شهر: مايو 2020

مستشفياتنا الخاصة .. إبن عاق أم مدلل؟.. لك الويل لا تزني ولا تتصدقي

لا نحسد المستثمرين في المستشفيات الخاصة، لكن وطننا لا يحسد عليهم، ولو كنا سنحسد أحد لحسدنا غيرهم من التجار، فالأمر لا يتعلق بحسد على نعمة، بل بأسف على عدم تقدير نعمة (نعمة وطن) أعطى أرضا و قرضا و دعما وتشجيعا و لم يجن إلا تحايلا و مخالفات و نكران و تهديد بنقل النشاط للخارج و تمويه فعلي مني بفشل ذريع، فلن تجد أصبر على المستثمر من وطن كالسعودية ولن تجد استثمارا ناجحا إلا في وطن عدد سكانه مثل السعودية، لذا فقد فشلوا في دول مجاورة و عادوا لكن دون إمتنان فحق التعامل معهم بما يستحقون.

بدأت المستشفيات الخاصة نكرانها برفض إسعاف الحالات الطارئة (مع أنه شرط من شروط الترخيص) فمات على أبوابها عدد من المصابين في حوادث دهس و حوادث سير، ثم و (للأسف) إنحاز معهم شركاء تجارة فصدر تعميم مؤسف باقتصار فرض قبول الحالات الإسعافية في طوارئ المستشفيات الخاصة على الحالات الحرجة ( ولم يتم تعريف الحالات الحرجة ) فأوجد لهم شركاؤهم عذرا فرفضوا حالات خطرة تنزف حتى الموت، وطالبنا بتعريف مفصل للحالات الحرجة ولم يحدث رغم تعدد وزراء الصحة من الأطباء!.

ثم أرهقت المستشفيات الخاصة كاهل المواطن، الذي لم يجد موعدا قريبا في المستشفى الحكومي، بفواتير عالية مبالغ فيها وغير مدققة، و أصبحت تحتجز مرضى و مواليد ولا تخرجهم إلا بعد الدفع (والحسابة تحسب)، وعندما تكفلت وزارة الصحة بدفع فواتير من تحيلهم للخاص، لعدم توفر سرير، حصل تلاعب كبير و تضخيم لمصاريف غير مدققة (الوحيد الذي كان يدقق فواتير المستشفيات الخاصة هو الدكتور محمد المعجل، رحمه الله، عندما كان مدير الشؤون الصحية بالوسطى).

وحاليا عندما جاءت شركات التأمين أصبح التلاعب أكبر، فبعض المؤمن عليهم من الوالدين يغطي تأمينهم العيادات الخارجية فقط، لذا فإن المستشفى الخاص يدخلهم كمرضى داخليين لأي سبب ثم يرغمهم على دفع مبالغ طائلة بحجة أن التأمين للعيادات الخارجية فقط!.

ثم جاءت الطامة الكبرى وهي إغراء المستشفيات الخاصة لأطباء حكوميين، أشهروا أنفسهم عنوة في الصحف، بفتح عيادات لهم في الخاص مخالفة لكل الأنظمة و الأعراف و تقاسم غلة العمليات والكشفيات المبالغ فيها دون أن تحصل الدولة على حصتها!! فالطبيب حكومي و سرق وقت المستشفى الحكومي و أهمل مرضاه و أصبحت مستشفيات الحكومة خالية من أطبائها نهارا جهارا، و أهمل طلبة الطب والمتدربين و أصبحت العمليات في الحكومي يجريها قليل خبرة و كثرت الأخطاء الطبية، والسبب جشع تجار طب وعدم ردعهم وخيانة طبيبل فاسد للأمانة!!.

وجاء الحج وتفويج الحجاج المرضى ولم تشارك المستشفيات الخاصة ولا بسيارة إسعاف أو جهاز، وجاءت كورونا ولم يسهم إلا مستشفى أو إثنين ليس منهم من سرق أطباء الحكومة ولا وقت مرضى المستشفى الحكومي، بل أن من سرق تمادى ففتح عيادات لأطباء الحكومة، المتوقفة عياداتهم بسبب كورونا، وجعل عياداتهم ب ١٦٠٠ ريال و فتح لهم تطبيقات هاتفية وكل سؤال يسبقه دفع ٢٠٠ ريال، وكل هذه مبالغ يفترض أن تستردها الدولة مع غرامات مجزية ورادعة.

