الشهر: ديسمبر 2003

دكتاتورية معلم

لا أجد أدنى غضاضة أو تردد بالكتابة عن حدث مهما صغر طالما انه يمكن الاستشهاد به للتدليل على قصور يمس الجميع او ممارسة قد تتعرض لها شريحة كبيرة من الناس، فالله سبحانه وتعالى ضرب مثلاً ببعوضة، فلماذا لانستشهد نحن بحدث ولو كان يبدو بسيطاً إلا ان اثره عظيم وان بدا عابراً فإن جرحه غائر؟!. أما الحالات الفردية التي يندر ان تتكرر فإنها مهما عظمت قد لاتستدعي نشرها على الملأ ويكتفى بكتابتها للمسؤول مباشرة ومتابعتها كحالة فردية فاذا لاحظنا تقصيراً في الاهتمام بها فان التقصير قضية ذات بعد عام تستدعي عندئذ الاستشهاد بها كمثال.
في يوم السبت الماضي كتبتُ عن طفل يدرس في إحدى المدارس الأهلية في الصف الرابع الابتدائي صفعه مدرس متعاقد وبعد ان صفعه أوسعه ضرباً وركله اربع مرات.

الدكتور عبدالله المعيلي مدير عام التعليم بالرياض تجاوب مشكوراً كعادته وهاتفني لاخذ المعلومات التفصيلية عن الحادثة واسم المعلم والمدرسة والطالب ووعد ان يتم التعامل مع ما حدث بل بدأ في التعامل معه وهو امر لا أشك فيه طالما خلفه رجل مخلص مثل الدكتور عبدالله المعيلي.

أتدرون ما حدث بعد إعطائي المعلومات لمدير التعليم وقبل ذلك إبلاغي لمدير المدرسة؟! لاشك ان المعلم تمت مساءلته ولو مبدئياً حول الموضوع اما من مدير المدرسة او ادارة التعليم فما كان منه الا ان اشترك في حصة الرياضة (مع انه مدرس رياضيات) وامر الطفل المذكور بالخروج من الملعب وعندما سأله لماذا؟! اجابه أنت تعرف السبب!! وفعلاً خرج الطفل مكسور الخاطر نادماً على انه اشتكى شخصاً نافذ السلطة عليه!!. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل لازال حتى إعداد هذه الزاوية عصر يوم الاثنين يوجه للطالب امام زملائه عبارات تشعره بانه ارتكب جرماً بشكواه تلك.

هذا الموقف ذكّرني بموقف مشابه لمعلم آخر من نفس الفئة عندما اشتكى من عنفه صغيرٌ في الصف الثاني الابتدائي اصبح يستهل حصته الدراسية بإيقاف الطالب امام زملائه وجعلهم يرددون عبارة “الكذاب أهوه”.

لا أخفيكم، فما ان علمت عن ذلك التطور الخطير “في نظري” في قضية الطالب الصغير حتى فكرت في ابلاغ الدكتور عبدالله المعيلي لانني اجزم انه قد كلف من يتولى التعامل مع هذا الموقف لكنني وجدت ان هذا الامعان في اذلال صغارنا اكبر من ان نتعامل معه كحالة خاصة او فردية تنتهي برفع الظلم والمعاناة عن ذلك الطفل.

ان ماحدث ويحدث امر عام يمس الوطن مستقبلاً لأن معناه ان صغارنا في المدارس الخاصة “التي يغيب فيها العنصر الوطني بإستثناء مدير يقبع على مكتبه ولايحتك بالصغار” يتعرضون لممارسات خطيرة لاتقل عن تلك التي تنكشف عند زوال نظام حكم دكتاتوري ظالم وهذا يعني ان ابناءنا الذين نلحقهم بالمدارس الاهلية بسبب ازدحام المدارس الحكومية وافتقارها للخدمات الاساسية كدورات المياه الصحية والتكييف وابسط مقومات السلامة يتعرضون في المدارس الاهلية لخطر نفسي مخيف لايقل عن الخطر العضوي الذي تشكله المدارس الحكومية.

ليس اخطر من الظلم على النفس البشرية الا خطورة تعرضها للعقوبة لانها عبرت عما تعرضت له من ظلم وهذا مايحدث في مثالنا الذي يبدو صغيراً الا انه خطير بحجم خطورة ما يسببه التباغض بين المجتمع وبعض افراده.

إن الحل الوحيد لرفع الظلم عن المجموعات التي تعيش بين الاسوار كطلاب المدارس ونزلاء دور الرعاية الاجتماعية ونزلاء دور الايتام ودور الملاحظة يكمن في تكثيف تواجد العنصر الوطني الذي هو العين الجريئة والغيورة وهذا لايحدث في المدارس الخاصة وهذا مايجعلنا نكرر القول ان برود وزارة التربية والتعليم في امر فرض حد ادنى لاجور السعوديين والسعوديات في المدارس الاهلية وعدم جدية هذه الوزارة في امر إجبار تجار المدارس على تحقيق نسب مقبولة في السعودة رغم ارتفاع نسب البطالة اقول ان ذلك البرود وعدم الجدية من قبل الوزارة يعرضان مجتمعنا لخطر شديد قد نندم عليه كثيراً ونتمنى لو لم نجامل الوزير!!

التعسير المزعج

رغم كل ما ننعم به من وسائل حديثة وميكنة وكفاءات قادرة على العمل على هذه الأجهزة.
ورغم أن معظم دوائرنا تتباهى بإدخال أحدث التقنيات وإدارة الأمور بطريقة آلية.

