الشهر: أغسطس 2008

جمعية لمكافحة الكحول

الكحول ليست أقل ضرراً من التدخين وإن كانت أقل استخداماً بالتأكيد أو هكذا نأمل لأنها ممنوعة ولله الحمد.
الكحول سبب رئيس في تليف وتلف الكبد وهو أهم أجهزة الجسم التي يصعب علاجها أو تعويضها، إلى جانب أضراره الكبيرة لأجهزة أخرى في الجسم وقبل هذا وذاك إذهابه لأهم نعمة تميز الإنسان وهي العقل.

معظم الجرائم الجنائية، حسب بيانات وزارة الداخلية، حدثت بعد تناول المسكر، وكثير من حالات العنف الأسري خاصة ضد الزوجات والأطفال مارسها زوج أو أب أو أخ مخمور، وحالات زنا المحارم، وإن كانت قليلة ولله الحمد في مجتمعنا، لها ارتباط وثيق بتناول المسكر.

إذا أردنا تناول مشاكلنا بشفافية فإن علينا عدم تجاهل الكحول كواحد من أسباب اعتلال الصحة واختلال العقل في مجتمعنا، وإن الوقوع في براثنه حاصل لدى بعضنا سواء بتناوله في الخارج أو تهريبه أو تصنيعه في الداخل بدليل أن الأخبار الصحفية اليومية لا تخلو من خبر أو خبرين يوميا عن تمكن الشرطة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القبض على عصابة تصنع الخمر محليا، وسبق أن تناولت هذا الموضوع غير مرة ..

من وجهة نظري كصيدلي حول الخطورة البالغة للسموم التي تضاف للعرق الذي يصنعه المجرمون محليا، خاصة تلك المعروفة بأنها تسبب تلف العصب البصري وتلف المخ وتلف الكبد، مثل مادة “البايردين” التي تستخدم كمذيب صناعي وفي صناعة المواقد وهي مادة تؤدي مباشرة إلى تكسر خلايا الكبد وثبت قطعاً أنها من المواد المسرطنة كما أنهم يستخدمون الكحول الصناعية والكحول المثيلي (ميثانول) وهو النوع السام من الكحول ويسبب تلف العصب البصري وفقدان البصر التام بعد حين كما أنه يسبب تليف الكبد بسرعة كبيرة ومنهم من يستخدم كحول التعقيم في المستشفيات (الأيزوبروبايل) وهو سام جداً وله تأثير مباشر على خلايا المخ والكبد والكلى ويسبب الفشل الكلوي بعد فترة قصيرة من الاستخدام بصورة مفاجئة وسوف أتطرق في مقال قادم، إن شاء الله، إلى إضافات أخرى عجيبة و(مقززة) عندما أتأكد من ثبوت استخدامها.

وبناء على ما يسببه الكحول من أضرار صحية ووفيات، سواء ذلك المصنّع في الخارج والذي يتسبب في ضرر بطيء تدريجي ينتهي بتليف الكبد، أو ذاك المصنّع داخلياً في الخفاء وبإضافة مواد سامة سريعة الفتك، فإنه من وجهة نظر صحية يجب أن لا نهمل التوعية بأضرار الكحول وأن نمنح هذه التوعية نفس القدر الذي نمنحه لمحاربة التدخين .

وبناء على ما يسببه الكحول من أضرار اجتماعية بالغة وخطيرة يسببها المخمور وتنعكس على المجتمع أجمع في شكل حوادث جنائية أو أخلاقية أو مرورية فإن الحملة على الكحول يجب أن لا تقل عن شراسة الحملة على المخدرات عامة سواء في التوعية أو العقوبات.

ومجمل القول أإنا في أمس الحاجة لجمعية متخصصة متفرغة لمكافحة الكحول.

السائق يدفن والدهم!!

