي والمعلم من الاعتداء أو الإهانة، ويتناولون ذلك في تصريحاتهم وتنبيهاتهم، ولكن من المهم أيضا أن يرافق ذلك التركيز وبذات القوة تنبيه وتصريح على أن للمرضى وأقاربهم وللطلاب والطالبات وأولياء أمورهم حقوق يجب على الممارسين الصحيين ومستشفياتهم والمعلمين والمعلمات ومدارسهم احترامها وحمايتهم من أي اعتداء أو إهانة أو تقصير، فلا يشغلنا أمر حماية الطبيب عن حماية المريض، ولا أمر حماية المعلم عن حماية الطالب، فكأني -وحسبما يردني من شكاوى ككاتب رأي- ألمس أن أمر التركيز على حماية الممارس والمعلم أنساهما أن للمرضى وأقاربهم وللطلاب وأولياء أمورهم حقوقا أيضا يكفلها النظام أكثر من أي وقت مضى.

عندما يصفع معلم في مدرسة خاصة طالبا في المرحلة الابتدائية لا يتجاوز عمره 11 سنة فإن هذا الطفل أهين وكسر أمام أقرانه، ولم يرد أن يبكي أمامهم فطلب أن يذهب لدورة المياه ليبكي بعيدا عن أعينهم فيقوم المعلم بشده من أذنه وإخراجه من الفصل ليستلمه المشرف ويذهب به لدورة مياه بعيدة عن الفصل لأن دورة المياه القريبة بها عطل ويتركه هناك يبكي ولا يعرف طريق العودة إلا بمساعدة عمال الصيانة! ثم يعود للمنزل مكسورا مذهولا كارها للمدرسة والمعلم وربما للمجتمع! فهل هذا المعلم يستحق الحماية؟! وهل تلك المدرسة الخاصة تستحق ما تتقاضاه من رسوم؛ بل من ثقة أولياء أمور الطلاب؟!

إن علينا أن نعترف -شئنا أم أبينا- أن أغلب المدارس الأهلية والخاصة تعج بمتعاقدين أجانب ربما بعضهم يعاني من أحقاد، وعلينا عدم الاعتماد على ملاك المدارس في حماية الطلاب (خاصة الأطفال)، وألا نعتمد كأولياء أمور على الشكوى للمدرسة نفسها فهي تبقى خصما ولا تصلح حكما، بدليل أن المعلم الأجنبي القاسي الذي عاقب الطفل تم نقله لقسم آخر فيه بدلات أكثر فقط لذر الرماد في العيون.

وعندما تدخل مريضة لمستشفى أهلي تشكو ألما في البطن تصادف مع حالة رشح أو التهاب فيروسي فيتم إرباكها بعدة تشخيصات مختلفة تصلها من الممرضات وليس الطبيب الاستشاري، ثم تتوالى عليها الفحوصات الإشعاعية والصبغات المتكررة وتقنع بإجراء جراحة إزالة المرارة وتحدث معها مضاعفات وماء في الرئة يزداد دون أن تحصل على فرصة مع طبيبها الاستشاري لتعرف ما هي حالتها وما تشخيصها وما الذي حدث لها وهل هو مضاعفة أم خطأ؟! وتدخل في دوامة الشك أن كل ما أجري لها من فحوصات وأشعة وعمليات كان بهدف استغلال التأمين، فإن الأمر يستوجب التفكير في حمايتها وحقوقها.

وإن علينا أن نعترف أن بعض المستشفيات الأهلية والخاصة تستخدم أطباء حكوميين غير متفرغين يعملون في عدة مستشفيات (مخالفين) وتغري بهم المرضى في دعايات وإعلانات، ثم لا يجد المريض ذلك الاستشاري بعد الدفع كما وجده قبل الدفع، وهنا لا يصلح أن تترك الشكوى للخصم ليصبح حكما، ومثلما أن للممارس الصحي حماية فإن للمريض حماية ويجب تكثيف التوعية بحقوق وحماية المريض مثلما يحدث مع حقوق وحماية الممارس.

ما لم يتم التركيز والتوعية بحماية الطلاب (خاصة الأطفال) وحماية المرضى ونشر سبل وقنوات التبليغ والتفاعل معها بنفس التركيز على حماية الممارس الصحي والمعلم، فإن المريض أو قريبه أو الطالب أو ولي أمره قد يرتكب مع المعلم أو الممارس ما يجعله عرضة لعقوبة كان يفترض أن تكون له لا عليه.. والله أعلم وأحكم.

