الشهر: يونيو 2004

قدور التعليم

صدقوني، ما من شيء يدعونا لتصيد أخطاء وزارة التربية والتعليم لسببين:
الأول أن هدفنا، ولا نزكي أنفسنا، ليس تصيد الأخطاء فما من سبب شخصي يدعونا لذلك، بل لو تركنا للنفس هواها لربما امتنعت عن نقد هذه الوزارة لاعتبارات كثيرة لكن القلم يفترض أن يحرّك بفعل هوى المصلحة العامة لا هوى النفس!!

السبب الثاني الذي لا يدعونا لتصيد أخطاء هذه الوزارة هو أن أخطاءها تتكاثر علينا كتكاثر الضباء على خراش، فلا ندري ما نصيد من كثرتها، ويعلم الله أننا نتمنى أنها قليلة إلى حد تصيدها ليسعد هذا الوطن بإمكانات تعليمية حقيقية لأن هذا الجانب الحيوي “التعليم” هو مفتاح كل شيء إن خيراً فخير وإن شراً لا سمح الله فشر.

ولم أكن لأتطرق لبكاء الطفل الموهوب المتفوق في الصف الأول الابتدائي محمد المالكي ( 6سنوات) الذي فوجئ بأن جائزة تكريمه من ادارة التعليم بمنطقة مكة المكرمة المغلفة تغليفاً فاخراً لم تكن سوى أربعة صحون صيني وجائزة تكريمه في حفل مدرسته الخاصة الذي كان منفصلاً عن حفل الوزارة كانت هي الأخرى مغلفة بتغليف فاخر، لكنها كانت طقم فناجين قهوة مما جعل الطفل المحبط يبكي بكاءً شديداً يوم تكريمه كموهوب.

أقول لم أكن لأتطرق لهذا الموقف لأنني أرى أن مصيبة هذا الطفل وإن كانت كبيرة في نظره فإنها في نظري لا تقارن بمصيبة الطالب سعد بدر الدكان الذي دهس داخل فناء المدرسة أو الصغيرات اللاتي أجبرن على إعادة السنة الأولى الابتدائي أو الكبيرات المحبوسات تحت الشمس في فناء الثانوية 68بالرياض لمدة ساعتين بحثاً عن جوال أو الطلبة والطالبات في المدارس الحكومية ممن لا يجدون دورات مياه ولا مكيفات ولا فصولاً دراسية مناسبة ولا تقارن بمصيبة المعلمات اللاتي يمتن في طرق صحراوية ولا المعلمين الذين يحترقون في ميدان التعليم وزملاؤهم ينعمون بنفس البدلات في وظائف ادارية. فمن عرف مصيبة غيره مع هذه الوزارة هانت مصيبته وعلى الطفل محمد المالكي أن يدرك ذلك!!

لكن ما استهواني في هذا الموقف هو توافق سلوكياته مع التوجهات المعروفة لوزارة التربية فالهدية “النكتة” من ادارة التعليم كانت مغلفة تغليفاً فاخراً رغم ان محتواها أربعة صحون صيني وهكذا هي الوزارة في كل ما تقدمه لنا ولهذا الوطن، أغلفة مبهرجة براقة تمني الوطن والمواطن بمحتوى يرقى لمستوى التغليف ثم تتمخض عن لا شيء!!

وهذه العدوى السلوكية، والتي تكاد تصل حد انتقال جين وراثي من الوزارة لاداراتها، اعتبرها عدوى شديدة الخطورة لأن الوعود البراقة والمبالغ فيها والمخصصة للاستهلاك الإعلامي أو تخدير المسئول تعتبر سلوكاً خطيراً يؤدي إلى الإحباط واليأس بل والاشمئزاز فإذا تحول إلى تقليد عام في هذه الوزارة أو تلك فإن الخطورة أكبر.

في مثال جائزة الطالب محمد المالكي بدا واضحاً ان ادارة التعليم كانت تهدف للمردود الإعلامي لحفل التكريم وليس تشجيع وتقدير طالب موهوب فكان تغليف الهدية فاخراً ومحتواها “صحوناً” مما يدل على عدم بذل أدنى جهد حتى في التفكير فيما يناسب الطالب الطفل وما يفرحه فكانت الجائزة كديكورات أفلام هوليود شكلاً للتصوير فقط!! فليس مهماً ان يحصل الطالب على “صحون” أو قدور!!

المدرسة الخاصة هي الأخرى كانت هديتها تعكس نواياها وأهدافها فهي بهدية “الفناجين” لا تهدف للطالب أو الطفل بل تخاطب “نقاد الدراهم” الأب ولو كانت أمه هي المتكفلة بالدفع فربما كانت الهدية أصبع “روج” صيني الصنع.

هذه مشكلة المشاعر المصطنعة حتى لو بدت حسنة النوايا فإنها تتأثر بحقيقة النوايا، والضحية هم الشريحة المستهدفة!!