إلى أننا لم نسخر هذه الامكانات والوسائل لخدمة المواطن فيما يخص إنجازه لاحتياجاته ومراجعاته واتصاله بالدوائر الحكومية فلازلنا نؤثر سلبياً ليس على المواطن نفسه وحسب ولكن على وقت الوطن الثمين باتباعنا أسلوب فرض المراجعة الشخصية لكل صغيرة ومتوسطة وكبيرة رغم ان نسبة كبيرة من الاجراءات يمكن إنهاؤها عن طريق الإنترنت أو الفاكس أو الهاتف.

نطالب موظفاً أن يترك مكتبه والمراجعين ويستأذن من رئيسه ويغادر قبل الظهر ويشترك في ازدحامات خروج المدارس ويزيدها ازدحاماً وكل ذلك من أجل أن يملأ استمارة، كان بالإمكان ان ينجزها بالفاكس أو الإنترنت أو يمليها بالهاتف، وقس على هذا ما شئت من طلبات المراجعة الحضورية غير الضرورية التي يمكن انجازها بوسائل اتصال لم تعد حديثة بل تقليدية.

خدمة البريد هي الاخرى لاتزال معطلة تماماً من الإسهام في إيصال المعاملات واستلام المستندات وأصبح زبونها شبه الوحيد هم البنوك في إرسال الكشوفات والبطاقات والشركات في ارسال مواد الدعاية والإعلان.

إذا كانت بطاقة الصرف وبطاقة الائتمان تسلمان عن طريق صندوق البريد فما الذي يمنع من إرسال واستلام المعاملات ورخصة القيادة وخلافه عن طريق البريد المسجل.

إلى هنا نحن نتحدث عن الحث على تطوير أنفسنا بتسخير التقنية لتوفير وقت المراجع والوطن والتسهيل على الناس. وأجزم أن كثيرين سيقولون إنني أحلم وأنا أدرك ذلك على الأقل من وقع شكاوى عديدة تلقيتها حول التراجع الكبير في الخدمات التي كانت مقدمة أو عادية جداً ومنها الهاتف الذي كان يكفي شريحة كبيرة عناء شد الرحال إلا أن الشكاوى العديدة تقول غير ذلك ودعوني أختر منها مثالين مؤثرين لانهما يتعلقان بفئات من الناس تجدر مساعدتهم وعدم إجبارهم على السفر لأن الهاتف لا يجد الاهتمام.

الشكوى الأولى من متقاعد تعدى عمره 65سنة يقول إنه يحاول الاتصال بمصلحة معاشات التقاعد منذ أكثر من أربعة أيام وان هاتفهم ترد عليه رسائل مسجلة ويستحيل أن يتم التحويل مطلقاً وهو لا يحتاج سوى لاستفسار بسيط وكاد أن يشد الرحال فعلاً لمعاشات التقاعد من أجل ذلك الاستفسار الشفهي إلا أن أحدهم أقترح عليه أن يجرب تحويلة القسم النسائي وفعلاً وجد من يساعده على أن يتم تحويله للقسم الذي يريده.

الرقم هو 4025100وقد جربت ما شرحه لي في شكواه فوجدت فعلاً أن الخيارات المطروحة لا ترد والمضحك أن موظف البدالة (السنترال) عندما يرد على الرقم (صفر) يفيدك انه لا يستطيع التحويل على الخدمات وعليك معاودة الاتصال بالخيار الذي تريده.

غني عن القول أن من يتعامل مع هذه الجهة المعنية بالتقاعد أغلبهم من كبار السن ممن يجدر بنا تسهيل أمورهم سواء في مراجعة التقاعد أو البنك المعني بالتقاعد وذلك بتسخير التقنية.

المثال الثاني شكوى على مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون تفيد أن هذا المستشفى يستحيل أن ينجز أي اجراء دون الحضور بما في ذلك المواعيد وتحديث المعلومات وخلافه رغم أن مراجعيه اغلبهم من خارج الرياض وكبار سن أيضاً ويتطلب الحضور في الساعة السابعة والنصف صباحاً.

أحد المراجعين جاء من الأحساء ورجع دون أن ينجز ما جاء من أجله وهو من كبار السن.

يقول المشتكي إن أصغر موظف يمكنه أن يقدم عليك غيرك عياناً بياناً أمام الناس ويردف قائلاً إن المشكلة أنه المستشفى الوحيد لأن تخصصه العيون فأين العيون عن مراقبته؟..

