الشهر: جويلية 2002

الحلوى الفاسدة لماذا أعيدت؟!

امتداداً لما كتبته في هذه الزاوية يوم الأربعاء الماضي بعنوان “عقوبات تشجع الغش التجاري” حول ما أظنه من عدم كفاية غرامة مائة ألف ريال وقفل المستودع (90) يوماً في حق من يبيع أو يوزع حليب أطفال منتهي الصلاحية وهشاشة هذه العقوبة في حق مثل هؤلاء المجرمين في وقت ترتفع فيه الرسوم تدريجياً على ذوي الدخل المحدود في حين يفترض رفع الغرامات فيما يخص المخالفات التجارية ومنها الغش قبل التفكير في أي شيء آخر.

أقول امتداداً لهذا الموضوع أجد من الضروري التطرق لأمر ورد في نفس الخبر أو نفس اليوم في عدد من الصحف وهو إعادة كميات من الحلوى الأردنية غير الصالحة لاستخدام الآدمي وأخرى من سوريا غير مطابقة للمواصفات وبعض المواد الغذائية من دول أخرى وجد أنها في حال سيئة أو غير صالحة للاستخدام الآدمي.

هنا لابد من وقفة هامة تتعلق بمفهوم اعادة ما يصل إلى موانىء المملكة من مواد غذائية غير صالحة للاستخدام الآدمي أو أثبتت فحوصات مختبرات الجودة عدم صلاحيتها أو عدم مطابقتها للمواصفات، فهذه المادة طالما أنها ترد إلى وكلاء يعلمون جيداً ضرورة مطابقتها للمواصفات وصلاحيتها للاستخدام الآدمي، وهي تصدر من تلك الدول من مصانع تدرك هذه الحقيقة فإن من المفترض عدم إعادتها بإتلافها واعتبارها لم تصل للوكيل وبالتالي فإن المصنع أو المصدر يتحمل مغبة هذا الإجراء وما يترتب عليه من خسارة كما يجب أن يتحمل الوكيل في المملكة غرامة مجزية تعادل الخطورة المترتبة على استخدام هذه المواد لو نجحت في المرور أو اجتازت العينة العشوائية منها الفحوص وأعطت انطباعاً خاطئاً عن صلاحيتها وبالتالي وصلت لمستخدم وسببت له أضراراً صحية..

إن تطبيق الاتلاف للمواد غير الصالحة يحمل عدة مضامين إيجابية تشتمل على سبيل المثال لا الحصر: تشكيل رادع قوي لمن تسول له نفسه تمرير مواد غير صالحة فهو إذا علم أن هذه المواد سوف تتلف إذا ضبطت فإنه لن يجازف بإرسالها للمملكة أما إذاكان يعلم بأن أقصى ما سيتعرض له هو إعادتها فإنه في ظل غياب الضمير لن يتردد بتصديرها فليس هناك ما يدعو لمجرد القلق.

الإيجابية الثانية هي حماية الإنسان في دول أخرى ليس لديها إمكانية إجراء الفحوص أو تفتقر إلى وجود أنظمة رقابية متطورة وبالتالي فإن مصير هذه المواد بعد إعادتها سيكون إعادة تصديرها لهذه الدول وتضرر سكانها.

الإيجابية الثالثة تتمثل في توفير عناء إجراءات الإعادة على موانىء المملكة وما يسببه الأخذ والرد في هذا الخصوص من شغل هذه المواد لمساحات في الموانىء.،، وفي حين لايكلف الاتلاف سوى تشكيل لجنة من كافة الأطراف بما فيه المصدر والوكيل والاتلاف السريع لتلك المواد الضارة..

وللمعلومية فإن إجراء الإتلاف هذا تطبقه وزارة الصححة السعودية في حق كل دواء لا يجتاز فحوص المختبر المركزي حتى الأدوية المصنعة في المملكة،، وهي خطوة تشكر الوزارة على تطبيقها دون هوادة ما جعل للمملكة هيبة شديدة في هذا الصدد، وتجد هذه الخطوة قبولاً لدى الجميع بما فيهم مصانع الأدوية الوطنية ويشكل الإتلاف أحد أهم العوامل في رفع كفاءة الصناعة الدوائية السعودية إلى جانب الهدف الأسمى وهو حماية المريض من أن يداوى بما هو داء.