اسمعها يا وزير الأيتام

أحرص كثيراً على سماع برامج الدكتور عبدالله الفوزان في “بانوراما” لأن هذا المتخصص يثير مواضيع هامة جداً ولأنه مظلوم في الإعلام المحلي لم يستغل رغم تخصصه وقدراته بل ان بعض أفكاره سرقت وحولت إلى برامج تلفزيونية فاشلة لأنها أسندت إلى غير ذي تخصص والمثل الشعبي يقول “البشت هو البشت والشخص غير الشخص”.
الأهم من الحديث عن الدكتور الفوزان هو دعوة معالي وزير الشؤون الاجتماعية شخصياً لسماع تسجيل كامل عن حلقة برنامجه “من الأعماق” حول رعاية الأيتام ومجهولي الأبوين التي أذيعت عبر موجات “إف ام” في “بانوراما” وأعتقد جازماً أن وزارة الشؤون الاجتماعية لو كان لديها إدارة علاقات عامة تعنى بمتابعة ما يهم الوزير والوزارة بل ما يدخل ضمن مسؤولياته وذمته الوظيفية فإنها لابد أن تبحث عن شريط الحلقة وتتوسل للوزير أن يسمعه وإلا فإنها كغيرها من إدارات هذه الوزارة سوف تسهم في قهر اليتيم أعاذنا الله وإياكم من قهر اليتيم “فأما اليتيم فلا تقهر”.

معالي الوزير أعلم ما أنت عليه من خلق رفيع وعاطفة جياشة وإخلاص وبُعد عن الأضواء، خلاف غيرك، كما نحسبك والله حسيبك أنك ممن لا يخشى في الله لومة لائم ويراقب الله فيما يقع تحت مسؤولياته.

اسمعها يا معالي الوزير.. اسمع تلك الحلقة فستجد فيها ما يعينك، فإما أن تصلح شأن اليتامى ومجهولي الوالدين فتؤجر أو لا تستطيع فتعلم أن لهم ديناً عليك!!

لن أتحدث عن تفاصيل ما جاء في تلك الحلقة الإذاعية من نذر خطيرة توحي بظلم شريحة كبيرة لا ناصر لها إلا الله، ولو اضطررت إلى إيراد أهم ما جاء فيها بإيجاز فسيكون ذلك في حلقات من هذه الزاوية أرجو أن لا أضطر لها.

لكنني أكتفي بذكر ما يشجع كل مسؤول على البحث عما ذكر وسماعه بأذن صاغية ليدرك ان أمر إصلاح شأن اليتامى أهم من كل مصلحة دنيوية وأولى من الاهتمام بالكرسي فإما أن يقدر عليه أو أن يريح ذمته وضميره ويترك المسؤولية على غيره ولغيره.

ضيف الحلقة كان الأستاذ عبدالله العبيلي باحث ومستشار اجتماعي وقد تحدث عن ادارة دار رعاية الأيتام وأن القائم عليها إداري غير متخصص جاء من دار الأحداث وهم فئة تختلف تماماً عن الأيتام سلوكياً وطبيعة ونفسياً وأن هذا الإداري البحت يتدخل في شؤون مختصين نفسيين واجتماعيين وذلك أمر خطير!!

وأن الدار لا تتابع ولا تتحمل مسؤولية اليتيم بعد بلوغه 18سنة. ولا تقوم بدراسات اجتماعية ونفسية على معاناة الأيتام في المجتمع وأن ثمة موظفين سيئين جداً ويفتقدون للتخصص وأن نظم الدار لم تتغير منذ أن أُنشئت.

أما المتصل بالبرنامج الأستاذ خالد التميمي وهو حاضن ليتيم فقد ذكر ما يندى له الجبين حول تعامل بعض الأسر البديلة مع الفتيات اليتيمات أو مجهولات الوالدين من استغلال لضعفهن ولون بشرة بعضهن وذكر بكل تفصيل وصراحة أمثلة لسوء استغلال واستخدام بعضهن (أعتذر شخصياً عن إعادة ذكرها لأسباب أحتفظ بها لنفسي) وأكتفي بالإلحاح على كل مسؤول عن اليتامى والمواطنين عموماً أن يسمع تلك الحلقة والتي قبلها.

وزارة القرية

منذ أكثر من عشر سنوات حاولت جاهداً أن أنسق لندوة صحفية في هذه الجريدة “ندوة الثلاثاء” حول موضوع الإقليمية في التوظيف أو قل القرابية أو توظيف أبناء القرية الواحدة وتركزهم في دائرة حكومية معينة يكون وزيرها من تلك القرية وهي ممارسة اصبحت واضحة للعيان ووصلت إلى حد كونها ظاهرة، حيث أصبح من النادر أن تخلو مؤسسة حكومية من وجود تكتلات ذات قرابة بالمسئول إما من نفس قريته أو أقربائه أو منطقته، بل ان الأمر وصل حد قناعة من يبحث عن وظيفة انه يجب أن لا يتقدم لهذه الجهة أو تلك لأنه ليس مؤهلاً اجتماعياً أو إقليمياً ليصبح أحد موظفيها رغم تأهيله العلمي وتميزه وقدراته وكفاءته.
أقول منذ أكثر من عشر سنوات حاولت طرح هذا الموضوع في ندوة الثلاثاء إلا أنني لم أنجح في إقناع مسئول واحد بالتحدث عن هذا الموضوع بل ان أحد كبار مسئولي ديوان الخدمة المدنية (كما يسمى آنذاك) نصحني بعدم إثارة هذا الموضوع لحساسيته كما يعتقد وعند إلحاحي عليه ليكون جزءاً هاماً من هذه الندوة الصحفية قال لي: أنصحك بعدم طرحها وتريدني أن أشارك؟!!

