الشهر: مايو 2004

منح وكرامة

مرة تلو الأخرى تتسبب البيروقرطية والإهمال والتقاعس في تشويه صورة من الصور الجميلة وتنكيد هدية الوفاء التي يقدمها هذا الوطن لأبنائه.
ما حدث من تزاحم وفوضى ومعاناة بل وعذاب شهده المتقدمون لطلب أراضي المنح للأيتام والأرامل وما نقلته الصحف من صور غريبة بعضها مضحك إلى حد البكاء والآخر مبك إلى حد الضحك الهستيري!! تدل دلالة واضحة على أن الجهود العظيمة والمبادرات المكلفة تتحطم على صخرة إهمال وعدم اكتراث وتذهب ريحها وطعمها ونكهتها بسبب إجراءات كان من السهل تبسيطها أو الاستعداد لها دون تكلفة تذكر وبزيادة بسيطة في عدد موظفي الاستقبال وتنظم طريقة التقديم.

مراجعون صعدوا للسطوح ومراجع في شكل أقرب إلى الصورة الكاريكاتورية منها إلى الحقيقة يقفز على مظلة النافذة ليقدم الأوراق من فوق المظلة كأول أوراق تقدم من أعلى إلى أسفل دون واسطة!!.

زحام شديد تحت أشعة الشمس وتدافع وصعود على الأكتاف ووصول للشباك بعد عناء شديد وإرهاق ثم اكتشاف نواقص في الأوراق يؤدي إلى رفضها والعودة من جديد إلى بداية السطر.

كل تلك الصور الفوضوية والمعاناة والإهاق من أجل ماذا؟! من أجل تقديم لطلب منحة أقرها وحددها ومنحها الوطن لفئة مستحقة.

لماذا تحرص فئة من الموظفين والجهات التنفيذية أن يكون تنفيذ الأوامر والتوجيهات الكريمة يمر عبر نوافذ ضيقة ومسالك وعرة؟!.

لقد نشأنا في وطن لا يعرف المنة، وطن ينفق بسخاء ولا يتبع نفقته مناً ولا أذى!!

وطن استفاد منه القاصي والداني ونهل من عطائه البعيد والقريب!! فمن أي الجينات أو “الكروموزومات” الشاذة جاء لبعض الموظفين الذين نشأوا في هذا الوطن الكريم ذلك “الكروموزوم” أو الجين يحمل صفة المن والأذى وتصعيب السهل والحرص على أن تمر المبادرات النبيلة عبر بوابات مهينة؟!.

إن كنا ننفق أموالاً على منح مستحقة وهبات وطنية جزلة، فقد آن الأوان أن نحدد لها قنوات مأمونة، سهلة، سلسة وكريمة تتناسب مع كريم العطاء وتحفظ كرامة المعطى حتى لو أنفقنا على تلك القنوات أكثر مما ننفق على العطاء نفسه فالكرامة أثمن!! والوقع في النفوس أهم وقطع الطريق أمام من يهوى الاصطياد في الماء العكر بات مطلباً لا يقل أهمية !!.

أرجو من كل قلبي أن يعاد النظر وبسرعة قصوى في وضع قنوات استقبال طلبات المنح، كل المنح، وكل الاستحقاقات بما يحقق حفظ كرامة المتقدم بنفس حجم كرم الوطن المعطى!!.

رمضاء الاتصالات ونار الهيئة

لم أبالغ في التشاؤم حينما أكدت في مقال الأربعاء الماضي أن حملة الإرغام على الترحيب بالصفر في جوالك إنما هي تمهيد واضح لخطوة لاحقة تمارس من خلالها المنّة على المشترك بذلك الصفر البغيض والوصاية عليه لتتبعها عبارات التحذير من تأخر البرمجة وتمييز أصحاب الأرقام المميزة وكأن غيرهم يكفيه الاحتفال بالصفر!!.
بل لم يكن أكثر الناس تشاؤماً يتوقع أن يطلب من المشترك مقابلاً مادياً لاستبدال وحدة رقمية مفروضة فرضاً بأخرى في نفس الخانة المضافة قسراً!! لكن المطالبة جاءت هذه المرة على لسان محافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في خبر غير سار نشرته جريدة “الرياض” يوم الخميس في الرياض الاقتصادي مفاده أنه بناءً على رغبة كثير من المشتركين في الجوال باستبدال الصفر بخمسة فسوف يتاح للمشترك هذا الخيار بمقابل مادي لا يزيد عن خمسة وعشرين ريالاً مع استثناء أصحاب الأرقام المميزة من المقابل المالي!!.

يامعالي المحافظ: نسألك أن تحافظ، حافظ على حقيقة أن الهيئة من ذوي القربى للمشترك وهي في ذلك تختلف عن شركة الاتصالات بل هي الملتجأ بعد الله للشكوى من الاتصالات فهل استغثنا من الرمضاء بالنار؟! وهل جاز لنا أن نقول بأن ظلم الهيئة أشد مرارة على المشترك من ضرب الصفر الممجد؟!.

هل خيرنا في قبول الصفر حتى نخير باستبداله برقم أحب وأسهل؟! بل هل دفع لنا تعويض عن متاعب الصفر حتى يطلب منا أن ندفع ثمن استبداله بخمسة؟! عجباً هل يُطلب منا مقابل مالي لتهوين مصيبة لا ناقة لنا فيها ولا جمل؟!.

لماذا ندفع نحن المشتركين الذين بادرنا بالتزاحم لدى مراكز الاشتراك ودفعنا عشرة آلاف ريال استثمرت لمدة ليست بالقصيرة ثم أعيد منها ما أعيد، أقول لماذا ندفع ثمن سوء التخطيط وانعدام التنبؤ والتوقع؟! لماذا ندفعه في شكل إزعاج لإضافة رقم جديد وإضافة وقت في البرمجة وإرباك اتصالنا بالداخل والخارج ثم إذا لاحت فرصة لاستبدال ذلك الصفر برقم في نفس الخانة يطلب منا دفع مقابل لأننا بذلك الرقم الجديد نقترب من “حارة” المميزين!!.

