مجتمع تعاميم

ما من مشكلة عرضت، ولا نقاش دار، ولا حوار، إلا ويكون الإجماع على أن أهم أسباب مشاكلنا هو غياب النظم والإجراءات، واعتماد سير مصالح الناس ومعاملاتهم على الإجتهادات، و”البركة”، ومزاج الموظف، ومدى توفر “الواسطة” والعلاقات، وفي كثير من الأحيان رغبات ذي مصلحة وأهدافه.
الاستمرار على هذا النهج خطير جداً، وليس أدل على خطورته من كونه سبب كل مشاكلنا لعشرات السنين، والعامل المشترك الأعظم لكل الفترات التي مرت على وزاراتنا الخدمية، مع تغير الوزراء والعهود.

إلى متى نستمر كمجتمع يسخّر أحدث التقنيات، ويطبق أكثر الآليات كلفة، ولكن بدون نظم ولا منظومات عمل مشتركة؟!، إلى متى نترك الحبل على الغارب لكل متمصلح، ومجتهد، ومتجاهل؟!.

غياب الخطوط العريضة الواضحة لكل إجراء ومعاملة مدعاة لهضم الحقوق، والظلم، واستغلال النفوذ، وانتشار الفساد الإداري بكافة صوره وأشكاله. وهو سبب رئيس لخسارة جهود كبيرة تبذل، وأموال تصرف لأن المحصلة الأساسية وهي رضى الإنسان لم تتحقق، بل إن كل جهود الدولة في هذا الصدد تتحطم على جبل من البيروقراطية والتوجهات الشخصية المتمثلة في رغبة مدير أو وزير في ترك الأمور عائمة ليحتاجه الناس، أو لتلبية احتياجاته!!.

وما دام الأمر كذلك، ولأن وطننا هو الأهم ومصلحتنا الوطنية هي الأولى فإنني أقترح منح كل وزارة ومؤسسة حكومية مهلة محددة غير طويلة لإعلان نظم وإجراءات سير كافة الأمور في الوزارة سواء ما يتعلق بمصالح الناس أو التوظيف أو المشاريع، نظم واضحة وشاملة ومفصلة وتعلن خطوطها العريضة في وسائل الإعلام على أن تكون خطوط عريضة غير مضللة أو عائمة ولا تقبل التفسيرات والاجتهادات ويمكن عن طريقها كشف التجاوزات للمراقب والمشتكي والإعلام.

كما أقترح أن يُطلب من كل وزير ومحافظ أن يشرح خططه ومشاريعه بعد مضي 120يوماً (أربعة أشهر) من تعيينه ليتم تقييم فترته على ذلك الأساس ويكون لدى مجلس الشورى عند دعوته للوزير أرضية للمقارنة وطرح الأسئلة حول ما أنجزته وزارته بناءً على خطته المعلنة.

إننا نعيش عهد شفافية وإصلاح، ومن أهم أولويات هذه المرحلة أن نطبق الشفافية في الإجراءات وسير المعاملات وسنجد أن الإصلاح في هذا المجال قد تحقق تلقائياً نتيجة لتلك الشفافية.

أما إذا استمر الشأن الاجتماعي، والشأن التعليمي، وكذلك الصحي، وغيرها من أساسيات الحياة، تسير بطريقة عشوائية تعتمد على تعاميم يومية، وخطابات سرية، وتعليمات آنية تعالج كل حالة على حدة أو تتأثر بحالة أو حادثة بعينها، فإننا سنجد أنفسنا كما نحن اليوم نغرق في أمواج من الورق ونثقل كاهلنا بأطنان من التعاميم المخبأة والتي لا تطبق إلا متى ما أراد الموظف وإذا شاء أخفاها.

المهنة والمصلحة

تتعالى صيحات الشكوى من الأخطاء الطبية وتتناولها كافة وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة بإيراد أمثلة “حية” مخيفة، وأخرى “ميتة” بحزن وغبن.
تعقد الندوات والمؤتمرات ويحاول البعض عبثاً التقليل من شأن الأخطاء الطبية، تارة بمقارنتها بإحصاءات أمريكا التي تسجل فيها الحالات وتوثق كاملة بينما لا يمثل ما يسجل لدينا ربع الحقيقة، وتارة أخرى يكون التقليل من أهميتها باتهام الإعلام بالمبالغة والتضخيم ليخرج وفي نفس القاعة رجل يحمل جمجمة ابنه في كيس بلاستيك لتجسد خليطاً من أشكال الخطأ الجراحي والطبي والتشخيصي والإهمال في التعامل مع حفظ جمجمة طفل حي وهو ما كشفه أطباء البلد التي نقارن إحصاءاتنا بها (أمريكا).