اليوم لاشك اننا شهدنا تحولاً كبيراً في شكل مرونة كبيرة، بل انفتاح ايجابي في امكانية مناقشة قضايا عديدة لم تكن متاحة في السابق والتحاور حولها.. أي اننا نشهد اتساعاً كبيراً في هامش حرية الطرح الإعلامي، لذا فقد اتيحت لي فرصة الحديث عن هذا الموضوع تحديداً في القناة الأولى للتلفزيون “القناة الرسمية” بمنتهى الحرية والصراحة والمباشرة في الطرح وكنت قد تطرقت لموضوع توظيف أهل القرية أو المنطقة أو الأقارب كأحد أسباب التأثير على شعور المواطنة في برنامج مع الأحداث وأعتبر نفسي مديناً للزميل عبدالعزيز العيد تحديداً كمحاور لعدم مقاطعتي وللتلفزيون كوسيلة إعلامية ارتقت إلى مستوى الحدث لقبوله لما قلت وإن كان بتره في إعادة الحلقة لتكرار تغطية حدث هام اتبعته أغان وطنية.

في مثل هذا الموضوع لا يكفي ارتقاء مستوى الحوار واتساع هامش حرية الطرح والحديث عن المشكلة بمنتهى الصراحة وإنما نحن في حاجة إلى علاج هذه الظاهرة ومسحها تماماً عن طريق المتابعة الدقيقة المخلصة والمساءلة الدقيقة وسحب الثقة ممن يمارس التمييز الإقليمي أو المناطقي أو القروي أو القرابي أو الشللي، فالاعتراف بوجود المشكلة لا يعتبر علاجاً وإنما هوتشخيص أو تأكيد للتشخيص المتضح من الأعراض الواضحة لكن مرحلة العلاج تبدأ بمحاربة هذا السلوك الذي يؤدي إلى خسارتنا لكوادر وقدرات وكفاءات وطنية بسبب أهواء شخصية، هذه خسارة.

أما الخسارة الأخطر فهي توالد شعور بالعزلة والإحباط لدى شريحة واسعة ممن ليس له صاحب أو ابن قرية في مركز مرموق!!

كفالة وزير

في هذا الوقت نحن في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تأمين مستقبل أكبر عدد ممكن من الشباب والشابات عن طريق توفيرمزيد من فرص العمل الحكومي إلى جانب فرض السعودة على القطاع الخاص.
فيما يخص القطاع الخاص أو الأهلي فإن الأمر يبدو مستعصياً لأن هذا القطاع يجيد التملص بالأعذار ونحن نمارس معه “الحنية” المفرطة لأنه نحن!! ولذا فإننا نكتفي بتحميل “الراغب” من هذا القطاع والمبادر من ملاكه أكثر مما يحتملون ونترك المتنكر ينعم بالحنية.

في القطاع الحكومي الأمل معقود على توفير الوظائف في الميزانيات بزيادة طفيفة لأن مقاعد الوظائف الحكومية لا تعرف لعبة الكراسي الموسيقية، أي لا تشهد حركة خروج مثلما تشهد من الدخول وهذا صعب جدا ولا يتناسب مع كل المعادلات والحسابات والظواهر الطبيعية لأن الطبيعي أن نزيد من عدد الوظائف الكبيرة التي تعادل الواحدة منها عشرين وظيفة صغيرة في نفس الميزانية.

تماماً بنفس مفهوم صاحب الطرفة الشعبية الذي زوجوه عجوزاً في الثمانين فخاطب من زوجه معاتباً ومطالباً أن “يصرف” أم ثمانين عاماً إلى أربع من فئة العشرين ربيعاً.

لكن هذا المفهوم لا يطبق على واقع هيكل الوظائف الحكومية أو الميزانية المخصصة لها، فنحن نعنى كثيرا بتأمين مزيد من الحياة الرغدة والعمر الوظيفي لأصحاب المراتب الوظيفية العليا من وزراء ومراتب ممتازة فتجد الواحد منهم إذا حدث وأنهى فترته الوزارية يتحول بنفس المرتبة العليا إلى مستشار أو عضو مجلس شورى وبالتالي يبقى رقماً كبيراً في ميزانية الرواتب والوظائف كان بالإمكان “صرفه” إلى أرقام صغيرة لعدد كبير من الوظائف المحدثة لشباب يشع حيوية ويعد بعطاء كبير.

إننا نعنى كثيرا بكفالة الوزير أكثر من كفالة اليتيم وأعني الشاب الذي لا وظيفة له ولا مصدر رزق، مع أن أصحاب المراتب الوزارية والعليا والممتازة أخذوا من (جماتها) بنصيب وافر وأمنوا بالفعل مستقبل الجيل الرابع من ورثتهم وآن الأوان أن نلتفت إلى أجيال لم يشم جدهم رائحة الوظيفة.

