الشهر: ماي 2009

طحن الرصاص دون جعجعة

في مدينة ليبزك الألمانية والمناطق المحيطة بها لوحظ أن عدداً من الشباب الصغار تساقطوا مرضى بأعراض تسمم حاد بالرصاص مع أن أياً منهم لا علاقة لعمله بالتعامل مع الرصاص أو وجود أي سبب واضح يمكن أن يعرض أياً منهم لمعدلات عالية من هذا المعدن !!.

ولأن ثمة تفعيل حقيقي لأدوار مراكز السموم في ألمانيا فقد تم جمع المعلومات من جميع المرضى ومقارنتها فوجد أنه لا يجمع بين هؤلاء الشباب عامل مشترك واحد سوى أن كلاً منهم يتعاطى تدخين المروانا !!.

تم جمع عينات من المروانا التي دخنها المصابون بالتسمم فوجد أنها مغشوشة بالرصاص وعلى الفور تم عقد مؤتمر صحفي موسع أعلن خلاله أن المروانا مغشوشة بالرصاص وقامت العلاقات العامة ببث عدد من مواد التوعية عبر الصحف والتلفاز والمنشورات للتنبيه إلى هذا التلوث في تلك المادة الممنوعة أصلاً وتم فتح مخابر تحليل الدم لكل من أراد التأكد من مستوى الرصاص في دمه فتقدم لمركز واحد في المنطقة 599 شخصاً وجد أن نصفهم يعانون من ارتفاع نسبة الرصاص عن الحد المسموح ، وبدأ تكثيف العلاج من تسمم الدم بالرصاص .

في هذه الحادثة وطريقة التعامل معها عدة دروس تجدر الاستفادة منها بحكم فارق التجربة والخبرات والتوجه.

أولاً أن المواد الممنوعة وغير المرخصة أصلاً ويتم تداولها بالسر عرضة أكثر من غيرها للغش بمواد خطيرة وسموم قاتلة فيجب فحص ما يقبض منها والتوعية بمحتوياته.

ثانياً: أن المتعاطي للمخدر يفترض التعامل معه كمريض وله حق الحماية و التوعية بصرف النظر عن كونه متعاطياً لمخدرات، وان تتم المعالجة في جو من السرية والحفاظ على السمعة ، بينما تتم التوعية بكل صراحة ووضوح وصوت عالٍ ودون تحفظات.

ثالثاً: أن التعاطي مع مثل هذه الحالات والأوبئة يستوجب أن تسبق الأعمال الأقوال فجمع المعلومات وربط العلاقة بين العوامل المشتركة في الحالة المذكورة في ألمانيا تم بصمت ودون ضجيج وبعد معرفة أسباب المشكلة وأبعادها بدأ العمل الجاد “والطحن” لاحتوائها دون”جعجعة” وحتى حينما تم استخدام وسائل الإعلام، لم يتم استخدامها لتلميع الأشخاص أو التحدث عن الأعمال بل تم التركيز فقط على التوعية للحد من المشكلة ، أي أن الإعلام كان وسيلة لا غاية ، وهذا عكس ما حدث عندنا حيث سمعنا ضجيجاً من الصحة عن احتياطات لأنفلونزا الخنازير و إجراء فحوص للقادمين من مناطق مصابة ومنها ألمانيا وتم إعلان ذلك في الطائرة لعموم القادمين لكننا لم نجد أي شيء منه على الأرض فقد دخل القادمون من فرانكفورت دون فحوص ولا كاميرات حرارية .

رابعاً: أن من الضروري جداً إشعار المدمن بأنه مريض و الابتعاد عن إشعاره بأنه مجرم، والعمل على تسهيل اعتراف هؤلاء بممارسة التعاطي للاستفادة من ما لديهم من معلومات ، فمثلاً لو وقع هذا التسمم لدينا وسألت أياً من الضحايا إذا ما كان تناول شيئاً غريباً فقد يرد مرتبكاً (وشو حشيشة ؟!) لكنه لا يمكن أن يعترف لك انه تعاطى أياً من الممنوعات ناهيك , أن يحضر لك عينة منها ، لذا فإن من أهم العناصر الهامة لعلاج المشاكل الخفية للشباب هو العمل الجاد على تسهيل الاعتراف بها والتعامل معها كحالة مرضية قابلة للعلاج دون تبعات.