صفعة يا وزارة التربية

سبق أن كتبت عن ما يعانيه الصغار من طلاب المدارس الخاصة من عنف شديد من بعض المعلمين المتعاقدين وعلى وجه الخصوص من اشقاء عرب من جنسية معينة نوهت إلى أنهم ربما عانوا من ضغوط نفسية في بلدهم أو عنف جعلهم “يفشون خلقهم” في أبنائنا بل صغارنا بطريقة ستؤدي لا محالة الى عقد نفسية لا تحمد عقباها وكره للمدرسة وربما كره للمجتمع هذا إلى جانب ان هذه الممارسات مخالفة لتعليمات وزارة التربية والتعليم وتتنافى تماماً مع ما تعلنه الوزارة من عبارات تلفزيونية منمقة توحي بأن الوزارة تتودد للطالب وتريد أن تحببه في المعلم والمدرسة وتصور المعلم على أنه الشمعة التي تحترق ليضيء المجتمع وهذه حقيقة المعلم الوطني في مدارس الحكومة إلا أن العمالة “الرخيصة” في المدارس الأهلية المدفوعة الثمن المعانة من الوزارة تمارس كل ما يخالف السياسة المعلنة للوزارة لسبب بسيط هو أن الوزارة تكتفي بمراقبة المدارس الأهلية عن طريق مدير مواطن ولا تكترث بدراسة وضع الطلاب وإجراء جس نبض لمدى ارتياحهم وعدم تعرضهم لأي نوع من أنواع سوء المعاملة أو الإهانة أو سوء الاستغلال.
أعتقد “غير مستند الى دراسة نفسية” ان هذا الإهمال لذلك الجانب من قبل الوزارة هو سبب تزايد حالات الاعتداء من قبل طلاب المرحلة الثانوية على المعلمين كما تتناقل الصحف وأعني أخبار حرق سيارة معلم أو ضربه أو الإساءة إليه فالواضح أن الطالب يحمل معه منذ الصغر عقدة نفسية تتمثل في عداء مع المعلم نتيجة اضطهاد ولد حب الانتقام عندما أصبح الطالب قادراً على الدفاع عن نفسه بعد أن كان يرضخ تحت ظلم المعلم دون عوين أو سند.

لاحظت مؤخراً أن الاختلاف في الرأي مع وزارة التربية والتعليم أفسد قضية الود بيني وبين بعض منسوبي الوزارة لكنني لاحظت ايضاً ان ادارة التعليم في المنطقة الوسطى تتجاوب مع القضايا التي اطرحها في شكل مثال حي أو حادثة بعينها فتطلب الأسماء والمعلومات وأنا وإن كنت أتحفظ على الطريقة غير المباشرة التي يتم بها الاتصال إلا أنني أجد أنها تحقق الهدف وتستحق الاستمرار في العمل على تنوير الوزارة بأمثلة واقعية لما أريد الوصول إليه عل التجاوب يستمر ويصبح مباشراً كما فعل معالي الوزير ذات مرة قبل أن يجد أني صريح جداً أطلب دعوة بالرحمة إذا أهديت العيوب!!

أشتكى اليّ طفل قريب في الصف الرابع ابتدائي بمدرسة أهلية مؤكداً بألم شديد أن المدرس من الجنسية إياها صفعه فلما استدار وجهه عدله بصفعة أخرى بخلف اليد ثم “ركله” أربع مرات ثم جره بأذنه وجلسه في الكرسي “بمناسبة الركل فقد تزامنت الحادثة مع مباريات في كرة القدم على كأس معالي وزير التعليم غطيت إعلامياً بشكل ملفت للنظر”!!.

علامات الإعتداء كانت واضحة على خد وأذن الصغير إلا أن علامات الحزن والأسى كانت أكبر وأعمق ويبدو أننا نسيء تقدير أحاسيس أولئك الصغار فقد حاول الطفل أن يؤكد لي أن المعلم لم يطبق العقوبة نفسها بحق زميله لأنه من نفس “جنسيته” أما ما هي مخالفة الطالبين فهي أنهما خرجا إلى السبورة ولم يستطع أي منهما حل مسألة الرياضيات بالسرعة المطلوبة. ولقد تعمدت أن أؤخر ذكر سبب الضرب لأنني أرى أنه ما من سبب يدعو لضرب صغير في الابتدائية بهذه الطريقة.

ذهبت إلى المدرسة وقابلت المدير ولن أستعجل الحكم على مدى التجاوب لأنني لم ألمس التجاوب بعد، ورغم أنه لم يساورني أدنى شك في صدق الصغير سواء في طريقة روايته أو في الدلائل الواضحة لما تعرض له من ضرب مبرح ومهين، إلا أنني قابلت عدداً من طلاب الفصل وأكدوا ما حدث بل وعبروا عما يعانونه من عنف ذلك المعلم معهم جميعاً وسألتهم ما إذا كانوا مستعدين للتحدث عن هذا الأمر وكان واضحاً أنهم يتمنون أن يسألوا عنه لكن ذلك لم يحدث!!.

كان ذلك مثالاً حياً لموضوع سبق ان كتبت عنه كفكرة ولم يشهد أي تجاوب من الوزارة فهل تتجاوب الوزارة أو ادارة التعليم مع المثال الحي، لدي الأسماء والمعلومات الموثقة والشهود وليس لدي أية مساومة سوى شرط واحد هو أن يصاحب إنصاف هؤلاء الطلاب الصغار “إن حدث” خطوات عملية للقضاء على جميع أشكال الاعتداء على الأبرياء الصغار عن طريق تلمس شكواهم بواسطة عناصر من الوزارة لا علاقة لهم بالمدرسة أو مالكها.

نهج أثبت براءة المناهج

لنستعرض الأحداث أو الأخطاء المهينة التي ارتكبناها كعرب وليس كمسلمين ثم نرى من هو المسؤول الحقيقي عن فقداننا للهيبة والاحترام الدولي هل هو ممارساتنا كعرب أم سلوكنا كمسلمين.
لو تناولنا الأحداث بالعودة التدريجية من اليوم إلى أكثر من عشر سنوات مضت لوجدنا أنها جميعاً تفرح العدو وتغضب الصديق، إن كان قد بقي لنا صديق!!

بالأمس تعرض وزير خارجية مصر أحمد ماهر للاعتداء أثناء زيارته للجزء العربي من الأراضي المحتلة وكان المنظر في القنوات الفضائية مهيناً فوضوياً متخلفاً لا يخدم إلا العدو اللدود إسرائيل.