لذلك فإنني أكرر الاستشهاد بالمثل الإنجليزي الشهير عندما تقارن قارن برتقالة ببرتقالة وليس برتقالة بتفاحة وأضفت لأن المستفيد ال “يوسف افندي” لأنه بالفعل لا يستفيد من المقارنات المغلوطة إلا الأصغر، والأقل شأناً، والمغالط!!.

إعلامنا لم يكن يوماً من الأيام أداة مبالغة أو تضخيم بل ربما صبر واختصر، وساهم بسبب تحفظه في تفاقم المشاكل وخروجها عن السيطرة.

الدكتور غازي القصيبي، الإداري “المختص” الوحيد الذي تولى وزارة الصحة خرج لنا بتجربة ثرية وكشف ما كان مخفياً وعاد مخفياً، يقول الدكتور القصيبي في كتابه “حياة في الإدارة” ” وزارة الصحة هي الملاذ الوحيد، الخصم والحكم، بحكم غريزة البقاء، إضافة إلى روح النقابة ينزع جهاز الوزارة إلى الوقوف، صفاً واحداً، ضد شكاوي المواطنين. عندما أحس المواطنون أني أقف في صفهم لا في صف الجهاز كانت هذه ظاهرة جديدة ” انتهى ما ذكره الدكتور القصيبي.

وبطبيعة الحال ان هذا التحيز نحو الممتهن وليس المهنة يحدث في كل قطاع صحي يديره طبيب وجميعها الآن يديرها أطباء فوزارة الصحة مجرد مثال.

الآن وبعد مرور حوالي 23سنة أعاد الدكتور غازي ما كتبه في لقاء أجرته الزميلة ريما الشامخ “الإخبارية ” معه في رمضان وكرر أيضاً قوله ” تذمر عدد من الأطباء من موضوع نشر العقوبات وقالوا إن النشر يزعزع ثقة الناس في الأطباء مع أنني جئت وسمعة الأطباء في الحضيض، لأن الصحف كانت تنشر الكثير عن تجاوزات الأطباء ونشر العقوبات سيسهم في إعادة الثقة فعندما يشعر المواطن أن الطبيب المهمل سيحاسب سيتعامل باطمئنان مع الأطباء، فكنت أقول انه عندما تكف الصحف عن نشر التجاوزات سوف أكف عن نشر العقوبات، لم تكف الصحف ولم أكف أنا. التهاون لا النشر كان سبب انهيار الثقة”. (انتهى).

أما أنا فأقول إن الواضح أننا وبعد مضي ثلاثة وعشرين عاماً لم نستفد من تجربة الوزير الإداري المختص ولا من كتابه ولو حاول أحد الاستفادة فإنه سيجد أن التهاون لا النشر هو سبب تدهور سمعة مهنة الطب، هذا إذا كان الهدف روح نقابة حقيقية تعنى بالمهنة وليس الممتهن!! أو المصالح الخاصة!!.

مغازلة تلفزيونية

بعض الصور التلفزيونية توحي لك وبسرعة الضوء أننا كعرب مهما تطورنا لا بد وأن نحافظ على نمط سلوكي موروث يميزنا عن غيرنا، بعض جوانبه إيجابي كالكرم والفراسة والذكاء وسرعة البديهة وصفات أخرى تميز الإنسان العربي الأصيل ليس هذا محلها، وجوانب سلبية لا أجد أفضل من الاستشهاد بالأمثلة لتوضيحها .
قناة “الجزيرة” من قطر مهما حاولت ادعاء الحياد وتقليد المنابر الحرة وادعاء احترام المشاهد إلا أنها وما أن يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية فإنها تخرج عن طورها بل عن كل الأطوار والادعاءات وترجع مئات السنين للوراء لتتقمص شخصية الإنسان المتخلف الحقود الحريص على تصفية الحسابات، أحادي الرأي، بدليل أن هذه القناة المدعية للحياد لا يمكن أن تذكر اسم المملكة بخير أو أن تحترم آراء مشاهديها بإيراد خبر سياسي أو اقتصادي أو علمي أو حتى طبي عن المملكة طالما أنه إيجابي ويشكل مفخرة لأكبر وطن عربي رائد في السياسة والاقتصاد والإنجازات العلمية والصحية وهذا يذكرنا بأن هذه القناة مهما كررت غمس شعارها في ماء البحر عشرات المرات يومياً فإن ماء الخليج عجز عن غسل أحقادها !!.

