اليوم: 9 أغسطس، 2008

نصب المنصب

المعطيات التي ننعم بها لتحقيق تقدم يذكر وارتقاء بالخدمات كثيرة ومتعددة، وقد لا تتوفر لغيرنا في هذا العصر، وهي المعطيات الأساسية وأهمها تحسين الظروف الاقتصادية، وارتفاع الدخل الوطني، وما ننعم به من استقرار ولله الحمد والمنة.
النواقص التي نعاني منها معظمها مرتبط بسلوكيات فردية ذات علاقة مباشرة بحب الذات والأنانية وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.

ولكي نعوض ما فاتنا، ونسابق الزمن، ونستغل الفرص من اجل الوطن لا بد أن نقضي على تلك السلوكيات الذاتية الأنانية، والقضاء عليها لا يكون بمحاولة اقناع أصحابها إنما بإجبارهم عبر تشديد الرقابة وسن التشريعات التي تقطع دابر تغليب المصالح الذاتية على المصلحة الوطنية.

نحن حتى اللحظة نتعامل مع هذا الشعور، وتلك السلوكيات بليونة ومجاملة وتحفظ منقطع النظير حتى تولد الشعور التالي أو المرحلة اللاحقة التي يتكون خلالها احساس لدى مستغل المنصب أن ما يفعله حق من حقوقه، حق مكتسب مشروع وهذا جد خطير.

خذ على سبيل الإيضاح مثالاً من منطقة الوسط، ليس الأبسط ولا الأشد، يتعلق بذلك الشعور الذي يتولد لدى الموظف ما أن يمنح منصباً مرموقاً وستجده يشعر في البداية أن المنصب تكليف ومهمة صعبة، يتطلب منه السير في خطى سابقة والمحافظة على انجازاته، لكن هذا الشعور لا يدوم طويلا فما هي إلا أشهر معدودة ثم يشعر الموظف أن المنصب ملكا له يديره كما يدير منزله، ويحرص أن يغير فيه كل شي يمت لصلة بسابقه دون تقيد بأسس أو معايير لأنها غير موجودة أصلا.

أصبحت الوظيفة هي من يخدم الموظف وليس العكس، أصبح الموظف مرفوعاً والمنصب منصوباً، وباتت الوظيفة، خاصة المراتب العليا منها، ملكا للموظف يطوعها كيفما شاء، ومتى شاء ويسن لها النظم ويوظف من يشاء ويقرب من يشاء، ويبعد من لا يريد ويورثها إن أراد.

مشاعرنا نحو المنصب لا بد أن يتم تعديلها، وإعادة تربية الموظفين وإعادة تأهيلهم وتغيير مشاعرهم نحو المنصب وفق أسس وضوابط لا تقبل تملك الوظيفة ولا التصرف بها حسب رغبات النفس الأمارة بالسوء.

إننا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التعامل مع العامل الأسهل لاستغلال الظروف فالإنسان هو مشكلتنا اليوم وعلينا سرعة إعادة تشكيله ليصبح صالحاً رغما عنه، لأن الظروف الأخرى ومنها المادة والاقتصاد والموارد ظروف عالمية ليس في إمكاننا التحكم بها متى ما تنكرت وسبق أن فعلت.