الشهر: أبريل 2002

تمثيلية تعليم الإنجليزية

خبر بدا لي غريباً وأحسبه يبدو غريباً لكثيرين غيري نشرته الصحف يوم الجمعة السادس من صفر لهذا العام 1423هـ منسوباً إلى وزارة المعارف، مفاده أن لجاناً شكلت للتعاقد مع معلمين من “خارج” المملكة للتدريس في مدارس وزارة المعارف للعام الدراسي المقبل وأن هذه اللجان بدأت أعمالها في عدد من الدول العربية والدول الآسيوية ومنها الهند وباكستان وبنجلاديش وماليزيا ومن الدول الأفريقية كينيا وجنوب أفريقيا ونيجيريا للتعاقد مع معلمين لتدريس المناهج التعليمية في عدد من التخصصات وخصوصاً للتعاقد مع مدرسين للغة الانجليزية والحاسب الآلي بعد إقرار تدريس المادتين في الصف الرابع من المرحلة الابتدائية بدأ من العام المقبل.

مصدر الاستغراب يختلف من فئة إلى أخرى من المتلقين لهذا الخبر ففئة ترى عدم ضرورة تدريس اللغة الإنجليزية للمرحلة الابتدائية ولهذه الفئة وجهة نظر تستحق الاحترام والمناقشة خاصة إذا احتكم إلى جدول الأولويات الهامة وقائمة الاحتياجات الأساسية الطويلة التي يحفل بها التعليم في المملكة والتي لم يطرأ عليها تغيير يستحق الذكر باستثناء التحول من العمل بصمت إلى غلبة القول على العمل.

أما الفئة الأخرى فترى أن استقدام معلمين للغة الإنجليزية من دول يفتقر أبناؤها لأهم مخارج الحروف الإنجليزية، ناهيك عن الإلمام بقواعدها هو ضرب من ضروب المغالطة وتكبير الجسد بأكوام الأقمشة البالية الرخيصة.. فهل نحن في حاجة إلى تكبير أجزاء من جسدنا بالخرق البالية؟!.

استقدام مدرسين من دول آسيوية وأفريقية لتدريس أي مقرر خطوة خاسرة، فكيف والأمر يتعلق باللغة الإنجليزية؟!

هل حسبت الوزارة حساباً لأهمية النطق الصحيح، أم معرفة القواعد وإمكانية إيصالها بلسان سليم، خصوصاً وأن لنا في هذا البلد سابق تجربة فاشلة منذ عشرات السنين حين تم التعاقد مع معلمين “عرب” من شمال أفريقيا، كان الطلاب لا يفهمون منهم سوى تعابير الوجه وإشارات اليدين، بل إن مدير المدرسة وبقية المدرسين كانوا يحتاجون إلى مترجم فرنسي/ عربي حتى يفهم عليهم.

سؤالي البريء هو هل فكر من اتخذ هذه الفكرة الخارقة أن يعيد تأهيل آلاف الخريجين السعوديين ممن لم يجدوا عملاً، خاصة من خريجي الكليات النظرية بل ومخرجات التعليم الثانوية ويدخلهم في دورات صقل لما لديهم من إلمام بأساسيات اللغة الإنجليزية وكيفية إيصالها لطالب المرحلة الابتدائية ويستفيد منهم في هذه الوظائف فيضرب عدداً من العصافير بحجر واحد ومنها على سبيل المثال لا الحصر، توظيف شباب سعودي عاطل عن العمل دون ذنب، ووضع زيتنا في دقيقنا والاستفادة من اللسان السليم وتطابق اللهجة والعادات الاجتماعية والتقارب النفسي.

أم أن صاحب الفكرة الخارقة “وهو من أرباب الأفكار الخارقة” يريد لصغارنا أن يجيدوا لغة إنجليزية صالحة للتخاطب مع السائق الآسيوي والخادمة الآسيوية وإذا كان كذلك فأين دور كينيا هنا؟!!

هل أخذتم الحساب لعوامل هامة تضاف إلى عامل النطق الصحيح وهو أن البلدان التي بدأت اللجان أعمالها فيها هي دول تعج بالأمراض المعدية الخطيرة، أم أننا نريد أطفالاً يتحدثون الإنجليزية بنكهة السل والتهاب الكبد وأمراض الصدر المعدية وأمراض الدم الافريقية الخطيرة؟!

إن العنصر المشجع لصاحب الفكرة وحده هو الأجر الزهيد لهذه الفئات، وهذا يذكرني بخلفيات المسارح وديكورات الأفلام والتي تعد من الكرتون المقوى أو ألواح الخشب الرقيق فتوحي لك أن “الممثل” يدور بين ناطحات السحاب والفلل الراقية فهل هذا ما نريده من التعليم؟! هل هدفنا هو ديكور هش اسمه أن الطالب يدرس الإنجليزية والحاسب في المرحلة الابتدائية؟! هل نضحك على أنفسنا؟؟ ولا أقول على الناس لأن الناس أعقل من أن يقتنعوا بتمثيلية!!.

‘التسفير’ تشجيع للجريمة

لم نكن نتوقع في يوم ما أن تصل عدوى اعتبار “التسفير” عقوبة إلى القضايا التي تصل إلى الجهات القضائية ويصدر فيها أحكام.

كان “التسفير” إجراء كسول ساذج يمارسه كفيل نحو خادمة منزلية أو سائق ارتكب جريمة أو شرع في ارتكابها حتى لو كانت من الكبائر أو محاولة قتل طفل أو الاعتداء عليه.