الصورة الأخرى تلفزيونياً تتمثل في الإنسان العربي عندما يتصل لإجراء مداخلة في أحد البرامج ورغم ضيق الوقت وإلحاح المقدم على الاستعجال فإنك تجده يصر على عبارة “أمسي عليك وعلى ضيوفك”، ثم يكرر “أمسي على ضيفك فلان وضيفك علان” ويعرج بعد ذلك على الاطمئنان عن صحة الضيوف مع أنه يراهم في تمام الصحة “كيفك يا زيد، كيفك يا عبيد” ليجد نفسه وقد بدأ يسأل في الوقت الضائع ويستجدي الثواني من المقدم لإكمال سؤاله رغم أهمية السؤال ووجاهة المداخلة أو الاقتراح .

ومن الصور المؤلمة جداً عدم احترام التخصص ففي ثلاث حلقات رائعة من برنامج “دوائر” في الإخبارية نوقش موضوع الغزل ومضايقة الشباب للفتيات في الأسواق العامة وكان الأخصائي النفسي يتحدث ضمن حدود تخصصه في مجال السلوكيات النفسية وأسبابها وعلاقتها بالموضوع، وتواجد أستاذ في العلم الشرعي من جامعة الإمام وتحدث بكل رزانة وعقلانية عن موقف الشرع والنصوص التي تحث على تجنب مثل هذه السلوكيات وتصف الاحتياطات التي تحد منها من منظور شرعي.

أما في الكرسي الآخر فتواجد “طبيب” نفسي والطبيب النفسي تخصص في التعامل مع الحالات من وجهة نظر “إكلينيكية”، فهو يبدع في تشخيص الآلية أو الميكانيكية التي تحدث في الجسد لتنعكس في شكل صورة مرضية نفسية ثم كيف تعالج “دوائياً” أو بأي وسائل العلاج الجسدي للمسبب، لكن صاحبنا راح يفتي في العلم الشرعي ويحلل اجتماعياً ويحلل نفسياً ويستجوب المتصلين والمتصلات بطريقة توحي أنه “جوكر” زمانه في كل العلوم وبطريقة فجة، مثيرة للاستغراب خصوصاً وأن طروحاته لا تقوم على أساس تخصص أو علم وإنما فرض رأي شخصي .

ثمة فرق كبير بين أن تنتقد وضعاً اجتماعياً من وجهة نظرك كفرد وبين أن تدعي تشخيص الواقع وطرق علاجه وأنت أبعد ما تكون عنه في مجال علمك وتخصصك .

الإخلاص والحماية

استوقفني أحدهم في أحد الأسواق ولمدة تزيد على نصف ساعة بدأ خلالها مؤيداً لما كتبته عن سرقة المديرين لأفكار وإنجازات موظفيهم ونسبتها لأنفسهم، واستشهد بما تعرض له هو من أن إحدى الشركات الغذائية استفادت من أفكاره التطويرية والترويجية وأساليب جديدة ابتدعها، لكنه ومع أول مطالبة بحقوقه تم الاستغناء عن خدماته .
إلى هنا والوضع، وبمنتهى الأسف، يكاد أن يكون شائعاً لدى كثير من الشركات التي تتعامل مع الموظف بمنتهى الجحود تمتص رحيق أفكاره وبمجرد ما ترتفع مرتبته وتكلفته أو يطالب بتحسين وضعه، يزال هو، وتبقى أفكاره، بل إن بعض الجهات الحكومية التي يراها المدير ملكاً له ولحاشيته قد تمارس الشيء نفسه !!.

الأهم “وطنياً” في موقف صاحبنا أنه أخذ يسرد لي سيلاً من مخالفات تلك الشركة الغذائية من حيث عدم النظافة وترك منتجاتها مكشوفة للذباب والصراصير ليلاً، ثم طرد هذه الحشرات نهاراً وبيع المنتجات الملوثة، حتى انه قال حالفاً باليمين المغلظ انه لو أشرف على الموت جوعاً ما أكل من منتجات شركته تلك، ثم عرج على ما تمارسه الشركة من رشوات وخلافه .

