الشهر: سبتمبر 2010

وقفات أسبوع لا يهدأ

** أظن –والله أعلم– أن بقاء سؤال عكاظ (سؤال لا يهدأ) دون إجابة لأكثر من 14 يوما أمر له علاقة بوضع صورة المسؤول مبتسما مع السؤال الذي لا يهدأ، فالبعض يهمه بقاء صورته تنشر يوميا في صحيفة عكاظ بصرف النظر عن كونها مصاحبة لنقد أو سؤال حائر ، ليت جريدتنا الغراء تجرب طرح السؤال من دون صورة أو بصورة (كاريكاتورية) غير مبتسمة للمسؤول وأجزم أن المسؤول سيسارع للإجابة.
** حتى نستشعر أهمية إنشاء الهيئات العلمية الجادة ولكي نشعر بخطورة غياب التحليل المخبري المحايد الموثوق دعونا نتخيل حالنا قبل أن تبدأ هيئة الغذاء والدواء في تحليل الأغذية والمياه والدواء هل كنا نشرب مياها ملوثة بالبروميد والمسرطنات مما رفع نسبة حدوث السرطان؟! هل كان أطفالنا يتناولون الخنافس مع حليب البودرة؟! ويرقات الخنافس مع غذائهم اليومي المجفف؟! كم من الأغذية الملوثة والمسرطنة والمشروبات الضارة ابتلعناها لغياب الرقيب الجاد؟! أظن أن الحال كانت خطيرة ومأساوية وربما لا تزال فمن يدري ما هي نسبة ما يكتشف إلى ما يمر ؟! لا بد أن تكثف الرقابة.
** خذلتني آلة التصوير الصحفية وأنا أحاول التقاط صورة للوحة سيارة نقل مدرسي عبارة عن قطعة كرتون قصها صاحبها على شكل لوحة وكتب ثلاثة أحرف غير معتادة وثلاثة أرقام بخط اليد وأخذ يسرح ويمرح في شوارع الرياض مسرعا وأنا أحاول تصويره حتى تنبهت إلى أنني لو سايرته في السرعة سوف تصور (كاميرا) ساهر لوحتي الجديدة الواضحة اللامعة وأجد المخالفة في انتظاري بينما هو سوف تلتقط كاميرا ساهر كرتونه وتحول المخالفة إلى مجهول أو إلى مسكين له رقم مشابه.

البوابة الإلكترونية وتصفية الحسابات

قد أكون أكثر من أشاد وسيشيد بالتطور السريع الذي يشهده التعامل الإلكتروني فيما يخص الهوية الوطنية وبوابة الخدمات الإلكترونية تحديدا، وسبب الإشادة قناعة تامة بحجم الجهد الكبير الذي بذل ويبذل من قبل وزارة الداخلية في الاستغلال الأمثل والسريع لتقنية الحاسب الآلي، مقارنة بغيرها من الوزارات والمؤسسات، فقد كانت السباقة بصمت وجهد وطني كبير للوصول إلى ما وصلت إليه من تسخير الإلكترون لخدمة الإنسان وتسهيل التعاملات اليومية.
لكن هذا الإعجاب والإشادة يحتم علينا ضرورة التنبيه إلى الجوانب السلبية التي تصاحب السباق مع الزمن، خصوصا إذا كان التقدم أعرج ومن طرف واحد، بحيث يصبح البقية المتأخرة عالة على التقدم التقني، فمثلا سبق أن تطرقت في إحدى وقفات الخميس إلى ضرورة إعادة النظر في تعليق معاملات السجل المدني لدى الأحوال المدنية لأسباب حقوقية تتعلق بحقوق شركات أو مؤسسات قطاع خاص أهملت في ضمان حقوقها، وتساهلت في الحصول على ضمانات ماليه أو بطاقات ائتمان، ثم جاءت لتطالب بوقف إضافة مولود أو تسجيل آخر أو تحديث السجل المدني لأسرة كاملة، لمجرد أن رب الأسرة مطلوب للشركة بمبلغ قل أو كثر، مثلما حدث مع الطفلة فاطمة التي حرمت من الدراسة والعلاج لمجرد أن والدها مطلوب لإحدى شركات تأجير السيارات بمبلغ 2000 ريال، وقلت تعليقا على ذلك إنه ليس من مهمة الحكومة تحصيل حقوق الشركات المهملة ولا إيقاف معاملات الأسرة مدنيا لوجود حقوق مالية على رب الأسرة، فلا بد من الفصل بين الإجراءات المدنية التي يفترض أن نشجع الناس على الإسراع في إنهائها، والإجراءات الحقوقية التي لا بد أن يتحمل المهمل مغبة التقاضي شرعا من أجل الحصول عليها من الفرد، وليس على حساب الأسرة.
الجانب الآخر الذي يجب أن تحتاط له البوابة الإلكترونية هو سوء الاستخدام من قبل بعض من تضعف نفسه، فيستخدم صلاحيته في تعليق معاملات مواطن أو تعطيل سفره لأسباب شخصية أو بسبب قناعات شخصية قد يراها رؤساؤه خاطئة، ولدي مثال صارخ في هذا الصدد ربما يكون من الممتع سماعه لمن أراد إصلاحا، وإن كان لا يصلح تعميمه بنشره لأنه من الشواذ الذي ينفع الاحتياط من غيره ولا يصح نشره.
المهم أن يسر التعاملات الإلكترونية سلاح ذو حدين، قد ييسر التعطيل مثلما ييسر التعجيل، ولا بد من وضع شروط ومتطلبات شديدة لتعليق سير المعاملات الإلكترونية، ليس من ضمنها الانتصار لشخص على آخر ولا لشركة على عميل ولا لمدعٍ على مدعى عليه ولا مستفيد من نفوذ وسلطة على ضعيف، وهذا يتطلب حصر صلاحية التعليق بأمر من صاحب قرار.