وأقول أن الإجراء كسول وساذج لأن الكفيل يعتبره حلاً سريعاً لا يستدعي أكثر من استخراج تأشيرة خروج نهائي، دون الحاجة لرفع قضايا ومراجعة أقسام الشرطة. وما أن استشرى هذا التصرف المفتقر للذكاء والإخلاص للوطن حتى تباشرت به أسراب الخادمات وقوافل السائقين فأصبح المجرم منهم يعلم أن “التسفير” هو أعلى خيل يستطيع الكفيل ركوبه والعودة مضمونة عبر عملية تزييف سهلة ورخيصة.

وفي الوقت الذي طالبنا فيه كثيراً بالإقلاع عن هذا السلوك الكسول والتبليغ عن كل جريمة وتسليم مرتكبها للسلطات لينال جزاء رادعاً لغيره أولاً، وله ثانياً بعد انتهاء محكوميته ومن ثم تسفيره، تلك العقوبة رادعة إلى حد عدم التفكير في العودة لا للبلد ولا للجريمة، وهذا هو الهدف الوطني الهام.

أقول في الوقت الذي رفعنا فيه هذه المطالبة للمواطنين فوجئنا بأن كثيراً من الأحكام في قضايا خطيرة كالمخدرات تختصر وتقلص إلى عدة أشهر منتهية بالتسفير (وبطبيعة الحال العودة بطرق معوجة)!! لماذا نعتبر التسفير عقوبة للمجرم من غير المواطنين؟! ولماذا نعتقد أنها عقوبة رادعة في حين أن الواقع يقول أن التسفير ما هو إلا مكافأة جزلة!!.

تسفير الغريب ليس تغريباً ولا إبعاداً واختصار مدد الأحكام من سنوات إلى أشهر يعقبها تسفير ليس إلا دعوة إلى (أمن العقوبة) ومن أمن العقوبة أساء الأدب.

وأعتقد أننا ما لم نعد النظر وبسرعة في هذه الإجراءات فإن جرائم السرقة وترويج المخدرات والاعتداء وترويع الآمنين قد تزداد بسرعة كبيرة وقد لا يشعر بهذه المعاناة أحد مثلما يشعر بها رجال الأمن الذين تنفطر قلوبهم كلما خاطروا بأرواحهم في القبض على مروج أو مفسد ثم رأوه يخرج بعد بضعة أشهر إلى المطار وهو ينظر إليهم بنظرة ازدراء تقول (عائدون، وأعلى ما في خيلك تسفير).

إن ازدحام السجون وارتفاع تكاليف الإعاشة والإيواء لا يبرر اللجوء إلى التسفير لأنه وإن قلل من عدد النزلاء سيزيد من أعداد الدخول إلى السجن ممن استشعروا عدم خطورة النتائج وأمنوا العقوبة، ولا شك أن أفضل أسباب تقليل الإقبال على السجون هو تشديد تنفيذ العقوبات ومضاعفة المدة لأرباب السوابق. وجعل العفو في أضيق الحدود الممكنة وغير مرتبط بوقت أو مناسبة سنوية لأن الإنسان بطبيعته سريع التأقلم وجدولة سلوكياته واستغلال الفرص حتى لو كانت فرص إنسانية فإنه يوظفها لغرض غير إنساني.

كما هو جميل أن تضع الجهات القضائية والتنفيذية والأمنية ومراكز الدراسات الأمنية موضوع التسفير وتقليص أحكام السجن ومناسبات العفو على بساط نقاش صريح لا مجاملة فيه لمعرفة انعكاسات هذه الخطوات ودرجة خطورتها على أمن المجتمع.}

بئس العقوبة ‘التسفير’!!

لم نكن نتوقع في يوم ما أن تصل عدوى اعتبار “التسفير” عقوبة إلى القضايا الكبرى كترويج المخدرات!!.

كان “التسفير” إجراء كسولاً يمارسه كفيل نحو خادمة منزلية أو سائق ارتكب جريمة أو شرع في ارتكابها حتى لو كانت من الكبائر كمحاولة قتل طفل أو الاعتداء عليه أو استباحة حرمة المنزل أو ارتكاب فاحشة.

وأقول أن الإجراء كسول لأن الكفيل يعتبره حلاً سريعاً لا يستدعي أكثر من استخراج تأشيرة خروج نهائي، دون الحاجة لرفع قضايا ومراجعة أقسام الشرطة. وما أن استشرى هذا التصرف المفتقر للذكاء والإخلاص للوطن حتى تباشرت به أسراب الخادمات وقوافل السائقين فأصبح المجرم منهم يعلم أن “التسفير” هو أعلى خيل يستطيع الكفيل ركوبه والعودة مضمونة عبر عملية تزييف سهلة ورخيصة!!.

وقد طالبنا كثيراً بالإقلاع عن هذا السلوك الكسول والتبليغ عن كل جريمة وتسليم مرتكبها للسلطات لينال جزاء رادعاً لغيره أولاً، وله ثانياً، يتمثل في عقوبة شديدة وكاملة لا تقبل التخفيف أو العفو تجعله عندما يسفر بعد انتهاء محكوميته لا يفكر في العودة لا للبلد ولا للجريمة!!، وهذا هو الهدف الوطني الهام.

نفس المطالبة نرفعها للجهات المختصة بعدم تخفيف الأحكام واستعجال (التسفير) خاصة في القضايا التي تهدد أمن المجتمع بأكمله كترويج المخدرات.

لماذا نعتبر التسفير عقوبة للمجرم من غير المواطنين؟! ولماذا نعتقد أنها عقوبة رادعة في حين أن الواقع يقول أن “التسفير” ماهو إلا مكافأة جزلة!!.

