يوم: أبريل 29, 2019

راقبوا سيرهم ومؤهلاتهم يا (نزاهة)

الفساد ليس ماليا فقط، كتبتها منذ ١٣ سنة في صحيفة الرياض وتحديدا في ١٠ يونيو ٢٠٠٦م، لكن اليوم هو أنسب الأوقات لإعادة التذكير بأهمية التركيز على فساد ليس ماليا بالضرورة، وأعني فساد وضع الموظف غير المناسب في مكان حساس وحيوي، و دوافع هذا الفساد كثيرة جدا، ومن أبرزها دافع تغطية فساد أكبر وحماية المدير الذي يحب أن (يتحوصل) بجوقة من الأقرباء والمقربين الموثوقين القادرين على المراوغة والتستر، وهذا هو مؤهلهم الوحيد.

نحن في زمن حزم وعزم وحرب جادة على الفساد، ومن أهم خطوات هذه المرحلة أن تتزامن المحاسبة المالية مع محاسبة إدارية، تركز على التدقيق في أمر أحقية الموظف بالوظيفة والمنصب على أساس مؤهله العلمي وتخصصه ومجال عمله وقدراته، وهل فعلا هو جدير بالقيام بمهام الوظيفة؟ أم أن الوظيفة سخرت له ليقوم بمهام خاصة؟!.

هل من المعقول أن يقوم بمهام تشغيلية دقيقة، بل غاية في التخصص الفني صحيا وطبيا وهندسيا و في مجال التغذية والصيدلة والمختبرات، شخص كل سيرته الذاتية تتركز في أعمال سكرتارية أو مدير مكتب بمؤهل متواضع، علما أن وظيفة التشغيل هي المحرك الرئيس لكل هذه المهام الفنية المتخصصة؟! 

نفس الإستغراب والتساؤل طرحته مرارا في موضوع إيكال الإدارة إلى طبيب، وأحمد الله أن وطني أصبح سباقا في تصحيح هذا الخطأ الفادح، وأصبحت وزارة الصحة تدار بكفاءات متخصصة في الإدارة بدلا من الطب، ولكن لا تزال بعض القطاعات توكل إدارة الشأن الصحي لطبيب، و قلتها مرارا: الطبيب قد يكون مشرطا طبيا لا يعلى عليه ومشرطا إداريا لا يعول عليه!، وأردفت بسؤال منطقي: إذا أوكلنا الإدارة لمتخصص في الطب،  فهل يمكن لمتخصص في الإدارة أن يجري عملية جراحية أو يعالج مريضا؟!.

وحتى لا يفهم أنني أركز على خطأ إيكال الإدارة لطبيب، دعوني أقول أن أكثر القرارت غرابة بل وسذاجة هو ما قرأته عن إيكال إدارة التشغيل لصيدلاني! بالله عليكم ماعلاقة الصيدلة بالتشغيل ومن هو هذا الصيدلي الجهبذ الذي أفنى عمره في تعلم الصيدلة  و لديه إلمام وعلم  بإدارة التشغيل؟!، أيضا هذا سيكون إداريا (لا يعول) عليه.

قس على هذه الأمثلة ما شئت وستجد أننا لابد أن نراجع السيرة الذاتية والخبرة  و المؤهل والتخصص لجميع الوظائف بدأ بتلك الحيوية ، وسنجد أن أكثر دوافع التعيين هو دافع (شد لي واقطع لك) فاقطعوا دابره  فإنه عامر بالفساد.

تناقضات أخطر

تطرقت في مقال سابق إلى تناقضاتنا واستشهدت بمحاسبة الفاسد ماليا و ترك الفاسد إداريا، وضربت مثلا بعدم معاقبة نسبة كبيرة من أطباء حكوميين يتركون مقر عملهم للعمل في مستشفى خاص مخلفين أخطاء طبية وهدر للصحة والمال، وتطرقت لمدير يتقشف في خدمات أساسية و قيمة تغيير ورد مكتبه يوميا تفوق ما يرفض تقشفا.