حماية لأعراض الفقراء

مقدما برنامج شباب في القناة الرياضية الزميلان عبدالرحمن الحسين وعلي الشهري أثارا شجوني بسؤال عن ضرورة فصل سكن العزاب عن العائلات في حلقة كنت خلالها ضيفاً للحديث عن مشاكل العزاب في مجتمعنا .
السؤال كان عن الإجراء الظاهر، الشائع خاصة في الأحياء الراقية أو أحياء النخبة حيث تطبق التعليمات والاحتياطات بعناية وحرص وإخلاص شأنها في ذلك شأن النـظافة وتوفير الخدمات ومن ضمن تلك التعليمات أو الاحترازات عدم السماح بسكن العزاب في أحياء العائلات.

أثار السؤال شجوني فتحدثت عن شيء معاكس تماماً، ليس (إستخفافاً ) بالسؤال (حاشا وكلا) وليس هروباً منه ولكن (استثقالاً) لواقع أليم شاهدته عياناً بياناً وأنا أحضر لتلك الحلقة بدراسة الوضع ليس في أحياء النخبة وحسب بل في أحياء “النقمة” ، الأحياء الفقيرة مثل الظهيرة، والعود ،والديرة، والشميسي القديم والجديد.

أعيد ما ذكرته في حلقة(شباب) لأن الحلقة بثت على الهواء متزامنة مع مباراة كرة قدم بين نخبة فرنسا ونخبة انجلترا فلعلها فاتت على بعض النخبة من المسئولين عن المأساة وهم كثر.

في تلك الأحياء شاهدت عكس ماكان عبدالرحمن وعلي يريدانني أن أتحدث عنه (فصل سكن العزاب عن العائلات).

لقد شاهدت منازلا وشققا لعائلات سعودية “مستورة” تتكون في الغالب من أم مطلقة أو معلقة أو أرملة ومجموعة من البنات في سن الشباب أو الزهور وأولاد صغار لم يصلوا حد القيام بدور المحرم أو القادر على حماية والدته وأخواته.

تلك المنازل والشقق تحيط بها بيوت يسكنها عمالة أجنبية من كل الجنسيات والغالب منها أسيوي وبأعداد كبيرة جداً في البيت الواحد، والأحياء عبارة عن “أزقة” ضيقة مظلمة شبه معزولة . أي انه جمع خطير بين عزاب من نوع خاص وعائلات مجبرة بحكم ظروفها المالية والاجتماعية على العيش في تلك الظروف !! فأين دعاة الفصل بين العزاب والمتزوجين هنا؟! أين من ترجف قلوبهم خوفاً وغيرة على النساء والبنات والأعراض والأخلاق ؟! أين الحرص على درء الشبهات واجتناب وقوع المحظور؟!

هو واحد من حلين لاثالث لهما لو كان حرصنا متساوياً في كل الأحوال وكل الأحياء أحياء النخبة وأحياء الفقراء .

إما إجبار كفيل هؤلاء العمال وهو بالتأكيد إما شركة أو مقاولاً أو فرداً متستراً ، إجباره على إسكانهم في مواقع خاصة بالعزاب وبالذات العمالة، وبذلك نبعد هذه الجموع الكبيرة من العمالة العازبة عن سكن العائلات الفقيرة المكلومة المضطرة. أو أن يتم وبسرعة (إعادة توطين ) ونقل سكن تلك العائلات السعودية بما يحقق أمنهم وكرامتهم ويمنع وقوع مالا تحمد عقباه وهو أمر لايقارن بأي تكلفة ولايمكن أن يقدر بثمن أو تحول بيننا وبينه عوائق مالية لأننا بهذا الإجراء ندفع درهم وقاية تلافياً لدفع قنطار علاج كما نفعل دائماً بتأخرنا في الاحتراز.

إحدى النساء المطلقات في الظهيرة تعاني كل صباح وهي تمسك بيد ابنتها المتفوقة في كلية علمية لتوصلها من داخل تلك الأزقة إلى الشارع العام حيث تقف حافلة النقل للكلية، تعاني من تحرش أعداد من العمالة بها وبابنتها وخاصة عندما تعود السيدة أدراجها بمفردها، الأمر الذي جعلها تضطر لإخفاء العصا داخل عباءتها وإظهارها عند الحاجة ” لتهش” بها ذئاباً بشرية!! .. فهل من جهة تحميها؟! انني أدعو إلى تكثيف تواجد رجال الحسبة الأشاوس، المخلصين ، في تلك الأحياء فالأمر خطير والمعاناة تبدو كبيرة جداً لشريحة من الناس ليس لهم من يطالب بحقوقهم لأنهم ليسوا من النخبة!!.

مواطن فوق المواطنة

مشكلة بعض المسؤولين، ومن تولوا مناصب عليا ومسؤوليات جساما، انهم يعتقدون أن المواطن لفظ يطلق على من هم دونهم في الوظائف والمسؤوليات، أي أن المواطن هو رجل الشارع أو الموظف الكادح، أما هم فإن لهم مسمى آخر هو “المسؤولون”.
وقد كان الإعلام للأسف يرسخ هذا المفهوم الخاطئ فيردد هذه التسميات التصنيفية كعناوين لبرامج مواجهة أو صفحات شكاوى المواطنين فيقول المواطن والمسؤول وجهاً لوجه أو ما يريده المواطن من المسؤول.. الخ.. تلك التسميات.