تسفير الغريب ليس تغريباً ولا إبعاداً وتخفيف مدد الأحكام من سنوات إلى أشهر يعقبها تسفير (وبطبيعة الحال العودة بطرق معوجة)!! ليس إلا مدعاة إلى (أمن العقوبة) ومن أمن العقوبة أساء الأدب. وأعتقد أننا ما لم نعد النظر وبسرعة في هذه الإجراءات فإن جرائم ترويج المخدرات قد تزداد بسرعة كبيرة وقد لا يشعر بهذه المعاناة أحد مثلما يشعر بها رجال الأمن الذين تنفطر قلوبهم كلما خاطروا بأرواحهم في القبض على مروج ونجحوا، ثم رأوه يخرج بعد بضعة أشهر إلى المطار وهو ينظر إليهم بنظرة ازدراء تقول (عائدون، وأعلى ما في خيلك تسفير).

إن ازدحام السجون وارتفاع تكاليف الإعاشة والإيواء لا يبرر اللجوء إلى التسفير لأنه وإن قلل من عدد النزلاء سيضاعف من أعداد الدخول إلى السجن من أولئك الذين استشعروا عدم خطورة النتائج وأمنوا العقوبة، ولاشك أن أفضل أسباب تقليل الدخول إلى السجون هو تشديد تنفيذ العقوبات ومضاعفة المدة لأرباب السوابق، وجعل العفو في أضيق الحدود الممكنة وغير مرتبط بوقت أو مناسبة سنوية لأن المجرم بطبيعته سريع التأقلم وقادر على جدولة جرائمه واستغلال الفرص حتى لو كانت فرص إنسانية فإنه يوظفها لغرض غير إنساني.

وإننا على ثقة أن جهود الجميع تتضافر للقضاء على كل أشكال الجرائم ومنها داء المخدرات ولذا فإننا ندلي بدلو نتمنى أن يكون إيجابياً فيخرج محملاً بالماء الذي يسقي تلك الجهود ونأمل أن تضع الجهات القضائية والتنفيذية والأمنية ومراكز الدراسات الأمنية موضوع تقليص أحكام السجن والتسفير على بساط نقاش صريح لا مجاملة فيه لمعرفة انعكاسات هذه الخطوات ودرجة خطورتها على أمن المجتمع.

ستر تسليم اللقيط

عندما طالبت بإيجاد آلية إنسانية مرنة لاستقبال اللقيط بستر وسهولة تمنع والدته من رميه في دورة مياه أو قرب حاوية قمامة وذلك تفاعلاً مع عدد من الحالات وصل إلى خمسة نشرتها الصحف عن أطفال لقطاء وجدوا إما قرب حاوية النفايات أو قرب نفق سيل أو في دورة مياه عامة خلال أقل من أسبوع.

أقول عندما طالبت بإيجاد هذه الآلية، فإن ذلك لا يعني التقليل من الدور الإنساني والاجتماعي الذي تلعبه دور حضانة هؤلاء الأطفال، وأعتقد أن سوء الفهم غير وارد في هذا الصدد، لكنه حدث من إحدى العاملات في هذه الدور والتي لم أذكر اسمها لأنها لم توضح في رسالتها عبر البريد الالكتروني إن كانت توافق على الرد عليها مع ذكر الاسم، لمناقشة ملاحظاتها التي أحترمها كثيراً وإن كانت مبنية على سوء فهم أستغرب أن يحدث.

ذلك أن ما طالبت به يتعلق بحماية روح بشرية غضة لا ذنب لها فيما يحدث، ومنع تعذيبها أو التسبب في إزهاقها “قبل” وأشدد على “قبل” وصولها إلى دور الحضانة، أما بعد وصولها إلى الدار فإن الأمر يختلف.

نحن نقدر ما تقوم به هذه الدور من جهود إنسانية واجتماعية عظيمة هي من صميم عملها وواجبها ومع ذلك تشكر عليه، ونطالب ولازلنا بأن تدعم بالإمكانات البشرية الوطنية المخلصة والأمينة وأن تدعم بميزانيات توازي أدوارها الكبيرة وأن لا تترك للاعتماد على مصادرها الخاصة المبنية على التبرعات والهبات والصدقات، كما يجب ألا تترك مضطرة، بسبب شح الموارد المالية، لتوظيف عناصر غير وطنية سواء في مجال المتابعة والتوجيه أو مجال الرعاية الاجتماعية. كما نطالب ألا تترك، بسبب شح الموارد، تعاني من الازدحام وقلة المأكل والملبس والمأوى المريح.

نحن لم نتعرض لوضع هؤلاء النزلاء والنزيلات داخل الدور، وما إذا كان العدد الكبير والتساؤلات الكبيرة والهموم النفسية التي تتراكم كلما تقدم السن بالنزيل تتناسب وحجم الامكانات المتاحة سواء من حيث عدد المشرفين الاجتماعيين والمشرفات أو تأهيلهم وقدراتهم الذاتية أو حماسهم أو نسبة المتعاقدين والمتعاقدات من غير العنصر الوطني الموجودة وامكانية قيام هذه الفئة بالدور الكبير الذي يحتمه الوضع النفسي والاجتماعي للنزلاء. ولم نتطرق لاحتمالات ما يحدث من ممارسات من بعض الأسر الحاضنة من إهمال في مراعاة الجانب الإنساني لمراهق شب في بيت حاضن، وهل يحظى هذا المراهق بحماية كافية من قبل جهاز المتابعة الذي يعتمد على نسبة من غير السعوديين الذين قد ينقصهم الإلمام بالوضع الاجتماعي الخاص للأسرة السعودية أو قد ينقصهم الجَلَد على المتابعة والحماس الكافي.