ثم يدعي ذات السارق للوقت والجهد، الناكر لفضل الوطن، يدعي أنه ساهم في كورونا (وهو لم يساهم ولا بريال أو كمامة إلا أن يكون ساهم بنشر الفيروس) و يمن على الوطن مع أنه لو ساهم حقا فمساهمته لا تعدل عشر ما أخذ!! لذا تذكرت بيت لإسماعيل بن عمار الأسدي:

كَمُطعِمَةِ الأيتام مِن كدِّ فرجِها …. لكِ الويلُ لا تزني ولا تتصدّقي

ضريبة القيمة المضاعة

ضريبة القيمة المضافة حق وطني فرضه ظرف طارئ سيزول بحول الله، و لا اعتراض عليها، وقد قلت عنها في محاولة شعرية: بدل الغلاء لوطن الغلا يرخص،، وقيمة وطنا فوق كل إضافة، لكن ما أنا بصدده الآن والذي أرجو أن يتنبه له الوطن، ممثلا في معالي وزير المالية، هو ما أسميته (ضريبة القيمة المضاعة) وهو جزء من المال العام تمت سرقته واختلاسه دون أن يشعر به أحد، وكتبت عنه وتحدثت عنه في عدة حوارات تلفزيونية من وجهة النظر الإنسانية و الطبية، لكنني أتحدث عنه اليوم من وجهة نظر آخرى لا تقل أهمية وهي المالية.

مستشفيات و عيادات القطاع الخاص بدأت منذ عشرات السنين بإفساد كثير من الأطباء العاملين في المستشفيات الحكومية بالاتفاق معهم على أن تكون لهم عيادات في المستشفى الخاص يستقبلون فيها المرضى، بل ويحيلون مرضاهم في المستشفى الحكومي إلى هذه العيادة (بحجة تأخر مواعيد الحكومي) بمقابل مادي كبير طبعا، و يجرون عمليات كبرى و صغرى في المستشفى الخاص بمقابل مادي كبير جدا يتقاسمه المستشفى الخاص والطبيب ( يتقاسمان و يقصمان ظهر المريض).

لن أتحدث عن مخالفة هذا العمل لجميع الأنظمة والتشريعات و التوجيهات السامية التي صدرت بحقه، فقد نبهت إليه كثيرا، ويكفي أن المخالف هنا يتقاضى بدل تفرغ و يخرج من دوامه الحكومي نهارا جهارا لعيادة بمستشفى خاص بارتباط غير نظامي.

هذه المرة أتحدث عن حق الحكومة في هذه الممارسات، و إن كانت خاطئة، لماذا يضيع؟!.

الدولة عندما وافقت على تأسيس ما يسمى بمركز الأعمال في المستشفيات ، والذي يقصد به عيادات مدفوعة خارج الدوام في ذات المستشفى الحكومي لاستيعاب من يريد أن يعالج بمقابل مادي، لم تهمل حق وزارة المالية من دخل هذا المركز ، وحددت نسبة المالية ب ٢٥٪ من دخل مركز الأعمال، وطبعا شعرت مستشفيات التجار بالمنافسة و أرادت استغلال إسم و شهرة الطبيب الإستشاري السعودي، فقالت (تعال نفتح لكل العيادات و غرف العمليات و احصل على دخل إضافي و اخرج من دوامك و حول لنا مرضاك و راتبك في الحكومي كامل و عملك فيه ناقص!).

الدولة، أعزها الله، صرفت على تعليم ذلك الطبيب و تدريبه و ابتعاثه و وظفته و دفعت له مرتبا كاملا و بدل تفرغ و لم يتفرغ ، والمستشفى الخاص سرق ساعات عمله ووقته وتركيزه و شهرته ومرضاه واستغلها (باردة مبردة) دون أن يشارك في التكلفة! فلماذا لا تستعيد وزارة المالية ٢٥٪ ( على الأقل ) من دخل تلك الممارسات بأثر رجعي  و هي حق من حقوقها و ( ضريبة مضاعة) و أيضا تطبق بحق المستشفى الخاص والطبيب غرامات مليونية لمخالفة الأنظمة، تتناسب مع شناعة المخالفة و عظم أثارها على المرضى و الإنضباط في المستشفيات الحكومية، ولولا هذه المخالفة ما تأخرت المواعيد و ساء التعامل أصلا، وغني عن القول أن تلك المستشفيات الخاصة لا تقوم بأي مسؤولية اجتماعية فلا تشارك في مواسم الحج ولم تشارك في أزمة كورونا بل استغلتها بتطبيقات لاستشارات مدفوعة بأسعار خيالية لنفس الأطباء الحكوميين اللذين يتقاضون رواتبهم وهم لم يعملوا لتوقف عياداتهم الحكومية.

لا يخدعنك من يقول عملهم نظامي فالسماح تم للأطباء من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات وخارج وقت الدوام الرسمي وفي العطل و بشروط دقيقة منها موافقة الجامعة دوريا و جدول واضح و مسببات واضحة.     

