اليوم: 23 فبراير، 2005

الغيرة المهنية

كنا أجمل كثيراً فيما سبق، كان الواحد منا يفرح بنجاح الآخر ، يفرح بالإنجاز الوطني الذي يحققه غيره وكأنه حققه هو!! لم نكن نحاول التقليل من إنجاز الآخر ونجاحه كما يحدث الآن.
الغيرة المهنية طبيعة بشرية منذ الأزل بدليل أن أول أبناء آدم قتل أخاه بسبب الغيرة، لكنها لم تكن طبيعة سائدة أو منتشرة مثلما هي الآن!! على الأقل في مجتمعنا.

أنا لا أنظر إلى ما حولي بنظارة سوداء ولكنني أحاول أن أصور الواقع بشفافية مطلوبة وصراحة تعاهدنا عليها اليوم.. وواقعنا اليوم يشير إلى أن معظم صور مصادرتنا لإنجاز زملائنا تتم بسبب استشراء الغيرة المهنية التي كانت موجودة لكنها زادت.

لم تعد الغيرة المهنية حكراً على الأقل تعليماً ومنصباً وثقافة بل على العكس، أصبح الطالب في المرحلة الثانوية أو حتى الكفاءة إذا غار من زميله يجد ليصبح مثله بينما الموظف في المنصب الكبير والمستوى التعليمي العالي والثقافة التي يفترض أن تنعكس وعياً، لا يسعد بإنجاز غيره ويحاول جاهداً التقليل منه!! وكل ذلك لأنه يريد أن يكون هو الوحيد في الأعين، الوحيد في الصورة متجاهلاً أن قاعدة الكرسي تنطبق على كل شيء وأعني «لو دام لغيرك ما أتى اليك!!».

الغيرة المهنية بصورتها السلبية انتقلت إلى موظفين كبار وفي مراتب عليا وإلى أطباء ومهندسين وصيادلة وأساتذة جامعات وصحفيين بل ووزراء ووكلاء وزارات وأصحاب نفوذ إداري.

الهدف من الاشارة لهذه الظاهرة ليس تعريتها أو تعرية المجتمع الذي تتم فيه ولكن التنبيه إلى أن ما يسمعه المسؤول من تقليل من شأن الآخرين أو من نجاحهم وإنجازهم ربما يكون وليد «غيرة مهنية» فعلينا أن نأخذ هذا الشعور النفسي في الحسبان ونحن نحكم على أحد من واقع همس آخر!!، وحتى لو أخذ ذلك الهمس طابع التلميح الذكي أو في صورة حق مزيف فقد تكون كلمة حق أريد بها باطل!!.

الهدف الآخر من الاشارة في هذا الصوت الصادر من القلم هو التساؤل عن أسباب انتشار هذه الظاهرة؟!.

هل هو نحن لأننا نقيم الناس بظاهرة صوتية ونستعجل في الحكم عليهم مما أدى لأن تكون النميمة والوشاية طريقاً قصيراً وسهلاً للصعود على أكتاف الغير والنيل منهم؟!، أم أننا أصبحنا نستعجل الخلط بين ما هو نجاح وإنجاز حقيقي وما هو ادعاء لإنجاز فنمنح ثقة ومكافأة للنوعين دون تمييز فأصبح هذا الـ «تمييز» يستغل للوصول لمآرب شخصية كبرى دون جهد وعلى حساب المجتهد.

علينا أن نراجع أنفسنا، نراجع أحكامنا ونراجع بدقة وذكاء صكوك الثقة المطلقة التي منحناها لمن حولنا ولبطاناتنا فلعلنا استعجلنا منح هذا الوسام لمن توسمنا فيه خيراً وكان منه بعيداً.