الموضوع في رمته يعنى باقتراح إيجاد آلية مرنة لاستقبال اللقيط من أمه بطريقة لا يعقبها محاسبة أو فضح على أساس منطقي جداً وهو أن من يحضر اللقيط وقد وجده في دورة مياه لا يُسأل على أساس أنه فاعل خير ولا يمكن التعامل معه على افتراض أن له علاقة أو قرابة بأم اللقيط!! وبالتالي ما الذي يمنع من التعامل بنفس الستر مع من يحضره إلى الدار مباشرة؟!! دون المرور بمرحلة الترويع والإهمال والاحتقار والتعريض للخطر المتمثلة في رميه بين مخالب القطط أو في مكان وضيع كدورة المياه أو تحت أشعة الشمس الحارقة على أمل أن يأتي من ينقذه، خصوصاً وأن هذا الأخير لا يمكن ان يساءل.

وهذا التعامل المقترح لا يمكن أن يؤدي إلى تسهيل سلوك الرذيلة، لأن من تحمل سفاحاً سواءً مكرهة أو مذنبة تمر أثناء حملها بمعاناة وخوف وضغوط نفسية هي أكبر من مجرد مرحلة وضع الجنين والتخلص منه!!

المقترحات التي تؤدي إلى شيوع الرذيلة هي تلك التي تهدف إلى ستر العمل نفسه كما يحدث في مجتمعات منحطة أخلاقياً كالدعوة إلى إباحة الإجهاض أو النصح باستخدام الواقي المطاطي. أما المطالبة بما يحول مصير نتيجة العمل وهو الطفل البريء من القمامة إلى مكان يليق به كإنسان فإنما تؤدي إلى إنقاذ العديد من الأبرياء الذين هم موضوعون على أية حال سواءً في القمامة أو الدار والله أعلم.

التعذيب بالتوعية الصحية والتعليمية

توعية المواطن أمر جميل جداً بل ورائع.. ولكن مطالبته بسلوك فعل معين مع سد المسلك أو عدم وجوده أصلا أمر فيه الكثير من جرح المشاعر بل قد يصل إلى حد تعذيب المتلقي، لأنه يسمع نصيحة جيدة ويرغب في اتباعها حرفياً لكنه لا يجد سبيلاً إلى ذلك، لأن نفس الناصح لم يوفر الآلية التي تفعل النصيحة.

هذا وربي يبين بوضوح أن بعض مؤسساتنا تعرف الإجراءات الصحيحة بل والمثالية نظرياً بحكم اطلاع بعض منسوبيها لكنها لا توفر الإمكانات لتفعيلها وهي بذلك تعذب المواطن بدلالته على السلوك الصحيح وعدم تمكينه من اتباعه.

تماماً مثل من يمجد فوائد تنويع الأغذية لفقراء لا يجدون ما يسد رمقهم أو من ينصح جياع أفريقيا بتناول الكيك طالما عدموا الخبز.

بل لماذا نلجأ إلى مثل الأفارقة والكيك فلدينا العديد من الأمثلة الحية التي تدلل على ما أشرت إليه.

في مجال التعليم، تتزين جدران المدارس الحكومية برسوم تخطيطية لكيفية الإصابة بالبلهارسيا في حين لابد للطالب كي يستخدم دورة المياه أن يخوض في مستنقع من مياه المجاري المسدودة، ويقرأ على نفس الجدران خطورة الذباب كناقل للمرض ويراه يحوم على أغذية “المقصف” بكل رشاقة وحرية. ويسمع الطالب ويقرأ كلمات رنانة عن خطورة التعليم بالتلقين ويرى درجاته تتهاوى عندما يستخدم مترادفة لمفردة لقن إياها. ويسمع ويقرأ عن إدخال الحاسوب “الوطني” وهو يفتقر للمكيف الصحراوي!!

في مجال الصحة، أثار شجوني خبر نشرته (الرياض) منسوباً للدكتور عدنان عزت رئيس قسم الأورام بالتخصصي مفاده أن (50%) من الوفيات بسبب السرطان سببها عدم الكشف عنه مبكراً، لأن المريض لا يأتي للمستشفى إلا بعد استفحال المرض وانتشاره والسبب بطبيعة الحال عدم اجراء فحوص طبية دورية. والطبيب الذي صرح بذلك غير ملوم بل يعتصر ألماً على أرواح يشاهدها تهدر بصفة يومية.

وكثير من الأطباء المخلصين يصرخون يومياً في وسائل الإعلام ينصحون الناس بإجراء فحوص دورية كل ستة أشهر لاكتشاف الأمراض الصامتة قبل أن تستفحل، كل هذه نصائح جميلة ورائعة ولكن!!

أعطني مستشفى حكومياً واحداً يقبل من مواطن طلباً بإجراء فحوصات دورية متكاملة كفيلة بكشف هذه الأمراض الصامتة.

إذا كان المريض المشخص مرضه يعاني الأمرين حتى يجد مستشفى يتابعه، فكيف بمن هو سليم ظاهرياً ويأتي طالباً إجراء فحوص احترازية.

هذه الفحوص التي يطالب بها الأطباء لا تجرى في مراكز الرعاية الصحية الأولية وتلك المراكز لا تحول للمستشفى المتمكن من إجراء هذه الفحوص إلا مريضاً ثبت اعتلاله.