والواضح أن بعض المواطنين ممن تولوا مسؤوليات كبرى على مستوى وزاري أو وكالة وزارة أو حتى مجلس شورى اعتقدوا أنهم تم “ترفيعهم” أو “ترقيتهم” من مستوى مواطن إلى مستوى مسؤول وليس مواطن مسؤول.. وأصبحوا يرددون النصائح والتوجيهات والمتطلبات المطلوبة من المواطن وكأنهم ينتمون إلى فئة لا تعنيهم أسس متطلبات المواطنة ومسؤولياتها أو الحد الأدنى المطلوب من المواطن الصالح المخلص!!

والواقع أن المواطنين في المسؤوليات العليا لو مارسوا المواطنة المخلصة الصادقة، لقل كثيراً عدد المواطنين ممكن يمكن لهم أن يجرؤوا على القيام بممارسة مسيئة أو تنم عن عدم حب الوطن أو قلة الإخلاص له.

ذلك أن حب الوطن عدوى حميدة تنتقل من أعلى الهرم الوظيفي إلى أسفله، بل هو تقليد جميل وقدوة حسنة يقتدي فيها من هو دون بمن هو أعلى!!، ومن هو أفقر بمن هو أغنى!! ومن هو كادح بمن هو في رخاء من أمره!!

مشكلة بعض المسؤولين لدينا تكمن في سرعة التأثر بالتحولات الوظيفية التي في مجملها تشعرك بأنك أصبحت فوق المواطنة وفوق النظام وفوق كل الاعتبارات بما تحفل به من تميز ومميزات وإعفاءات واستثناءات كثيرة تجعل النفس البشرية وهي ضعيفة بطبيعتها تصدق أنها انتقلت من حالة المواطنة إلى صف الاستثناء حتى من المواطنة في مفهومها الصحيح، مفهوم التضحية والإخلاص والصدق مع النفس ومع الآخرين والعطاء.

ولأن المواطن المسؤول لدينا يعاني من هذا الانفصام فإنه يعتقد أن الالتزام والدوام وعدم المخالفة وأخلاقيات العمل والأمانة وعدم هدر المال العام وعدم التفريط في ثروات الوطن ومائه وكهربائه هي مسؤولية رجل الشارع “المواطن”.. أما هو فمسؤوليته تنحصر في استغلال التميز الجديد باعفاءاته واستثناءاته ونعمه التي يرى أنها دون مقابل.

متعهد جمع “فصم”

و “الفصم” لمن لا يعرفه من طلاب وزارة التربية والتعليم هو نوى التمر ويسمى أيضاً “عبس” وربما جاءت هذه التسمية من عبوس وجه من يرجم بالفصمة عند الانتهاء من أكل التمرة فقد كان بعض كبار السن يتراشقون في المشراق بحبات العبس ليس كنوع من المداعبة ولكن لأن كلاً يريد أن يقذفها والنظر ضعيف فتذهب في وجه صاحبه والعتب على النظر!!.
وقد استخدم “العبس” في بعض الأمثال الشعبية الهامة وذات الدلالة على بعض الممارسات الغريبة فيقال “فلان مثل رضاح العبس يوم بقي عبسة تركه كله” وهو مثل يضرب لمن يبدأ عملاً شاقاً ومكلفاً ثم إذا وصل قرب نهايته تركه كله رغم تكلفته مثل مشروع “وطني” الذي بدأته وزارة التربية والتعليم ثم عندما بقي اليسير منه ويستكمل وجدت أنه غير مجد، فصمتت عنه!!.

أما لماذا تذكرت “الفصم” فعندما علمت أن آخر إبداعات وزارة التربية والتعليم هي إدخال التمور كوجبة أساسية يجب على المتعهد توفيرها “على حساب الطلاب طبعا” ضمن الوجبة المدرسية وقد تحدث الزميل الدكتور عبدالعزيز الجارالله في زاويته مدائن يوم أول أمس الاثنين عن سلبيات هذه الخطوة عندما لا تقنن وتفرق بين طالب مريض بالسكر وآخر سليم وقادر على أكل التمر وآخر لا يقدر وأوفى أبو معتز وما من داع للمزيد.

لكنني أردت أن أسهم مع وزارة التربية والتعليم في التفكير في بعض نتائج القرار وهو أمر لاتجيده الوزارة فوجدت أن انبه وزارة التربية والتعليم الى أن للتمر “فصم” أو نوى أو “عبس” ويفترض أن نفكر جدياً في عملية تراكم “الفصم” في المبنى المدرسي وهذا خطير لأنه قد يستخدم للتراشق ولا يجب أن نستهين بالعبسة فالعبسة أينما وجدت “حساسة” وشأنها خطير فإذا وضعت الفصمة بين سبابتين “ونبطت” فقد يفقد عدد من الطلاب إحدى العينين فلا يروا مشاريع الوزارة ولا يقرؤون تصاريح مسؤوليها إلا بعين واحده فيفقدون الحس الوطني مثلما فقدوا مشروع “وطني” ويزداد عدد “العوران” من الطلاب فتخرج الوزارة بفكرة مشروع “عيني!!” بالتعاقد مع مستشفيات القطاع الخاص طبعاً للحفاظ على العين الباقية أما العين الأولى فقد راحت ضحية “فصمة” طائشة.