نشر بجريدة الرياض يوم الأربعاء 28 جمادى الأولى 1447هـ 19 نوفمبر 2025م

شوارع المدارس الأهلية الضيقة خطرة جدًا

المدارس الأهلية داخل الأحياء إحدى مميزاتها أصبحت عيبا وأهم إيجابياتها تحولت إلى سلبية، فالميزة والإيجابية أن المدارس هي عبارة عن مجمع (ابتدائي ومتوسط وثانوي)، والعيب والسلبية أن هذا المجمع يتواجد على شوارع ضيقة عرضها عشرة أمتار أو 12 مترا أو حتى 15 مترا، ما يخلق ازدحاما مهولا وفوضى عارمة عند الحضور والانصراف، فالشارع بهذا العرض لا يمكن أن يستوعب الكم الهائل من السيارات الداخلة والخارجة والمقبلة والمدبرة، ناهيك عن السيارات التي تحاول الاستدارة، ما يشكل خطرا على الطلاب والطالبات هو الأهم مع ما يحدث من تأخير وتعطل للحركة وفوضى واختناقات وربما شجار وخناقات.

فكرة بناء مجمع مدارس يشتمل على جميع المراحل الدراسية في موقع واحد فكرة رائعة، تسهل على الأسر عملية نقل أبنائهم وبناتهم ممن هم في مراحل دراسية مختلفة إلى موقع واحد في مشوار واحد وتقلل الازدحام في أوقات الذروة وتوفر الكثير من الخدمات التي تقدم للمدارس، لكن السماح ببناء المجمعات الدراسية على شوارع ضيقة (عرض 10 أو 12 أو 15 مترا) داخل الأحياء زلة دامغة يجب تلافيها، فالاختناقات المرورية بسبب ضيق الشارع كفيلة بإلغاء ميزة توفير الوقت على الأسر، وتشابك المركبات القادمة مع المغادرة والاضطرار للرجوع للوراء مع تواجد أعداد من الأطفال بين المركبات يشكل خطرا كبيرا على أرواح الأطفال، كما أن الفوضى المرورية المصاحبة قد تؤدي إلى خلافات وربما مشاجرات وسلوك غير حضاري ولا تربوي.

وبالنسبة لسكان الحي فإن الأمر مزعج جدا؛ سواء كان لهم أبناء في سن الدراسة أو لم يكن لهم أبناء، فإن كان لهم أطفال في المدارس فإنهم لا بد سيقلقون يوميا على سلامة أبنائهم، خصوصا أن أكثر سائقي المركبات من العمالة غير المدربة على القيادة ولا على احتياطات السلامة، ولم يتعودوا على هكذا ظروف وزحام، بل بالكاد يقود المركبة إلى الأمام والخلف في شارع واسع، وإن لم يكن لسكان الحي أبناء في المدارس فإنهم قد تحملوا زحاما وازعاجا وصعوبة خروج لأعمالهم وصعوبة وصول لمنازلهم وعدم توفر مواقف لسياراتهم بسبب تواجد هذا المجمع الدراسي في موقع غير مناسب.

خاتمة القول؛ إن شروط ومواصفات بناء مجمع مدارس أهلية أو حتى مدرسة أهلية واحدة يجب أن يأخذ في الاعتبار عرض الشوارع المحيطة بحيث تناسب تدفق عدد كبير من المركبات القادمة والمغادرة والواقفة.. والله أعلم وأحكم.

نشر بجريدة الرياض يوم  الأربعاء 21 جمادى الأولى 1447هـ 12 نوفمبر 2025م

لصحتنا واقتصادنا قلصوا مركّبات السعال

يوماً بعد يوم تفضح الأبحاث والدراسات العلمية ممارسات كثير من شركات الأدوية وحرصها الشديد على الكسب حتى لو تعارض مع المنفعة والصحة، وفي هذا الصدد نشر باحثون وأكاديميون نزهاء كتبا ومؤلفات ومقالات علمية، وفي المقابل فإن شركات الأدوية تنفق الملايين على التسويق لمنتجاتها وشراء الذمم لوصفها أو التشجيع على شرائها إذا كانت من الأدوية التي تباع دون وصفة، والمستحضرات المركبة للسعال أحد أشهر الأمثلة لخليط غير منطقي صيدلانيا يجمع عقاقير أو مركبات بعضها متعارض التأثير والبعض الآخر لكل مادة منها تأثير مستقل لا يحتاجه المريض خاصة من لديه أعراض التهاب فيروسي سيزول من نفسه خلال أيام أو أسبوع، والأعراض الجانبية لتلك المواد وتأثيراتها على بعض أعضاء الجسم (خاصة الكلى والكبد) تفوق كثيرا الفائدة منها في إيقاف عرض مؤقت.