هيئة عليا للشرف

بعد الثواب من الله والأجر العظيم الذي ينتظر منقذي المرأة وزوجها من الغرق في حائل، كونهم أحيوا نفساً من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً يأتي تكريم خادم الحرمين الشريفين لفرسان الماء وأبطال إنقاذ المرأة وزوجها ليمنحهما أمام الجميع وسام شرف دنيوي يحق لهم أن يفرحوا ويزهوا ويفتخروا به، ويحق للوطن أن يفخر انه يكرم المستحقين من أبنائه مهما كانت حالهم أو حالتهم ومرتبتهم وعمرهم ومكانتهم الاجتماعية.

هذه هي ثقافة التكريم ومنح أوسمة الشرف، لا تعرف إلا من يستحق، وعلى ماذا استحق؟!، وكيف حصل على الاستحقاق ؟!.

التكريم شرف يمنح للكريم الذي منح نفسه أو ماله أو أغلى ما يملك من أجل غيره، وهذا الشرف لا يشترط اسماً أو مكانة اجتماعية أو جاهاً أو منصباً وظيفياً، لأن الشجاعة والبذل والإيثار والكرم والفداء لا تشترط أياً مما ذكر فهي ميزة تكاد أن تكون نادرة، هذه الأيام، وتستحق التكريم، ليس لأن التكريم ثواب أو مكافأة، ولكن لأنه امتنان لسلوك حميد وإقرار بصفة متميزة وتشجيع للآخرين على الاقتداء بالكريم المكرّم.

ولأن صفات الشجاعة والفداء والإيثار، رغم ندرتها، إلا أنها تظهر كثيراً في هذا الوطن الذي عرف عن أبنائه الشهامة وحسن الخلق وشهد لهم عبر التاريخ أنهم رجال مواقف وإنقاذ وإبداع، فإنني أقترح بل أتمنى أن يتم تشكيل هيئة مختصة في تقصي مواقف البذل والفداء والشجاعة والكرم والإبداع، والبحث عنها ودراستها والرفع بمرئيات الهيئة لمنح التكريم المعنوي والمادي والوظيفي المستحق، وأن تشكل هذه الهيئة من المشهود لهم بنفس صفات الكرم فلا يقدر حجم فعل الكريم إلا كريم لأن الوضيع لا يقدر إلا فعل نفسه.

أتمنى أن يتم تشكيل هذه الهيئة في أسرع وقت ممكن، وأن تكون مستقلة عن المؤسسات والدوائر والوزارات لأن كثيراً من كرام الموظفين والمخلصين والشجعان والمبدعين يحجبهم مدير أو مسؤول لا ينعم بهذه الصفات ولا يحب إلا نفسه ؛ لذا فإن مثل هذه الهيئة العليا يفترض أن تستقبل بلاغات المواقف البطولية والشرفية وكل عمل يخدم الوطن والمواطن والمقيم ويستحق التكريم، تستقبله من المبلغين والشهود المدعمين بالإثباتات مباشرة ودون شرط شهادة مدير أو مسؤول مباشر ربما أغرته نفسه الأمّارة بالسوء (بالتكويش) على إنجازات موظفيه ونسبها لنفسه.

وبقدر سعادتي الكبيرة وأنا أشاهد تكريم فرسان الماء ، أبطال إنقاذ المرأة وزوجها من غرق محقق، فقد حزنت وأنا أعلم أن رافض الرشوة في موضوع الأجهزة الطبية في وزارة الصحة حصل على المكافأة المالية منذ عدة أشهر، لكن أمر ترقيته تم تجاهله مؤخراً بسبب تغييرات إدارية يفترض أن لا يذهب ضحيتها من قرر الوطن تكريمه، فمثل هذا التكريم أمر نافذ من حينه وفي كل الأحيان ولا يمكن أن يترك عرضة لأهواء وأمراض نفسية وحسد ومحاولات مسح السبورة بكل ما فيها من صور حسنة وحروف مضيئة.

عقوبات مربحة

أستغرب كثيراً حين أقارن بين بعض جزاءات وغرامات المؤسسات الخدمية المنشورة وأنسبها إلى قوة المخالفة وما يترتب عليها من أضرار فأجد أن الغرامة غير رادعة مطلقاً كونها لا تساوي ربع العشر من مكاسب المخالفة وبالتالي فإن المردود في نظر المخالف يستحق المجازفة.