وجدت نفسي مضطراً لسؤاله “لماذا لم تفضح ممارسات الشركة إلا بعد أن طردوك ؟! لماذا لم تحم الناس من خطر منتجاتها عندما كانت العلاقة معهم تمراً وعسلاً؟! ولماذا تتحدث الآن بمنتهى الحماس عندما مست حقوقك ؟! بينما كنت تشهد مس الذباب والصرصار لغذاء يباع بأغلى الأسعار وأرخص أنواع الادعاء بالنظافة والجودة وكنت صامتاً كل هذه المدة، بل كنت تبدع وترسم الأفكار لمزيد من الترويج كما ذكرت بنفسك”

وأنا في فورة حماس الأسئلة نظرت يمنة ويسرة فلم أجد إلا ابني سليمان وقد أعياه الانتظار ورأس صاحبنا وقد هوى سريعاً إلى الأرض تخفيه عتبات السلم الكهربائي !!.

نحتاج وبشكل ملح وخطير إلى تنمية ثقافة التبليغ عن الممارسات الخاطئة ونحن على رأس العمل وليس بعد أن نصبح خصوماً.. لكن هذا المطلب يحتاج إلى أرضية حماية أيضاً “حماية للمواطن المخلص تدفعه إلى مزيد من الإخلاص” حماية للموظف صغير المركز كبير الضمير عندما يغلب مصلحة الوطن على علاقته مع رئيسه ومن حوله ويضحي بكل شيء من أجل وطنه ويبلغ عن المخالفات والممارسات الخاطئة، لأنه في هذه الحالة بأمس الحاجة للحماية فقد “نكش” عش الدبابير . .

“المستقعدون” في الأرض

من الإنصاف وقول الحق والحديث بالنعمة {وأما بنعمة ربك فحدث} أن نعترف بأننا ولله الحمد نتميز عن كثيرين غيرنا بتوفر مساحة أوسع للتظلم، بمعنى أنه لا يمكن لمسؤول مهما بلغ نفوذه أن ينال من شخص أو كما يقال بالعامية “يستقعد” له مستغلاً نفوذه.. وذلك لأن طبيعة مجتمعنا وتوفر الأبواب المفتوحة للتظلم، خاصة على المستويات العليا تحد من شهية الظالم (كلما اتجهت إلى الأعلى زادت فرص إنصافك فإذا وصلت للملك، والملك قريب، فأنت حتماً ستجد العدل والإنسانية، لأن هذا الرجل كتلة أحاسيس ورمز إنصاف).
أقصد أننا لا نعاني، مثل مجتمعات كثيرة حولنا، من إمكانية أن ينغص مدير حياة موظف لسبب شخصي ولا أن يستقوي ضابط على شخص فينال منه لمجرد أنه أقوى نفوذاً، ولا أن يقطع شخص نافذ رزق غيره ويحول حياته إلى جحيم لمجرد تصفية حسابات، لذلك فإنك لا تجد حتى في أمثالنا الشعبية مفردات أو جملاً تشير إلى “الاستقعاد” مثل “خليك في أكل عيشك” أو “دبور زن على خراب عشه”!!.

بل على عكس ذلك تجد لدينا مثلاً شعبياً بليغاً يقول “العصفور يهزع الرشا” بمعنى أن العصفور على خفة وزنه وضآلة حجمه وضعفه قادر على إنزال حبل البئر (الرشا) وبالتالي إسقاط الدلو.

مشكلتنا في جزئية صغيرة لكنها خطيرة تتمثل في “الاستقعاد حسب النظام” بمعنى أن كثيراً ممن يشتكون للكاتب مثلاً أو للصحف يفضلون عدم ذكر أسمائهم، ويخافون كثيراً من أن يتخذ منهم الطرف المشتكى عليه موقفاً ينغص عيشتهم مستغلاً ضبابية بعض النظم الإدارية أو قدرته على تعطيل معاملة أو ترقية أو أي شأن إداري ترك أمر تقديره للمدير.

خذ على سبيل المثال لا الحصر، وأكرر لا الحصر، اشتكت لي معلمة رُفض تعيينها في إحدى المناطق (محو أمية) بحكم أن مدير التعليم في تلك المنطقة يجنح كثيراً للواسطة وأثبتت لي تأهيلها وتعيين معلمات تقدمن بعدها ودرجتهن أقل منها أي أنها اقنعتني تماماً بأن ما ينقصها هو الواسطة!! واقتنعت، لكنها كانت تكرر أخشى أن تذكر اسمي و”يتقعد” لي مدير المنطقة، قلت لها إنني سوف أخاطب المسؤول الأعلى منه وبطريقة ودية ودون نشر، لكنها كانت خائفة جداً وأنا حقيقة استكثرت خوفها، ومللت من ترديدها عبارة “بيستقعد لي، وهو قاس جداً”، فأقنعتها وكتبت خطاباً ودياً لقي تجاوباً جد مهذب وراق من المسؤول الأعلى ورداً نظرياً على بعض حججها لكنها لم تحصل على حقها في وظيفة موعودة حتى بنظام محو الأمية المؤقت، والواضح أن المسكينة كانت تبالغ في ظنون كثيرة إلا أن ظنها في أمر “استقعاد” مدير المنطقة كان مبرراً!!.