حوار «الطفشان»

حالة الشكوى المتزايدة من؛ سوء الخدمات العامة وارتفاع نبرة التذمر في صفحات الصحف المحلية وأعمدة كتاب الرأي وبرامج القنوات الفضائية المحلية وحتى المتطفلة على قضايانا من الخارج، عندما يقابلها تعمد التهرب من المواجهة والهروب إلى الصمت و(التطنيش)، وعدم امتثال الأوامر السامية بضرورة الرد خلال أقل من 15 يوما من النشر، فإن تشخيص الحالة لا يمكن أن يخرج عن حالة مرضية مزمنة، تتمثل في تعمد إتلاف العصب السمعي والبصري والحبال الصوتية؛ بهدف تحويل الوزارة أو المؤسسة إلى كائن لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم، مملوك للوزير أو المحافظ أو المدير يحلب خيراته ولا يعير لأمر إصلاحه والإفادة منه أي اهتمام.
هذه الحالة المرضية المزمنة لا يمكن علاجها إلا بالإجبار على الحوار المباشر، ومواجهة أسئلة الناس مباشرة في حوار مفتوح إجباري تحتضنه إحدى القاعات الكبرى الواسعة، ويجبر على حضوره قمة هرم الوزارة أو المؤسسة ليواجه تساؤلات الناس وأسئلتهم واستفساراتهم، وهذا الأسلوب كان قائما منذ افتتاح مبنى جامعة الملك سعود في الملز (جامعة الرياض آنذاك) وكان مفيدا وسببا في ارتياح الناس رغم أن الضغوط والمشاكل وحجم القصور لم يكن بحجمه الآن؛ لأن التطور لم يكن بذات الحجم الآن.
لا يمكن ترك الحبل على الغارب للمسؤول المقصر، بأن يتقوقع في كرسيه ممتنعا عن الرد على شكوى المواطنين وتذمرهم لمجرد أنه وجد في الصمت سترا لقصوره وفي التقوقع حماية لعجزه.
لا يمكن أن يترك للوزير أو المحافظ أو المدير اختيار الصحيفة التي تسأله عما يريد، وتتجنب سؤاله عما لا يريد أو لا يرغب الخوض فيه.
طريقة جديدة بدأ بعض الخائفين من المواجهة اتباعها، وهي دعوة عدد من الصحافيين والكتاب (المأمونين) الذين إما لا يملكون الخبرة في شأن عمل الوزير ومعرفة بواطن أموره وأسراره والأسئلة التي تحرجه، أو أنهم من حمام دار الوزير فلا يملكون القدرة على التحليق خارج أجوائه ومن ثم الخروج بمحاضرة من طرف واحد وهز رؤوس من الطرف الآخر، ثم الخروج بمقالات وأخبار تمجد صراحة وجرأة الوزير بينما الناس المعنيون بالخدمة تصل درجة حرارتهم إلى درجة الغليان وهم يعيشون الواقع الأليم.
جدير بالذكر أن من أهم مقومات الحوار أن يديره طرف محايد، ويتم في موقع محايد، ويسمح للسؤال خلاله لكل من طلب السؤال، وأن يبدي الجميع تذمرهم عندما يتعمد المسؤول عدم الإجابة أو إهمال السؤال.
دعونا نجرب بدلا من حوار الطرشان حيث سائل لا يملك السؤال ومسؤول لا يريد الإجابة إلى حوار (الطفشان) حيث مواطن ينعم بحرص ملكي كريم على إجابة استفساره والرد على شكواه ومسؤول يجب أن يجيب.

