يوم: أبريل 12, 2020

من نكت البحث العلمي .. الضب و العقرب و الشرطة

البحث العلمي، هذه الأيام، أيام جائحة كورونا، أصبح جله نكت و طرائف، فكل مركز أبحاث ناشيء يدعي أنه اكتشف لقاحاً أو علاجا لكورونا، حتى أن إخواننا المصريين (ملوك النكتة) قالوا أن مركز أبحاث في جامعة بني سويف توصل لاكتشاف لقاح فعال بنسبة ١٠٠٪ حيث يقوم بقتل فيروس كورونا والمريض معا !، وفي هذا الصدد، إدعاء اكتشاف لقاح كورونا، عندنا و عندهم خير، لذا أكرر الدعوة لمراجعة و إعادة تقييم مؤهلات القائمين على مراكز الأبحاث و مراقبة صرف الأموال فيها.

و عودا لموضوعنا الأساس، (نكات و طرائف البحث العلمي) مررت بموقف طريف أثناء إجرائي أبحاثا لتحضير أمصال فعالة لمعادلة سموم الثعابين أو العقارب في حدود شبه الجزيرة العربية باستخدام سموم ثعابين أو عقارب تعيش في مناطق المملكة العربية السعودية، وقد استغرق الأمر أكثر من ٥ سنوات، مع أنه مستحضر وليس دواءً جديدا، ونجح ولله الحمد.

كنت أجري تجارب على الحيوانات، مثل تأثير السم على الأوعية الدموية للنصف السفلي للجرذان أو رحم الفارة أو عضلة ساق القط أو ضغط الدم في الأرنب، وغيرها من تجارب تحتاج مراقبة الأجهزة والتغيرات وتستغرق ساعات مراقبة طويلة تصل ل ١٨ ساعة.

قررت أن أستغل الوقت و أجري تجارب خارج حدود بروتوكول تحضير المصل، وكنت قد لاحظت من هواية صيد الضب (حيا) أن في كل جحر ضب تعيش عقرب سوداء، وكنت اتساءل كباحث، هل هذا التعايش يتم لأن العقرب لا يلدغ الضب أصلا أم أنه يلدغه و لا يتأثر بالسم و ما سر هذا التعايش، رغم معرفتي أن الضب من ذوات الدم البارد التي حساسيتها للسم ضعيفة جدا، فقمت بإحضار ضب كبير و وضعته مع عقرب في وعاء زجاجي كبير مكشوف و أصبحت أراقبه، هل تلدغه العقرب أم لا، و لأن الضب خامل الحركة في الأسر اضطررت لوضع لمبة قوية تسلط الحرارة و الضوء عليه لينشط ويتحرك فتلدغه العقرب و أنا أطل بوجهي على الإناء المكشوف والضب يتحرك.

دخل علي أستاذي البروفيسور المصري القدير محمد إسماعيل حامد عالم السموم الشهير عالميا و المشرف على رسالتي و أبحاثي، وسألني متعجبا (بتعمل إيه) و شرحت له فكرتي فرد غاضبا: كذا الضب ممكن يخبط العقرب بذيله ( يقصد عكرته ) ويرميها في وجهك!!. هنا برز فارق الخبرة (درس للمبتدئين)، وأدركت أن الضب كان سيراقب بسعادة بالغة لسعات العقرب في وجهي وكيف سيؤثر سمها في ملامحي! لكنني كنت مصرا علي استكمال المراقبة، فغطيت الإناء بلوح زجاجي وواصلت المراقبة، ومرت أيام ولم تلدغه العقرب فقررت الانتقال لمرحلة أخرى وقمت باستحلاب السم من العقرب بالتنبيه الكهربائي ثم حقنت كمية من السم تعادل ضعف الجرعة الكافية لقتل أرنب في عضلة رجل الضب، فحصل تشنج مؤقت في رجله لدقائق لكنه لم يمت رغم مرور أسبوع، فقررت إطلاق سراحه (للمعلومية أكل سم العقرب أو الثعبان لا يؤثر في الإنسان مالم توجد جروح بالفم توصله للدم لأن السم بروتين يهضمه حمض المعدة).

بدأت النكتة عندما أخذت الضب لإطلاق سراحه في موقع معشب مناسب و توجهت من جامعة الملك سعود في اتجاه صلبوخ و شاهدت على يميني منطقة خضراء وكان الوقت عصرا قبل غروب الشمس، فتوقفت و وضعت الضب في الأرض أمام عبارة وبدأت التحرش بعكرته ( لا تشملها عقوبات التحرش) أملا أن يتحرك للأمام و لا يعود للطريق فيدهس، وتحرك فعلا ودخل في الشعيب المعشب و أنا أرقبه كي لا يعود، لكنني  شعرت بشيء يقف خلفي و ظل ضخم امتد أمامي، فشعرت بالخوف، الذي تحول لرعب بعد أن شعرت بيد تقبض على رقبتي من الخلف و ترفعني!!.

استدرت لأجد ضابط شرطة يرفعني  و سيارة دورية تقف بعيدا و فيها زميله الذي انضم لاحقا، قال الضابط: ( وش تسوي؟ ) قلت ( أطلق ضب، بس عيا يمشي قدام و خفت يرجع ورى) ، قال ( لا،، أنت إلي بتمشي قدامي للدورية!!).

لم أكن أحمل ما يثبت أنني باحث فشرحت له وضعي  و من حسن حظي أن بالطو المختبر و بداخله ساعة الإيقاف و بعض أوراقي كان في سيارتي و قلت له ( ما الخطأ الذي ارتكبته؟!) فأشار إلى لوحة كبيرة  فوق الشبك تقول ( قوات الأمن الخاصة ) فأدركت أنني كنت أمارس عملا مشبوها تحت شبك منطقة حساسة، فشرحت موقفي و اعتذرت لعدم انتباهي للوحة و أن العشب أشغلني عنها، و قبل عذري و أطلق سراحي، وكأني بالضب يقول ( خل العقرب تنفعك ).