اللهم ارزقنا القناعة بأن كل قوي عليه من هوأقوى منه وأن القوي الوحيد هو الله.

في مائنا كهرب.. يا وزير العمل

اشتكى لي أحد الجيران الثقات أن جدته الطاعنة في السن دخلت لتستحم وهي في منتهى السعادة، وكأني بها تردد أنشودة “يا طفلة تحت المطر” لتستعيد أياماً جميلة خلت (لا أدري لماذا نحس دوماً أن الماضي أجمل!!).
يقول فوجئنا بجدتي تصرخ بأعلى الصوت فهرعنا نسمي عليها قلت: (ويحكم ما الذي سيجعل الجني يترك كل حسناوات دعاية الشامبو والصابون ويختار جدتكم).

ويواصل خرجت جدتي وهي في حالة فزع، (ولكن الفزع لدى الجدات لا يشغلهن عن الستر!!) فقد أعادت ملابسها وحلفت بأن لا تستحم، أما لماذا فلأنها تقول بأن الماء فيه كهرب!!.

شدتني القصة، خاصة عندما أكد لي صاحبي أنه لمس الكهرب في الماء بنفسه وفي كل صنبور في المنزل، فقلت له “آه إنه الدمج المشئوم”!!، منذ أن دمج الماء مع الكهرباء في وزارة واحدة وأنا أخشى على الماء!!، ومنذ أن لمح وزير المياه إلى الفاتورة الموحدة للماء والكهرباء وأنا أشفق على الفقراء، لكني لم أقرأ أبداً فنجاناً يشبه فنجانك!!، فلم أتوقع مطلقاً أن تصل خطورة الدمج إلى أن يتكهرب الماء!!، بل المقلق أكثر أن يبتل الكهرب “سترك يارب”.

المهم، استنفرت من أعرفهم من “الكهربائية” و “السباكين” وتوجهنا إلى منزل صاحبي فأشبعوه فحصاً ليجدوا أن صاحبنا كان قد استأجر عامل كهرباء، “مرخص”، “كهربائي”، فركب له عوامة “أتوماتيك” وصل أسلاكها بمصدر كهرباء الدينامو وسمح لنقطة الاتصال أن تنغمس في الماء وهي “عارية” (ليست الجدة بل الوصلة) وبذلك فكلما عمل دينامو الضغط تكهرب الماء، والماء موصل خطير ينقل الكهرباء معه لكل صنبور، ولولا أن ماء الاستحمام يندفع كرذاذ عن بعد من مصدر الماء “الشوَرء” لاحترقت العجوز وأصبحت “يا فحمة تحت الشوَرء”.

عندما عرفت السبب بطل عندي العجب، فوزير العمل الدكتور غازي القصيبي كان وزير مياه سابقا ولأنه لم يمكث طويلاً فإنه لم يدرك خطورة الدمج بين المياه والكهرباء، فعندما أصبح وزير عمل لم يهتم كثيراً بضمان حقوقنا في التأكيد على الكفاءة والتخصص والقدرة لدى العمالة من (كهربائية) و(سباكين)، وبسبب الدمج بين الماء والكهرباء، وجد السباك مبرراً نظامياً في أن يعمل كهربائي أيضاً على أساس (قال من سمح لك؟! قال من منعني؟!) والضحية هي حقوقنا كأرباب عمل والخطر الذي يحدق بنا من عمالة غير مؤهلة!! ومرخصة!!.

الأمر المثير للضحك أن وزارة العمل تعكف على إعداد عقد يكفل حق العاملة المنزلية والعامل “عقد لا يخر الماء ولا الكهرباء” بينما لم تلتفت بعد لحقوقنا نحن لا مع الخادمات ولا مع السباكين ولا مع الكهربائي (ويا أرض ادمجي ما عليك).