من يعلم التعليم ؟!

في مايو من عام 2006 ميلادي وفي حلقة تلفزيونية حول المعلمات مالهن وما عليهن على قناة المجد، حمي وطيس النقاش بين الدكتور عثمان العبدالجبار الوكيل المساعد لتعليم البنات وبيني، حتى وصلنا إلى أكثر المواقف المأساوية للمعلمات حزنا وأسى ومشاعر فقد أسرية، ألا وهو وفيات المعلمات على الطرق البرية باتجاه المناطق النائية، حيث تم تعيينهم، وفي هذه الأثناء ــ وبينما كان آلاف الآباء والأمهات والأبناء والبنات والإخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، ممن فقدو معلمة واحدة على الأقل في حادث أليم على طريق خطير، يتابعون الحديث بذكرى فقد حزينة ويذرفون الدموع ــ تجدد الحزن، كان الدكتور عثمان يردد ضاحكا (حنا عزيناهم الله يرحمهم) واضطررت غير آسف أن أستنكر عليه هذا السلوك وأذكره بنفسيات من يتابعون ابتسامته على الهواء وهم في حال يرثى لها.
ومنذ حوالي سنة في حلقة أخرى عن ذات الموضوع وعلى قناة الرياضية السعودية وفي برنامج 99، بلغ الحزن أشده على أحوال ضحايا الحوادث من المعلمات، ليخرج الأستاذ سليمان النصيان مدير لجنة حركة نقل المعلمات الخارجية في وزارة التربية والتعليم، نافيا دخول الواسطة في النقل ومتجاهلا مشاعر من فقدوا بناتهم، في ذات الوقت الذي عين فيه زميلات لهن قرب منازلهن، واضطررت غير آسف لتذكيره بمن يشاهد ويسمع هذا الاستفزاز من أقارب الضحايا، خصوصا أن عددا منهم شارك في ذات الحلقة.
ومنذ تعيين الأستاذة نورة الفايز نائبا لوزير التربية والتعليم لتعليم البنات، وهي أول مسؤول رفيع من بنات جنس المعلمات والأقرب افتراضا لمشاعرهن وظروفهن الاجتماعية والعملية، لم تتغير نبرة التعليم نحو المعلمات بل تكررت عبارة جديدة ونبرة أكثر حدة تقول (إللي ماتعجبها ظروف التدريس تستقيل وتجلس في بيتها).
ومؤخرا جاءت العبارة الأكثر تعاليا والتي أحتج عليها أكثر من زميل على لسان الأستاذ صالح الحميدي، الذي أفادنا مشكورا أنه لم يجعل من وزارة التربية والتعليم دار رعاية اجتماعية، وكأننا لا ندري أنه لم يفعل ذلك ولن يفعل ذلك، وكأننا لا نعلم أنه ليس مؤسس هذه المؤسسة الخيرية، لكنه لم يجب على سؤالي له إذا ما كانت الوزارة دار رعاية للمسنين من الموظفين.
حسنا.. نحن نتناقض كثيرا، ففي الوقت الذي حدث فيه ما حدث وقيل ما قيل، على مدى سنوات التعليم من تجريح للمعلمات والمعلمين ــ ذكرت أمثلة من بعضه ــ إلا أننا ما زلنا أو ما زال تعليمنا يحاول تقليد دول متقدمة في الاحتفاء بيوم المعلم، ويرددون شعارات (قم للمعلم) مع أن احترام المعلم والمعلمة يبدأ من احترام حقوقهم ومشاعرهم، فمن يعلم التعليم، كيف يبدأ ومن أين يبدأ في احترام المعلم؟