أما كيف أسهم مع وزارة التربية والتعليم في حل موضوع الفصم بالطريقة التي تناسب أسلوب الوزارة فهو بأن أقترح عليهم الاتفاق مع متعهد جمع “فصم” تتولى عمالته لقط “الفصمة” من فم الطالب مباشرة بمقابل مادي رمزي يدفعه الطالب، وبذلك يتم جمع العبس يومياً وبيعه في مشروع استثماري لتحويله الى أعلاف واستخدام عائدات العبس السنوية في صيانة دورات المياه والتكييف ووسائل الإيضاح وحفلات الوزارة وحملاتها الإعلامية، كما يمكن الاستثمار في بيع كوكتيل من العبس المجمع للطالب الذي يعتقد أنه “منضول دراسياً”أو يعتقد أهله أن سبب عزوفه عن الذهاب للمدرسة ليس انعدام أبسط الاحتياجات الإنسانية لطفل خجول، وأهمها دورات المياه، ولكن بسبب عين أصابته وهو يتناول تمرة أمام طفل جائع.

أخيراً أود أن أذكر الوزارة أن “منجا” جازان هي الأخرى تعتبر ثروة وطنية جديرة بالتشجيع مثل التمر لكن “فصمة” المنجا كبيرة جداً والتراشق بها سيؤدي إلى إصابات بالغة و”فلاق” دامية، كما أن جمع “فصم” المنجا الكبيرة يحتاج إلى شاحنات وهذه ستدهس مزيداً من الطلاب داخل المدرسة لذا فإنني لاأنصح بالمنجا في الوقت الحاضر.

غازي “الماستر كي”

إعجابنا بالدكتور غازي القصيبي المسؤول، الشاعر المحاور ثم متعدد المسؤوليات لا يمنع من أن نختلف معه وإن كنا لا نختلف عليه كرجل فرض نفسه شبه وحيد في ساحة المسؤولية بحيث أصبح رجل المهمات الصعبة أو المفتاح الشامل “الماستر كي” لكل المسؤوليات وربما جميع الوزارات.
شخصياً وكمتابع معجب بغازي القصيبي الوزير لم يسبق أن لاحظت أنه يبرر ما لا يستطيع أن يفعله أو ما يصعب عليه عمله، كما انني لا اعتقد أنه ممن يتردد في العدول عن رأيه المتجرد إذا وجد أن الرأي المعارض له أقرب إلى الصواب أو المنطق!!.

تعليق معالي وزير العمل على المطالبة بتحديد حد أدنى للاجور للسعوديين كان حاداً وربما جارحاً لمن علت أصواتهم مطالبين بالحد الأدنى للاجور، وأدّعي بفخر انني أحدهم وربما أكثرهم إلحاحاً ولا يضيرني هنا اتهام الدكتور القصيبي لمن طالبوا بأنهم “لا يفهمون” فربما قصد أنهم “لا يعرفون” بواطن الأمور!!.

وعلى أي حال فإن حجة وزير العمل في هذا الصدد لا ترقى لدرجة اتهام من طالبوا بها فقد كنا نتوقع حجة أكثر قوة من مجرد “الإنسانية على ورق”.. كيف؟!.

الدكتور غازي يرى أنه من غير الإنسانية أن يضع حداً أدنى لأجر السعودي لأنه بذلك يميزه عنصرياً عن غيره من العمالة غير السعودية وهذا شعور جميل لو كان يتمشى مع الواقع وليس مجرد شعور يمنع إصلاح حال السعودي مع بقاء الأجنبي على واقع يميز كثيراً بينه وبين السعودي، بل واقع يميز بين الجنسيات المختلفة على أساس جواز السفر.

ألا يعلم معالي وزير العمل أن القطاع الصحي الحكومي، الذي وصفه بأنه القطاع الذي لا يمكن سعودته بنسبة تزيد على 70%، يشتمل على سلم رواتب يميز بين خمس فئات من العاملين تمييزاً يعتمد على الجنسية بشكل غريب جداً وبفروق شاسعة بين رواتب ومميزات الموظفين يتربع على قمتها المتعاقد من أمريكا الشمالية يليه الأوروبي ثم السعودي ثم العربي ثم الشرق آسيوي وذلك في نفس التخصص، وهو فرق كبير لا يعتمد مطلقاً على الكفاءة أو الشهادات فلو أن طبيباً شرق آسيوياً نجح في الحصول على جنسية كندية مثلاً فإن كل ما عليه أن يغادر ويتعاقد مرة أخرى بجنسيته الجديدة “وبنفس علمه، وقدراته ولهجته” ليحصل على أكثر من أربعة أضعاف الراتب. هذا واقع في مستشفيات حكومية وفي القطاع الخاص على حد سواء.

الواقع الثاني أن رواتب المتعاقدين في جميع الدوائر الحكومية تقل كثيراً عن رواتب المواطنين لنفس الوظائف سواء في التعليم أو الوظائف الصحية أو الإدارية بل وحتى المهنية وما دام الحال كذلك فهل يحول بيننا وبين وضع القطاع الخاص “المتملص” في الزاوية وفرض حد أدنى للاجور للسعوديين مجرد شعور بأن الخطوة غير إنسانية أو عنصرية؟!.