ما رأي الهيئة والشركة والقائمين عليهما في أن يتحمل المشترك غير المميز تكاليف حملة الدعاية للصفر والتي بلغت أرقاماً فلكية في شركة مساهمة!! فإن من يدفع ثمن إخفاق المخططين من أموال المساهمين والمشتركين لن يتردد في أن يحملهم تكاليف الدعاية طالما أن القاعدة للتعامل هي “حكم القوي عالضعيف” كما يقول أشقاؤنا في مصر!!.

كان ذلك هو السؤال التهكمي الذي يفرضه الواقع الأليم أما السؤال البريء الذي تفرضه الرياضيات فهو أن الصفر أو الخمسة لا تختلف تكلفة إضافة أي منهما في خانة واحدة فلماذا يكون الصفر مجانياً والخمسة بخمسة أضعافها؟! هل لأن الصفر لا يتضاعف أم لأن التنكيد مجاني وتهوين النكد بمقابل، ثم إن أصحاب الأرقام المميزة دفعوا قيمتها قبل الصفر ونحن دفعنا قيمة أرقامنا العادية “الشعبية” أيضاً قبل نفس الصفر، فلماذا لا يدفعون ثمن المزيد من التميز إذا كنا سندفع ثمن البقاء في حدود العادي القريب من المميز؟!.

لا أعتقد أننا في حاجة إلى مزيد من الإقناع بعدم أحقية الهيئة أو الاتصالات في فرض مقابل مالي فيما يخص ذلك الصفر اللعين البغيض، وشخصياً أعلن أنني أول من سيرفع دعوى قضائية ضد الشركة إذا ما طلب مني دفع هللة واحدة سواءً مقابل الصفر أو تسهيل مصيبة الصفر أي الخمسة، كما أنني سوف أستفيد من عدالة هذا الوطن في رفع شكوى لديوان المظالم إذا أصرت هيئة الاتصالات على احتساب المقابل المالي لاستبدال الصفر بخمسة فطالما أن التقنية تتيح حلاً أقل ضرراً فإن على الشركة أن تأخذ بأقل الضررين.

ولأنني جاد وعازم فقد زرت موقع الهيئة على الإنترنت كما ذكر الخبر بحثاً عن تفاصيل فلم أجد ما يمت لهذا الموضوع بصلة ويبدو أن الموقع لم يشهد تحديثاً يذكر منذ أشهر ولا يزال خبر تعيين معالي المحافظ الصادر منذ أكثر من شهرين يتوسط الأخبار الجديدة في الموقع!!.

فضائح الصفر

إذا كان ثمة حسنة لصفر الاتصالات على المشترك وعلى المواطن السعودي تحديداً فهي ان هذا الصفر البغيض فضح توجه الاتصالات في عدم وجود أي اعتبار لمشاعر المشترك والمواطن وربما عدم اكتراث بتوجه الوطن وخططه!!.
فيما يخص مشاعر المشترك فإن الاتصالات بدأت حملتها للترويج للصفر البغيض بعبارة “أهلا بالصفر في جوالك” ورغم ان الاتصالات تدرك جيداً ما سوف يسببه هذا الصفر من متاعب للمشترك وما سيترتب عليه من فوضى في التعرف على رقم المتصل وزيادة رقم لا يهم المشترك بأي حال من الأحوال بل سوف يسبب له صداعاً لا ذنب له فيه، وبالرغم من ان الاتصالات تدرك ان قدوم هذا الصفر أمر بغيض حقاً إلا أن الاتصالات ترغم المشترك على الترحيب بالصفر بتلك العبارة الاستفزازية وما صاحبها من حركات دعائية كلها تركز على أن الصفر جاء غيثاً أو زائراً مرحباً به مع انه ليس كذلك.

ثقافة الإرغام تلك تنم عن احتقار لمشاعر المشترك واستفزازه بطريقة جداً رخيصة لا يمكن أن تخرج عن الاستخفاف بالمشترك، على انه ليس مجبراً على القبول بتعقيدات جديدة وحسب بل مرغم على الترحيب بها وهذا الإرغام والاستخفاف تعودنا عليهما من كل شركة لها امتياز أو ليس لها منافس، فإذا انقطع تيار الكهرباء مثلاً كان يمنّ علينا بإعادة التيار دون الأخذ في الاعتبار ما أحدثه من فساد الأطعمة أو تعطل الأجهزة، وإذا تأخرت رحلة للخطوط السعودية عدة ساعات فإن المنّة علينا أنها أقلعت. واليوم تمنّ علينا الاتصالات بالصفر البغيض.

هذه الشركة يفترض أن تعوض المشترك عن كل ماسوف يترتب على إضافة هذا الصفر من إزعاج وهذا التعويض ليس مستكثراً أن يكون في شكل خصم من الفاتورة يتناسب مع حجم الإزعاج.

ولأن عبارة الإرغام على الترحيب لم تأت من فراغ بل على أساس استخفاف بالمشترك غير المميز فإن الاتصالات استكثرت على أصحاب الأرقام غير المميزة استبدال الصفر برقم خمسة واقتصار هذه “المنّة” على من دفعوا لتكون أرقامهم مميزة!!.

كان يفترض بالشركة ان تفعل كل مامن شأنه تهوين مصيبة الصفر على كل المشتركين دون تمييز بتكثيف منح المميزات المجانية ومنها استبدال الصفر بخمسة للجميع وتمديد فترات البرمجة المجانية بدلاً من تحديدها والتحذير من تجاوزها لكن دعاية عبارة الترحيب كانت تمهد بوضوح لممارسة المنة والوصاية على المشترك لتتبعها الفترة التي نعيشها اليوم المليئة بعبارات التحذير من التأخر عن البرمجة، واخبار الاهتمام بمشاعر أصحاب الأرقام المميزة وكأن غيرهم يكفيه الاحتفال بالصفر!!.