حتى الآن لا تتوفر آلية يستطيع بواسطتها المواطن أو المقيم إجراء فحوص احترازية للأمراض الصامتة ولا أبالغ لو قلت أن من يتجه للمستشفى (أي مستشفى تابع لأي قطاع حكومي) طالباً إجراء فحوص متكاملة قد يضحك عليه موظف الاستقبال!! فكيف ننصح الناس بما لم نوفر لهم الآلية لتطبيقه أليس هذا استغفالاً؟! لا أقصد هنا الأطباء ولكن القائمين على كل القطاعات الصحية باستثناء المستشفيات الخاصة التي يسعدها قبض قيمة الفحص وليس كل مواطن قادر على تكاليف الفحوص المقصودة!!

إن المواطن اليوم يلجأ إلى التبرع بالدم ليتمكن من معرفة نتائج بعض تحاليل الدم المحدودة ذات العلاقة بالأمراض التي تنتقل بالتبرع، أما من يرغب الاطمئنان على خلوه من أمراض سرطانية أو تليف كبد أو ما هو أقل من ذلك فإن الأبواب أمامه موصدة ويتحسر عندما ترتفع الأصوات لتنادي بضرورة الفحص المبكر.

موجز القول أن ثمة فرقاً كبيراً بين التوعية وتوفير الأسباب(!!) وإذا علت أصوات التوعية بسلوك مطلوب ولم توفر المسالك لمن يتجاوب معه فإن في ذلك استغفالاً أو تعذيباً. ولا نقول أوقفوا التوعية ولكن أوجدوا المسالك السهلة أولاً.

وأختم دعواي بالتذكير بأن كل المدارس تحتوي على لوحات تقول أغسل يدك بالماء والصابون قبل الأكل وكل المدارس ليس بها صابون فهل أرخص من الصابون؟! وفروا الصابون على الأقل حتى لا تتسخ لوحة مفاتيح حاسوب وطني الذي تطبلون لتطبيقه بانسياب!!

راعي البقر المصفوع يتخبط

رغم أن الصهاينة يحكمون هيمنتهم على الإعلام الأمريكي ووسائل الدعاية ورغم قدرتهم وتخصصهم في عصب العيون إلا أن الشعب الأمريكي يدرك يوماً بعد يوم ولو ببطء أن الرئيس بوش الابن يجر الولايات المتحدة الأمريكية والشعب الأمريكي لمواجهة موجة كراهية عارمة من كافة الشعوب المحبة للسلام بسياسته الهوجاء المؤيدة بوضوح لم يسبق له مثيل للإرهاب الذي يمارس ضد الفلسطينيين وبزلات لسانه المتعددة بدأ بعبارة الحرب الصليبية ثم محور الشر وأخيراً الاستسلام لتعنت شارون واستهتاره بتصريحات الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته كولن باول عندما ارتفعت نغمة التصريحات قليلاً لتطالب إسرائيل بالانسحاب “دون تأخير” وبدلاً من رفع حدة التهديد في تصريحات بوش كما هي الحال مع غير إسرائيل، راح الرئيس المهمل من قبل شارون ينصاع لتعنته واستهتاره لتصفه الولايات المتحدة الأمريكية “برجل سلام”.

رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعي المسلك الديموقراطي ظاهرياً إلى حد محاكمة الرؤساء في فضائح فساد مالي أو أخلاقي أو جنسي إلا أن سياستها الخارجية تبقى حبيسة رغبة القوى الصهيونية حتى لو تعارضت هذه الرغبة مع أمن ومصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها.

لقد تنامت الكراهية للولايات المتحدة الأمريكية عبر الزمن وتراكمت مشاعر الكراهية عبر مواقف لا تنساها الشعوب في اليابان وفيتنام وأفريقيا ومن ثم البلاد العربية والإسلامية أجمع.

والشعب الأمريكي رغم طيبته وإنسانيته هو من سيدفع فاتورة هذه الكراهية المتنامية حتى بعد أن يرحل الرئيس ويترك دفة الحكم لغيره، ولعل أوضح دليل على أن أخلاقيات الشعب الأمريكي لا تقبل الممارسات الوحشية أن من اشتركوا في هيروشيما وناكازاكي وفيتنام مرغمين عانوا من أمراض نفسية ماتوا منها إما انتحاراً أو ألماً أو تحولوا إلى مسالك إجرامية كنوع من التمرد على ذلك المسلك.

لعل صفعة 11سبتمبر جعلت الرئيس الأمريكي يمتطي جواد “الكاوبوي” ويركض متخبطاً في اتجاهات مختلفة وأثناء تخبطه يستغل الصهاينة هذا الهيجان ويمتطون صهوة الرئيس نفسه متوجهين به إلى ما أوهموه بأنه محاربة الإرهاب، في حين أنهم يمثلون قمة الإرهاب الذي يشاهده العالم أجمع بما فيهم شعب أمريكا باستثناء الرئيس “المغلوب”!! وكيف لحصان هائج أن يرى من يعتلي ظهره خاصة إذا كان يسير بسرعة لا تمكنه من الالتفات.

لابد للشعب الأمريكي أن يدرك أن الرئيس دبليو بوش يقوده إلى بحر من الكراهية يختلف في هيجانه وأمواجه عن مستنقع فيتنام وعليه أن يتذكر أن عنفوان الكراهية وتراكم الكبت والإذلال من شأنه تفريخ المزيد ممن يستهدفون أمريكا من الداخل ويهددون مصالحها في الخارج وأن سياسة بوش الحالية تحت إدعاء محاربة الإرهاب ما هي إلا دعم لأشد وأقسى أشكال الإرهاب وهو أمر من شأنه تخريج المزيد ممن لا رغبة لهم في مواصلة الحياة وممن يكنون للولايات المتحدة مشاعر الكراهية والبغض والرغبة في الانتقام، وأن أمريكا مهما بلغت من قوة لن تستطيع تصفية كل هذه الأجيال.