أين الإنسانية إذاً في مساواة الموظف المواطن بأجر الأجنبي في حين أن مستوى المعيشة في بلد الأجنبي ينخفض إلى أقل من العشر عن مستوى المعيشة في وطن المواطن؟!.

ما دام أن واقع الحال والمعمول به حكومياً وفي القطاع الخاص هو الاعتماد على سعر العمالة في بلد العامل عند تحديد الراتب ابتداءً من الطبيب وانتهاءً بالخادمة والسائق، فما الذي يمنع من تحديد أجر العامل المواطن بناءً على السعر في سوق العمل السعودي للسعوديين وهو الراتب الحكومي؟!.

لماذا تُسّخر المشاعر الإنسانية لممارسة الحنان على القطاع الخاص المدعوم المتنكر للدعم أو حتى ذلك الذي لم يتنكر؟!.

حسناً يا معالي وزير العمل اعتمد حداً أدنى للاجور لجميع الجنسيات بما فيها المواطن، حداً يمكن للمواطن أن يعيش به شهراً في وطنه عيشة “إنسانية” غير مهينة واترك للقطاع الخاص أن يختار بين المواطن وغيره!!.

دعنا نمارس الإنسانية وعدم التمييز ممارسة على أرض الواقع برفع أجر غير المواطن للحد المستهدف لا بإنزال أجر المواطن للحد المفضل ونترك لهم الخيار.

كسر المديرة والتعليم

خلاف وعد قديم قطعه وزير التربية والتعليم على نفسه عندما عين أول مرة بأن ينهي رهبة الامتحان فإن هذه الرهبة تفاقمت بشكل ملحوظ وازدادت عما كانت عليه عندما كانت وزارة المعارف آنذاك لا تعرف الوعود والتصريحات الرنانة!!.
وعود وزير التربية والتعليم بمعالجة موضوع التلقين والحفظ ومن ثم رهبة ساعة التفريغ المسماة “امتحاناً” وهو اسم لها منه نصيب، أقول إن تلك الوعود تكررت مع كل فترة وزارية وكان يحدونا أمل كبير لم يتحقق ولن نيأس من تحقيقه فقد كان الأمل أن يسبق بعض البرامج الضوئية الرنانة مثل وطني وغيره تطبيق الاختبار من الكتاب المفتوح والمراجع المصاحبة وإزالة هم الامتحان الذي أصبح هماً وطنياً عاماً يستنفر له الوطن كل طاقاته النفسية والاجتماعية والأمنية وأدى إلى رفع الإصابات بالضغط والسكر والجلطات ومؤخراً الكسور!!.

الخبر الذي نقلته لنا “الرياض” عبر الزميل هزاع الرويلي من القريات حول تعرض مديرة الثانوية الرابعة بمحافظة القريات لحادث مروري وإصابتها بكسور وإصرارها على مواصلة الذهاب للمدرسة لتسليم أسئلة الامتحان رغم الألم والخطورة وقد نفذت ذلك فعلاً ولم تذهب للإسعاف إلا بعد أن سلمت الأسئلة التي أصبحت تفوق في أهميتها كل الاعتبارات.

لا شك أن تصرف المديرة ينم عن حرص وإخلاص وتضحية تستحق عليه الثناء، لكنه في الجانب الآخر مثال واضح لما وصلت إليه حالة رهبة الامتحان والأسئلة وأزمة الامتحانات وعلو شأنها الذي بلغ حداً لم يصله من قبل خلافاً لكل الوعود الرنانة!!.

أزمة الامتحان لم تعد أزمة تخلف تعليمي وقصور في النهج التربوي ومخالفة للتوجه العالمي المتقدم في مجال التعليم وحسب، لقد أصبحت أزمة رهاب اجتماعي وفوبيا أسرية لها دور حقيقي في أزمات المجتمع النفسية وانتشار أمراضه العضوية سواء بين الطلاب والطالبات أو الآباء والأمهات وأصبح لها انعكاساتها السلبية الواضحة على اقتصاد الوطن خاصة في مجال الاقتصاد الصحي.

لقد أثرت في أخلاقيات المجتمع عن طريق تفشي أساليب تسريب الأسئلة وبيعها وانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية وارتفاع أسعار الساعة لمقيمين ومقيمات أصبحت هذه هي مهنتهم دون مشروعية ودون تخصص وغني عن القول ان مقيمة تتنقل بسيارة الأجرة بين الأحياء والمنازل وتدخل البيوت وتتقاضى المال الوفير مقابل الساعات التي تمضيها يمكن أن “تجر” إلى ما هو أخطر وتؤدي إلى ما هو أدنى أخلاقياً في مجتمع عرف بسمو الأخلاق والحرص الشديد.