تلك كانت الفضيحة التي تتعلق بالمشترك أما فضيحة الصفر مع الوطن والمواطن فهي تمرد الاتصالات على جهود السعودة والمساهمة في الحد من البطالة فحتى عندما استأجرت أشخاصاً للتجوال على هيئة صفر يمارس المرح وتسلية الأطفال في الأسواق ويمارس الإجبار على الترحيب بالصفر البغيض لم تستأجر عدداً من شباب هذا الوطن الذي يبحث عن أية فرصة كسب رزق، بل استخدمت عمالة شرق أسيوية وهي بذلك ترسخ أنه حتى في الفرص المؤقتة لكسب العيش لن تلجأ لاستخدام أبناء هذا الوطن ممن أصبحوا يعملون في أي مجال كان، وهذه الخطوة أو تلك الزلة يفترض أن تحاسب عليها الشركة فبعض المساهمين فيها في أمس الحاجة للأجر الذي ذهب لذلك الشرق أسيوي!!.

خلل أم خليل

إما أننا نعاني من خلل حقيقي في علاقة الجهات الحكومية بالمستثمر يقوم على تدليل القطاع الخاص على حساب الحكومة والمواطن المستفيد من الخدمة.
أو أننا نعاني من خلل في مفهوم تشجيع ودعم المستثمر!!.

أو ان ثمة شيئاً ما يدور ويحدث يصعب علينا تقبله!!.

بالأمس القريب اشتكى عدد من ملاك المستشفيات الأهلية أو مستشفيات القطاع الخاص وبطريقة تنم عن تبجح ومفاد تبجحهم ان المستشفيات الحكومية تنافسهم على (زبائنهم) من المرضى بافتتاحها عيادات مسائية تجارية تستقبل المرضى بأسعار منافسة لما تقدمه مستشفيات القطاع الخاص (تلك المستشفيات التي أمضت دهراً وهي تفرغ جيوب المريض وتستنزف كل مصادر دخله!!).

وتجاهل ملاك تلك المستشفيات ان الأصل ان يتوفر العلاج المجاني لكل مواطن في مستشفيات الدولة أعزها الله وانهم إنما يقتاتون فيما يخص المواطن على نتائج ازدحام المستشفيات الحكومية وعزوف المستشفيات الحكومية التابعة للقطاعات الأخرى غير وزارة الصحة عن علاج غير منسوبيها.

كما فاتهم أو تجاهلوا ان من حق منشآت الدولة ان تستثمر في الخدمات المقدمة للمقيمين ومنها الرعاية الصحية كما أن من حقها أن تقدم الخدمة بمقابل للمواطن الذي يرغب في الحصول على خدمة صحية استثنائية من مستشفيات حكومية متقدمة يثق فيها وفي اهدافها وأخلاقيات العمل بها.

الغريب أن تلك المطالبة رغم فجاجتها لم تواجه التوبيخ الذي يفترض أن تواجَه به بل قوبلت بلين شديد غير مستحق!!.

ويبدو ان ذلك اللين وتلك المجاملة شجعا فئة أخرى “مقصرة جداً” من المستثمرين على مطالبة لا تقل غرابة فهاهم ملاك مراكز ومعاهد التدريب في لقائهم مع محافظ المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني يشتكون بأن مراكز خدمة المجتمع بالجامعات تنافسهم في مجال التدريب بطرح برامج تدريبية!!.

هذه المراكز والمعاهد الأهلية التي تصاعدت رائحة فشلها وتركيزها على الربح المادي دون الجودة بل دون أدنى جهد ومحاولة لتقديم ما يوازي ما تحصل عليه من شباب استلف مبالغ تكاليف التدريب ليفاجأ بأنه دفع قبل ان يدخل وتخرج كما دخل “غير مؤهل”. أقول هذه المراكز تريد أن توقف نشاط مراكز خدمة المجتمع التابعة للجامعات ليرمى لها المجتمع برمته وقد أصبح صيداً تنفرد به وتنهش لحمه وتتركه عظماً غير مفيد ولا مستفيد.

الأغرب من المطالبة ان محافظ المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني رغم انه كان في لحظة تذكر لما عبر عنه من إساءتهم للتدريب بشكل مخجل وعدم التزام معاهدهم بالمعايير التي أنشئت من أجلها وأن ملاكها يطغى عليهم الجانب المادي. إلا أنه لم يستكثر عليهم مثل هذه المطالبة بل طمأنهم أن خدمة المجتمع لا تطبق برامج موازية تنافس برامج المعاهد!! ولو حدث ان البرنامج كان موازياً لما تقدمه المراكز الأهلية فإنه لا ينفذ!! وفيما يخص التدريب الصيفي ومنافسة وزارة العمل للمراكز الأهلية في هذا النشاط أكد انه تم اعتماد 50% من المتدربين في الصيف وتم توجيههم للمراكز والمعاهد الأهلية!! وهو تدليل عجيب يصعب فهمه!!.

كأن ثمة موافقة على حماية هؤلاء المتاجرين بكل شيء، ليس حمايتهم جمركياً أو بتوفير الدعم الحكومي والقروض وحسب بل حمايتهم من المراكز الحكومية التي تقدم خدماتها التدريبية على أساس أخلاقي يهدف إلى الرفع من مستوى وتأهيل ابناء هذا المجتمع.

أليس هذا التدليل غريباً؟! وهل هو خلل في الواقع أم المفهوم أم الفهم؟! بل هل مشكلتنا تكمن في خلل أم خليل؟!.

الخلل أمره سهل حيث يمكن إصلاحه إذا وجدت العزيمة والنية، المشكلة تكمن في الخليل الذي لا تنفع معه لا عزيمة ولا نية ولا مستوية!!.

شهد المحافظ للوزير!!