إن على الشعب الأمريكي، وهو شعب محب للسلام ومغرم بالإحصاءات والدراسات أن يعيد دراسته الإحصائية حول عددمن يكرهون أمريكا، وسيجد أن الأرقام بعد الممارسات الأخيرة في فلسطين المحتلة باستخدام السلاح الأمريكي والمباركة الأمريكية قد تغيرت كثيراً حتى من الأمريكيين أنفسهم وسيتضح أن عدداً كبيراً من أبناء الشعب الأمريكي يكرر عبارة “أخجل أني أمريكي”.

محاكمة مُسرِّب المعلومات

ونحن نتجه إلى تطوير أنفسنا والرقي بتعاملاتنا بات من الضروري جداً ان نولي جانب سرية المعلومات الشخصية الاهتمام المطلوب، ليس بفرض السرية وحسب بل بمعاقبة من يثبت ادانته في تسريبها وايجاد آلية سهلة لرفع القضايا في هذا الصدد.

الحفاظ على سرية المعلومات الشخصية مطلب في مجالات عدة وتتراوح أهميتها حسب حساسية المعلومة وخطورتها ولكنها جميعاً تتساوى في ضرورة الاقتصاص قضائياً ممن يسربها.

معلومات الملف الطبي لأي مريض الأصل فيها السرية ما لم يسمح المريض بتداولها، ومعلومات الحساب البنكي سر لا يجب اعطاؤه لمن يطلبه دون موافقة العميل، حتى الراتب يفضل الموظف أن لا يبوح به ما لم يضطر لذلك ومعلومات أخرى عديدة يفترض أن تكون خاصة لكن يحصل عليها وبسهولة بمجرد توفر واسطة في المؤسسة التي تمتلكها وعن طريق أصغر موظف فيها.

يتفاخر البعض بقدرته على الدخول لأرصدتك البنكية والحصول على صورة من فواتير هاتفك وأرقام اتصالك بكل تفاصيلها ومعرفة مرتبك الشهري وبدلاتك ومميزاتك ومادام الأمر كذلك فإن ثمة خللاً واضحاً في أمر المحافظة على المعلومات الشخصية وأمن المعلومات وهذا لا يردعه سوى توفر جدية وسرعة في التعامل مع شكوى تسريب المعلومات الشخصية وتطبق عقوبات رادعة بحق من يمارس هذا النوع من الخيانة لأمانة المعلومة.

قد يعتقد البعض ان المطالبة بهذا القدر من التحكم بالمعلومات ضرب من الأحلام طالما ان المعرفة أو الواسطة تسهل جل المستحيلات لدينا لكنني على ثقة ان العقوبة الصارمة هي التي تردع جل التساهلات التي نعاني منها، كما ان بعض السلوكيات المرتبطة بالتساهل وعدم الاحساس بقيمة وخطورة المخالفة لا يمكن تغييرها دون التأكيد وباستمرار على المبادئ والقيم في هذا الشأن وإشعار العامة بعظم المخالفة لا يكون إلا بتعظيم العقوبة.

قال لي اللواء المتقاعد جميل الميمان مدير عام مكافحة المخدرات في زمن مضى واثناء تحقيق أجريته عن المخدرات في بداية تناولها كمشكلة قال لي ان احد المروجين المقبوض عليهم دخل على اللواء الميمان يحلف بالله العظيم انه يبيع المخدرات ولكنه لا يستخدمها قال الميمان ضحكت عليه كثيراً لأنه لم يدرك بعد أن عقوبة الترويج أعظم من عقوبة الاستعمال. انتهى حديث الميمان.

وكانت العقوبات في ذلك الوقت ليست معلنة بالشكل التي هي عليه الآن أما اليوم فقد استشعر الجميع خطورة الترويج من تعظيم عقوبته وهذا يؤكد ان التشديد في العقوبات له مردود توعوي لخطورة الممارسة.

صحافة، رقابة، تفتيش!!

اهتمام الصحافة بدورها كسلطة رابعة لمدة اسبوعين كشف ان الجهات الرقابية لدينا تغط في نوم عميق، وان التجاوزات والاخطاء مهما كبرت واتضحت لن تنكشف او يسعى احد الى ايقافها ما لم تدس الصحف أنفها وتشم الرائحة ثم تفضح ما لم يكن مستوراً ولكنء مغضوض عنه الطرف!!

دست الصحافة أنفها في سكة الحديد الوحيدة فأصبحت تخرج بأكثر من حادث يومياً في هذا الخط الواحد، وهي حوادث غريبة عجيبة جديرة بالنشر في الصحف العالمية وتستحق ان تلاحقها الصحافة المرئية لو كان لدينا صحافة مرئية ناقدة، غير التلفزيون الذي مازال يعتقد ان مسمى الشاشة الفضية يعني ان تلمع الأشياء وتجعلها براقة على عكس واقعها.

قطار يسيير الى الوراء بسرعة (60)كم في الساعة وآخر تعطل ثلاث مرات، وادخال قاطرة فرنسية موقوفة عن العمل، وكوابح منتهية الصلاحية تستخدم في قطار تسبب قريباً في حادث تصادم.