ويعارض كثير من علماء الصيدلة المحايدين والنزهاء تواجد تلك المواد المتعددة في زجاجة واحدة أو كبسولة واحدة، وسوف آتي على ذكر المبررات المنطقية لهذا الرفض لاحقا، كما أن كثيرا من الأطباء، خاصة أطباء الأطفال حول العالم، نشروا أوراقا علمية في مجلات طبية متخصصة عن مشاهداتهم لأضرار وخيمة لوجود مركّبات دوائية متعارضة أو مذيبات في أدوية السعال أدت إلى تلف في الكلى وسببت الوفاة في عدة دول.

وأذكر أننا (عدد من الصيادلة السعوديين) أثناء عملنا في مستشفى الملك سعود (الشميسي)، حيث كنت محاضرا بكلية الصيدلة ومطلوب مني قضاء عمل مسائي في مستشفى حكومي للحصول على بدل التفرغ، كنا قد كتبنا لوزارة الصحة (قبل إنشاء هيئة الغذاء والدواء) نقترح تقليص شراء أدوية السعال والزكام المركبة لعدم الحاجة لذلك الكم الهائل من المستحضرات المركبة ولأضرارها، أما هيئات الدواء والغذاء في العالم فمجبرة على تسجيلها بإلحاح من الشركات المنتجة، لكن الجهات الصحية سواء وزارة الصحة أو أي جهة صحية أخرى غير مجبرة على شرائها.

ولأن هذا المقال أكتبه للعموم وفي صحيفة سيارة فمن الأفضل ألا أذكر أسماء بعض المواد والعقاقير فذكرها قد يعرف بها أكثر، خصوصا أننا وخلال أربعين سنة مضت من التدريب في صيدلية خاصة أو العمل في المستشفيات رأينا صورا مؤلمة وحوادث لعمالة وافدة أو شباب وشابات مواطنين أدمنوا استخدام زجاجات أو جرعات كبيرة من تلك المستحضرات المركبة لعلمهم بوجود مركب منوم أو مهدئ، وقد أبلغنا عن ذلك في حينه، وتم ولله الحمد تشديد المراقبة على وصف وصرف تلك المستحضرات وإدخالها ضمن الأدوية المقيدة والخاضعة لنظام مكافحة المخدرات التي لا تصرف إلا بوصفة خاصة مشددة الرقابة والحصر.

وكما وعدت آنفا فإنني سوف استشهد ببعض مستحضرات الخليط الدوائي الثلاثي أو الرباعي ذاكرا تأثير عناصر الخليط دون اسم العنصر، لا العلمي ولا التجاري، ومن أكثر الأمثلة الرائجة للأسف خليط رباعي من مثبط السعال ومضاد الهستامين ومزيل الاحتقان وطارد للبلغم وهذه العناصر فيها الكثير من التعارض المعروف، فمثلا (وبدون إسهاب) فإن مضاد الهستامين من تأثيراته الجفاف، بينما أنت تحتاج لما يساعد الترطيب لطرد الإفرازات، كما أن مثبط السعال سيعيق عمل طارد البلغم وستكون النتيجة مزيدا من الانسداد وتراكم الإفرازات، كما أن مزيل الاحتقان من آثاره زيادة سرعة ضربات القلب ورفع ضغط الدم، ومع مثبط السعال فإن السعال المفيد لإخراج الإفرازات سيفقد ويزداد الالتهاب وستحمل القلب حملا أكبر بكثير خاصة لدى الرضع، ناهيك عن الآثار الجانبية لكل عنصر في الخليط وتراكم هذه الأضرار وتعاونها على المريض، هذا مجرد مثال وشرح مختصر لخطورة ذلك الخليط.

أما المثال الأعجب فهو رواج خليط ثلاثي لمسكن ألم يحتوي على الباراسيتامول (وهذا مسكن وخافض حرارة تقليدي معروف) لكن مضاف إليه مهدئ لن أذكر اسمه، ومنبه لن أذكر اسمه، وعجبا كيف يجمعون منبهًا ومنومًا معًا، وإذا عرف السبب بطل العجب، والسبب هو الترويج لمستحضر جديد له نفس مفعول الباراسيتامول مع إرباك شديد للمريض فهو لا يعرف هل هو نائم أم متنبه!

محصلة القول إننا كبلد متقدم يزخر بالعلماء في مجال الصيدلة لسنا في حاجة لشراء وتأمين تلك المستحضرات والمخاليط المتناقضة حتى لو سجلناها، وذلك من أجل صحتنا واقتصادنا معا، وعلينا عدم تأمين وشراء إلا ما نحتاجه ويفيدنا بعيدا عن مغريات وترويج شركات ووكلاء الدواء.

نشر في جريدة الرياض يوم الأربعاء 7 جمادى الأولى 1447هـ 29 أكتوبر 2025م