تفجيرات الأمن

في احتفالات الرياض بالعيد، وقفت مع أفراد أسرتي ننظر إلى القذائف النارية وهي ترتفع في كبد السماء وتنفجر لتتمخض عن أضواء زاهية وألوان مبهجة وتشكيلات جمالية رائعة تمثل الحب والسعادة وتبعث على الفرح.
يصل بعد ذلك دوي الانفجار فتمتزج مشاعر فرح الأطفال بشيء من الخوف والتوجس والبكاء!!.

قلت لمجموعة من الفئات السنية، أغلبها من الأطفال : احمدوا ربكم أنكم لا تسمعون أصوات القذائف إلا في مناسبات الأعياد الإسلامية، وفي ظروف الأفراح، بينما يسمعها غيركم في كل وقت وبعد أن تصيب منزله، وتمزق أجساد أسرته وتزعزع أمن بلاده وتثير الرعب والحزن في مناسبات الفرح.

اعلموا أن لهذه النعمة التي نعيشها سببين رئيسين، وتذكروا قبل ذلك أنها نعم تستوجب الشكر الدائم والامتنان للخالق المنعم وترسخ الإيمان.

السبب الأول: أن شعب هذا البلد الأمين يتجهون إلى ربهم بالدعاء المخلص في كل الأوقات وكل الظروف، في الرخاء والشدة، في الأمن والخوف، في النور والظلام، في أوقات العبادة وساعات الراحة، في الفروض والنوافل ؛ وفي كل الأماكن، في المساجد والبيوت والشوارع ومواقع الترفيه والأسواق، ومن ضمن ادعيتهم ( اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين )، ولعل أقرب الأمثلة ما سبق هذه الاحتفالات بليلة واحدة وهم يودعون شهراً صاموا أيامه وقاموا لياليه، وذلك الدعاء أحد أسباب هذه النعمة، أدامها الله وأدام العبادة والدعاء والتواصل مع الخالق المنعم.

السبب الثاني (ويصلح أولا): أن الله سبحانه وتعالى انعم على هذه البلاد بقيادة تحكم بشرع الله، وشريعة الله تحقق العدالة والحكمة والكياسة، مما ميز هذه القيادة بالحكمة، والسياسة المتعقلة، والتعامل بالحسنى مع الشعب ودول الجوار والأمم الأخرى، وهذه من أهم مقومات الاستقرار والأمن ونبذ التهور والشقاق، مما جعل هذا البلد شقيقا لكل شقيق، وأخا لكل أخ، وصديقا للصديق، وحليما على العدو، وملتزما مع من عاهد.

قد لا يدرك بعض الصغار ما حدثتهم به الآن، ولكنهم لابد مدركون، وقد يتجاهله بعض الكبار، ولكنهم حتما مقرون.

سيدركه الصغار حين يكبرون مثلما ادركناه، حتى قبل أن تكون لدينا ألعاب نارية، وسيدركه الجهلة من الكبار عندما يرزقهم الله البصيرة مع البصر.

ثورة فهد بن سلمان الخيرية

هل ثمة مصرف من مصارف الزكاة أو قناة من قنوات الصدقة أفضل من قناة تتعامل مباشرة مع قنوات الأوعية الدموية لمريض فشل كلوي ينتظر بفارغ الصبر فرصة تنقية دمه من الشوائب والأملاح والسموم المميتة؟!، شخصيا أعتبر أن جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي أقصر قناة تصل بين مال الخير وفعل الخير، وأسرع مصرف صدقة يحول النقود إلى عمل خيري آني ومباشر.
عندما تضخ أموال الزكاة أو الصدقة مباشرة في جهاز يضخ الدم، بعد غسيله وتنقيته، في إنسان ينتظره الموت خلال عشرين يوما هي مهلة انتظار الغسيل الدموي فإن تلك الأموال أعتقت رقبة من الموت المحقق (بين مريض الفشل الكلوي التام والموت عشرين يوما إذا لم يحصل على فرصة الغسيل).

وعندما تسهم أموال الزكاة والصدقة في تشغيل أجهزة (ديلزة) الدم، أو الغسيل الكلوي، فإن ذلك يعني أن كل مريض فشل كلوي سينعم بالغسيل ثلاث مرات أسبوعيا إلى أن يتحقق حلمه بالزراعة أو الشفاء إذا كان السبب مؤقتا وعندما تعلم أن مرضى الفشل الكلوي وصل عددهم إلى ثمانية آلاف وخمسمائة وخمسين مريضاً وأنهم يزدادون بنسبة 9.3سنويا فلك أن تتخيل كم كربة ستفرجها صدقتك أو زكاتك يوميا .