أنفلونزا (يرحمكم الله) غير فيروس (الله يرحمهم جميعا)

سيناريو المانع الأكثر خطرا و ضررا

في مقاله يوم الاثنين الماضي في (عكاظ) أكد معالي وزير الصحة السابق صديقي العزيز جدا و صديق الجميع الطبيب حمد المانع، أكد ما ذكرته في برنامج (الأسبوع في ساعة) على روتانا بأنه من أسباب نجاحنا في السيطرة على كورونا استراتيجية الفريق المتكامل التي وجه بها الملك سلمان حفظه الله وقادها ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بروحه الوثابة و منحه للصلاحيات الفورية المبنية على الحقائق العلمية ثم كون وزير الصحة إداريا خبيرا يعتمد أراء كل الفريق الصحي والعلمي ولو كان وزير الصحة طبيبا لربما استفرد بالرأي الطبي فقط و تعصب له.

الطبيب حمد المانع في مقاله طبق ما توقعت، و قارن فيروس كوفيد١٩ المستجد سريع الإنتشار، القاتل للأصحاء و الشباب بفيروس الانفلونزا العادية، و أورد إحصاءات غير دقيقة بل أساسها نظري ضعيف جدا و منسوب لأعداد السكان و ليس لحالات و فيات محددة السبب مثل الوفيات من كوفيد١٩، فقد أورد معاليه رقما متداولا بالنقل لا بالتسجيل مفاده أن معدل الوفيات سنويا من الانفلونزا العادية في السعودية هو ١٤٧٠٠ وفاة وهذا رقم لم يستحصل عليه من سجلات المرضى كما هو الحال في كورونا المستجد، واؤكد لكم ، وقد تأكدت، أن سجلات وزارة الصحة منذ عدة سنوات و حتى قبل كورونا بقليل لا تسجل سبب الوفاة الأولي بدقة إلا في حوادث المركبات، و قد راجعت شخصيا آلاف ملفات المتوفين عند التفكير في تأسيس مركز أمصال سموم الثعابين والعقارب في أواخر الثمانينات الميلادية لمعرفة علاقة اللدغات بالوفيات وراجعتها مرة أخرى قريبا جدا قبل تقاعدي لإجراء الدراسات الإكلينيكية و كان ما يسجل فقط هو السبب الثانوي للوفاة مثل توقف القلب، مثلا، وكان ولازال لزاما أن نعود للتاريخ المرضي أو الملف في الطوارئ لمعرفة سبب الوصول للمستشفى، فكيف بحالات انفلونزا عادية أن تسجل كسبب أولي و رئيس للوفاة، من الممكن أن يكون السبب الأساس مرض عضال أو روماتيزم في القلب، أو إيدز، مثلا، ثم ولضعف المناعة أصيب بالأنفلونزا و توفي لا بسببها ولكن لأنه معتل الصحة أصلا، فلم تسجل حالات وفيات لأصحاء بالإنفلونزا العادية كما هو الحال في الكورونا المستجد الذي قتل شبابا و أصحاء و رياضيين.

ثم أن سرعة الانتشار في حالة كوفيد ١٩ مهولة جدا و سريعة ولا تقارن بالانفلونزا العادية و أعراضه (إذا وصلت مرحلة حرجة) وصفها الناجون بألام شديدة تشعرهم بأنها سكرات الموت.

وتطرق معاليه إلى مناعة القطيع، و نسي تماما أن هذا النوع من المناعة مقبول في فيروس تنتقل عدواه ببطء أي (يمهل المنظومة الصحية لاستيعاب الأعداد)، أما في حالة كوفيد ١٩ فأنت أمام معدل شهري للإصابات لا يمكن أن يتم استيعابه و يؤدي لانهيار النظام الصحي خلال شهر واحد، وكيف نقول ذلك ولدينا تجربة إيطاليا التي أهملت و طبقته ووصلت لمرحلة ترك مرضى يموتون دون جهاز تنفس ولا عناية مركزة، وممارسين منهارين و محبطين.

ثم أن العبرة بعدد الوفيات خلال شهر و ليست العبرة بعدد من يكتسب مناعة القطيع خلال سنتين أو ثلاث، و هذا ما جعل كورونا الجديد يرعب كل أنظمة الصحة في العالم، و يحير منظمة الصحة العالمية، ويوقف كل نشاط، إلا نشاط الدفن والتوابيت و أرقام المقابر لا تكذب، فهل فعلت ذلك الانفلونزا العادية؟! التي حدها تشميت عاطس ( يرحمكم الله) أما كوفيد ١٩ فلا يرضيه إلا ( رحمهم الله جميعا).