منذ أكثر من خمس وعشرين سنة اجريت تحقيقا عن دار الرعاية الاجتماعية، وتسمى أيضا دار العجزة، نشرته في جريدة الجزيرة على ثلاث صفحات، حيث كنت أعمل محققا صحفيا آنذاك.
وخلال اجراء التحقيق وبعده عايشت مرارة عقوق الوالدين في أشرس صورها، أما خلاله فلأنني استمعت إلى شكوى حزينة ومحزنة من آباء في كامل وعيهم ونشاطهم الذي يتناسب مع اعمارهم (60-70سنة) أودعهم أبناؤهم الدار بطريقة تشتمل على الجحود والخداع في أبشع صورة، جحود لأن الشيخ المعقوق لم يكن ليترك ابنه أو يتحمل فراقه حتى لو دفع روحه فداء لبقاء ابنه طليقا حراً سعيدا. أما بشاعة الخداع فلأن الشيخ رغم وعيه أحضر الى الدار مخدوعاً على أساس أنه ذاهب لزيارة قريب أو الى مستشفى أو زيارة ابن آخر وترك في مكان لا يعلم طبيعته أو لماذا اتى إليه.

أما المعايشة بعد اجراء التحقيق فلأنني أخذت عهدا على نفسي أن ازور النزلاء مرة كل أسبوع فالدار قريبة لمقر جريدة الجزيرة في الناصرية (انذاك) ونزلاء الدار خاصة من المسنين يستحقون الزيارة وسماع أحاديثهم فقد كانت حقا علوم رجال، لكنهم رجال لايستحقهم أبناؤهم لأن ابناءهم أقل من أن يقدروا قيمتهم، وعلى أي حال فإن معايشتي للعقوق بعد اجراء التحقيق تمثلت في أن بعض من نشرنا صورهم والحوار معهم جاءهم أبناؤهم بعد طول غياب وانقطاع، لا ليعتذروا ويبدو الندم ولكن (لنهرهم) و(توبيخهم) على تحدثهم للصحافة وقبولهم التصوير، وهدد بعضهم بعدم تكرار ذلك، وأي شيء سيهدد به إبن عاق لأبيه أكثر من إخراجه من المنزل الذي كان هو أساس وجوده.

على الجانب الآخر كانت الزميلة دلال الخالدي تستمع الى شكوى أمهات تعرضن لنفس درجة العقوق وغالبا في الحالتين كان تذمر الزوجة من الوالدين أحد أسباب طردهما.

اليوم لم يتغير الحال بل زاد، وأعتبر نفسي ابتليت بمشاهدة العقوق، عندما أرى أن المرضى في مقر عملي يحضرهم سائق وهو من يرافقهم، وهو من يستمع لشرح الطبيب عن حالتهم، وهو من يهون عليهم ويعزيهم في صحتهم، وهو من يسند رؤوسهم عند الحزن ويسند أكتافهم ويعضد ذراع الواحد منهم عند الوهن، ولن أستغرب اذا قيل أن جنازة شيخ لم يحضرها إلا (سواويق) ابنائه.

الإعلام بكافة طرقه نقل لنا هذه الأيام ما يبين أن الوضع لم يتغير وأن العقوق في ازدياد، الصحف أجرت التحقيقات وقناة الإخبارية تناولت الموضوع، لكن جامعاتنا وللأسف رغم كثرة كراسي البحث، وكثرة الأساتذة والباحثين لم تتناول الموضوع بالبحث العلمي لأسبابه.

ربما لأن بعض أساتذة جامعاتنا كما أعرفهم لا يجرون الأبحاث بأنفسهم، بل يتولاه نيابة عنهم المساعد الهندي، ومع ذلك فما هو المانع أن يتولى أبحاثنا المتعاقدون طالما أن شيوخنا يرعاهم السائقون؟!! المهم أن نجري بحثا لمعرفة الأسباب للحالتين.