جمعية الأمير فهد بن سلمان تتولى مريض الفشل الكلوي في حله وترحاله وأثناء سفره وتتحمل نقله وتتكفل بعمليات غسيل الكلى وجميع تكاليفها من أدوية ومحاليل وأدوات طبية وتشغيل الأجهزة، كما سوف تتولى وضع مقاييس وطنية أو (كود وطني) لمستوى عمليات الغسيل لا تقبل أقل منه .

هذه الجمعية وفي رأيي المتواضع ستكون جمعية رائدة عالميا في مجالات عدة وقد بدأت الريادة وطنيا في عدة مبادرات :إحداها كونها تضخ مال الصدقة أو الزكاة مباشرة في عمل إنساني ملموس ومشاهد وحي ويتعامل مع شريحة معروفة وحسابات واضحة ومكشوفة وحالة لا تحتاج إلى جهد في تقييم احتياجها أو خلاف في استحقاقها، أما الريادة الثانية فتكمن في الدراسة الوافية والعرض المقنع الذي مكن من استصدار الفتوى الشرعية بجواز صرف أموال الزكاة لهذا العمل الخيري وهو ما تم بتعاون وتفهم وقناعة سماحة المفتي وفقه الله وجزاه عن المسلمين خير الجزاء.

أما الريادة العالمية لهذه الجمعية فقد وعد بها المشرف على الجمعية صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز الذي كان في حفل السحور، بعد المؤتمر الصحفي، يتنقل من طاولة إلى أخرى أشبه بشعلة تضيء بالمعلومات عن عمل الجمعية عندما قال: لم نجد حتى الآن تجربة عالمية يقتدى بها للتأمين على مريض الفشل الكلوي كونه مريضاً مؤكداً مزمناً لا تقبل شركات التأمين العالمية التأمين عليه، لكننا نسعى لإيجاد طريقة لحساب هذا الأمر وسنخرج بإذن الله بحل تأميني تكون فيه الريادة لهذا الوطن عالميا.

جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي اعتبرها، بكل فخر وتجرد، ثورة في مجال العمل الخيري المعاصر جديرة بأن يدعمها الموسر بماله، والمتصدق بصدقته، والمزكي بزكاته، والمتعلم بعلمه، والخبير بتطوعه لخدمتها، واعمال الخير الأخرى بالاقتداء بها.

من مشاكلنا

بعض مشاكلنا الدائمة والمتكررة تكمن في أمرين: الأول افتقادنا لثقافة الاحتياط والحيطة في وقت الرخاء، لذا فإننا نحرج كثيرا وقت الشدة؛ الثاني أن بعض المسؤولين لدينا يركزون على المشاريع سريعة الإنجاز والتي تسجل للوزير في فترة وزارته ولا يهتمون كثيرا بالمشاريع بعيدة المدى رغم أهميتها.
في الأمر الأول يتجلى موضوع الملاجئ والاحتياطات في حالات الحرب كمثال واضح فقد مضى أكثر من ستة عشر عاما على حرب الخليج الأولى وكان آخر يوم للتوعية باحتياطات الوقاية من الحرب الكيميائية هو آخر يوم دخل فيه (سكود) أجواءنا، وآخر متحدث في التلفاز يدلنا على سبل السلامة كان الزميل سليمان العيسى في إطلالاته مع كل صافرة إنذار!!.

منذ ذلك الحين أين التخطيط والبناء للملاجئ العامة بل أين الحديث عنها في أي مدينة من مدن المملكة أو قراها؟!

أين التوعية باستخدام الكمامات التي أدى الجهل باستخدامها وليس السلاح الكيميائي إلى وفاة بعض الكبار والأطفال أو اختناقهم؟!

الملاجئ العامة والاحتياطات والتوعية الدورية للمواطنين والمقيمين وإجراء تجارب حالات طوارئ وهمية وتجريب صفارات الإنذار والتفاعل معها ضرورات حياة لا غنى عنها مع التوكل على الله (اعقلها وتوكل).

أما في الأمر الثاني فلك أن تعد وعليك لزاماً أن تغلط، فكل مسؤول يعين يريد إنجازا ذاتيا لنفسه في فترة تعيينه لا تنتهي الفترة قبل إنجازه ليفخر به، وربما ليكون سببا في التجديد له، وتكاد تختفي المشاريع طويلة الأمد من اجندة المسؤول وأعني تلك التي تحتاج عشرات السنين لتنفيذها لكنها ترسم لمستقبل الأجيال القادمة؛ وإعطاء الأمثلة هنا مجحف لأنه يقصر سلوكاً شبه عام على البعض دون الآخر.