سجل سهم دفاع المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني عن معاهد ومراكز التدريب الأهلية تراجعاً كبيراً بعد الخبر التفصيلي الذي نشرته جريدة الوطن في عدد الثلاثاء 29ربيع الأول 1425هـ وجاء فيه ان محافظ المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني الدكتور علي الغفيص أوضح أن بعض المعاهد ومراكز التدريب الأهلية مع تسهيل إجراءاتها والتصريح والدعم لها أساءت للتدريب بشكل مخجل وتبدأ بنشاط لا تنطبق عليه المعايير التي أنشئت من أجلها ويطغى الجانب المادي على الرسالة الأساسية أو الهدف الذي تعمل من أجله وقال إنه تم إغلاق (30) مركزاً ومعهداً للتدريب في السنة الماضية بسبب أنها أخلت المعايير المخطط لها. انتهى تصريح المحافظ.
هذا الموقف يعتبر تحولاً كبيراً، أستطيع تسميته “عودة للحق” ولا أستطيع التنبؤ بأسبابه!! فمنذ عدة أشهر كانت المؤسسة تدافع بقوة عن اتهام المعاهد الصحية (وهي صنف من معاهد ومراكز التدريب) بعدم الكفاءة وسوء المخرجات، وقد وصل الدفاع حداً اعترضت فيه المؤسسة على تصريح معالي وزير الصحة د. حمد المانع الذي كان قد ذكر عدم جدية المعاهد في التدريب وعدم كفاءة الخريجين وتركيز المعاهد على الجانب المادي فقط والحصول على ما يدفعه المتدرب من نقود. وهي نفس لغة النقد التي عاد إليها محافظ المؤسسة في لقائه مع ملاك منشآت التدريب الأهلي بالمملكة صباح الإثنين الماضي في مقر المؤسسة بالرياض.

اللغة الجديدة لم تختلف عن تعقيب المؤسسة وحسب بل اختلفت عما ذكره لنا محافظ المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني في لقائه المفتوح مع كتّاب ومحرري جريدة الرياض في قاعة حمد الجاسر في هذه الجريدة فقد كان واضحاً معارضته لانتقاد المعاهد الصحية بما يشبه الدفاع خصوصاً بالتلميح إلى أن وزارة الصحة تشارك في الترخيص لها وأن وزير الصحة هو الرئيس الأعلى للهيئة السعودية للتخصصات الصحية التي تشرف على المعاهد الصحية مع المؤسسة.

المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني هي الجهة التي تشرف مباشرة على معاهد ومراكز التدريب وهاهي وبلسان المحافظ تؤكد أن بعض المعاهد تسيء للتدريب بشكل مخجل ويطغى عليها الجانب المادي إلى آخر ماورد من نقد لا شك أنه في محله ويعكس واقعاً أليماً ومحزناً بل و “مقرفاً”.

نحن لا نعترض على تراجع المحافظ وانتقاده للمعاهد لكننا نخشى أن المؤسسة تتعامل مع ملاك المعاهد ومراكز التدريب على أساس أنهم يمثلون المؤسسة إلى درجة الدفاع عنهم في مواجهة الجهات الأخرى والصحافة والاكتفاء بانتقادهم وتوبيخهم على سوء واقعهم في الاجتماع الخاص بهم!! على أساس انه اجتماع عائلي ربما خطف مراسل “الوطن” جزءاً مما دار فيه خاصة أن نفس التفصيل لم ينشر في بعض الصحف الأخرى.

وإذا قارب هذا التوقع الصواب “ونرجو أن يجانبه” فإن المؤسسة تتعامل مع ملاك مراكز ومعاهد التدريب على أساس “أنا وأخي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب”.

والغريب في هذا الأسلوب أن الغريب هو المجتمع والصحافة ووزارة الصحة والخريج وإبن العم هو المركز أو المعهد والأخ هو مدير أي إدارة في المؤسسة!!.

موقف المؤسسة من ذلك التصريح لمعالي وزير الصحة جعل أحد ملاك المعاهد التجارية يتجرأ على الوزارة والوزير في تعقيب مطول مليء بالمطالبات غير المستحقة والتلميحات غير المستحبة وهو مالم نكن نتمناه لأننا نعلم جيداً أن قلة قليلة جداً من ملاك المعاهد ومراكز التدريب هم ممن يكترثون بأخلاقيات المهنة ويدركون أهمية تخريج كفاءات تخدم الوطن بكفاءة ونجاح أما الغالبية فهم ممن قال عنهم الوزير ثم المحافظ أخيراً أنهم يركزون على الربح المادي.

وكنت قد ذكرت لمعالي محافظ المؤسسة في لقائه بجريدة الرياض ما أعتقده من أن موقف المؤسسة أدى إلى تقوية شوكة الملاك على الوزارة واستشهدت بذلك التعقيب لمالك المركز، إلا أن معاليه أجاب عن شيء آخر!!.

“حسحاس” شاهين

لا أعتقد أن شخصاً مثل المخرج المصري الجنسية الأمريكي التربية يوسف شاهين يستحق أن نقف عند ما يقول عن الحجاب أو الأذان أو الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف فهو ينتمي لمجتمع فني أعتقد شخصياً أن إبليس إذا أجهد في محاولاته إضلال الناس ذهب ليغفو في مثل تلك المجتمعات الفنية حيث لا يحتاج إلى مجهود!!.
لكن يوسف شاهين في مثل هذه السن التي أشرفت على 80سنة “78عاماً تحديداً” بسلوكه وتصريحاته المعادية لرفع صوت الأذان أو غيظه الشديد من تصاعد النزعة المحافظة بين الممثلات “ولعله يقصد توبة بعضهن!!” وقلقه من هيمنة الحجاب على الشارع “كما أورد خبر وكالة رويترز من القاهرة” أجزم أنه يصلح مثالاِ صارخاً على عظم الابتلاء بسوء الخاتمة!!.

لا بأس من أن نقف عند سقطات هذا الأشيمط إذا كانت ستذكرنا بضرورة ترديد الدعاء بأن يحسن الله خاتمتنا، ويجعل خير أعمالنا خواتيمها، وإذا أمد لنا في العمر أن يمد لنا في طاعته ويثبت قلوبنا على دينه.