شور ما بعد الشورى

بعض من تنتهي فترتهم في مجلس الشورى ويخرجون من تحت قبته ويعودون إلى حيث كانوا قبل دخول القبة يشعرونك وهم يطلقون التصريح الغريب تلو الآخر أنهم حين نالوا شرف الانضواء تحت مشورة القبة لم يكونوا جديرين بالاستشارة أو لم يكن لديهم النضج الكاف لإعطاء شور من يستشار أي ينطبق عليهم قول القائل (شور من لا يستشار مثل السراج في النهار) والسراج في النهار لا قيمة له لأن ما يرجى من السراج هو الضوء وضوء النهار لا يحتاج إلى سراج، بل السراج في النهار ضرر بلا فائدة ورائحة احتراق دون ضوء وقد تنغمس (فتيلته) الرخوة في خزان (القاز) تحتها فيشتعل محدثا دوي انفجار يخيف من حوله من ضعاف العقول أو يشتت انتباههم وهو انفجار بسيط صوتي مؤقت، ولذلك فإن أهل نجد يصفون انفجار خزان السراج بوصف وضيع مبسط فيقولون (قب السراج) وكلمة قب تعني اكتساب شعلة مؤقتة أو وميض قصير، ومن طرائف الصدف أن نصف بعض من خرجوا من تحت قبة الشورى بالسراج في النهار أو السراج الذي أحرق نفسه فقب مع أن قب بمعنى ومض لا علاقة لها بقبة الشورى.
ما هو السر الذي يجعل من منح فرصة تقديم استشارة وطنية مفيدة تحت قبة البرلمان المنظمة الرزينة الهادئة على مدى أكثر من دورتين أو ثلاث (12 سنة) يصمت تحت القبة حيث للكلام معنى، إذا كان ذا معنى، وينعم بمزايا وظيفة الشورى وبرستيجها ثم ما إن يخرج من تحت القبة (يقب) في كل شيء بقول نشاز بعيد عن تخصصه، بعيد عن قدراته وخبراته (إن وجدت) وبعيد عن المجال الذي يحق له الخوض فيه، فتجده يتحدث عن أطياف مجالس الفقه وهو لا يفقه فيه وينظر في ضرورة إعادة تشكيل مجالس أهل العلم وهو لا يعلم، ويستمر (يقبقب) حتى يصل به الهذيان وعدم الاتزان إلى الخطأ الجسيم عندما يعتقد أنه يدافع عن المرأة السعودية وهو يوجه لها أقسى التهم حين يقول إنها إذا لم تعمل (كاشيرة) فقد تنحرف بحثا عن الرزق!! أي استهانة بمنعة وإرادة وشرف المرأة هذا؟! وأي إهانة أقسى على المرأة من القول إنها من ضعف الإيمان والمنعة والحفاظ على الكرامة أن تستسلم مع أول رفض لعمل طارئ دخيل؟!.
المرأة المسلمة السعودية أقوى وأنبل وأشرف مما يتخيل مندفع متعصب أفقده التعصب لفكرته حقيقة المرأة السعودية الأصيلة التي لا تنحني وإن اشتدت الرياح وهذه السطحية في الآراء دليل أن شور من لا يستشار مثل السراج في النهار.
ويبقى السؤال المهم جدا وهو لماذا يجيء حديث بعض من خرجوا من الشورى وميلهم للإثارة مع أنهم أخذوا فرصتهم؟!، هل هو الشعور بمرارة الخروج والاعتقاد بضرورة الاستمرار مع أن دوام الحال من المحال أم هي الرغبة في البقاء تحت الأضواء بأية صورة؟!. كل الاحترام للغالبية العاقلة التي أدت دورها تحت القبة ثم سلمت المهمة بصمت.