ثمة الكثير من التناقضات التي لا تقل خطورة، منها محاولة الاعتراض على علاج مرضى في الخارج لا يتوفر علاجهم  في الداخل، بحجة التوفير، بينما عدم علاجهم وتعريضهم و أسرهم للنتائج المترتبة على الإهمال جسديا ونفسيا و إعلاميا  تحتاج إلى تعامل نفسي ومعنوي و إعلامي أكثر تكلفة بكثير من انتداب مستحق للعلاج، والمثال القديم الجديد على ذلك تعنت طبيب في رفض استكمال  انتداب بنات مواطن يعانين من مرض العظام الزجاجية في المرحلة الأخيرة من العلاج، بينما إهمال المراحل السابقة خسارته المادية أكبر بكثير و تكاليف مراجعة البنات عند كل كسر كبيرة جدا، أما المثال الجديد فهو رفض انتداب الشاب خلف الحربي الذي تقرر داخليا بتر قدمه بينما هو وجد علاجا في ألمانيا عن طريق طبيب سعودي ينقذه من البتر( حسب برنامج ياهلا)، وبصرف النظر عن التفاصيل الطبية فإن الأثر النفسي وأثر الإعاقة ونتائجه مجتمعيا لو بتر قدم خلف وهو يشعر بوجود حل أكبر من تكاليف إرساله للخارج ومنحه الفرصة، كما أن البعد الإعلامي لقصته وشكواه يكلف أكثر، وفي الحالتين، العظام الزجاجية والبتر فإن ترك القرار لنفس الطبيب أو نفس اللجنة له محاذيره فمن حق المريض أخذ رأي طبي ثاني وثالث في قرار مصيري.

و من تناقضاتنا أننا نخصص أعدادا كبيرة من الموظفين لاستقبال البلاغات و الشكاوى سواء في وزارة التجارة أو الصحة ونخصص لها أرقاما قصيرة، بينما التجاوب معها يستغرق أرقاما طويلة من الشهور أو السنوات!.

ومن تناقضاتنا المجتمعية أن الشخص ينتقد سوء الرعاية الصحية وهو ينفث سيجارة و يستعد لإشعال أخرى!!، و هذه الأيام ارتفعت عقيرة التنافس في إقامة حفلات التخرج لأطفال في الروضة أو الإبتدائية أو حتى الثانوية، يتنافس فيها أهل الطالب أو الطالبة  في التباهي والمفاخرة في تكلفة الحفل وقيمة هدية التخرج، بينما أمر مذاكرة الطالب و متابعة واجباته متروك للعاملة المنزلية والسائق بل أن الأب و الأم لا يعرف موقع المدرسة قبل حفل التخرج الذي يقهر فيه طالب يتيم أو والديه لا يستطيعون مجارات غيرهم في قيمة الهدية وتكلفة الحفل!.

و منا من يدعي ليبرالية وحرية رأي  و يطالب بتحرر كل نساء العالم وهو يضرب إبنه إذا ناقشه و يعنف  زوجته إذا أبدت رأيا يخالف رأيه أو طلبت حقا مشروعا ولو بزيارة أهلها، و ثمة من يطالب بالسماح بسلوكيات خادشة للذوق العام في بلد مسلم، مدعيا تأييده لممارسة الحريات الشخصية، بينما يؤيد نزع النقاب أو الحجاب بالقوة في فرنسا!.

و شاهدنا و شهدنا من يدعي الوطنية و الولاء قولا و يمارس تشويه وطنه في أقرب سفارة أو قناة إعلامية معادية!.               

طفلي..استودعته الله ثم الحرس

قلتها سابقا و أقولها دوما، كانت الصعوبات كبيرة جدا، ولكن  رجالات  الحرس الوطني السعودي أصعب وأقوى من كل صعوبة، هذا ما أثبته تأسيس المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات بالحرس الوطني عام ١٩٩١م و نجاحه في إنتاج أمصال فعالة بعد ست سنوات فقط من التأسيس، مع أنها أدوية تحقن وريديا ويبرز حجم الإنجاز عندما نعلم أن أدوية الحقن الوريدي من منتج بيولوجي هي أكثر الأشكال الصيدلانية تعقيدا وصعوبة  فهي  يجب أن تكون عالية التعقيم  و لا يمكن تعقيمها بالحرارة.