قبل هذا الحادث بأيام قليلة وجد أحد القادة العرب الذي ملأ العالم بالضجيج والتهديد والوعيد بحرق الأعداء وتحرير الأراضي المحتلة والذي أوسع أبناء شعبه إذلالاً وتعذيباً وقتلاً على أساس أنهم إما خونة أو جبناء وجد مختبئاً في جحر ضب وخرج ليس أذل منه ذليل كنموذج مهين للمنتمي للعروبة وليس الإسلام فهو لم ينتم للإسلام أو يتشبث به إلا بعد أن ضيق عليه وخنق وهو وضع لا تقبل فيه حتى الشهادة!!

وقبل هذا الحدث بأشهر استسلم أشهر وزير إعلام “لسان عربي” محمد سعيد الصحاف وارتمى في أحضان من أسماهم العلوج ثم خرج صامتاً يهرب من الأسئلة والتهم إلى التاريخ وكان يتحدث أثناء الحرب باسم القومية والبعث ولم يكن قط يتحدث باسم الإسلام حتى أنه في آخر ظهور له قبل الاختفاء المؤقت كان يشير إلى الجنود من حوله ويقول انظروا إلى هؤلاء البعثيين الأشاوس ولم يقل المسلمين.

أولئك الذين وصفهم بالشجعان الأشاوس هربوا معه ومع بقية قادتهم وتركوا ساحة الوغى فحمداً لله أنه وصفهم بمعتقدهم الحقيقي ولم يصفهم بالمسلمين.

قبل تلك الأحداث بفترة شهدت اجتماعات القمم العربية ملاسنات وشتائم أشهرها “لعن الله أبو شواربك” وقائلها نائب رئيس عربي لم يُعثر على جحره بعد.

أضف إلى كل ما ذكر من أحداث متسلسلة تراجعياً أن إزالة نظام عربي جثم على صدور شعبه أكثر من 35سنة كشف للعالم وبالصوت والصورة عن ممارسات وفضائح يندى لها الجبين تتراوح بين قصور مرصعة بالذهب في بلد جائع وسجون مجهزة بأقسى وسائل التعذيب وأشرطة فيديو لسهرات سكر ومجون ودعارة وجميعها صفات وممارسات نهى عنها الإسلام فهي لا تمت إليه بأدنى صلة.

أي أن كل الأحداث التي أفقدتنا هيبتنا واحترام العالم لنا هي نتيجة ممارسات شخصية لا علاقة لها بكوننا مسلمين بل إنها جميعاً دون استثناء سلوكيات نهى عنها الإسلام بنصوص صريحة لا خلاف عليها.

وهذا يعني أيضاً أن مشكلتنا لم تنبع من مناهجنا كما يحاول الأعداء إيهامنا ونستجيب لهم بسذاجة.

مشكلتنا تكمن في نهجنا وليس مناهجنا، تكمن فيما يتعرض له الإنسان العربي من ضغوط واضطهاد وكبت حريات وكتم أنفاس تجعله جاهزاً للانفجار في أي لحظة في شكل سلوك يسيء للعرب وليس له أدنى علاقة بالإسلام، فالإسلام هو الذي جعل سوار الذهب يسلم السلطة بطوعه بعد أن أنهى مهمته الإسلامية والإسلام هو الذي جعل مهاتير محمد يلفت الأنظار.. الإسلام ومناهجه براء مما يفعلون، فكل أبطال الفضائح تلك درسوا في مدارس استعمار أو غير إسلامية.. فالإسلام دين عدل وشجاعة وإقدام ومساواة وقتال من أجل مبدأ والموت من أجله.

شكليات الوقت الضائع

لعل أحد أسباب بطء اتخاذ القرار في بعض دوائرنا أو حتى التردي الإداري بصفة عامة في تلك الدوائر يعود إلى أن الوزير أو المسؤول الأعلى في الإدارة يعتبر في حكم ساعات العمل المفترضة، إنساناً غير متفرغ لأعمال تلك الوزارة أو ذلك القطاع أو الإدارة.
ينشغل المسؤول بأمور خارج صميم عمله الذي يحسب في إنتاجه وإنتاج مساعديه وموظفيه وبالتالي سير العمل في دائرته.

معظم الانشغال يكون في أمور شكلية تستغرق وقتاً طويلاً وليس لها مردود عملي غير الحفاظ على عنصر المجاملة.

وللأمانة فإن المسؤول أحياناً يكون غير مجبر على هذه الشكليات ولا تطلب منه أو يسجل عليه عدم القيام بها لكنه يعطيها الاهتمام الأكبر على حساب عمله الأساسي لأنه يعتقد أنها جزء هام من وضعه الوظيفي أو متطلب تفرضه عليه طقوس المجاملة وربما أعتقد جازماً أنها عنصر هام لنجاحه أو أمنه الوظيفي.

وهو وإن كان أدرى بالطريقة التي وصل بها إلى ما وصل إليه وكيف يحافظ على هذا الوصول باتباع ما يظنه الأصول إلا أنه قد يبالغ كثيراً في التفرغ لشكليات تفقده القيام بمهامه الأساسية وبالتالي تدهور أداء القطاع أو الدائرة التي يديرها وهذا مدعاة أيضاً لضياع ما كان يحاول العض عليه بالنواجذ.