كان لي فتاة معجبة

يبدو أن المسلسلات التلفزيونية والمسرحيات والأفلام تؤثر تأثيرا كبيرا في عقول الكبار قبل الصغار، وأن أثرها أكبر مما نتصور وأطول تأثيرا وأعمق في سلوكيات المجتمع بأسره، أذكر ويذكر من هو في مثل سني أننا وفي عصر الشاشة الواحدة (أبيض وأسود) كانت السيادة للمسلسلات اللبنانية، كما هي الآن للتركية، ومن ضمن المسلسلات التي عقدنا معها موعدا وتسمرنا عندها مسلسل (ابن الحرامي وبنت الشاويش) تقوم أحداثه على قصة حب عذري (حب منتهي بالزواج) بين شاب وفتاة يكتشفان في النهاية أن الشاب هو ابن سارق شهير والفتاة بنت ضابط الشرطة الذي يبحث عنه، فتتحول كل المشاعر والأحاسيس والقيم إلى العكس لمجرد اكتشاف عداوة الوالدين، مع أن الابن لم يكن (حراميا) بل نزيها جدا ومثالا للشهامة، والبنت لم تكن شرطية.
رسخ المسلسل عنصر الحكم على الأبناء بسلوكيات الآباء وتوارث العداوة بين أجيال الإخوة الأعداء، ثم جاءت مسرحية (على هامان يا فرعون) لتصور السيد أبا الحصاني كرجل لديه أخطاء وفساد مالي تلاحقه كاتبة صحفية هي (عارضية) وتصبح عليه كل يوم بمقال يفضح فساده وقصوره، فيعمد إلى محاولة شراء ذمتها بتزويجها لابنه، وعندما لم ينجح يحاول إهداء ابنته نيران على العجوز مشرف الرقعي عله يرقع ما يمكن ترقيعه ويتجاوز بها فضائحه المالية، وهذه المسرحية الرائعة بكل تفاصيلها رسخت حقيقة أن الفساد لا ينوي الصلاح ولكن إفساد الصالحين ليغضوا الطرف عنه بأي ثمن فلا نقول للصحافي (صدقت وتبنا) ولكن (تبا لك صدقنا).
عايشت المسلسل والمسرحية صغيرا وواجهت مزيجا منهما كبيرا، فقد كانت لي قارئة شابة يبلغني والدها كل صباح إعجابها بما أكتب، ليس هذا فحسب بل كان يحمل لي سلامها وتعليقا مؤيدا لما كتبت بالأمس وأفكارا إضافية مع عبارة إعجاب ودعاء صادق على تبني قضايا المساكين من مرضى وفقراء ومحتاجين ومظلومين، وكنت أميز أسلوبها حتى وهي تعلق إلكترونيا في موقع جريدة الرياض، حيث كنت أكتب آنذاك أو بالبريد الإلكتروني، وبعد بضع سنين وعندما تولى والدها زمام مسؤولية، ومع أول محاولة إنصاف للمساكين من تقصير والدها شأنه شأن غيره من المسؤولين الذين ننتقدهم فنعجبها، أصبحت تخفي إعجابها أو لم نعد نعجبها أو لم تعد ذات القارئة (الحرة) في إبداء مشاعرها.
محاولتي الفصل البائن بين علاقة الصداقة والروابط الاجتماعية من جهة ومهمة النقد من جهة أخرى أدت إلى حالة من الاستغراب (ماذا يريد هذا؟!) يشاركنا المناسبات ويهنئ بالأعياد ثم ينتقد!! وهو ما أكد لي أن مجتمعنا يحتاج إلى وقت طويل للاقتناع بأن العمل عمل والعلاقة صداقة والمبادئ ذات سيادة وأن ابن الحرامي ليس بالضرورة عدوا لبنت الشاويش، وأن عارضية يفترض أن تنتقد أبي الحصاني حتى ولو تزوجت ابنه، وخلاف ذلك فإننا معشر الكتاب سنصنف خصوما لكل أسرة يمثلها مسؤول ومعظم الأسر ممثلة بوزير أو محافظ أو مدير نحبهم وننتقدهم ونريد أبناءهم وبناتهم أن يحبونا ويحبوا المساكين كما كانوا.