أتمنى أن تستفيد وزارة التجارة والجهات المعنية في الموانئ من تجربة وزارة الصحة في هذا الصدد وأن نسمع قريباً عن إتلاف المواد الغذائية غير الصالحة بدلاً من إعادتها كما ورد في الخبر.

عقوبات تشجع الغش التجاري

أعلنت وزارة التجارة ممثلة بمكافحة الغش التجاري كشف عدد من عمليات الغش التجاري في مستودعات تحتوي على حليب الأطفال منتهي الصلاحية يجرب بيعه وترويجه وذكر الخبر أن العقوبة بحق أصحاب هذه المستودعات هي غرامة مائة ألف ريال وقفل المستودع (90) يوماً. وأعجب كيف تطبق الحنية والرأفة بمثل هؤلاء المجرمين في وقت ترتفع فيه الرسوم تدريجياً على ذوي الدخل المحدود إلى درجة التفكير في تطبيق رسوم على الطرق.

إذا قسنا هذه العقوبة بالمفهوم التجاري مفهوم الربح والخسارة وهو في صميم تخصص وزارة التجارة فإن أولئك الغشاشين رابحون لا محالة حتى مع خصم مائة ألف ريال وإغلاق المستودع (90) يوماً فهذا المبلغ لا يشكل سوى قيمة بضعة “كراتين” والتالي فإن المجازفة بممارسة الغش التجاري تعتبر أمراً مشجعاً للغاية فذلك الغشاش لو نجح في ممارسة جرائمه مدة ثلاثة أيام سيكون قد ضمن ربحاً كبيراً حتى لو تم القبض عليه، خاصة وأن الربح في سلعة منتهية الصلاحية يعتبر 100% لأن الأصل هو إتلاف هذه السلعة أي أن قيمتها الفعلية قبل البيع هي صفر.

هذا فيما يخص ممارسة الغش في حق أبناء الوطن والمقيمين فيه حيث يعتبر بناء على العملية الحسابية آنفة الذكر رابحاً في كل الأحوال وإذا لم يقبض عليه أو تأجل القبض عليه بضعة أسابيع فإنه سيصبح مليونيراً في ظل تلك العقوبات الهشة المشجعة.

دعونا ننظر للطرف الآخر وهو الوطن، كم سيتكلف نتيجة لتلك العملية؟!.

قد ينتج عن استخدام حليب أطفال منتهي الصلاحية عدد كبير من الوفيات لفلذات أكباد مواطنين أو مقيمين ولا يحق لنا هنا وضع قيمة مادية لخسارة بشرية لأنها لا تقاس بثمن، ناهيك عن ما يترتب عليها من آثار نفسية على الأهل يعاني منها المجتمع ويدفع تكاليف علاجها وثمن انخفاض انتاجية أفرادها، هذا فقط من منظور اقتصادي.

بالمناسبة فإن دية المقتول خطأ كحوادث السيارات هي مائة ألف ريال للفرد الواحد، ولا أعتقد أن القاتل بحليب منتهي الصلاحية يصنف ضمن القتل الخطأ وأذكّر بأنه قتل جماعي إذا حدث وليس قتل فرد.

التكلفة الوطنية الثانية تتمثل في علاج المصابين جراء تناول حليب منتهي الصلاحية إذا كتبت لهم الحياة وهذه أتمنى من وزير التجارة أن يطلب من وزارة الصحة أو أي قطاع صحي آخر إفادته عن فواتيرها!!.

الخسارة الوطنية الثالثة تكمن في تشجيع سلوك الغش والفساد والممارسات الخاطئة على حساب السلوك التجاري السليم “الحلال” فالعقوبات الهشة، المشجعة تشكل وسطاً مناسباً لتفشي الانحراف من المسار السليم إلى الخاطئ إذا نجح الشيطان في مادة الرياضيات ووضع أمام التاجر عدداً من الخيارات المحاسبية للربح والخسارة بناءً على حساب العقوبة الدنيوية الخاصة بوزارة التجارة والأرباح التي تترتب عليها!!

وقد يقول قائل إنك بما كتبت فتحت العيون وسهلت على إبليس عمله وهنا أقول إن عيون الغشاشين مفتوحة بحجم الريال ويبقى أن تفتح وزارة التجارة عيونها!!.