كل هذه الفضائح (القطارية) اليومية خرجت خلال اقل من اسبوعين لمجرد ان الصحف التفتت اليها. فكيف كانت الحال قبل اول حادث باشرته الصحافة؟! وأين الادارات التي مهمتها تختص بمراقبة هذه المؤسسة والتفتيش عليها سواء من داخل المؤسسة او الجهات الرقابية الحكومية.

مؤسسة السكة الحديدية ليست الوحيدة، هي مجرد مثال حي وطريف، مضحك مبكٍ على قيام الصحافة بدور جهة الرقابة والتفتيش والاعتماد على الصحافة كجهة رقابية وحيدة.

قبل سكة الحديد كشفت الصحافة المقروءة فضائح عدة في مجالات الهلال الأحمر والتعليم والصحة والتوظيف والقبول في الجامعات وتجاوزات بعض امانات المدن ومصلحة المياه وممارسات البنوك ومؤسسة النقد وبعض حالات الرشوة والاختلاس وغيرها كثير.

أين الجهات الرقابية عن هذه الاكتشافات؟! وأين الجهات المتخصصة في التفتيش والمحاسبة؟! لماذا لم تتحرك أصلاً وقبل ان تفوح رائحة الحوادث والاخطاء والفضائح؟!

ثمة احتمالان لا ثالث لهما ولا يعتبر احدهما عذراً لعدم قيام جهات الرقابة والتفتيش بدورها الهام والوقائي: إما ان هذه الجهات كانت تكتب التقارير وتهدد وتتوعد ولم تجد استجابة ولا دعماً فركنت للاحباط!! أو أن هذه الجهات ولدت نائمة وكانت أحد اسباب التهاون والاهمال وبالتالي حدوث النتائج الوخيمة وانها أي الجهات الرقابية لم تستشعر دورها بعد فيما حدث ويحدث، ولذا فإنها لا تزال سلبية تعتمد على الصحافة في كشف المستور والقيام بالمهمة التي من المفترض ان تضطلع بها هذه الجهات كواجب يومي.

السؤال الاهم، اذا كانت الحال كذلك فمن يراقب عمل الجهات الرقابية؟!.

شركات عيالي والجلد الأملس

في ظل التوجه الوطني لمحاربة الفساد بكافة أشكاله وصوره وتحايلاته فإن علينا جميعاً أن نسهم بكل ما نستطيع لدعم هذا التوجه وإنجاحه حتى لو كان بالتذكير بأحد صوره واستنكارها والتبيين لمن يمارسها موهماً نفسه أنها مباحة والتأكيد له أنها ليست من الحلال في شيء.

البعض (يستملس) جلده كلما استغرق في المخالفات حتى يصبح من (الملاسة) إلى درجة الدخول في أي جحر دخله قدوته حتى ولو كان جحر ضب (ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

في مقال سابق منذ حوالي أسبوعين كتبت تحت عنوان (هيبة الرحم) عن أولئك الذين يميزون أقاربهم وظيفياً على غيرهم دون أساس يعتمد على مؤهل أو خبرة أو قدرات فيجعلون لهم الأولوية في الترقيات والانتدابات والنفوذ والصلاحيات حتى يجعلون منهم بعبعاً يخيف بقية موظفي الوزارة أو قناة للوصول إلى الأهداف التي يستحيل الوصول إليها دون رضاهم واسترضائهم، الأمر الذي يثير الضغائن والاستهجان والاحباط لدى الموظف المؤهل المتميز المفتقد للتقدير لأنه ليس صهراً ولا قريباً.

اليوم دعونا نتطرق لصورة أخرى من صور (استملاس) الجلد التي قد ينسى أصحابها مع الزمن وتنوع الممارسات أنها من صور الفساد ولعل الذكرى تنفعهم أو تنفع الجهات الرقابية فتلتفت إليهم بشيء من المساءلة والمحاسبة والمراجعة والتدقيق.

شركات أقاربي تنفذ مشاريع إدارتي أو وزارتي أو تتولى الإشراف أو الاستشارة في تلك المشاريع أعتقد أنه أمر يصعب قبوله وابتلاعه، وإذا قبلناه من باب ولِمَ لا؟! فإن السؤال الذي يتبع مباشرة هو ولماذا هذا المشروع بالذات؟! وأين هذه الشركة من مشاريع حكومية طرحت في دوائر أخرى قبل وبعد هذا المشروع؟!

ثمة شركات لا تعرف عنها إلا بعد ولادة مشروع أو فكرة وإذا تقصيت عنها تحس وكأنها ولدت مع ولادة المشروع ويالها من مصادفة جميلة أن يولد عاشق ومعشوقته في نفس اليوم، ذلك أمر جميل جداً ولكن الأمر المستغرب وغير المقبول والقبيح جداً أن يكون الأب واحداً!!

إذا كنا قلنا عن توظيف القريب أنه مقبول إذا كان مؤهلاً وجديراً بالوظيفة على أساس أنه من غير الإنصاف أن يرفض طالب وظيفة مؤهل وجدير لمجرد أنه قريب للمدير شريطة أن لا يتم تمييزه على حساب زملائه دون أساس يستحق التمييز، فإن الأمر يختلف كثيراً في موضوع الدخول في مشاريع حكومية والفوز بها، فإذا كانت الشركة المنفذة تخص أقرباء المسؤول أو أبنائه فإنه حتى لو أقنع نفسه بالتزام الحياد لا يستطيع ضمان حيادية موظفيه من المشرفين على المشروع لأن مجرد معرفتهم بمرجعية الشركة يولد لدى المخلص منهم الإحباط ولدى المتزلف حسابات كبيرة لهيبة الشركة وسينعكس ذلك على المشروع شاء الأب أم أبى.. كما أن الناس حين يعرفون بعلاقة المسؤول بشركة تنفذ مشروعاً يتعلق بمسؤولياته يتولد لديهم شعوراً عاماً بالشك وعدم الرضا والإحباط وعند قلة منهم بالرغبة في التقليد فيعم سلوك غير مرغوب وغير مضمون بل غير معقول، فعلينا أن نبتعد عن الشبهات ونتذكر أن نعيم الدنيا إلى الزوال ولا يبقى إلا العمل الصالح والذكر الطيب.