بعد هذا كله ألا يدل عجز وزارة التربية والتعليم عن معالجة هذه الجزئية البسيطة التي سبقنا إليها الكثيرون ويزخر العالم بتجارب دول متقدمة أثبتت نجاحها وتعدتنا بمراحل وتركتنا نتغنى بتصاريح هلامية حول مشاريع براقة ليست أولوية ولا تتناسب مع وضعنا الحالي الذي يعتبر قاصراً ومتخلفاً تعليمياً في مجال التعليم قبل الجامعي خاصة وأن القصور الشديد هو في أبجديات وأساسيات لا يمكن أن يعتبر التعليم تحرك قيد أنملة وهو لم يتخطاها ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحفظ والتلقين والامتحانات التقليدية المتخلفة وانعدام وسائل الإيضاح ناهيك عن عدم توفر البيئة التعليمية الصحيحة بل حتى بيئة الصحة المدرسية المناسبة وأبسط مقومات الاحتياجات الإنسانية من دورات مياه وتكييف وفصول دراسية صحية.

إن وزارة لم تنجح خلال ثلاث فترات في تخطي عقد الامتحان تعتبر قد فشلت في ثلاثة امتحانات سهلة وحسب نظام الامتحانات يفترض أن تكون فرصها قد انتهت.

زمـــان الصمـت

ألمس فارقاً ليس سهلاً بين النقد في الصحافة المحلية اليوم عنه بالأمس القريب، وهو فارق كبير يصب في صالح الأمس مقارنة باليوم رغم أن اليوم يشهد مرونة وهامش حرية أكبر من الأمس.
الفارق يكمن في الصدى ودرجة التجاوب مع ما يكتب من نقد وملاحظات وشكاوى بل وربما صيد صحفي ثمين موثق.

بالأمس كان من الأصعب ان يمر الموضوع إذا كان حيوياً أو حساساً أو مثيراً لكنه إذا مر بالصدفة أو الغفلة فإنه يلقى صدى كبيراً وتجاوباً سريعاً واهتماماً بالغاً ويؤدي المرجو منه من الإصلاح.

اليوم كثر الطرح المباشر لمواضيع حساسة و”كفشات” صحفية بعضها فاضح، لكن التجاوب يكاد يكون معدوماً أو سلبياً للغاية.

المشكلة ليست في حجم ما يطرح من نقد وملاحظات وأن هذا الحجم والكم زادا بحيث أصبح من الصعب التجاوب مع ذلك الكم الهائل.

أعتقد أن السبب او السر يكمن في أن بعض المسؤولين أُفهم أو فهم خطأ ان ثمة توجهاً للتنفيس عن الناس عبر فتح صمامات النقد الصحفي، وأن ما يرد يومياً من ملاحظات وانتقادات لإدارته إنما يدخل ضمن هذا التوجه ويؤدي ذلك الدور التنفيسي وانه كمسؤول يعلم بخلفية ما يحدث وسيحدث وانه وحسب علمه فإن ذلك يستدعي عدم الرد أو التجاوب أو حتى الإيضاح!!.

هذا التفسير رغم انه يبدو مستبعداً إلا انه يحظى بغياب أي تفسير منافس يبرر ذلك الصمت الرهيب إزاء نقد حاد ومقالات موثقة وطروحات واثقة لعدد من الكتاب منهم المتخصص ومنهم القريب من أروقة الوزارة أو المؤسسة ومنهم من أورد مصادر ومراجع موثقة وأخرون اثبتوا دعواهم بالصوت والصورة.

وإذا ما عدنا إلى مقارنة بين الأمس واليوم فيما يخص النقد الصحفي فإنني أعتقد أن الأمس أفضل بكثير إذا كان لا بد من ذلك الصمت والسلبية تجاه طروحات اليوم الجريئة، وذلك لعدة اعتبارات أحدها أنه ومن وجهة نظر نفسية أو تنفيسية فإنه وعلى المدى الطويل فإن من الخير أن لا تكتب الملاحظات إذا كانت لن تحظى بالتجاوب وسترها عن عدد أكبر خير من نشرها وبقائها دون إهتمام مؤدية إلى إحباط أعداد كبيرة إضافية كانت لا تعلم عن التقصير وبعيدة عن صداعه.

والاعتبار الثاني هو أن حالة التبلد الناجمة لدى جميع منسوبي الجهة من رؤية نقد مكثف لا يحظى بتجاوب أخطر بكثير من ترك الجهة “على طمام المرحوم”.

أما الاعتبار الثالث فهو ان تزايد النقد مع غياب التحرك الإيجابي قد يوحي خطأً بتوفر حصانة من نوع خاص للمسؤول وهذا إيحاء غير محمود النتائج على مشاعر الزميل والمستفيد والمواطن والمظلوم في القضية.

حسناً، ما المانع من أن نحقق كلتا الحسنيين ونجمع بين ديناميكية الأمس ومرونة اليوم فنضع آلية وطنية للتعامل مع الطرح الإعلامي على أساس ضرورة احترام المسؤول لشكوى التقصير وضرورة تجاوبه مع ما يطرح كجزء من تقييم أداء إدارته أو مؤسسته وشرط لاستمراره؟!.

لماذا لا نسلك مسلكاً نجح فيه غيرنا وهو أن خبراً أو صورة قد تقيم الدنيا ولا تقعدها إلا على مسمار حاد ومؤلم تصرخ من وخزه قاعدة المقصر!!.