وقفات أسبوع حقوقية

** اشكر كل من سأل عن غياب هذه الزاوية يومي الأحد والإثنين الماضيين، وأعتذر عن عدم التنويه كون السبب طارئا تمثل في هجمة انفلونزا حادة لم أضمن معها الاستمرار حتى بعد مواصلة الكتابة الثلاثاء والأربعاء، أما عدم الرد على الهاتف فبسبب كون الفيروس يهاجم صوتي قبل صوت القلم، أكرر اعتذاري لقراء عكاظ ورئيس تحريرها والزملاء في المتابعة.
** تعليق خدمات الأحوال المدنية للمواطن لمجرد وجود شكوى من شركة تأجير سيارات أو أي مطالبات مالية من شركات أو بنوك أمر يحتاج إلى إعادة نظر، فالأسباب والمبالغ مهما بلغت لا ترقى إلى مستوى الأثر النفسي والاجتماعي الذي يخلفه عدم إضافة ابن أو ابنة، مثل ما يحدث مع فاطمة وغيرها، ويمكن ضمان حقوق الجهات التجارية بطرق أخرى تتعلق بالمتسبب فقط، وهو الأب ولا تمس إجراءات أفراد أسرته ولا حتى مكفوليه، ثم إن الحكومة ليست مسؤولة عن تحصيل الحقوق المالية للجهات التجارية التي تهمل في ضمان استحصال حقوقها، وكان الأجدر حث هذه الجهات على اشتراط بطاقات الائتمان أو أي ضمانات أخرى مقدما، بدلا من أن يكون مصير ملف الأسرة المدني في يد شركة تأجير سيارات مهملة وتريد تحصيل 2000 ريال.
** ليت وزارة المياه والكهرباء قبل أن تطالب برفع التعرفة الجديدة وتطبقها سريعا بحجة الترشيد انتظرت إلى أن تصبح قادرة على وقف الهدر الكبير الناجم عن تسربات الشبكة والذي حددته بـ70 في المائة من نسب الهدر، وأيضا انفجار أنابيب الضغط العالي الذي يحدث دوريا ويتأخر إصلاحه إلى عشرات الساعات وأحيانا الأيام لأن المواطن بذلك سيكون أكثر اقتناعا بمبررات رفع التعرفة وعلاقته بالجدية في الترشيد.
** وزارة العمل ستضع قائمة سوداء للمتاجرين في تأشيرات الاستقدام، ونحن كنا نظنها قد وضعت القائمة وبدأت في التنفيذ، وطالما أنها ستضع ليتها تضع أيضا قائمة (كحلية غامقة) لمن يشغلون العمال الهاربين في مزارع محمية، مما زاد نسبة الهروب في تمير وثادق وحفر العتش إلى الضعف منذ سنتين والضحية هم صغار الفلاحين.
** حرج كبير تعرضت له عندما انشغل الحلاق التركي بمتابعة مباراة منتخب بلاده مع بلجيكا أواخر رمضان، ليس لأن تركيا فازت، فقد سبق لمنتخب بلادي أن فاز على بلجيكا عندما غزاها في كأس العالم 94م. بأقدام رجال ورؤوس وطنية مخلصة!!، سبب الحرج أن الحلاق التركي كان يتابع المباراة في الرياض عبر قناة تركية غير مشفرة وأخبرني أن الجمهور في تركيا لا تشفر عنه المباريات إطلاقا، أما خارجها فيشفر بعضها بسبب حقوق الغير، وعندما لاحظ تغير ملامحي خاف أنه لخبط في قص شعري فطمأنته أن السبب شفقتي على جمهور منتخب بلادي.