لقد وصل الأمر إلى أن المدير الجديد ينقض قرارات وخطوات سابقه، بل وينتقص من إنجازاته، ويحاول ابتداع أخرى تغطي عليها أو تنسيها، وهذا وربي لا ينم عن عمل من أجل الوطن ولا الوظيفة.

رجل الديك الأعرج

بداية، لابد من وقفة تقدير واحترام وامتنان لجهود شرطة منطقة الرياض أفرادا ورؤساء وقادة وموجهين لجهودهم المخلصة في مطاردة أوكار الفساد وجحور المفسدين وعصابات الإجرام في أحياء الرياض القديمة، والتي أصبحنا نطالعها كل صباح في صحافتنا المحلية بمنتهى الشفافية والوعي.
قد يقول قائل إن هذا واجب الشرطة؛ وهذا جحود مردود لسببين: الأول أننا في عصر شح فيه القيام بالواجب الذي يحتاج لجهد مميز وخارق وعندما يحدث الشح لا بد من شكر من لم يتأثر بحمى الخمول والتقاعس، أما الثاني فيكمن في حقيقة أن شرطة منطقة الرياض قامت وفي أكثر من موقف بجهد خارق في (اكتشاف) ممارسات كان يفترض أن تكتشفها جهات أخرى متخصصة في هذا الشأن لو وجد نفس القدر من الحرص والمتابعة والمراقبة، ويكون دور الشرطة المداهمة فقط؛ خذ على سبيل المثال لا الحصر الخبر الذي نقله لنا الزميل النشط مناحي الشيباني وصوره الرائع ماجد الدليمي ونشرته (الرياض) يوم الأحد 16رمضان بصفحة المحليات عن (رصد تحركات) و(متابعة) و(التحري عن) عصابة تقوم بترويج أدوية مجهولة المصدر وتبيعها على الصيدليات (وتشتريها الصيدليات بسعر زهيد) وبطبيعة الحال تباع للمرضى المساكين بعد أن تم تخزينها في شقق أو سطوح منازل في درجة حرارة صيف الرياض!!

شرطة منطقة الرياض تستحق الشكر لأن جهات الرقابة في وزارة الصحة المعنية بالصيدليات لو قامت بدورها المفترض أو المدعى ونفذت جولات تفتيشية على الصيدليات الأهلية ونبشت (دواليبها) وحققت مع الصيدلي أو المساعد الذي يعمل بها لتمكنت من كشف هذه الممارسات بسهولة، خاصة أن معظم تلك الأدوية عينات مجانية .(هذا فقط إيضاح لمن قد يستكثر الشكر لشرطة منطقة الرياض).

بقي الآن أن نذكر بأن المقبوض عليهم من العمالة ما هم إلا رجل الديك، وقديما قالوا (رجل الديك تجيب الديك) وعلى الجهات المعنية أن تتعاون بكل أمانة ووطنية لكشف رأس الديك وعرفه وصدره وبطنه وذيله.

من أين حصلوا على الأدوية؟! خاصة الكمية من غير العينات المجانية؟! هل هي أدوية حكومية تسربت من مستشفيات؟! ومن أعطاهم العينات المجانية؟! هل هو وكيل دواء متواطئ؟! ومن سمح للصيدلية بشراء الأدوية منهم ؟! هل هو الصيدلي المتعاقد المغلوب على أمره؟! أم المالك الوطني الجشع ؟! من سهل مهماتهم؟! من مكنهم؟! من دلهم على هذا الأسلوب ويسر عملهم؟!

هذه أسئلة لا تستطيع الشرطة وحدها ودون عون الجهات المتخصصة الخبيرة جمع خيوطها وفك رموزها وتعقيداتها .

المطلوب الآن تعاون أمين ومتجرد وغير خائف أو متردد مع شرطة منطقة الرياض وكافة شرط الوطن لكي تدلنا (رجل الديك) على جسده ورأسه وإلا فإن جهودنا ستكون عرجاء إلى الأبد.

أكرر ما ذكرته سابقا: التسفير ليس عقوبة وأزيد بأن تسفير هؤلاء أمنية لشركائهم فليس أحب على شريك المجرم من أن يقتل أو يسفّر فيموت معه أو يسافر معه سر الشريك!!