الغرامة المالية شأنها شأن كل العقوبات يفترض أن يشترك في تحديدها مجموعة من العوامل أو العناصر ذات العلاقة بالمخالفة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، طبيعة المخالفة وقوتها وتأثيرها على الآخرين وتبعاتها والأثر الذي سوف تتركه وتكلفة معالجة آثارها وتبعاتها وإصلاح الخلل الناجم عنها وغير ذلك من العناصر التي يفترض أن تدرس من ذوي الخبرة والجهات ذات الاختصاص ليتم بناء عليها تحديد العقوبة أو الغرامة المالية والعقوبة المعنوية، وبذلك ستجد أن ثمة تناسب وتجانس بين مقدار الغرامة المالية أو حجم العقوبة مع عظم المخالفة وآثارها وأضرارها وتكلفة علاج تبعاتها، وعندئذ فلن تجد أن مخالفة ذات أبعاد خطيرة وآثار قد تودي بحياة فرد أو عدة أفراد وعقوبتها لا تتعدى عشرة آلاف ريال، بينما مخالفة أخرى للتعليمات والإجراءات لا يترتب عليها أي ضرر بالغير تساويها في الغرامة المادية وقد تزيد.

دعونا نستشهد بمثال حي نشر في الصحف الشهر الماضي، عندما قامت مديرية الشئون الصحية بالمدينة المنورة مشكورة بحملة تفتيش على المستشفيات والمستوصفات الخاصة فوجدت أطباء غير مرخصين وممرضات غير مرخصات، وقيام مستوصفات بإجراء عمليات أو إجراءات طبية غير مشمولة بالترخيص وأدوات طبية لا تعقم بالشكل الصحيح وما إلى ذلك من مخالفات خطيرة لها تبعات وآثار مضرة بصحة الناس، وربما حياتهم، ومع ذلك تكرر ذكر أن الغرامة عشرة آلاف ريال لأي من المخالفات المذكورة رغم خطورتها.

تلك الغرامات والعقوبات إذا قورنت بحجم المردود المادي للاستفادة من المخالفة ولمدد زمنية طويلة تسبق القبض على المخالف فإنها مربحة مادياً ولا يقارن ما حققته من دخل بما خصم من غرامات أو طبق من عقوبات.

أتمنى أن نعيد النظر في الغرامات بما يحقق الردع وتناسب الغرامة مع خطورة المخالفة وجعل الغرامة وسيلة لمنع الانحراف لا الحث عليه.

التحذير لا يكفي

لا يمكن لشخص منصف أن ينكر أن الدفاع المدني حذر كثيراً من أخطار السيول، وحذر تحديداً من البقاء في بطون الأودية والشعاب، أو السباحة في الحفر المملوءة بمياه السيول أو الاقتراب من السدود الممتلئة بالمياه، ومع ذلك تتكرر حوادث الغرق في نفس الأماكن التي حددها الدفاع المدني في تحذيراته!!.

ومن الطبيعي جداً القول إنه لا أحد يريد لنفسه أو لأسرته أن تغرق أو حتى تتعرض للغرق!!.

إذاً أين الخلل ولماذا تستمر ظاهرة تعريض الناس أنفسهم وفلذات أكبادهم وأسر كاملة للغرق في تلك الأماكن؟!.

هناك عدة أسباب متوقعة حسب تصوري، ولابد أن ثمة أسبابا أخرى لم تخطر على مخيلتي وقد تخطر على بال غيري، ولكن تصوراتنا وتخيلاتنا وحدها لا تكفي لتحديد الأسباب الحقيقية لعدم التجاوب مع النداءات المتكررة.

لابد أن نقتنع بضرورة إجراء الدراسات البحثية الدقيقة والشاملة لعدد كبير من الناس لمعرفة أسباب سلوكياتنا، بل معرفة أسباب عدم فاعلية تحذيراتنا، وهذه الدراسات والأبحاث أول من يسأل عنها الجامعات التي أرهقتنا بالحديث عن كراسي الأبحاث ويفترض أن ترهقنا بالحديث عن نتائج الدراسات الاجتماعية إن وجدت!!.