أعتقد أننا سنشهد مزيداً من تحسن الأداء في دوائرنا وزيادة واضحة في الانتاجية وبالتالي ارتقاء ملحوظاً في مستوى الخدمات المقدمة فيما لو فرغنا الوزراء لمسؤولياتهم وأعفيناهم من مدعاة الانشغال في أمور أخرى بل أوضحنا لهم أننا نريدهم في مكاتبهم يتلمسون حاجة المواطن ويقضونها ولا داعي لتواجدهم في مكان آخر حتى نقطع دابر المشاعر المتباينة التي تتجاذب المسؤول لأنه لا يعلم جازماً هل الحضور مطلب حتمي أم اختياري؟..

لقد أصبح كثير من المسؤولين القياديين في دوائرهم يتركونها فترات طويلة بدون قائد لمجرد الانشغال في شكليات لا تقدم ولا تؤخر مما نتج عنه تسيب في بعض الجهات وشبه توقف في إنتاج أخرى وتعطيل للمصالح ومعالجة هذا النوع من تدني الاداء وضياع الطاسة لا يكون إلا بحث المسؤولين على البقاء في مقاعدهم وربط الأحزمة حتى تقف المحركات تماماً. ويستعدون لمغادرة الطائرة!!.

الأنانية النافعة

في هذه الزاوية ليوم الأربعاء الماضي تطرقت الى احدى العبر التي يجدر أن نعتبر بها من الدراسة التي نشرتها جريدة “الرياض” حول اعداد الطعام في المستشفيات الحكومية والخاصة وهي تلك المتعلقة بانعدام الرقابة التي جعلت الصرصار يمشي على الأطعمة كما يمشي الوجي الوحل ببطء يشبه الخيلاء، فقد شابه الصرصار الغزال في التدليل وأصبح طعام المرضى كالوحل أو أشد تلوثا!!
العبرة الثانية اهم واخطر وهي ان الوقت قد حان لنعي ان جهاتنا المسؤولة لا تجري الدراسات مطلقا وتعتمد على اجتهادات الدارسين من الباحثين وطلبة العلم في اجراء الدراسات وفي الوقت ذاته لا تعير هذه الدراسات ادنى اهتمام الا حينما تنشر في الصحف خوفا من ان يتفاعل معها مسؤول اعلى ولو لم تنشر في الصحف لبقيت في أرفف المكتبات دون استفادة، أي ان الجهات الحكومية المسؤولة لا تقوم بالدراسات ولا تشجعها ولا تستفيد منها هذا اذا لم تشكك في صحتها كنوع من الدفاع المستميت.

تلك كانت حال مطاعم المستشفيات التي يفترض انها معقل التعقيم والنظافة فما هي حال أوكار إعداد الطعام في مطاعم الشوارع التي يعمل بها عمالة تفتقد للوعي والإخلاص والحب خلف لوحة كبيرة تحمل عبارة ممنوع الدخول لغير العاملين!!.

الخطر الثاني محتويات الأغذية والأدوية التي ترد الينا من كل حدب وصوب وبكميات كبيرة جداً ومتنوعة لا تتيح تحليل محتوياتها بالامكانات المحدودة المتوفرة والتي بدلاً من أن ندعمها فوجئنا بالسماح لمختبرات أهلية لتتولى تحليلها في وقت كنا فيه في قمة السعادة بإنشاء هيئة للغذاء والدواء.

إذا كنا لا نمتلك جهازا رقابيا قادرا ومتمكنا ومجهزا لأننا لا نريد الصرف على هذه الوظيفة الأساسية، بل نريد أن نتنازل عنها للقطاع الخاص فكيف سنتمكن من مراقبة ذلك الرقيب التجاري.

إذا تولى التاجر الرقابة على التاجر فاعلم انهم بأرواحنا وصحتنا يتاجرون!! فإذا لم يكن عليهم رقيب حكومي مؤهل فإنا لله وإنا إليه راجعون.

يا أولي الألباب.. الدواء والغذاء خطرهما عام يطال القاصي والداني، ولعل هذه الحقيقة تجعل المسؤول يحرص على اعادة النظر في أمر التأكد من سلامتهما، وإن كانت تنبع من منطلق فيه الكثير من الأنانية لكنها أنانية نافعة دعونا نستغلها لتحريك الحرص من منطلق التخويف، فالبعض قد لا يحرص على غيره مثل حرصه على نفسه وفلذات كبده ومثل هؤلاء يجب أن تقول لهم إن هذا الغذاء وذلك الدواء قد تتناوله أنت أو من تحب فتأكد من تشديد الرقابة عليه.

في دراسة أمريكية منشورة في كتاب بعنوان “الأدوية التي لا تعمل أو غير الفعالة” اوضحت الدراسة ان عشرين من كبريات شركات الأدوية تنتج ادوية مغشوشة غير ذات فاعلية او بدون مادة فعالة مطلقاً ونحن لازلنا نعتمد على أن الشركات الكبرى لا تغش “ننسى ان التاجر متاجر”.

الصرصار المبتسم

من نتائج غياب عنصر الرقابة على الأداء سواء الأداء الحكومي أو أداء القطاع الخاص أن حمى المخالفات والإهمال والاستهتار استفحلت إلى درجة أنها أصبحت مادة إخبارية صحفية مفاجئة ومذهلة للجميع بمن فيهم المسؤول نفسه.
أي أن الصحافة أو بصورة أكثر دقة المراسل الصحفي وزميله المصور أصبحا هما الرقيب الذي إذا دخل منشأة حكومية أو مشروعاً تجارياً يقدم خدمات للناس تتعلق بالمأكل أو المشرب أو الصحة، خرج وهو محمل بكم هائل من الصور المأساوية المخيفة كتلك التي حملتها الدراسة التي نشرتها جريدة “الرياض” عن أماكن إعداد طعام المرضى في المستشفيات الحكومية والخاصة والذي كانت الصراصير تتواجد في كل ركن من أركانه بل كل صحن من صحونه دون أن يراها الرقيب لأنها لم تر الرقيب أصلاً وكان الزميل الأستاذ ياسر النخلي الذي أعد الدراسة هو الغريب الوحيد الذي رآه الصرصار منذ أن كان في شرنقته حتى كبر وترعرع بين صحون وأغذية المرضى.