مكياج السيرة الذاتية

من المحزن حقا أن نصل إلى ما وصلنا من تطور علمي أكاديمي كما وكيفا، كما من حيث عدد الجامعات والأساتذة المتخصصين، وكيفا من حيث الإدراك المعرفي والنهج التعليمي، ومع هذا كله نسمح برواج أساليب الاستغفال بمنح الألقاب الرنانة والمتاجرة في السير الذاتية عن طريق شركات بيع الألقاب التي تجد سوقا رائجة لدينا، وكأننا لا نملك القدرة على تمييز الغث من السمين مع أننا الأسمن أكاديميا والأفضل كما ونوعا من حيث عدد الجامعات وعدد المتخصصين.
صحيح أن لدينا مستهلكا للألقاب وقدرة شرائية وطلبا متزايدا على معوضات النقص و (مكياج) السير الذاتية، وأن مثل هذه المحسنات غير الطبيعية وغير الحقيقية تؤتي أكلها وتنجح أحيانا في إقناع من لا يدركون حقيقتها ويجهلون الفرق بين الشهادات لأنهم لا يملكونها، لكن من غير المقبول أن لا تتدخل الجامعات وتوضح حقيقة تجارة الألقاب الرخيصة التي تمنح لمن هب ودب طالما أنه دفع رسما محددا بخسا كان أو جزلا، ومن غير المعقول أن لا ينبري الأكاديميون ويفندون حقيقة تلك الألقاب والطبيعة التجارية البحتة للمؤسسات التي تمنحها.
كل من يملك 150 دولارا يمكنه أن يكون ضمن قائمة (هو إز هو) حتى ولو لم يملك سجلا دراسيا في الجامعة، فكيف نقبل بأن يصبح بلوغ هذه القائمة لدينا سببا في نشر الأخبار وتبادل التهاني وكأن من انضم إليها حقق ما لم يحققه الأسلاف من نجاح علمي (أليس هذا مدعاة للاستخفاف بالمجتمع بأكمله؟!).
نفس الشيء يقال عن الانضمام لقوائم وهمية علمية أو طبية أو هندسية، أصبحت تتخذ أسماء رنانة دون أي متطلبات غير الرسوم، وأصبحت مصدر تفاخر، يتفاخر بها من لا فخر له، وله أن يفعل ما يشاء، لكن دون أن نتجاوب معه إعلاميا.
شهادات الاعتماد وشهادات التصنيف وشهادات القياس ذات الطابع التجاري كلها أصبحت أقل شأنا من الحصول على علامة الجودة التي تمنح للمصانع المحلية، ومع ذلك نحن نتناول علامة الجودة بالسخرية وشهادة الاعتماد بالمفاخرة.
الترويج الإعلامي لشهادات السير الذاتية تلك بنشر أخبار من اشتروها وكأنهم حققوا إنجازا أو شهادات الاعتماد مدفوعة الثمن وكأنها شهادة محايد لا يعني بيع الوهم فقط بل يشكك في درجة وعي المجتمع بأكمله.

الوطن ليس يوماً

بعد غد اليوم الوطني، واليوم الوطني يفترض أن يحمل معاني عديدة ومراجعات مفيدة، فنحن الآن أصبحنا نحتفل باليوم الوطني وجعلناه إجازة سيستفيد منها كل مواطن ومقيم في التنقل من مدينة إلى أخرى، خاصة أنها توافق هذا العام عطلة نهاية الأسبوع، وعطلة اليوم الوطني واحدة من أفضال هذا الوطن علينا وأفضال وطننا عديدة والسؤال الذي يجب أن نطرحه ونحن نحتفل باليوم الوطني هو هل قدمنا لهذا الوطن ما يوازي عشر ما قدم لنا؟!، لا بد من مراجعة دقيقة من كل مواطن لما قدم لهذا الوطن على الأقل في هذا اليوم من كل عام.
الوطن لا يريد منا فقط أن نحتفل ولا يريد منا أن نستمتع بإجازة تمر كسائر الإجازات، الوطن يريد منا أن نرد جميله بل جمائله في شكل إنجاز للأعمال وحسن في الأداء وإخلاص في العمل ومواطنة صادقة ونبذ للخلافات ودعم للوحدة الوطنية.
هل تساءل كل مسؤول وراجع نفسه ولو في اليوم الوطني وأثناء إجازته، هل أنجز المشاريع التي وعد بها وحصل على ميزانياتها واعتماداتها بالمليارات؟!، ليس إنجازها فقط بل هل أنجزها بالكم والنوع المطلوب والجودة التي توازي ما صرف عليها، هل راجع المقاول المنفذ للمشاريع نفسه فوجد أنه أخلص في إنجاز المشروع بحس وطني (إذا كان مواطنا) أو راقب تنفيذه بأمانة وطنية إذا كان مشرفا هندسيا؟!.
هل فكر المسؤول عن الخدمات العامة أن الوطن يعني المواطن وأن دوره أن يقدم لهذا المواطن الخدمات التي أوكل له تقديمها واؤتمن عليها فهل قدمها بما يليق بالوطن والمواطن؟!.
المسؤول مواطن والمواطن المستهدف بالخدمات مواطن والوطن موطن لهم جميعا فهل توقف كل مواطن أثناء استمتاعه بإجازة اليوم الوطني ليتساءل ماذا قدم للوطن بل هل أساء للوطن ولماذا وكيف؟!، كل مساس بمواطن آخر مساس بالوطن، كل مساس بمرفق داخل هذا الوطن مساس بالوطن، كل تقصير في أداء الدور الوظيفي مساس بالوطن، كل اختلاس من مال الوطن عقوق للوطن.
إذن اليوم الوطني مجموعة تساؤلات لا تتوقف وكم من المراجعات يجب أن لا تنتهي إذا أردنا أن نستشعر يوم الوطن كما يجب وبما يجب، فمن غير المقبول أن نطالب بحقنا في إجازة اليوم الوطني وحقنا في الاحتفاء بيوم الوطن ولا نستغل هذه المناسبة في مراجعة علاقتنا بهذا الوطن.
بقي أن نتذكر كلمات قالها قائد هذا الوطن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لها مدلولات عميقة في معنى المواطنة (وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه)، وتوجيهه بقوله للسفراء (احترموا المواطن يحترمه الآخرون).