سنوات المكاشفة لا سنوات الضياع

في ظني أن الزمن الذي مارسنا خلاله قدراً كبيراً من التحفظ تجاه تسمية الأخطاء بمسمياتها وشخصياتها، كنا نمارس خلاله العقلانية والرزانة والموضوعية التي تتناسب مع ذلك الزمن وروح ذلك العصر، فكنا آنذاك محقين حين نكتفي بذكر الخطأ دون تشهير اسم المخطئ في وسائل الإعلام لأن احتمال حدوث الخطأ والاستعجال آنذاك كان كبيرا، وامكانية تثبت وسائل الإعلام مجتمعة ازاء نشر أطراف القضية كان في حكم غير المضمون، أي أننا كنا آنذاك على حق في تغليب جانب الحيطة .
اليوم أرى أن ذلك الزمن قد ولى، وأعتقد أننا أكثر جاهزية لممارسة قدراً أكبر من المكاشفة، بل إن ضرورة المكاشفة وتسمية المخطئين بمسمياتهم باتت كفتهما هي الأرجح، بدليل أننا مارسنا قدر لا بأس به من الشفافية والوضوح في سوق المال مثلا ونجحنا ووفقنا، ولم تندم هيئة سوق المال قط عندما صرحت بأسماء الموقوفين من التداول أو الشركات المخالفة والمضاربين المخالفين .

الضرورة تحتم علينا اليوم تطبيق عقوبة التشهير في كل مجال تتوفر فيه أدواتها والحاجة إليها كوسيلة ردع .

أيضا أرى في رأيي المتواضع أن الصحيفة أو الصحفي إذا توفرت لديه الأدلة الدامغة والحجة الكفيلة بدحض كل نفي أو مطالبة أو إقامة دعوى رد اعتبار، فإنه لا يوجد ما يمنع من ذكر المخالفين بأسمائهم والمؤسسات المخالفة بأسمائها ففرص الدفاع عن النفس والمقاضاة متوفرة ولله الحمد، خصوصا وأن في تسمية المخالفين حماية للصالحين من التعميم، فبدلا من أن نقول أن احدى الشركات الغذائية مثلا منتجاتها ضارة ونشكك في جميع الشركات ونحدث قلقاً اجتماعيا فإننا نحددها بالاسم ليعم النفع وتعم الحماية شريطة أن يتوفر لدينا كل ما يثبت ذلك من مستندات ووثائق وهو أمر معمول به في كثير من الدول المتقدمة وأحد أسباب تقدمها .

الغريب أننا في هذا الصدد نمارس حالياً ازدواجية عجيبة فبعض الدوائر الحكومية نذكرها بالاسم بينما دوائر أخرى وقطاع خاص نشير إليه بضمير المجهول، قال لي معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع ذات يوم مستغرباً، إن وسائل الإعلام عندما يخطئ أحد مستشفيات وزارة الصحة تذكره بالاسم وربما العنوان واسم الشارع، بينما المستشفيات الأخرى يقال (أحد المستشفيات) دون الإشارة لما يدل عليه، وكان معاليه محقا تماما وأتفق معه أن الوزارة تعاني من هذه التفرقة وتنعم بها جهات أخرى لاتقل أخطاءً بل تزيد، وأتمنى أن يشهد الزمن الحالي سنوات المكاشفة لتنتهي حلقات سنوات الضياع .

ارحموا وزارة الصحة؟!

منذ حوالي ستة أشهر ذكرت وزارة الصحة ضمن أخبارها الموسمية أنها أصدرت تنظيماً جديداً لمعالجة الحالات المرضية الحرجة بالقطاع الخاص ورغم أن أخبار جميع قطاعاتنا التي تقدم خدمات صحية لا تعدو كونها وعوداً شبيهة بوعود مرشحي الرئاسة الأمريكية هذه الأيام، لأنها مجرد تنافس على منصب، إلا أنني استبشرت خيراً، ومصدر الاستبشار أنني اعتقدت أن وزارة الصحة التفتت أخيراً إلى مطالبتنا المستمرة بضرورة تحميل المستشفيات والمستوصفات الخاصة مسئوليتها تجاه الحالات المرضية الإسعافية وضحايا الحوادث ، وعدم تركهم يموتون على أبواب المستشفيات والمستوصفات الخاصة التي تمتنع عن استقبالهم وتمنع دخولهم خوفاً من تكلفة الإسعاف وتنكراً لما قدمه لهم هذا الوطن المعطاء ويقدم من دعم وفرص استثمار وإعفاءات وإعانات مكنتهم من النجاح والكسب والاستثمار في صحة المواطن والمقيم دون تقديم أي تنازلات أو إسهامات غير ربحية في صحة ذات المواطن والمقيم.
التنظيم الذي بشّرت به الوزارة لم يتطرق لضرورة مباشرة الحالات الإسعافية وهو ما ينص عليه نظام المؤسسات الصحية الخاصة الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/40 في 14231130هـ والذي ينص في المادة السادسة عشرة على أن تلتزم المؤسسات الصحية الخاصة بتقديم العلاج الإسعافي لجميع الحالات الطارئة الخطرة الواردة إليها ، وذلك دون مطالبة مالية قبل تقديم العلاج ، وفقاً لما تحدده اللائحة التنفيذية (انتهى) وهو أمر مطلوب من وزارة الصحة لإزالة اللبس الحادث بعد التصريح المذكور.