الإمعان في المعصية، والمجاهرة بها، والحرص على المجاهرة في مثل هذا العمر آية ودلالة واضحة على أن “من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له” .

في مثل هذه السن لا تشنف الموسيقى الأمريكية الصاخبة الآذان ولا تطربها مطلقاً حتى لو تعودت الآذان أن تطرب في شبابها، وهذا المسن يريد أن يرفع صوت الموسيقى الأمريكية الصاخبة ويشتري لها مكبرات للصوت أكثر قوة لتكون أعلى من صوت المؤذن!! أو هكذا نسبت عنه رويترز.

وفي مثل سن شاهين لا يكترث من أمضى شبابه بين أجمل الممثلات وأكثرهن فتنة من تزايد عدد الملتزمات من الممثلات لأن الأمر من وجهة نظر جنسية لم يعد يعنيه!! فقد أخذ من جماتها بنصيب!! ويفترض أن يفرح إذا امتنعت فاتنة على أساس المثل المصري “علي وعلى أعدائي”.

وفي مثل سنه يفترض أن ارتداء الخادمة للحجاب يريحه لأنه كمن لايطول العنب فيسره أن يفترض أنه حامض!!.

ومع كل ما ذكر من حقائق الرغبات الطبيعية في مثل ذلك السن إلا أن ذلك الأشيمط يغضبه ارتفاع صوت المؤذن ويريد أن يغطيه بموسيقى أمريكية صاخبة!! ويتميز غيظاً من تصاعد النزعة المحافظة بين الممثلات!! ومغتاظ أيضاً من هيمنة الحجاب على الشارع ويشعر أن ارتداء خادمته للحجاب والقبعة يشكل عليها خطراً عند الطبخ!!.

هذه المشاعر المتعارضة مع نزعات وغرائز النفس البشرية الطبيعية في ذلك العمر دلالة واضحة على تنامي نزعة شيطانية توحي بخاتمة سيئة ما لم يرحمه ربي.

انظر كيف يقلق من خطورة النار على حجاب خادمته ولم تقلقه النار على جسده “ياله من إخلاص للخادمة” لكن ذلك الإخلاص لم يسعفه رغم ثقافته لمعرفة أن النار على الشعر أخطر وأسرع منها على القماش وهذا ما يجعلني أشعر “والله أعلم” أن أنوف من شارفوا على خاتمة سيئة تعشق رائحة الشواء أو “الحسحاس” وهو احتراق الشعر.

لم يكن يخشى على الفنانات من نزلات البرد التي قد تصيب أماكن حساسة من شح القماش!! أو بلل المايوه، ولا على غير المحافظات من فيروس الإيدز والأمراض التناسلية مثلما خشي على المحافظات من نزعة المحافظة.

وبالرغم من أنه معجب بالحرية الفردية الأمريكية لم يحسب حساباً لإزعاج الموسيقى الصاخبة لجيرانه ومن حوله عندما يحاول بها تغطية صوت المؤذن ونسي أن صوت الأذان يلبي رغبة جماعية تشكل الغالبية التي تدعي ديمقراطية الغرب احترامها.

عوداً إلى بدء فإن سوء الخاتمة له أعراض أدعي انني ركزت عليها وسجلتها كملاحظات فما من شخص بلغ من الكبر عتيا وأمعن في المعصية والتمرد على خالقه ودينه إلا وجدته يطرب لسماع دعوة لانحلال خلقي تحت ادعاء الانفتاح ويسعد إذا علم أن المجتمع يتجه نحو الانسلاخ من القيم الدينية والمبادئ الأخلاقية رغم أنه في مرحلة سنية لا تؤهله للاستمتاع بالمعاصي المصاحبة!!.

وأعجب ما في سوء الخاتمة عندما يأتي الشيطان متديناً فيصيبه بالغلو ويهاجمه من حيث ما يعتقد الإنسان أنه مصدر قوته ومنعته وينخر في فكره حتى يقتل نفسه ويقتل معها أنفساً مؤمنة بغير حق فتكون خاتمة كل ذلك خلوداً في النار، مثل هؤلاء هم من لا يغفو الشيطان عن مجتمعاتهم ويتعب كثيراً لكي يتعبهم في النهاية وتكون نهاية واحدة لفئتين على طرفي نقيض.

اللهم أحسن خاتمتنا.

البعد الاجتماعي للقرار

بعض القرارات التي نتخذها وإن كانت تتخذ بعد دراسة مستفيضة إلا أن الدراسة تقتصر على الإيجابيات والسلبيات المرتبطة بنوعية القرار لكنها لا تشمل في الغالب تأثير الخطوة على جوانب أخرى كالجوانب الاجتماعية مثلاً.
وعندما نقول نوعية القرار فانما نقصد فئته، أي أن القرار إذا كان ذا طابع اقتصادي فإننا نركز في دراسته على مردوده الاقتصادي ومحصلة ايجابياته وسلبياته من هذا الجانب فقط ولا ننظر بشمولية في تأثيره على النواحي الاجتماعية والصحية وخلافه.

هذا يحدث غالباً في الخطوات والقرارات التي تتخذها وزارة أو مؤسسة بعينها ضمن صلاحيتها دون الرجوع إلى مجلس الشورى مثلاً، بل حتى فيما يخص المجلس فإن تعدد اللجان وإحالة كل موضوع إلى اللجنة المختصة قد يجعل تلك اللجنة تنظر إليه من منظور تخصصها دون الأخذ في الاعتبار الأبعاد الأخرى على مجالات مختلفة.

خذ على سبيل المثال لا الحصر القرار الذي اتخذ بشأن منح قنوات فضائية تجارية الحق الحصري لنقل مباريات كرة القدم خاصة في المسابقات المحلية.

هذا القرار نظر فقط إلى الايجابيات والسلبيات من منظور الاقتصاد الرياضي أو استثمار الأنشطة الرياضية، لم يأخذ في الاعتبار الآثار الاجتماعية والصحية لهذا القرار بل ربما لم تخطر له على بال.