هذي المعايدة ولا «بلاش»

اليوم ومع بداية الأجهزة الحكومية والخاصة استئناف نشاطها بعد إجازة عيد الفطر المبارك تقيم كل دائرة حفل معايدة الموظفين لبعضهم البعض ولرؤسائهم، وهو سلوك جيد وعادة حميدة، نرجو أن تدوم، لكننا نتمنى أن نجري عليها بعض التحسينات لتتحقق الفائدة المرجوة منها أو لتكون فرصة مواتية لإنصاف الموظف الصغير وتذكر المواطن المستهدف بهذا التجمع الوظيفي أساسا، وهل قدم له هذا الجمع المهول من الموظفين ما جمعوا من أجله بالطريقة الصحيحة؟
في ما يخص الموظف الصغير فأنا أرى أن حفلات المعايدة تكاد تكون فرصته الوحيدة لمواجهة الوزير شخصيا وجها لوجه، هذا إن حضر الوزير أو المحافظ أو المدير المعايدة ولم ينب عنه وكيلا أو سكرتيرا، والإنابة هذه في حد ذاتها عامل إحباط ولها مدلولات سلبية على الموظفين، خاصة الصغار منهم، لأنها تشعرهم أن اللقاء مع رئيسهم أصبح بعيد المنال حتى في المناسبات الهامة.
الأمر الأكثر إحباطا في المعايدة هو التفرقة بين الموظفين في هذه المناسبة، والاستمرار في التعامل معهم على أساس فئات كبار موظفين وصغار موظفين، وعلية القوم وأدناهم، مع أن صغار الموظفين هم الأساس الذي تقوم عليه المؤسسة، ومع أن حفل المعايدة أساسه ديني إنساني بحت، ويفترض أن تلغى خلاله الفوارق الوظيفية التي هي منبوذة ومحبطة أصلا، والمسؤول الناجح هو من يستشعر أهمية الموظف الصغير ويراعي مشاعره على الدوام، سيما في مثل هذه المناسبات، فالملاحظ في معايدات بعض المؤسسات الحكومية والخاصة أن كبار الموظفين في معزل عن صغارهم، بعيدون عنهم، وأن الموظف الصغير تمد له اليد والعين متجهة للكبير وخير من مثل هذه المعايدة عدمها.
نشر خبر حفل المعايدة في الصحف أمر تحرص بعض الجهات على نشره بالصور الملونة، ولو دفعت مقابلا لذلك من ميزانية التلميع طبعا، لكن بعض الصور تفضح ما ذكرت وخير من نشر هذه الصور سترها.
الأهم من حفل المعايدة هو أن تتذكر الوزارة والمؤسسة كيف عايدت من أنشئت من أجلهم، وهل قدمت لهم الخدمة المناسبة بالطريقة اللائقة، وهل تحقق تطور في الخدمات عن العيد السابق أم أنها في تراجع؟!، هل نحن نتعايد وقد خفضنا البطالة وزاد القبول في الجامعات وتحسنت أحوال المباني المدرسية، وشمل الضمان كل المحتاجين للرعاية الاجتماعية؟! هل وفرت الجامعة المقعد، وركب في المدرسة مكيف ومهد السبيل ويسرت المداخل لمعاق ومقعد، هل حفظت مكانة وكرامة من كان في العيد السابق موظفا مجتهدا وهذا العام تقاعد؟ بل هل دعي لحفل التعايد؟!.
كل هذه أشياء تفوق في أهميتها أن نتعايد لمجرد التعايد ويفوقها أهمية أن يدرك المسؤول المتعالي أنه في العيد القادم قد لا يتواجد، اللهم اجعل خاتمتنا الذكر الحسن.