والدراسات ليست مسؤولية الجامعات وحدها بل إنه يجب أن تقوم بها الجهات المعنية عن الظاهرة طالما أن الجامعات مشغولة بالمظاهر عن الظواهر.

أي أن الدفاع المدني نفسه لابد أن يجري الدراسات بالتعاون مع الجهات المختصة بتحليل الأرقام وترجمتها إلى نتائج، وهذا أمر متوقع خاصة إذا عرفنا أن وزارة الداخلية هي الرائدة في المجالات ذات الطابع التقني الحديث، بدليل أنها أول الجهات وأكثرها تطبيقا لتقنية الحاسوب والحكومة الإلكترونية في تعاملاتها وهي الجهة التي يتبع لها الدفاع المدني والأمل كبير في أن تتبنى مثل هذه الدراسات، وأن لا تنتظر الجامعات في هذا الصدد لأن وزارة الداخلية تعمل وغيرها يأمل.

في تصوري ( غير الكافي ولا الشامل ) أن سبب استمرار حوادث الغرق في الأودية والشعاب والسدود وحفر السيول يعود لأحد أو كل الأسباب التالية:

إما أن التحذير لا يصل كونه يتم عن طريق الصحف فقط ولم يقم التلفزيون والإذاعة ووسائل التوعية العامة الأخرى بأدوارهم في هذا الصدد كما يجب.

أو أن طريقة التحذير التقليدية بضرورة الابتعاد عن الأودية والشعاب ليست مؤثرة بالدرجة المطلوبة وهنا لابد من تدعيمها بوسائل التوضيح والمؤثرات بالصورة والفيديو والصوت، وعن طريق عرض الطريقة السريعة والمفاجئة التي يداهم بها السيل المتنزهين دون سابق إنذار وهو ما يسمى بالعامية (سيل فلات) أو السيل الذي ليس بالضرورة أن يبدأ بمطر غزير على الرأس، ونفس الشيء يتم لإيضاح طريقة الالتصاق بطين حفر السيل وطين السدود، وكل هذه الظواهر تحتاج إلى عرض بتقنية توضيحية عاليه ولقطات حية.

أو أن ثقافة الحذر عندنا تعاني من قصور ناتج عن استبعاد حدوث الخطر للشخص نفسه أو عائلته وهو شعور يتولد بسبب الاعتقاد أن من تعرض للخطر ارتكب خطأً فادحاً وتعرض لظروف تختلف عن الظروف التي يتعرض لها الشخص الجديد، وهذا يؤكد أن التحذير التقليدي لا يكفي وحده ويحتاج إلى إيضاح بالفيديو ووسائل الإيضاح لكيفية حدوث الخطر.

مؤتمراتنا وكأس العالم

في الثمانينيات الميلادية وما قبلها كان من الطبيعي أن نقدم الكثير من الإغراءات لعدد من المتخصصين في شتى العلوم لحضور مؤتمراتنا العلمية وخاصة المتحدثين أو من يودون تقديم أوراق بحثية ، لسبب منطقي وهو أننا كنا نحتاج إليهم أكثر من حاجتهم لنا، كوننا كنا آنذاك نلعب دور المتلقي، وهم مصدر المعلومة، وكان طلبة العلم لدينا بل وحتى الباحثون والأكاديميون في حاجة لحضور متخصص في مجال علمي أو طبي أو هندسي لينقل لنا خبرته ونتائج دراساته وأبحاثه.

اليوم تغيرت الحال في كثير من المجالات، بل استطيع القول بثقة ان المعادلة انقلبت في كثير من التخصصات، فقد أصبحنا مصدرا للمعلومة لا متلقيا لها، خاصة في مجال علوم البتروكيميا والصيدلة والسموم والطب والزراعة والهندسة، وأصبحنا معقلا لإجراء الأبحاث عوضاً عن انتظار نتائجها، وفي مجالات علمية أخرى أصبحنا نشارك ونثري المعلومة.

مجمل القول ان المؤتمرات والندوات التي نعقدها أصبحت جذابة للباحث عن اللقاءات العلمية، لا تقل، إن لم تزد، عن غيرها في أنحاء العالم ثراءً علميا وإثراءً للساحة البحثية.

