كارثة جدة شهدت لنا

بعض الكوارث التي نحزن لها حزنا شديداً مثل كارثة جدة التي أبكت أعيننا وما زالت تبكي لها قلوبنا، تذكرني بقصة الخضر التي وردت في سورة الكهف عندما رافقه موسى عليه السلام ولم يسطع صبرا على ما فعل بينما اتضح له لاحقا بعد أن نبأه الخضر بتأويله أن ما حدث يدخل ضمن «رب ضارة نافعة»، ونحن كبشر قد لا نظن نفعاً يأتي من وراء مصاب جلل مثل كارثة جدة، لكننا إذا تذكرنا حكمة الخالق ولطفه ورحمته بنا وازددنا إيمانا أدركنا أنها وقعت لترد ما هو أعظم أو تنذرنا بما هو أخطر أو تكشف لنا ما كنا عنه غافلين!!، وفي مقال سابق ذكرت أن بعض الناس فيهم الخير أثناء حياتهم ويستمر خيرهم بعد مماتهم خصوصا ضحايا الأخطاء والإهمال والفساد فهم ينبهون إلى ما هو أخطر إذا كنا نعتبر.
مع بداية المحاكمات الجادة في كارثة جدة بدأت أمور كثيرة، لا أقول تتكشف، ولكن تثبت ما كنا نحذر منه ويتم نفيه من الفساد!!، وتؤكد ما كنا نخشاه من شيوع أسلوب «شد لي وأقطع لك» بين المسؤولين، وكشفت لنا سر «تطنيش» النقد الصحفي وعدم التجاوب معه وأننا إنما كنا وما زلنا نقول حقاً ونتوجس من حقيقة ونضرب على وتر حساس، وما الصمت والتجاهل إلا صمت المذنب الخائف.
ما كان أحد ليصدق ناقدا لو قال إن فلانا حصل على أكثر من منحة في أكثر من مدينة وبأسعار مليونية بحكم علاقته مع وزراء ومسؤولين، لكن وكيل أمين سابق كشف ذلك في محاكمته في قضية كارثة جدة، وكان النفي سيأتي لو قال قائل إن مسؤولا استغل منصبه ليمتلك شقة فاخرة على الكورنيش قيمتها خمسة ملايين وجاءت كارثة جدة لتكشف ذلك، ومن كان سيصدق أن أميناً يعايد وكيله بخمسين ألفا لولا أن خير ضحايا أم الخير كشف لنا هذا كله؟!.
لقد جاءت هذه الكارثة لتقول لنا «أعقلها وتوكل» امنح الثقة وراقب، دقق في المداخيل واسأل عن مصدرها، وعندما قلت في حوار مع جريدة (اليوم) نشر الجمعة 20 رمضان 1432هـ، «إنني أحلم بمناقشة قضية من أين لك هذا، وأن الأهم من وضع ثقة في مسؤول أن تراقبه على وزن أعقلها وتوكل» كنت أقصد تلافي مثل ما كشفته «عكاظ» أمس.
يجب أن لا تلهينا عبارة أمين أسبق أو وكيل سابق أو مسؤول متقاعد عن الحقيقة المرة وهي أنه عندما ارتكب الفساد كان (مسؤولا حالياً) آنذاك، وهنا تكمن أهمية الرقابة والسؤال.

أضف تعليق