ما صدر من الوزارة كان يصف وبطريقة ارتجالية وعشوائية لا تستند إلى نصوص نظام إلزامي أو لوائح صادرة من الجهات التشريعية ، يصف ما يجب أن تفعله المستشفيات الحكومية إزاء إحالة الحالات التي تستدعي عناية مركزة إلى مستشفيات القطاع الخاص عند عدم توفر سرير بعد إثبات تحريري بمخاطبة مستشفيات حكومية أخرى وردها خلال ساعة واحدة بعدم توفر سرير.

هذا التوجيه الكريم من معالي وزير الصحة للمستشفيات الحكومية كافة غاب عنه عدم تعاون كثير من المستشفيات الحكومية غير التابعة للوزارة في تنفيذ تعليمات الوزارة ما لم تكن مسنودة بنص ولائحة ملزمة. ولدى معالي الوزير تجارب سابقة في هذا الصدد.

وهذا الوصف الارتجالي لطريقة التعاطي مع ما تستقبله المستشفيات الحكومية من حالات حرجة مع عدم توفر سرير سيفتح باباً واسعاً لتنفيع القطاع الخاص دون توفر المبرر أو عدالة التوزيع لأسباب تتعلق بالعلاقات والشراكة وخلافه.

وهذا الوصف المتفائل جداً لم يتطرق مطلقاً للحالة الإسعافية التي ينقل فيها المصاب بحادث أو المريض إلى غرفة الطوارئ في المستشفى الخاص الأقرب بواسطة أقارب المصاب أو فاعل خير أو سيارة الهلال الأحمر ، هل يقبل أم يرفض ويترك يموت مثل الطفل الذي دهس أمام بوابة المستوصف الخاص ؟!.

الأهم من هذا وذاك أن البشرى التي بثتها الوزارة منذ أكثر من ستة أشهر لم تطبق على الواقع، لأنه وكما ذكرت وكما يعرف الجميع ومنهم وزارة الصحة أن الوزارة لا تملك الصلاحية حاليا لإجبار مستشفيات القطاعات الحكومية الأخرى على تطبيق قراراتها مما يدل على خلل كبير، (طالع تعقيبات وزارة الصحة على أخطاء المستشفيات الأخرى وستجدها تقول بحسرة ان المستشفى المقصود لا يتبع للوزارة!!)، أما أنا فإنني أشفق على الوزارة بقدر إشفاقي على المريض ولابد لهذا الوضع أن يتعدل إذا كنا نريد رعاية صحية متكاملة ومقننة، ووزارة صحة ذات صلاحيات يحترمها الجميع، لأن قوة المريض من قوة الوزارة.

سرنا المشاع

للمعلومات عن المريض خصوصية ويفترض أن تحترم سرية المعلومات عن حالة المريض ولا يعلم عنها غيره إلا بإذنه، باستثناء من له علاقة بعلاجه كالطبيب والصيدلي والممرضة وغيرهم ممن تتحقق المصلحة باطلاعهم على تفاصيل مرضه.
ومشترك الهاتف الثابت والجوال يضطر حسب النظام للإفصاح عن الكثير من التفاصيل الخاصة به، والمعلومات التي يفترض أن لا تشيع عنه، ويقول النظام إن من حقه ضمان سريتها عن الغير، بل إن نفس أنظمة التسجيل تخيره في أمر نشر رقم هاتفه في الدليل من عدمه .