اذاً ما بال مؤسساتنا لا تزال تغدق على المشارك الخارجي بإغراءات حضور تتمثل في التكفل بالتذاكر والسكن والتنقلات والإعاشة والجولات والزيارات وإعفاء من رسوم الاشتراك، بطريقة لم يعد لها وجود في هذا العصر إلا عندنا؟!.

مؤسساتنا تمارس مع من تدعوهم لحضور مؤتمراتها العلمية كرما قد يفهم على أنه تقليل من مكانتنا العلمية، أو قد يشير خطأً إلى أننا لازلنا نعيش العصر السابق، وأن مؤتمراتنا لم تفرض نفسها علمياً لتصبح ساحة جذب ووجهة يبحث عنها الباحث عن تطوير نفسه علميا، وفي ذلك إجحاف في حقنا لا نستحقه ونمارسه دون أن نستشعر تأثيره.

في كثير من دول العالم، إن لم يكن جميعها، أصبح المؤتمر العلمي وسيلة جذب سياحي ( سياحة علمية) تدر دخلاً على موقع المؤتمر، تماما مثل دورات كرة القدم ونهائيات كأس العالم ( تخيل لو أن بلداً يستضيفك لحضور النهائيات على حسابه!! ).

الدول الأخرى تدعوك لحضور المؤتمر كمتحدث أو مقدم ورقة عمل أو مستمع وفي كل الأحوال فإنها تحملك رسوم اشتراك باهظة وبطبيعة الحال تكاليف سفرك وتنقلاتك وإقامتك وثمن تذاكر حضور حفل وعشاء الاستقبال والزيارات السياحية، بينما نحن نتحمل تلك التكاليف فلماذا وإلى متى؟!.

الباحث والأكاديمي والمهني المحترف ( طبيبا أو صيدلانيا أو محاميا أو مهندسا… الخ) لديه طرقه في تأمين تكاليف حضوره للمؤتمرات إما عن طريق جهة عمله أو ممول أبحاثه أو الشركات التي تقدم المنح، وليس من ضمن هؤلاء الدولة المنظمة للمؤتمر، وبعض الدول المجاورة لنا أدركت هذا الأمر وجعلت من مدنها مقراً لمؤتمرات في علوم هي لم تبلغ فيها عشر ما بلغناه فأصبحت المؤتمرات وسيلتها للجذب السياحي، والمنظمات والجمعيات العلمية تدرك أيضا أن مقر المؤتمر وسيلة جذب للباحث وهو مسؤول عن تكاليفه، فمتى نبدأ نحن في التعامل مع هذا الجانب بالطريقة الصحيحة ونوقف الصرف على المتحدثين الخارجيين في مؤتمراتنا العلمية، ونحول تلك المبالغ إلى تسهيلات تقدم للمشارك المواطن من الداخل بالتكفل بسكنه وتنقلاته وتخفيض رسوم تسجيله في المؤتمر بما ينعكس إيجابا على الباحث والمتخصص والأكاديمي المواطن كتشجيع وعون، وعلى الوطن في شكل دفع لعجلة التطور العلمي مبني على أساس أن سمننا في دقيقنا.

قدوة الترشيد

سبق أن اجتهدت بالقول إن حث الناس على الترشيد في استخدام الماء أو الكهرباء أو غيرهما يستلزم البدء بالأولويات والقنوات الأكثر استنزافا على أساس الأهم ثم المهم ثم الأقل أهمية وليس العكس ، فلا يمكن أن تقنع الناس باستخدام المرشدات أو تغيير صندوق الطرد (السيفون) إلى حجم أصغر لتوفير عشرات السنتمترات المكعبة وهم يعلمون علم اليقين أن الماء يهدر بمئات الأمتار المكعبة هنا وهناك .

كلامي ذلك لم يكن مقنعا لوزارة المياه والكهرباء فاستمرت حتى اليوم تكرر الحديث عن المرشدات وتوزيع المرشدات وما ستحققه من وفر لو طبقت ، دون الحديث عن ما حققته من خسارة تكلفتها دون أن تطبق ، وأنا أحترم رأي الوزارة حتى لو لم يقنعني لأنه رأي آخر جدير بأن يطرح ، ولكنني كنت ولا زلت أتمنى من وزارة المياه والكهرباء أن تتحدث بصراحة ومصداقية عن قنوات استنزاف المياه الأخرى غير السيد (سيفون) والصنابير الصغيرة التي فمها (قد البلوطة) .