الخسارة الوطنية الرابعة تكمن في حرمان الوطن من موارد مالية مستحقة في شكل غرامات مجزية ومفيدة مثل مليون بدل مائة ألف وهذا أمر أعجب له كثيراً ويقلقني أكثر، ففي الوقت الذي ترتفع فيه رسوم الخدمات من كهرباء وهاتف وانترنت وماء وترتفع فيه غرامات إعادة هذه الخدمات على مواطن كل ذنبه ان الفاتورة لم تصله أو انتظر على أحر من الجمر جمع قيمتها فإن غرامات الغشاشين تكون على هذه الدرجة من الحنية والهشاشة.

لعل من المصادفات الطريفة أن أحد وكلاء وزارة التجارة السابقين كسب قضية تسمم غذائي ضد الخطوط البريطانية وحصل على تعويض قدر بحوالي مليون ونصف المليون ريال مع أن التسمم لم يكن مقصوداً.

أسرى الحواجز لمن يشتكون؟!

أرجو أن تخصَّص دائرة أو هيئة مستقلة تعنى بتقصي أحوال وظروف فئات من المواطنين لا يستطيعون إيصال شكواهم لأنهم يقبعون خلف أسوار لا تسمح لهم بالخروج لأسباب وظروف متعددة ومختلفة ولكنهم غير قادرين على المطالبة لا حضورياً ولا في الصحف ولا في “الإنترنت” وهؤلاء أعانهم الله لا أدري كيف سيتحملون المعاناة اليومية، سواء ممن يتعاملون معهم أو من قصور الخدمات أو من سوء الأحوال الصحية أو كل هذه الظروف مجتمعة.

إذا كان القادر على الشكوى والوصول عبر عدة قنوات، سواء المقابلة المباشرة أو الاتصال الهاتفي أو عبر الصحافة والشبكة العنكبوتية يشتكي بحرقة وألم رغم قدرته على التنفيس عن نفسه بالشكوى، فكيف ستكون حال من يتولد لديه الضغط يوماً بعد يوم دون توفر وسيلة ولو للتنفيس.

الفئات التي أتحدث عنها كثيرة ومعاناتها أكثر من عددها، وفرص الشكوى لديها معدومة لا تتعدى الشكوى لحكم هو الخصم.

كل من حكمت عليه الظروف ان لا يخرج من مأواه يدخل ضمن من أقصدهم وخذ منهم على سبيل المثال لا الحصر نزلاء دور رعاية القصر أو الأحداث ونزلاء دور الرعاية الاجتماعية من العجزة والمقعدين ونزلاء السجون خاصة المحكوم عليهم في قضايا الحقوق الخاصة (وأقصد غير عتاة المجرمين المستحقين للعقاب الجسدي والنفسي)، ونزلاء مستشفيات العزل والمرضى النفسيين في مستشفيات الصحة النفسية والأطفال في دور الرعاية الخاصة بالأيتام واللقطاء.

كل هؤلاء قد يتعرضون (في ظل الرقابة الخارجية المستمرة) للمعاناة من القصور في الخدمات أو الاهمال أو ربما الاساءة والاستغلال من قبل زملائهم أو المشرفين عليهم دون أن يكون لهم سبيل للشكوى إلا لخالقهم سبحانه.

إن ظروف مثل هؤلاء وخاصة غياب السند المحايد أو من هو في صفهم جملة وتفصيلاً قد يغري ضعاف النفوس بالإساءة إليهم أو حرمانهم حقوقهم وهو أمر حدث ويحدث في دول كثيرة لم تنجح في التغلب عليه إلا بدخول الرقابة الخارجية المحايدة من جهة مستقلة استقلالاً تاماً عن القطاع المعني برعايتهم فأحد أهم أساسيات معايير الرقابة هو استقلال الرقيب وإلا فإن عنصر المجاملة والتسويف والتعتيم “وطمطمة” المصائب سيكون هو الأعم والأقرب للحدوث.

لذا فإنني أدعو لسرعة الالتفات لفتح قنوات واسعة “محايدة” للتواصل مع النزلاء خلف الأسوار، مع كامل الثقة والتقدير لمن يرعاهم.

ضريبة تدليل القطاع الصحي

أوردت في زاوية يوم الاثنين الماضي معاناة أب سقط “دولاب” على رأس صغيرته “ثلاث سنوات” وتعرضت لإصابة بالغة وعانى الأمرين من التنقل بها من مستشفى لآخر ونقلها بسيارته أربع مرات وهي مغمى عليها وتلفظ أنفاسها ولم تسعف إلا في المستشفى الرابع.