اسمحوا لي أن أذكر ببعض السلبيات التي نجمت وسوف تنجم عن عدم نقل تلك المباريات عبر القناة الرياضية في التلفزيون السعودي، حيث يتابعها الأبناء وربما البنات مع والديهم وفي محيط أسري جميل ومترابط ومحكوم بأخلاقيات الأسرة الواحدة.

النسبة العظمى من الشباب هم من ذوي الدخل المتوسط أو المحدود أو ربما المعدوم وهؤلاء جميعاً لا تتوفر لديهم القناة التجارية التي تنقل المباراة حصرياً لذا فإن الطريق الوحيد المتاح لهم لمتابعة المباراة هو اللجوء إلى المقاهي (نسبة قليلة جداً من سكان المدينة التي تقام بها المباراة سيذهبون للملعب مباشرة).

تلك الاعداد الكبيرة التي ستتابع المباراة في المقاهي ستدخل وربما للمرة الاولى في أجواء التدخين والشيشة وربما ما هو أخطر.

غني عن القول إن أجواء الشد العصبي الناجم عن متابعة مباراة في كرة القدم هي أنسب الظروف لاضافة مدخن جديد وانضمام عضو حديث العضوية لعالم المعسل والشيشة.

أي أن أعداداً كبيرة جداً من أولئك الشباب الصالح الذين كان من الممكن أن يشاهدوا المباراة تحت أنظار والديهم وبين أفراد أسرتهم المحافظة تم تحويلهم إجبارياً إلى حيث يمكن أن يمارسوا التدخين والعادات السيئة الأخرى.

حسناً.. كم هو حجم الخسارة المادية التي سوف تتكبدها وزارة الصحة أو أي من القطاعات الصحية في علاج الأضرار الناجمة عن تدخين شاب واحد ناهيك عن آلاف الشباب من جمهور كرة القدم؟! (اقرأوا إن شئتم دعوى المستشفى التخصصي ضد شركات التبغ لتعرفوا الكلفة الحقيقية!!).

كم هي الخسارة المعنوية للمجتمع في تحول سلوك عدد من الشباب من شباب “بيتوتي” يعيش تحت رقابة والديه إلى شباب مقاهي شيشة؟!

أجزم أن ما نتكبده من خسائر مادية في شكل علاج لمضاعفات التدخين وأمراضه وعلاج للادمان على التدخين في عيادات مكافحة التدخين وما سندفع ثمنه من خسائر لا يمكن أن نعوضها.

أعتقد انه مثال واضح ومباشر للقرارات الاقتصادية التي لا تأخذ في الحسبان تأثيرها على النواحي الاجتماعية والصحية وهو مثال واحد لكنه ليس وحيداً ولك أن تقيس عليه غيره،وغيره كثير.

عرس الوزير

المتوقع وبحكم المركزية والمسؤولية التنفيذية وواجب الاطمئنان على سير عمل الوزارة أن الوزير لا يجد وقتاً يحك فيه رأسه!! لأن الوزارة لدينا وفي أغلب دول العالم الثالث هي الوزير، حيث لا تتوفر في الغالب ميكنة ونظم وإجراءات وتفويض مسؤوليات بالشكل الذي يضمن أن يتفرغ الوزير للتخطيط والتفكير ورسم الاستراتيجيات.
وحتى لو افترضنا توفر قدر كاف من تفويض الصلاحيات فإن الوقت الذي توفره هذه اللامركزية يفترض أن يستغل فيما ذكر من تفكير وتخطيط ووقوف على سير الأداء إلى جانب الوقت الأهم وهو استقبال الناس وسماع شكاويهم ومطالبهم على أساس أنهم المستهدفين بالخدمة والذين يعمل الوزير على تحقيق رضاهم وتلبية مطالبهم العادلة والمستحقة.

أي أن آخر شيء يفترض أن نفكر فيه هو أن يكون الوزير راعياً دائماً للاحتفالات التشريفية التي يقصد منها مجاملة وإرضاء لأصحاب فكرة تكريم يرغبون أن ينجح حفلهم بتشريف قمة الهرم في الوزارة وإلا فإن الحفل برمته سيفشل.

دعوني أطرح سؤالاً بريئاً جداً هو لماذا لا نجعل من الشخص المكرم النجم الأول للحفل كما نفعل مع العريس الذي نفرد له أجمل وأعلى الكراسي في منصة التتويج؟!!

حتى الوزير أو مجموعة الوزراء عندما يحضرون حفل زواج فإنهم يحضرون لأداء واجب زمالة أو صداقة أو قرابة لكن التتويج يبقى للفارس العريس.. ونفس الاستثناء يحدث في الجنازة حيث ينفرد المتوفى بحقه في الرفع على الأكتاف!!

أما في حفلات التكريم وجوائز التفوق العلمي فإننا نحرص بكل أسف أن نجعل نجم المحتفى بهم يأفل بالإصرار على حضور الوزير وتتويجه نجماً للحفل ليصرف النظر عن المحتفى بهم والمكرمين!!، بدليل أنه لو لم يحضر الوزير فإن خيبة الأمل تكون هي النتيجة وأن المناسبة تنقلب في شكل الوجوه من احتفال إلى مأتم ومن سعادة إلى حزن ومن تهنئة إلى تعزية.. حتى أن المكرمين أو الفائزين بجوائز التفوق العلمي لا يرون في وجوه الحضور ما ينم عن أن الحفل نظم للفرحة بهم وتكريمهم والفخر بهم وتهنئتهم.

في معظم أنحاء العالم الذي يقدّر الشخص المحتفى به حق قدره تكون “الفلاشات” للمكرم إلا عندنا فإنها تذهب للوزير والاستثناء كما ذكرت يكون للعريس والمتوفى!!

إذاً فإن سببين وجيهين يدعواننا إلى اقتراح تغيير هذا التوجه الذي شاع مؤخراً وأصبح ظاهرة تنافسية بين الأسر والقرى والهجر!!