لم يتعود ذلك الصرصار المقرف أن يرى أحداً غير مجموعة موظفين متعاقدين ربما لديهم من الإحباطات والعداء لأهل هذا البلد أو غياب الذمة والأمانة ما يجعلهم لا يمانعون أن يعيش الصرصار بين أطعمة المرضى آمناً مطمئناً حتى أصبح الصرصار يألفهم الأمر الذي جعله يظهر في الصورة شبه مبتسم للكاميرا وهو يعتلي صحن الطعام المعد لمريض!!.

ألا يكفي المريض ما هو فيه من هم وألم وعجز عن الحركة وارتباط بالسرير واضطراره للبقاء في ذلك المستشفى الحكومي أو الخاص (مدفوع الثمن) حتى بعد أن يرى الصراصير تختلط بطعامه ألا يكفيه كل هذا الهم والحزن والمرض لنضيف إليه تلوثاً آخر؟! وإضراباً عن طعام أصبح لا يثق بأنه يصلح للاستخدام الآدمي.

من تتحمل ذمته هم أسير فراش أبيض لا خيار له إلا أن يأكل من طعام يعد بلا رقيب ولا حسيب تعتليه الصراصير؟!.

السؤال الآخر الهام ولا أقول الأهم هو كم من الممارسات الخاطئة الأخرى الخطيرة في كافة المجالات والأنشطة تمارس في ظل غياب الرقيب بسبب ضعف الأجهزة الرقابية وإهمالها تماماً لا من الدعم بالقوى العاملة الأمينة ولا من المتابعة والمساءلة لهذه الأجهزة إن وجدت!!.

إن جلّ مشاكلنا وفضائح أجهزتنا المشابهة لفضيحة الصراصير تلك تحدث بسبب تركيز الوزراء على الجانب الإعلامي لما ينتج من أعمال تنفيذية يفترض أنها طبيعية بينما ثمة غياب تام لعنصر المراقبة بدليل أن بعض الوزراء يقومون بالرقابة بأنفسهم بزيارات مفاجئة لا نشك في أن هدفها حسن وليس دعاية وإعلاماً كله!! ولكنها لا تكفي دون دعم أجهزة الرقابة التي يفترض أنها دورية، مستمرة، مفاجئة، متوقعة تجعل كلاً من الصرصار الحقيقي والصرصار الذي سمح له بالبقاء تحت شعور دائم بالخوف من زيارة الرقيب “رقيب لا يقبل دهن السير”.

لست في حاجة إلى إيراد دليل فهذا دارس واحد استطاع أن يكشف عدة فضائح في عملية إعداد الأطعمة في المستشفيات الحكومية والخاصة كاستخدام ماسحات ملوثة ودخول المجاري والغبار والتلوث بشعر الطباخ وانعدام النظافة بما فيها فضيحة الصرصار المبتسم تلك فكيف لو كان ثمة جهاز متكامل يعمل به مواطنون أمناء.

إنني لا أقصد فقط فضيحة أغذية المرضى وحشراتها فثمة حشرات كثيرة تسرح وتمرح دون رقيب ولا عقوبات ثلاثية الإبادة.

الشجاعة الحقة

كأننا لم نكن ندرك أن السيل يتبع “المطامن” وانه يبحث عن طريقه اذا سد طريقه وأن نفق العمارية سوف يغرق ويُغءرِق معه ابرياء لأننا تعاملنا ببراءة الصغار مع “لكاعة” التجار.
نعم لقد شكلنا لجنة من عدة جهات حكومية لدراسة وضع المخططات العمرانية والزامها بالتقيد بأنظمة البلديات الخاصة بالحفاظ على مجاري السيول والحيلولة دون إغلاقها هكذا صرح معالي وزير النقل د. جبارة الصريصري وكأننا قبل تشكيل هذه اللجنة “سامحون” لتجار المخططات العمرانية بعدم التقيد بأنظمة البلديات وغير ملزمين لهم بالحفاظ على مجاري السيول بل كأن النظم يسهل ان تنتهك فإذا نزل الغيث وكشف المستور لعامة الناس وجب أن تشكل لجنة.

ترى كم من المخالفات والممارسات لم يكشفها السيل، وهل فعلاً أصبح حالنا حال وجه ممثلة قبيحة ينكشف قبحها مع أول قطرة ماء تغسل أصباغها؟!

لقد نبهتنا كل أنواع وأشكال الظواهر المناخية من رياح وأمطار وحرارة وبرودة، وكل أصناف الكوارث من أوبئة وأمراض وسقوط مبان واحتراق طائرات واحتراق مدارس نبهتنا بأننا قوم لا نتحرك إلا بعد أن يقع الفاس في الرأس لكننا لم نستفد كثيراً من تلك التنبيهات في تلافي كوارث من نوع آخر فكل نوع نحتاج فيه الا منبه خاص.