كنت أتمنى ، مثلا، أن نسمع تعليقا على حجم ما أهدرته حتى اليوم ماسورة الضغط العالي التي انكسرت في الدائري الشمالي فأغرقت الأحياء المجاورة وأهدرت آلاف الأمتار المكعبة من الماء النقي المضخوخ بضغط عال جدا والتي وحسب المنشور يوم الأربعاء الماضي، لا تزال تضخ الماء على الإسفلت وأكملت حتى ذلك التاريخ يومها العاشر دون إيقاف للهدر وتسببت في إيقاف ضخ المياه إلى عدة أحياء خصوصا أم الحمام الشرقية ، وحسب ما ذُكر فإن اتصالات المواطنين بغرفة الطوارئ بمصلحة المياه لم تجد من يسمعها .

عندما يحدث مثل هذا الهدر الكبير المستمر والذي تقع مسؤوليته كاملة على الجهاز الذي يطالب المواطنين بالترشيد فإن هذه المطالبة تصبح ضربا من ضروب الاستفزاز الذي قد ينعكس إلى ضده.

الترشيد بكل أشكاله مطلب حثنا عليه ديننا الذي هو أساس سلوكياتنا، هذا أمر لا جدال فيه ولا خلاف عليه، لكن كل أشكال الحث على الترشيد إذا خرجت فيجب أن تخرج من قدوة حسنة حتى يكون لها القبول، فكل من يدعو الى شكل من أشكال الترشيد وهو لا يطبقه مع نفسه وفي سلوكياته، بل يطبق عكسه، بممارسة نوع من الهدر فإنه إنما يستفز غيره وقد يجعلهم ينفرون من الترشيد.

مسؤولية خالية الدسم

أحسنت جريدة الرياض صنعاً حينما أبرزت شكوى المواطن السعودي ناصر الشهري الذي أضاعت جواز سفره إحدى شركات التوصيل الذي يفترض أن يكون سريعا ، وعدم اكتراث الشركة بالموضوع واعتبارها لنفسها خالية المسؤولية ولا تتحمل تبعات ما أحدثته من ضياع مستند رسمي سعودي مهم وحرمان شاب صيدلي من حضور مؤتمر مهم .

الحقيقة التي اشرنا إليها كثيراً هي أننا في وضعنا الحالي غير جاهزين لتولية الشركات مصائر المواطنين والمقيمين طالما أننا لم نضع بعد اتفاقيات منصفه للطرفين ، تضمن حقوق الطرفين وتتضمن عقوبات مغلظة على الطرف المقصر وتعويضات ضخمة للطرف المتضرر ، بدلاً من الاتفاقيات الموجودة حالياً والتي تعد من قبل الشركة المقدمة للخدمة وابرز عبارتها إخلاء مسؤوليات الشركة من كل شيء.

في مجال التأمين على السيارات عانينا الأمرّين وضاعت حقوق آلاف السائقين لان شركات التامين كانت إما وهمية أو متلاعبة بإمضاء المستفيد على اتفاقيات مصوغة من طرف واحد .

في مجال شركات التأمين الصحي حدث ولا حرج فبوليصة التامين تصب في مصلحة شركة التأمين على حساب المريض ولعل القادم من الأيام في مجال التامين الصحي ينذر بمزيد من القصور في هذا الصدد فستجد شركات التأمين الصحي مجالاً واسعاً لاستثناء أمراض ورفع الرسم على حالات كثيرة ، وتحميل المريض مالا يطيق من أعباء مادية في ظل إدارة فاقد الشيء لا يعطيه، فمن حمل مريض السرطان تكلفة علاج أضرار العلاج الكيميائي عندما تساقطت أسنانه لا تتوقع منه أن يحمي المريض من استغلال شركات التامين الصحي .

ضمانات الأجهزة والأدوات والسيارات هي الأخرى تجسد صورة من صور التخلي عن المسؤولية فالعميل مجبر على توقيع شروط ضمان تمت صياغتها من طرف واحد، هو الوكيل أو الشركة المصنعة ، ومع ذلك فعندما تحدث مشكلة فإن الوكيل يتملص من كل التزاماته بحجة سوء الاستخدام ، وهي حجة واسعة ومفتوحة التفاسير ، ولعل أجهزة الهاتف المحمول وهي الأكثر انتشاراً ومشاكل أصحابها مع الضمانات الوهمية المضخمة اكبر دليل .