السبب الأول هو عامل وقت الوزير، فلو استجاب وزير التربية والتعليم مثلاً لتلبية كل دعوات رجال الأعمال الذين يرغبون التكفل بجائزة تفوق علمي في قراهم ومدنهم فإن ذلك سيكون على حساب التفوق العلمي نفسه فقد يأتي الوقت الذي لا نجد فيه فرصة للتفوق لأننا لا نجد وقتاً لرسم استراتيجية صحيحة لوزارة هامة.

والسبب الثاني أن معالي الوزير بأريحيته وملكة الخطابة لديه وحب المحتفلين له سيصرف الانتباه عن الفائزين بالجائزة ويهمش وجودهم.

لنجرِّب حفلاً أشبه بالعرس لا مكان فيه لغير العريس والجائزة الجزلة والجمهور المحب.

ســـد الـذرائـع

الإنسان بطبيعته أسهل مما نتصور ونخاف ونحشى مع أنه يفترض أن نفهمه لأنه نحن.
سهل الإقناع والاقتناع، سهل النسيان والصفح، سهل أن يحرض ويستفز وسهل أن يكسب ويهدأ.

كل ما تحتاجه للتعامل مع الإنسان هو سد الذرائع ودحض الحجج، وغلق الأبواب التي تعبر منها الرياح.

يقول مثلنا العربي الشعبي “باب تجيك منه ريح، سده واستريح”، والأمثال هي نتاج الحكماء وأصحاب الخبرة والتجربة، ولذا فإنه يستحيل أن يكون الحكيم يقصد بسد الباب سده بالمعنى الظاهر للكلمة، أي بناءة وأنت بداخل المبنى!! منعزلاً مغلقاً على نفسك كل المنافذ والمداخل والمخارج.

سد الباب الذي تأتي منه الريح في قصد الحكيم هو سد الفراغ والتفريغ الذي يعاني منه المبنى ويسهل دخول الريح في تجويفه وزعزعته.

نحن في تعاملنا مع الإنسان أي إنسان نحتاج إلى سد الذرائع أولاً وإزالة مسببات دخول الريح ودحض الحجج بتطبيق عملي على الواقع.

مشكلتنا أننا نصرح ونعد ونقترح الحلول بل ونوجه بسرعة تنفيذها، لكن التنفيذ بطيء جداً ومؤجل دائماً إلى أجل غير مسمى ولا يحظى بالمتابعة والمحاسبة التي تليق بأهميته كونه سداً لذريعة تعرضنا للخطر.

إذا كانت الموجات فوق الصوتية تنفع في التشخيص فقط ولا تعالج فكيف لموجات الصوت أن تحدث علاجاً، ومشكلتنا كعرب أننا ننتشي بالقول بل نبلغ الحد الأقصى للنشوة عندما نفرغ من الحديث، بل إن كثيراً من أمثالنا يفهم منها خطأ تمجيد الصوت مثل “قابل صياح بصياح تسلم” ولعل هذا الاسلوب ينجح أحياناً ليس لأنه الحل الصحيح ولكن لأنه المناسب لطبيعتنا أو ما تعودنا عليه.

كما أننا نقول في الأمثال “إذا فات الفوت ما ينفع الصوت” وكأن الصوت وحده كان سينفع قبل فوات الفوت، والواقع ما كان لينفع وحده ما لم يتبعه عمل وهو الاستجابة لصوت الاستنجاد وخلافه.

خلاصة القول اننا في أمس الحاجة في وقتنا الحاضر والأعداء يحيطون بنا من خارج الوطن وخارج العالم العربي ومن الداخل أيضاً، يوسعوننا اتهاماً وقدحاً وحججاً، أقول إننا في أمس الحاجة لأن نعمل ونعمل فقط لسد الذرائع ودحض الحجج ومنع دخول الريح، ليس بسد الباب والانغلاق والانعزال في داخل أنفسنا ولكن بملء الفراغ الذي يجذب الريح وإصلاح كل مسببات خلق الذرائع بإصلاح أنفسنا وسلوكنا وكبح رغباتنا ونبذ الأنانية وإحلال حب الوطن والحرص على مستقبل الأمة مكان حب الذات والحرص على مستقبل أبنائنا فقط.

لقد خططنا كثيراً للإصلاح وعرفنا سبله ووسائله وتحدثنا عنها وناقشناها وبقي أن نفعلها على أرض الواقع ونجتذ كل حجر عثرة يعيق توجهنا الخاص والعام نحو إصلاح أنفسنا ومجتمعنا لنسد الطريق أمام من يستهدفنا.

بنك الدم فعل الأهم

عندما أوردت موقف عدم اهتمام قسم استقبال المتبرعين بالدم في مجمع الرياض الطبي بعدد من المتبرعين يوم تفجير مبنى إدارة المرور كنت أحاول أن أطلع القائمين على توفير هذا العنصر الحيوي المنقذ للحياة بأن جهودهم الجبارة والصلبة قد تنكسر على حجر صغير هو موظف الاستقبال في أي نقطة طرفية أو فرع استقبال، وكنت أدرك أن ثمة عدداً من المدراء التنفيذيين يفترض اطلاعهم على ما حدث سواء في مجمع الرياض الطبي أو إدارة الشؤون الصحية بالمنطقة الوسطى. فالهدف مما كتب ليس إطلاع وكيل الوزارة المساعد للمختبرات وبنوك الدم لأنني أدرك جيداً أن هذه الوظيفة بالذات يديرها رجل لا يترك وقتاً للمعلومة أن تصل الى غيره قبله بحكم ديناميكيته ونشاطه ووطنيته وحرصه وحتى لو افترضت ضرورة إيصال خبر التقصير له فإنه ما من داع لكتابة حرف وصياغة جملة فكل ما أحتاج اليه هو رفع سماعة الهاتف وإعلامه بما حدث.
وشهادتي في الأخ العزيز عبدالله بن زامل الدريس مجروحة لمن يعرفه ويعرفني ولعل سرعة تجاوبه واتصاله الفوري حول الموضوع ومن ثم إرسال إيضاحه مكتوباً شهادة لا يشوبها جرح على ما ذكرت.