هذا على مستوى النصح والتذكير أما على مستوى القرار فإن علينا كشف ستر من (استملس) جلده إلى درجة عدم الحياء لا من ربه ولا من رؤسائه ولا من الناس!!

السلوكيات المنفرة

لماذا قيل المثل الشعبي المحلي “يالله لا تولي الفار دار”؟ هذا المثل يقوله بألم كل من وجد معاملة فظَّة قاسية من شخص أعطي صلاحية لا يستحقها وليس جديراً بها.

بل ربما لم يعط صلاحية لكنه كلف بمهمة التعامل مع الناس في شأن ما دون رقابة وبدون وضع حدود للتصرف فاستغل غياب الرقابة وتحديد الصلاحيات، فراح يمارس ما يشبع رغبته في النيل من الآخرين ويعوض شعور نقص يعاني منه.

في السابق كانت السلوكيات المنفرة كثيرة ومتعددة وصور الممارسات القاسية تتكرر من البعض في مجتمعنا، أما اليوم فإن من واجب احقاق الحق القول انها قلت كثيراً، وهو أمر طبيعي فكلما ارتفعت معدلات وعي المجتمع انخفضت فيه كل أشكال الأفعال المنافية للذوق الرفيع واحترام الإنسان الآخر.

سعيدون بالانخفاض الملحوظ في السلوكيات التي تسبب ضغطاً نفسياً على الناس خاصة من قبل الموظفين ولكن أملنا كبير في أن تختفي تماماً.

الاجتهادات المشينة والمنفرة والمستفزة للمشاعر النبيلة لا يمسحها عن الوجود إلا تواجد الأنظمة واللوائح التي تحدد التعامل مع كل صغيرة وكبيرة ونشرها للعامة لكي يعرف كل منهم ما له وما عليه ثم ارفاق جدول للعقوبات والجزاءات لكل مخالفة وكيفية استحصالها ومنح وقت كاف للتظلم من العقوبة والجزاء ومن ثم تطبيقها دون استثناء.

في السابق كان جندي المرور يدخل في مشادة كلامية تنتهي إلى مشادة عضلية عند كل مخالفة يرتكبها سائق وينتهي الأمر بتوقيف السائق ومساءلته ولك أن تتخيل ما يترتب على ذلك من فوات مواعيد وقلق زوجة أو أم أو أب بل ربما يكون هذا السائق قد ترك أسرته في مستشفى أو عيادة أو سوق فتزيد الأمور تدهوراً وتعقيداً وخسائر.

اليوم قد يتبادل رجل المرور مع السائق سرد النكت والطرائف أثناء تسجيل مخالفة ثم يذهب كل في حال سبيله وقريباً ستكون المخالفة موضوع نقاش وإقناع.

هذا مثل لصورة تحسنت، لكن ثمة صور عديدة من أشكال التعسف لا تزال مستمرة وتؤدي إلى مشاكل كثيرة تترتب على اجراء تعسفي يمكن تلافيه بأسلوب حضاري.

فصل الكهرباء لتأخر التسديد أسلوب لا يتناسب مع العصر وأرجو ألا تقول شركة الكهرباء أنه ضمان لحقوقها لأن الحقوق المترتبة عليها لمن انقطع عنهم الكهرباء بسبب عيوب في الشركة فعطل مصانعهم ومحلاتهم التجارية وأفسد أطعمتهم هي حقوق ضائعة للمشتركين ناهيك عن حقوق المساهمين.

فصل الهاتف للتأخر في التسديد شكل آخر من أشكال التعسف التي لم تتحسن، ويمكن لشركة الاتصالات ضمان حقوقها دون الاستعجال في تطبيق هذا الاجراء الذي لو توافق معه حدوث طارئ كحريق أو حادث منزلي أو اعتداء أو سرقة فإن مقارنة النتائج ليست في صالح هذا الاجراء.

ملاحقة مراقب البلدية للنساء البائعات في السوق ومنظر رجل يطارد مجموعة نسوة شريفات منظر غير حضاري حدث في الأسبوع الماضي ومعنى ذلك أنه لم يتحسن بل ساء عما كان سابقاً.

ما يحدث داخل أروقة الدوائر من رفع الصوت في وجه مراجع أو طرده من مكتب (بالمناسبة المكتب ليس ملكاً خاصاً، حتى لو كان به تلفزيون وثلاجة ودورة مياه!!) جميعها من السلوكيات التي يجب أن تندثر ولم تقل بعد.

هذه الأمثلة وإن بدت عادية ودارجة إلا أنها من أهم مسببات الأمراض النفسية في المجتمع وما يترتب عليها من مضاعفات خطيرة تنتشر في شكل الضغط والضغط المعاكس حتى يصبح المجتمع كله مكشراً مكفهراً غاضباً غير منتج، والحل سهل ويسير يقتصر على تطبيق نهج المخالفات المرورية على كل نهج ليتحول من شجار إلى ابتسامة.