عندما لا حظنا في أواخر الثمانينيات الميلادية، ونحن مجموعة أكاديميين متخصصين في علم الأدوية والسموم أن الأمصال المستوردة لا تعادل سموم ثعابين وعقارب شبه الجزيرة االعربية و أن الملدوغين يتوفون رغم وصولهم للمستشفى و إعطاء المصل المستورد في الوقت المناسب وبالجرعة المناسبة، عقدنا عدة اجتماعات ومؤتمرات علمية جميعها أكدت أن وقف الوفيات من عضات الثعابين ولدغات العقارب لن يتحقق إلا بإنتاج مصل محلي مستخلص من سموم الثعابين والعقارب التي تعيش في بيئة شبه الجزيرة العربية، قمنا بإعداد مشروع مقترح لإنشاء مركز أمصال وطني، وعرضنا المشروع على أكثر الجهات تضررا وهي وزارة الصحة، لكن معالي الوزير (آنذاك) فيصل الحجيلان (رحمه الله) اعتذر عن تبني المشروع لصعوبته، عندها قمت بعرض الفكرة على المغفور له بإذن الله الدكتور عبدالمحسن بن عبدالله التويجري وكان آنذاك مدير التطوير الطبي بالحرس الوطني، فتبنى مشروع مركز الأمصال و عرضه على المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز وكان آنذاك وليا للعهد ورئيسا للحرس الوطني فوافق على الفور و منحنا كل الدعم ماديا ومعنويا.

تمكن المركز في منتصف عام ١٩٩٧م من الإنتاج وهو زمن قياسي مقارنة بكون المنتج دواء حقن وريدي و بدأت المملكة الإعتماد على المنتج عام ١٩٩٨م و بدأ المركز في عام ١٩٩٩م تلبية جميع احتياج الشراء الموحد لدول مجلس التعاون إلى هذا اليوم، بل غطى احتياج الأردن و صدر لأمريكا ودول أوربية احتياجاتها لأمصال لسموم ثعابين وعقارب الجزيرة العربية  لفرق التنقيب عن البترول والتدريبات العسكرية في المنطقة  و أصبح مصنعا متميزا وحيدا من نوعة في الشرق الأوسط وتمكن منذ بداية عام ٢٠٠٠م من إخراج المصل  المستورد من المنطقة العربية، وتم خفض نسبة الوفيات من الثعابين والعقارب إلى صفر( باستثناء من لم  يصل المستشفى ولم يحقن بالمصل)، ولم يسجل للمصل حتى اليوم أي أثار جانبية ولم تفشل منه تشغيلة واحدة ولله الحمد.

بدعم خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز و اهتمامه حقق  المركز الوطني لانتاج الأمصال واللقاحات بوزارة الحرس الوطني نجاحا باهرا  في جودة و فاعلية المنتجات ومباشرة حالات اللدغ في الطوارئ  و تثقيف الأطباء وتوعية  العامة و أكد المركز الوطني، منذ  ٢٨ سنة، مقولة اليوم  الخالدة لصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ( لدينا شعب بهمة جبل طويق) وقد كان لي شرف تنفيذ الرغبة الملكية الكريمة بتأسيسه و إدارته منذ التأسيس وحتى أول رجب لهذا العام حيث تقاعدت وودعت المركز وقد حقق نسبة سعودة تفوق ٦٠٪ من الكيميائيين والصيادلة وسياس الخيل والفنيين وفنيي الأجهزة والإداريين وجميعهم  بخبرة نادرة وهامة، إلى جانب أشقاء عرب متخصصين و مخلصين فلم تكن لدينا عقدة (الخواجة) ولم نحتج قط لخبرات غربية، بل هم من احتاج للمركز حيث أصبح مرجعية لمنظمة الصحة العالمية في مجال أمصال سموم الثعابين والعقارب، ومصدر للأمن الدوائي في مجال الأمصال للمملكة ودول الخليج والدول المجاورة، ينتج حسب الطلب، ومن دواعي فخره أنه لبى احتياجات الحد الجنوبي فوريا عدة مرات بتعاون جميع الجهات .

لقد ودعت علما نافعا وإنجازا وطنيا شهدت ولادته كطفلي بل أعتبره أهم من أبنائي و استودعته الله ثم وطن قدم للعالم كل عمل نافع، واستودعه الحرس الوطني الذي تبناه و تبنى منجزات عدة ثقافية وتعليمية  وعلمية  وصحية، وأجزم أنه سيحقق المزيد من النجاح.