نفس الشيء ينطبق على عميل البنك الذي يحتفظ البنك عنه بتفاصيل أسرية كثيرة، خصوصا عند الاكتتاب لكن البنك يحتفظ أيضا بالمعلومة التي يجمع كل البشر على الاحتفاظ بها بعيدة عن أقرب المقربين له وهي (كم أملك؟) وما هو دخلي الشهري أو السنوي؟!.

جهات عديدة أصبحت، بحكم تطور التعاملات الالكترونية وتسهيل التعامل المبني على الثقة، تعتمد على تسجيل أكبر كم من المعلومات عن المتعامل معها وأوسع التفاصيل عنه.

الخطوة الأهم التي تتزامن مع تسجيل المعلومات وسبقت (تكنولوجيا) المعلوماتية لدى كثير من الدول هي ضمان عدم البوح بالمعلومات عن الشخص لكائن من كان، والحفاظ على سرية المعلومة وسن النظم والعقوبات المغلظة التي تنتظر من يستغل وظيفته للاطلاع غير الضروري على معلومات الغير ناهيك عن البوح بها للغير !!.

الحال عندنا في هذا الصدد لا تسر، وأتمنى أن نسارع لتطبيق أنظمة تحمي الخصوصية وتحقق الحفاظ على حق الإنسان في حفظ أسراره وعدم إشهارها بدون سبب، وهو ما تأمر به شريعتنا الكاملة المتكاملة بالغة الحكمة .

إن في مقدور أي متطفل أن يصور الملف الطبي الكامل لأي مريض في أي مستشفى لدينا دون استثناء بمجرد أن يعرف موظفا في المستشفى، ليس بالضرورة أن يكون طبيبا أو صيدلانيا أو ممرضا أو موظف سجلات طبية، لسبب بسيط وهو سهولة الوصول للملف وسهولة تداوله وعدم وجود سبيل دقيق ومحكم لتتبع مسيرة الملف وهو ما يؤكد أن المعلومة رخيصة !!.

في الهاتف حدث ولا حرج فيمكن لكل من عرف رقم هاتفك أو جوالك أن يحصل على ما يريد من الكم الهائل من المعلومات حولك.

في البنوك الوضع أكثر خطورة، فقد أصبحت صور الشيكات تتسرب، والمعلومات الخاصة تروى في المجالس إما للتندر أو الحسد أو التأويلات وبث الشائعات، بل ذهب الأمر إلى أبعد من هذا فثمة من يؤكد أن البنك إذا وثق في عميل مميز فإن هذا العميل بمقدوره، إذا عرف رقم حسابك النقل منه إلى حساب آخر دون توقيعك، والثقة لم تكن يوما من الأيام مستندا قانونيا .

المزيد من أمثلة عدم الحفاظ على السرية الشخصية نراها منشورة في الإعلام، فالمرضى تنشر أخبار عملياتهم الجراحية وصورها المفصلة ليتفاخر بها الطبيب دون أخذ موافقتهم، وبمجرد وجود خلاف مع لاعب كرة قدم حول عمره فإن صورة بطاقة أحواله وشهادة ميلاده تنشر من قبل النادي أو النادي المنافس .

نحن مقبلون على شركات تأمين صحي ستحصل على كل التفاصيل عن عملائها فعلينا أن نستعجل تشريعات تحمي الحفاظ على سرية المعلومات وإلا أصبحنا مادة صحفية.

نصب المنصب

المعطيات التي ننعم بها لتحقيق تقدم يذكر وارتقاء بالخدمات كثيرة ومتعددة، وقد لا تتوفر لغيرنا في هذا العصر، وهي المعطيات الأساسية وأهمها تحسين الظروف الاقتصادية، وارتفاع الدخل الوطني، وما ننعم به من استقرار ولله الحمد والمنة.
النواقص التي نعاني منها معظمها مرتبط بسلوكيات فردية ذات علاقة مباشرة بحب الذات والأنانية وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.

ولكي نعوض ما فاتنا، ونسابق الزمن، ونستغل الفرص من اجل الوطن لا بد أن نقضي على تلك السلوكيات الذاتية الأنانية، والقضاء عليها لا يكون بمحاولة اقناع أصحابها إنما بإجبارهم عبر تشديد الرقابة وسن التشريعات التي تقطع دابر تغليب المصالح الذاتية على المصلحة الوطنية.