لنجعل غرق نفق العمارية مثلاً مثلما كانت حرائق المباني أمثلة، هل يجهل كل من غض الطرف عن تجار مخططات العقار ان الأودية والشعاب ومجاري السيول التي طمرت وبيعت في شكل مخططات ستجعل السيل يرتد ليبحث عن “مطمن” مثل نفق العمارية يتجه إليه؟!

اسمحوا لي هنا بوقفة مع مطالبة سابقة فقد اقترحت في هذه الزاوية ان لا نعفي المسؤول بعد تقاعده او استقالته من المساءلة عما حدث في فترة مسؤوليته من أخطاء أو اختلاس وخلافه فلو علم الموظف انه ملاحق حتى بعد استقالته لكان ثمة رادع اما علاقة ذلك بردم الأودية والشعاب فإن البعض كان يدرك جيداً اننا لا نسيل الا بعد عشرات السنين من الجفاف وكان يدرك أن السيل الذي سيفضح تواطئه قد لا يجيء الا بعد ابتعاده.

لقد ابدع الزميل عبدالعزيز الجارالله كعادته في التعليق على موضوع النفق وراح في زاويتين حتى اليوم يثير الرعب في قلوب المتسببين وشخصياً أؤيد أبي المعتز أن وزير النقل كان شجاعاً عندما صرح بمسؤولية تجار العقار عما حدث، لكنها شجاعة بمقياسنا الحالي والذي أصبح فيه من يتجرأ على هؤلاء يصنف شجاعاً حتى لو كان وزيراً عاملاً وهو أمر غير مستغرب في زمن تمادى أولئك التجار الذين صنعهم هذا الوطن من لا شيء وعندما احتاج إليهم ورفق بهم استعلوا واستكبروا!! ألم تر أنهم في مجال تجارة المستشفيات يشتكون ويرفعون القضايا على المستشفيات الحكومية، لماذا؟! لأن المستشفيات الحكومية أصبحت تعالج بعض المرضى في عيادات شبه تجارية بأسعار أقل قليلاً من أسعارهم!! لقد أصبحوا يعتبرون الدولة تنافسهم على ضحايا جشعهم!! يريدون من مستشفيات الدولة ان تضيق على المرضى حتى يلجأوا إليهم فيستغلوهم.

وطالما أننا وصلنا الى هذا الحد من التمادي فإن موقف وزير النقل يصنف ضمن الشجاعة وان كنت شخصياً ارى انه سيكون شجاعاً أكثر لو أشار الى الجهة الحكومية المسؤولة عن غض الطرف عن تلك المخططات وسيكون اكثر انصافاً لو حقق داخل وزارته مع المسؤولين القدامى الذين شاركوا في انشاء ذلك النفق ولم يتساءلو آنذاك كيف يتركونه حفرة لاحتضان سيل طمرت مجاريه؟! ويوافقون على انشائه وكأن مجاري السيول لم تطمر فإذا كانت طمرت بعد إنشاء النفق ليترك عرضة لأن يكون مجمعاً لسيول عدة أودية ألغيت عياناً بياناً فإن ثمة جهة حكومية تغاضت والشجاعة في أن يشار إليها بالبنان.

أهمية الحوار

الذي دفع بالتوجه للحوار والحرص عليه ليس الاستجابة لضغوط خارجية، فالذي حدث هو أن قناعتنا بضرورة فتح باب الحوار صادف استخدام الدولة العظمى لحجة واهية هي نشر الديمقراطية!! هي مصادفة زمنية وحسب.
المصادفة الأعجب والأكثر إضحاكاً وسخرية أن عزم الدولة العظمى المستفردة بالطغيان على ركوب موجة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط صادف تخلي هذه الدولة “الولايات المتحدة الأمريكية” عن مبادئ كثيرة ذات علاقة بالحريات سواء في أمريكا نفسها أو في دول تمارس عليها أحد صور الاستعمار.. فقد صادف ممارستها للاعتقال دون توجيه تهم والتصنت والسجن دون محاكمة والاعتداء على المعلومات الشخصية والمطالبة بوقف قنوات فضائية وحجب آراء ووقف عرض أفلام ومسلسلات ومصادرة آراء وحريات وارتكاب الجرم الوحشي العظيم في حق أصحاب الملابس البرتقالية في جوانتانامو والذي صنف بالإجماع على أنه أكبر إذلال وتعذيب للإنسان.

كل تلك الممارسات غير الإنسانية المصادرة لأبسط الحريات وحقوق الإنسان تصادف ادعاء أمريكا أنها تزمع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ولولا هذه المصادفة لكان الكثيرون انخدعوا بهذه الحجة الواهية لكن المصادفة جاءت لتفضح أسخف حجة لممارسة العدوان على بلاد المسلمين.

إذا اتفقنا أننا نتجه لفتح باب الحوار من طوع أنفسنا ولشعورنا بضرورة ذلك وأن الوقت قد حان له والحاجة للحوار أصبحت ملحة جداً لأن أبناءنا يغرر بهم، وتستغل بطالتهم وفقرهم وظروفهم السيئة وانعزالهم ومشاكلهم الجمة لاستخدامهم ضد وطنهم.

أقول إذا كانت هذه هي المبررات الحقيقية لتوجهنا للشفافية وفتح أبواب الحوار، وهي كذلك، فلماذا لا نبدأ بالتي كانت هي الداء؟!

أظن أننا بدأنا الحوار من أقصى الطموح وكان حواراً مع طبقة مثقفة منتقاة بدعوات وناقش قضايا وطنية هامة جداً وخرج بمقترحات وأفكار رائعة ومؤثرة ومصيرية سيكون لها دور وقائي كبير وهام.