إن من الضروري جداً أن تتولى جهة قانونية حكومية صياغة كل اتفاقيات الشركات مع العملاء بصيغة تحدد حقوق وواجبات كل طرف وبطريقة منصفة بحيث لا تتمكن شركة توصيل بريدي من إخلاء مسؤوليتها عن فقدان ما أوتمنت عليه واستلمت أجر نقله مثلما حدث مع المواطن الذي فقد جواز سفره مع أن أمثلة إهمال هذه الشركة كثيرة جداً وتشتمل على وصول طرود تالفة أو مكسورة ومسؤوليتها دائماً خالية لأن الاتفاقيات صيغت بطريقة خالية الدسم.

حقوق السائح عربياً

مثلما أن إحدى ركائز الترويج التجاري وكسب المزيد من الزبائن هي قاعدة “الزبون دائماً على حق” ، فإن من أهم ركائز الترويج السياحي قاعدة أن السائح دائماً على حق ، وبدون ترسيخ مثل هذه القاعدة وتحديد قنوات تنفيذها والإطار الذي يضمن هذا التنفيذ فإنك لا يمكن أن تحقق جذباً سياحياً يذكر .

السائح أولى بأن يفترض أنه على حق دائماً ، فهو أولى حتى من الزبون وأقرب إلى أن يكون على حق دائماً ، لسبب بسيط هو أن السائح هو أقل الناس بحثاً عن المشاكل فهو جاء ليحقق الراحة والهدوء والاستمتاع وسخر ذهنه وجيبه وما فيه من نقود للصرف على هذه الراحة دون مشاكل أو شكاوى ، وهو يحاول تلافي المشاكل بقدر ما يستطيع حتى لو غبن أو ظلم ولكن لصبره حدود ، فإذا اشتكى السائح سواء السائح الداخلي أو الأجنبي فهو بالتأكيد على حق ، أو هكذا يجب أن يعامل ، وأرجو أن لا يذهب الذهن للسائح الأجنبي فقط لأنني أرى أن السائح الداخلي (المواطن) أهم للسياحة واقتصادياتها من السائح الأجنبي أما في أخلاقيات العمل السياحي فهما بالتأكيد سواء .

حققت الدول المتقدمة بل وحتى الأقل تقدماً التي تعتمد على السياحة .. حققت نجاحاً سياحياً لأنها تعتمد على قاعدة “السائح دائماً على حق” بل لأن مؤسساتها تعودت على تطبيق قاعدة “الزبون دائماً على حق” ودعني أعطك مثالاً يجمع بين عدم تطبيق الأولى في بلد عربي يعتبر منطقة جذب سياحي مؤخراً ، وتطبيق الثانية من قبل شركة أمريكية رغم أن لا ذنب لها .

استأجرت سيارة من إحدى شركات التأجير الكبرى في مطار دبي ، ودبي أبهرت الناس بما تستقبله من سياح ، واشترطت على الشركة استلام السيارة من الفندق بعد مغادرتي وقبلت بدفع الرسم الخاص بإرسال سائق لاستلامها ، وغادرت الفندق ، لكن موظفي الشركة نسوا الحضور لاستلام السيارة في الوقت واليوم المحدد وتركوها في مواقف الفندق يوماً إضافياً ولم يحضروا إلا بعد أن اتصلت بهم بسبب حرصي الزائد ، فما كان من عمالة تلك الشركة في دبي وهم من الأخوة العرب والآسيويين إلا أن حملوا بطاقة الاعتماد الخاصة بي مبالغ اليوم الإضافي .

لم أجد في كل مواقع دبي الكثيرة على الإنترنت من يستجيب لشكواي من هذا الاستغلال خصوصاً بعد أن تهرب موظفو الشركة من الرد على “إيميلاتي” بهذا الخصوص رغم اعترافهم بالخطأ في البداية .

عندما خاطبت الشركة الأم في كاليفورنيا لمجرد إشعارهم بممارسة فرعهم في مطار دبي وبعد اطلاعهم على مراسلاتي مع الشركة وصحة موقفي كان أول رد يصلني منهم هو إرسال شيك بالمبلغ لي بالبريد كحل مبدئي بعده سينظرون تفاصيل القضية وإذا ما كنت أريد تعويضات أخرى أو أي مطالبات بسبب الاعتداء على بطاقتي بسحب مبلغ إضافي دون أدنى حق .