تعقيب الاستاذ عبدالله الدريس يشرح نفسه ولا يحتاج إلى تعليق سوى أنني أرى أن من واجبي أن أشهد أن من قام بإرسال رسائل الجوال حثاً على التبرع هو مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث وهي رسائل الحث التي بناءً عليها ذهب أبطال قصتنا تلك وتعقيب الأستاذ الدريس لم يشر إلى اسم الجهة وفيما يلي ما ورد في رسالة الأستاذ الدريس أنشرها كما وردت مقتنعاً تمام الاقتناع بما ورد فيها من مبررات وأولويات ومعتذراً لكل من كان يعمل على جبهة فحص وتوزيع الدم بدلاً من جمع الجديد منه لأن الحالة طارئة وذات طابع استنفار:

سعادة الأخ الأستاذ الصيدلي محمد الأحيدب حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أود أولاً أن أشكر لكم اهتمامكم بكل ما يتعلق بصحة المواطن حيث دأبتم على تناول المواضيع الصحية في عمود “بصوت القلم” الذي تحررونه في جريدة “الرياض” الغراء وقد كان لكم ولبقية الاخوة في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية دور بارز في التوعية الصحية لا سيما في الحث على التبرع بالدم نظراً لما لهذا الأمر من أهمية بالغة ومؤثرة.

وفي هذا السياق وفي العدد 13097من صحيفة “الرياض” بتاريخ 1425/3/14هـ وبنفس العمود تحت عنوان “إهانة متبرع” تطرقتم إلى ما تعرض له بعض المتبرعين بالدم من عدم اهتمام بمجمع الرياض الطبي وذلك في يوم الاربعاء 1425/3/2هـ يوم تفجير مبنى الإدارة العامة للمرور بالوشم. ولقد ذكرتم في المقال أن هناك عوامل كثيرة لحث الناس وتشجيعهم للتبرع بالدم… أهمها ارتفاع معدل حوادث السير ورغبة الوطن بالاكتفاء الذاتي في هذا المجال والاستغناء التام عن الدم المستورد غير المأمون.. واليوم أضافت الظروف الأمنية عاملاً آخر يحتم ضرورة أن يزداد الاهتمام بالتشجيع على التبرع بالدم… كما أن حوادث السير الدامية استمرت في ارتفاع حسب احصائيات موثقة ومعلنة… وهذه العوامل هي نفسها التي حدت وتحدو ببنوك الدم الى الاهتمام والحرص على أن يكون ما لديها من المخزون الاحتياطي كافياً لكافة الظروف الطارئة وهذا بالضبط ما كان عليه الحال ببنك الدم بمجمع الرياض الطبي في ذلك اليوم الدامي فقد كان الدم المتوفر ببنك الدم يسد حاجة المجمع من الحالات الروتينية والطارئة بل ويمكنه إمداد المستشفيات الأخرى إن طلبت العون، ومنذ اللحظات الأولى للحدث كانت هناك متابعة للتأكد والاطمئنان على المخزون في بنك الدم حيث بلغ الرصيد وقتئذ 837وحدة دم بالإضافة إلى 5101وحدة بلازما طازجة مجمدة وعدد آخر من الصفائح الدموية ومشتقات الدم الأخرى التي يتم تحضيرها في بنك الدم.

لذا لم يحدث أن تم بث أي نداء عبر وسائل الإعلام أو الدعوة عبر مواقع الإنترنت ورسائل الجوال أن ثمة حاجة ماسة لكميات من الدم لمجمع الرياض الطبي، بل إن هذا البث قد حدث من أحد القطاعات الصحية الأخرى وفيه تجاوز ومخالفة لنظم الهيئة الاستشارية لخدمات نقل الدم بالمملكة والتي تنص على التنسيق بين القطاعات الصحية عند الطوارئ أو عند الحاجة لفصائل الدم المختلفة وخاصة النادرة منها.

وبالرجوع لبنك الدم في يوم الحادث نجد أن العاملين فيه قد تفرغوا لخدمة المرضى والمصابين في ذلك اليوم وانشغلوا في تحضير الدم بإجراء الاختبارات والتحاليل اللازمة قبل كل عملية نقل دم للتأكد من سلامة الدم وملاءمته للمنقول له ولم يتوفر لهم الوقت على ما يبدو للاهتمام والترحيب بالمتبرعين خاصة وأن اللحظة لم تكن لحظة جمع دم بقدر ما كانت إعطاء دم للمحتاجين اليه ولذلك فقد تم اخطار المتبرعين الذين تدفقوا على بنك الدم بأريحية وسخاء منذ بداية الحادث أن يتركوا أرقام هواتفهم للاتصال بهم عند الحاجة إلى دمائهم، لأن هذه الدماء إذا جمعت من المتبرعين ولم تستخدم فلها أجل معلوم ( 42يوماً) تنتهي فيه صلاحيتها ويتم إتلافها بعد ذلك.

أكرر شكري لكم خاصة وأنه قد سبق وأن أشدتم بما تقوم به بنوك الدم وبما يبذله العاملون فيها من جهد، والعتبي لصديقيك ولبقية المتبرعين بالدم في ذلك اليوم حتى يرضوا، ونؤكد أن ما حدث ليس ديدن بنك الدم ولا مألوف العاملين فيه وكلنا ثقة أنكم والإعلاميين الآخرين ستواصلون عملكم الجيد في الحث والتشجيع على التبرع بالدم وأن التشجيع والتنفيذ في نفس الوادي الذي أشرتم إليه في مقالكم بإذن الله. وتم إطلاع العاملين في بنك الدم على فحوى المقال وحثهم على بذل المزيد من الجهد واستقبال المتبرعين بالترحيب الذي يليق بهم خاصة وأن توجيه معالي وزير الصحة والذي أصبح شعاراً للوزارة.. إن المعاملة الحسنة لا تحتاج إلى إمكانيات..

مع خالص تحياتي،،،

وكيل الوزارة المساعد للمختبرات وبنوك الدم

عبدالله بن زامل الدريس