نحن حتى اللحظة نتعامل مع هذا الشعور، وتلك السلوكيات بليونة ومجاملة وتحفظ منقطع النظير حتى تولد الشعور التالي أو المرحلة اللاحقة التي يتكون خلالها احساس لدى مستغل المنصب أن ما يفعله حق من حقوقه، حق مكتسب مشروع وهذا جد خطير.

خذ على سبيل الإيضاح مثالاً من منطقة الوسط، ليس الأبسط ولا الأشد، يتعلق بذلك الشعور الذي يتولد لدى الموظف ما أن يمنح منصباً مرموقاً وستجده يشعر في البداية أن المنصب تكليف ومهمة صعبة، يتطلب منه السير في خطى سابقة والمحافظة على انجازاته، لكن هذا الشعور لا يدوم طويلا فما هي إلا أشهر معدودة ثم يشعر الموظف أن المنصب ملكا له يديره كما يدير منزله، ويحرص أن يغير فيه كل شي يمت لصلة بسابقه دون تقيد بأسس أو معايير لأنها غير موجودة أصلا.

أصبحت الوظيفة هي من يخدم الموظف وليس العكس، أصبح الموظف مرفوعاً والمنصب منصوباً، وباتت الوظيفة، خاصة المراتب العليا منها، ملكا للموظف يطوعها كيفما شاء، ومتى شاء ويسن لها النظم ويوظف من يشاء ويقرب من يشاء، ويبعد من لا يريد ويورثها إن أراد.

مشاعرنا نحو المنصب لا بد أن يتم تعديلها، وإعادة تربية الموظفين وإعادة تأهيلهم وتغيير مشاعرهم نحو المنصب وفق أسس وضوابط لا تقبل تملك الوظيفة ولا التصرف بها حسب رغبات النفس الأمارة بالسوء.

إننا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التعامل مع العامل الأسهل لاستغلال الظروف فالإنسان هو مشكلتنا اليوم وعلينا سرعة إعادة تشكيله ليصبح صالحاً رغما عنه، لأن الظروف الأخرى ومنها المادة والاقتصاد والموارد ظروف عالمية ليس في إمكاننا التحكم بها متى ما تنكرت وسبق أن فعلت.

بل المواطن أكثر وعياً

قلة الوعي تهمة باطلة عندما يتم توجيهها للمواطن العادي المتمثل في المواطن المراجع لدائرة حكومية، أو المواطن المستهلك، أو المواطن المريض أو المواطن المرافق لمريض، أو المواطن المسافر على رحلة للخطوط السعودية أو المواطن المحتاج إلى ماء أو ذلك المحتاج لكهرباء أو لصرف صحي أو خدمات هاتف.
فكل هؤلاء أثبتوا في مواقف متعددة وعديدة أنهم يتحلون بقدر كبير من الوعي وسعة الاطلاع والتفاعل الإيجابي، وأنهم إنما يطالبون دائما بالحد الأدنى من قيام المسؤول، سواء كان موظفا أو مديرا أو وزيرا، بمسؤولياته وواجبه نحوهم الذي كلفته الدولة بالقيام به لخدمتهم على أحسن حال.

تابع تعليقات القراء في جريدة الرياض أو الجزيرة أو عكاظ أو الوطن أو الحياة أو ما شئت من الصحف التي تتيح هذه الخدمة وستجد تعليقات تنم عن وعي ورزانة وسعة اطلاع تنفي تهمة عدم الوعي أو ضيق الأفق.

نفس الشيء تلمسه في الحوارات التي تجريها الفضائيات سواء قناة المجد أو الإخبارية أو القناة الأولى والرياضية، فاتصالات المشاهدين وإجاباتهم عن (سؤال اليوم) في الإخبارية مثلا تؤكد لك أن تهمة عدم الوعي ما هي إلا شماعة يستخدمها بعض المسؤولين ليعلق عليها إخفاقاته.