أما أول ما عملته أنا فهو أنني غيرت رأيي في مقاطعة الشركة وقررت أن استأجر منها في كل سفرة إلا من مطار دبي.

أنفلونزا بعض الناس

كانت ولا زالت، ولله الحمد، قنواتنا التلفزيونية الرسمية تمنع المقاطع المخلة بالأدب، والتي قد تقود الشباب والشابات تدريجياً إلى خلع جلباب الحياء وتقليد ما يشاهدونه، فقد عرف عن قنواتنا الحكومية موقفها الحازم والدائم بقطع المشاهد المخلة ومنها مشاهد التقبيل.

عندما انفتح الفضاء الإعلامي بقنواته التلفزيونية غير المنضبطة والتي لا يهمها ما تسببه من أضرار، تسللت إلى بيوتنا وشبابنا أنواع وأشكال من المشاهد الجنسية التي، وبحسب الأخلاق الآدمية التي ميز الله بها الإنسان عن الحيوان، لا يجوز أن تمارس أمام الناس و لعل أقلها التقبيل, إلى جانب صور أخرى من صور الانحلال التام في علاقات الجنسين لا تتورع تلك القنوات غير المسئولة عن بثها.

حسنا، عندما يقول عاقل مدرك لأبعاد التأثر والتأثير إن تلك المشاهد ومنها التقبيل مدعاة للتقليد من قبل الشباب والشابات فإنه ربما اتهم بالتشدد والتزمت بل قلة العقل من قبل من لا يقبلون الرأي الآخر حقا.

الآن وبعد أن ظهر مرض أنفلونزا الخنازير بدءاً من المكسيك كانت أول التوصيات للحد من انتشار المرض قطع لقطات التقبيل من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية لأنها تشجع الشباب والشابات على التقليد وعمل الشيء نفسه وهو الأمر الذي يجب تجنبه (أي تبادل القبلات) لأن المرض ينتشر عن طريق تقارب الأنفاس !!.

ما يهمني هنا هو الاعتراف الصريح بأن لقطات التقبيل في الأفلام والمسلسلات تؤدي إلى التقليد وتشجع على محاكاة نفس السلوك وهو الأمر الذي لو قلناه نحن لسخر منا أقرب الناس إلينا ممن يدعون أنهم يؤمنون بالرأي والرأي الآخر ، وهم الأبعد عن قبول الرأي الآخر خاصة المتعلق بالفضيلة لأنهم يصنفونه مباشرة ضمن التشدد والتزمت، وربما يقتنعون حين جاء، (تأكيد التأثير والتأثر)، من مصادر أجنبية أوغربية تحديدا.

الاعتراف بخطورة المشاهد الجنسية على الشباب وتأثرهم بها إلى حد التقليد أو المحاكاة سلوكيا ليست المنفعة الوحيدة لأنفلونزا الخنازير الضارة ( رب ضارة نافعة) ، بل هي كشفت أيضا سطحية وضحالة التفكير في إسرائيل التي رفضت على لسان نائب وزير الصحة الإسرائيلي يعقوب ليتسمان تسمية هذا المرض بأنفلونزا الخنازير واعتمد تسميته ( أنفلونزا المكسيك ) بحجة أن الخنزير حيوان نجس ومجرد ذكره يجرح مشاعر المسلمين واليهود ، مما أثار حفيظة المكسيك واحتجت رسميا على التسمية، وهنا ضحالة تفكير واستغفال لأن نجاسة الخنزير في لحمه وليس ذكر اسمه الذي ورد في القرآن والتوراة ، ثم منذ متى تهتم إسرائيل بمشاعر المسلمين؟!، قل كلمة (خنزير) مليون مرة ولا تقتل فلسطينيا يا ليتسمان!!، ثم أين احترام مشاعر شعب دولة بأكمله كالمكسيك؟! هكذا هم الإسرائيليون في مغالطاتهم واستغفالهم للشعوب.

كان على الإسرائيلي الحساس أن يسميه ( أنفلونزا بعض الناس) ليتلافى ذكر اسم الخنزير ويدع أهل المكسيك في حالهم.