وكنت قد وعدت بالتعليق على الموقف لاحقاً، وهنا لابد أولاً أن نتفق وعسى أن نتفق على أن جميع المستشفيات والمستوصفات، الخاص منها والحكومي من المفترض أن تكون “سفارات” تمثل الوزارة المسؤولة عن الصحة وتطبق تعليماتها في التعامل مع جميع الحالات والظروف بما في ذلك وضع الكوارث وإعلان حالة الطوارئ العامة لا سمح الله.

أي ان القطاع الخاص الصحي يفترض أن يكون جزءاً من منظومة صحية أهدافها مشتركة وواجباتها متداخلة تصب في الصالح العام مع حفظ حق القطاع الخاص في الاستثمار في جزء الرعاية الصحية، غير حالات الطوارئ!!

دعونا نبدأ بالمستشفى الخاص الذي كان مؤهلاً من حيث الامكانات لإنقاذ حياة الطفلة بتوفيق الله، ولم يفعل، هنا أعتقد جازماً أن معالي وزير الصحة يتحمل المسؤولية في تخاذل المستشفيات الخاصة نحو إسعاف المصابين فقد نشر في الصحف على لسانه تصريحاً مفاده ان قبول الحالات الإسعافية في المستشفيات الخاصة يكون للحالات الحرجة جداً دون وضع تعريف أو مواصفات للحالات الحرجة وضمن أضيق الحدود، وأن يكون ذلك خلال أول أربع وعشرين ساعة من الوضع الحرج، بعده يجب على الأهل نقل المريض إلى مستشفى آخر حال توفر سرير وذلك للحد من تقاعس البعض في نقل أقاربهم “كما ذكر التصريح”.

والمستشفيات الخاصة استقبلت هذا التصريح بالتهليل والتكبير واستفادت من عدم تعريف الحالات الحرجة وأصبحت تتملص من كل الجهات وقد كتبت سابقاً أنني تجولت في أكثر من مستشفى خاص ووجدتهم قد صوروا تصريح معاليه وألصقوه على زجاج غرف الطوارئ وطالبت في حينه بسحب هذا التصريح ومنع المستشفيات الخاصة من اعتبار التصاريح الصحفية “تعاميم رسمية”.

إن من المفترض اعتبار إسعاف المصابين والأمراض الحادة أحد الواجبات لمستشفيات القطاع الخاص شأنها شأن المستشفيات الحكومية، فهي ضريبة الاستثمار في المجال الصحي في دول كثيرة تفرض أنواعاً أخرى من الضرائب ومن باب أولى أن تكون في بلد يقدم كافة أشكال التسهيلات والقروض ويعفى من الضرائب.

وإذا استمرت الحال على ما هي عليه الآن وفق التصريح المذكور ووفق ما يحدث من تملص مسكوت عنه فكيف سنتعامل كوطن مع حالات الكوارث الجماعية لا سمح الله؟!

الجانب الآخر الذي تكشفه القصة وقصص أخرى عديدة هو ضعف الرقابة على التجهيز، فالمستوصف الخاص، لديه سيارة إسعاف ولكن بدون سائق وهذا يدل على أن مجرد وضع هيكل لسيارة إسعاف دون محرك، كاف للمراقبين ان وجدوا!! والمستوصفات أدركت ذلك جيداً فوضعت السيارة للحصول على الترخيص ولم تفعل دورها.

ايضاً حال مستشفى وزارة الصحة ليس بأفضل من حال المستوصف الخاص في هذا الصدد، فسيارة الإسعاف موجودة في مستشفى اليمامة لكنها معطلة أي موجودة شكلاً وغير موجودة في الخدمة مما يدل على أن الوزارة لا تطبق في مستشفياتها مفهوم المراجعة الدورية للجاهزية ووضع خطط طوارئ واختبارها ولو سنوياً بتطبيق حالة طوارئ وهمية فكيف ستكون الحال في المستشفيات والمستوصفات الخاصة التي تشرف عليها الوزارة.