اطمئنوا فالمواطن واسع الاطلاع، وقادر على إجراء المقارنات، ودرجة وعيه عالية جدا إلى درجة أن مطالباته بحقوقه على الوزارات والمؤسسات الخدمية تتم بمنتهى الوعي والإدراك بتقدير الظروف فهو لا يطلب إلا المستطاع، وبطريقة منطقية جدا وهادئة ورزينة، يقدر من خلالها ما يقدمه له الوطن ويمتن له ويطلب بهدوء من المسؤول عن الخدمة أداء واجبه نحوه بما تمليه تعليمات قادته.

عدم الوعي يتجسد في بعض الردود الاستفزازية من بعض المسؤولين والتي تتفنن في النفي والإنكار والتبريرات الواهية التي تتوقع من الناس تصديقها لأنها تفترض في الناس سطحية وعدم وعي.

إن عقلية المواطن في مستوى جدير بالاحترام ومن احترام عقول المواطنين مواجهتهم بالحقيقة سواء في شح الماء أو غلاء الكهرباء أو رفض المرضى (في كل الجهات الصحية وليس وزارة الصحة فقط) أو غلاء الأسعار أو سوء خدمات الطيران وفقدان مواعيده وحجوزاته للمصداقية أو تدني خدمات التعليم في مبانيه ووسائل نقله وإمكاناته الفنية والتربوية التي لا تعين المعلم والمعلمة على القيام بأدوارهما التعليمية، ناهيك عن التربوية، وأسباب عزوف الجهات العديدة المعنية بالدواء والغذاء عن القيام بأدوارها في الرقابة عليه وعلى رأسها هيئة الغذاء والدواء.

سنتان بلا وعود

على مدى عشرات السنين اتضح جليا أن مشكلتنا الأزلية مع انجازات الدوائر الحكومية والمؤسسات والوزارات، تتمثل في الحديث عن عمل شيء لم يعمل، ولن يعمل على المدى القريب.
بأسلوب إيضاحي آخر فإن كثيراً من المسؤولين وجد أن الحديث عن إنجاز ما، حتى لو لم يتحقق، لا يقل شأنا عن تحقيق الإنجاز، بل ربما يكفي عنه لأنه كفيل بتخدير الناس وإنعاش آمالهم وفي الوقت ذاته إشعار رئيسه أو الرقيب عليه أنه يعمل بديناميكية وحراك لا يتوقف، وإن كان حراك وعود بينما الوطن يستحق منا حراك عمل وإنتاج يساوي جزءاً مما أخذناه منه.

لأنني كغيري عشت الوضع عن قرب، ودققت كثيرا في العلاقة بين تاريخ صدور الوعد، والمدة المحدودة لتنفيذه، وحقيقة الوفاء به من عدمه فوجدت أن غالبية ما وعد به كثير من المسؤولين لم يتحقق بل كان آخر علمنا به يوم نشره!!.

لذا فإنني أقترح أن نتوقف عن الوعود مدة سنتين فقط، يمتنع خلالها (إجباريا) كل مسؤول عن شأن ما عن التصريحات التي تتحدث عن ما سيتم عمله والتبشير بانجازات قادمة، ونتحرى خلال هاتين السنتين رؤية الانجازات على ارض الواقع لتتحدث عن نفسها، ونحكم من خلال ما لمسناه على نجاح المسؤول في تحقيق تقدم من عدمه بناء على رؤية بالعين المجردة لانجاز حقيقي.

فقط عامان ( 24شهرا) لأن معظم الوعود والأماني التي بشرنا بها ولم تتحقق لم تتجاوز مدتها الموعودة سنتين، واغلبها اختصر هذه المدة فجعلها ستة أشهر وهو أمر طبيعي قياسا بكون الأمر برمته ضرباً من الخيال والوعود غير القابلة للتحقيق، فالحلم لا يستغرق ثواني معدودة تبلغ خلالها ذروة المتعة والسعادة لكنك تستيقظ فلا تجد للحلم أثرا ملموسا على الإطلاق عدا تأثرك به.

لقد أمضينا عشرات السنين نحكم على كل مسؤول وموظف ووزير بناء على ما يعد به، ويؤملنا به، ويؤلمنا بحقيقة نتائجه، فلماذا لا نجرب شيئا جديدا نقيس به القدرات عن طريق التوقف عن الوعود وتلمس الملموس حيث يكون الحكم مبنياً على بينة.