لكننا لم نبدأ بعد حوار بداية الطموح، الحوار العلاجي العاجل مع الفئة المعرضة للاستغلال وهي الفئة التي تعيش معاناة تسهل التغرير بها خاصة فئة الشباب الذين استغل من هم في مثل سنهم ومشاكلهم.

في لغة المختبرات فإن زرع البكتيريا وتكاثرها يتم بتوفير الوسط المناسب لنموها وهو إما الدم أو اللحم أو الجلاتين والأجار المعزول عن الهواء والضوء غالباً.

وفي لغة علم النفس فإن زرع الأفكار المنحرفة وترسيخها يتم بتوفير الوسط المناسب لنموها أيضاً وهو الحرمان والعزلة والإحباط والشعور بالغبن وضياع الحقوق.

إن أهم الخطوات العلاجية العاجلة والوقائية ايضاً لمنع انتشار مرض الفكر هو أن نبادر لتبديل حالة الوسط جذرياً من حالة العزلة إلى حالة المشاركة وزرع الأمل وهذا لا يتم إلا بحوار مباشر.. والحوار نافع أياً كان ومع من كان ولكن الأولوية تفرضها الظروف والأولى أن نبدأ بالتي كانت هي الداء!!

المثقف لا يقارع علماء الشرع

لم توفق بعض العينات المنتقاة من بعض القنوات الفضائية للتحدث حول ما تشهده بلادنا من قضايا خاصة ما يتعلق بالحوار أو حرية الرأي.
ربما أخطأت بعض القنوات الاختيار وتعمدت أخرى أن تختار أطرافاً معادية للمصالح الوطنية وكارهة لهذا البلد المحسود أهله، المستهدف أمنه ورخاؤه.

والاختيار المتعمد لعناصر معادية كارهة أمر تعودنا عليه ولم يعد يؤثر فينا كثيراً، فمن نعم الله علينا وعلى وطننا أن من يحاول النيل منا يظهر مفضوح النوايا، ضعيف الحجة، مكفهر الوجه، بائن الحقد فلا يؤثر في المتلقي ولا يغضب المحب ولا يسعد حتى الحاقد مثله لأن الجميع يسهل عليهم إدراك مقاصده وأهدافه حتى لو تلبس بلباس الالتزام فإن ملابس النفاق الداخلية تكون أكثر وضوحاً وأعظم فضحاً.

تبقى مشكلتنا مع القنوات التي تخطىء اختيار الضيوف وتعتقد أن كل مثقف يمكنه الخوض في كل القضايا بما في ذلك قضايا الدين التي لها خصوصية شديدة حيث تتطلب تأهيلاً شرعياً وثقافة دينية عميقة وراسخة وطويلة حتى يتمكن من مجرد الخوض في أمور دينية أو التحاور مع المؤهل شرعياً أو حتى المثقف الذي أوتي من العلم الشرعي ولو اليسير.

بعض الحوارات الفضائية شهدت استعاجلاً في الأحكام على من اقترح الحوار وتشنجاً غير مقبول من بعض المثقفين خرجوا خلاله حتى عن أهم المبادىء التي يفترض أن يدركها المثقف عن حرية الرأي التي يطالب بها وهو مبدأ إتاحة الفرصة للطرف الأخر إبداء رأيه وعدم تجريحه أو كيل الاتهامات له والتشكيك في انتمائه إلى جزء من البساط لمجرد أن طرح رأياً.

يجب أن لا يستغل أحد أطراف الحوار ما يعتقده ضعفاً في موقف الطرف الآخر بسبب ادعاء فئة ضالة انتماءها إلى الدين أو تلبسها بلباسه فقد أتفق الجميع بالإجماع أن ما تمارسه تلك الفئة بعيداً كل البعد عن المنهج الحق بل محاربة له وبذلك فإن أهل المنهج الوسطي الصحيح لا يضعفهم سلوك من ضل عن سواء السبيل.

جدير بمن حملوا راية المطالبة بمزيد من حرية الرأي وفتح لأبواب الحوار أن يتذكروا أن حرية الرأي تعني إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم ولك أن تقارعهم الحجة وتناقشهم (إذا أسعفك علمك) لكن دون أن تصادرهم حق إبداء رأيهم أو تتهمهم بالانتماء بشكل أو بآخر إلى بساط فئة ضالة.

ومن العجيب أيضا ذلك التطاول على العلم الشرعي والثقافة الدينية دون غيره من العلوم والتخصصات فعندما يكون الحوار حول علم الطب مثلاً فإن أحداً لا يجرؤ على الإدلاء بدلوه مفتياً إلا إذا كان طبيباً بل تجده وإن كان مثقفاً يستميح الأطباء عذراً أن يورد سؤالاً مؤكداً انه لا يفقه في مجال الطب بينما يسمح البعض لأنفسهم مقارعة علماء الدين ومحاجتهم ويسمح لهم مدير الحوار بذلك كونهم مثقفين!!.

إن كوننا نعرف كيف نصلي أو بعض مبطلات الصوم لا يبيح لنا أن نتحدث عن الدين الإسلامي فكراً وشرعاً ونستدل بمعلوماتنا السطحية لمقارعة من هم أعمق منا عملاً وعلماً.

عجباً كيف أننا نستفتي العلماء في قضايا الطلاق ونواقض الوضوء ومفطرات الصائم ثم نحتج عليهم في أمور ذات علاقة بالجهاد أو المخرجات من الملة.