إن المستشفيات والمستوصفات بكافة انتماءاتها سواء كانت خاصة أو تابعة لوزارة الصحة أو أي قطاع آخر هي بمثابة الكف التي يضع عليها ناقل المصاب رأسه لتحمل عنه ما تبقى من معاناة بعد أن نجح في ايصال المريض إليها ويفترض أن تتحمل مسؤولية كافة الاجراءات الإسعافية حتى ضمان استقرار الحالة تماماً دون مقابل مادي ودون تقاعس ويجب أن تكون جاهزة على مدار الساعة لهذا الدور وأن لا تتاح لها فرص التملص أو الاستثمار في هذا العمل أو رفض المصاب بحجة عدم انتمائه للقطاع الذي يتبع له المستشفى.. ويكفي القول ان ثمة معاناة كبيرة في هذا الجانب بسبب عدم الوضوح وترك الأمر دون رقابة إلى درجة ان هذا الأمر أصبح يشكل أكبر همّ لقريب المصاب أو مسعفه في اللحظات الأولى الحرجة حيث يتساءل إلى أين أنقله؟! ومن سيقبل بعلاجه؟!، وهي مسؤولية جسيمة في ذمة المسؤول عنها.

شـكوى ودعاء

هذا الموضوع يعبر عن رأي المشتكي أولاً وأخيراً ويجسد واقعاً مراً وآخر حلواً لا أرى ضيراً في طرحه كما وردني وترك التعليق عليه لاحقاً مع علمي مسبقاً أنه قد يساء تفسيره ولكن لو حسبنا حساباً للتفسيرات لما كتبنا ولا تحدثنا وربما لما تحركنا مطلقاً.

المواطن عبدالرحمن الحسن اتصل بي يشرح معاناة أجزم أن كل من تعرض هو أو أحد أفراد أسرته لحادث سيواجهها: يقول في عصر يوم السبت 25ربيع الثاني سقط “دولاب” على رأس ابنتي (ثلاث سنوات) فأصيبت بحالة استفراغ شديد ثم إغماء وبدأ الدم يخرج من أذنها وتحولت إلى جثة هامدة.

نقلتها مسرعاً إلى مستوصف الحياة في حي الفيحاء فتفاعل معي الطبيب مشكوراً وأفادني بأن حالتها خطرة جداً وتحتاج إلى نقلها لمستشفى به أشعة مقطعية وبسرعة، فطلبت أن تنقل بإسعاف المستوصف لأنني مرتبك وأخشى أن أعبر الإشارات أو أتسبب في حادث أكثر فداحة فأخبرني انه لا يوجد سائق للإسعاف!! فنقلتها بسيارتي إلى مستشفى اليمامة التابع لوزارة الصحة، فوجدت انه أبعد ما يكون عن أن يسمى “مستشفى” ومنذ وصولي إلى “اليمامة” ونزولي من السيارة أحمل طفلة تلفظ أنفاسها وإذا بالحارس يلاحقني مردداً “أبعد السيارة” الأهم من أمر الحارس هو أن طبيب إسعاف اليمامة أخبرني أنه ليس بإمكانهم عمل شيء لأنها تحتاج إلى أشعة مقطعية وأنه لابد من تحويلها إلى مستشفى “الشميسي” لإجراء هذه الأشعة “كأول شيء يجب عمله!!” وعندما سألته هل ستنقل بالإسعاف؟! أفاد بأنه متعطل وكان أحد الموظفين متحمساً ولكن ليس في إمكانه عمل شيء وسألته عن أقرب مستشفى لديه هذه الأشعة فقال مستشفى التأمينات ولكن ذلك سيكلفك حوالي (50) ألف ريال، فحملت ابنتي وذهبت بسيارتي إلى مستشفى التأمينات ويعلم الله ما عانيته من أخطار وأنا أتنقل بسيارتي من مستشفى إلى آخر. أوقفت السيارة أمام الإسعاف ونزلت بالطفلة فاستقبلني طبيب من الأشقاء المصريين وكان مرتبكاً جداً ومتحمساً ويردد تحتاج إلى مقطعية وطبيب المخ والأعصاب المخول بطلب هذا النوع من الأشعة غير موجود، وأجرى اتصالاته ثم ذكر لي “ماذا نفعل بهذه الادارة السيئة فقد منح الاستشاري إجازة ولا يوجد غيره مخول بطلب هذه الأشعة” وطلب مني ان أذهب إلى الادارة لأنه على ما يبدو متحمس دون صلاحيات، وفي الادارة واجهت موظفاً يؤسفني انه من أبناء الوطن، لكنه على ما يبدو، تربى على وزن الأشياء بميزان المال والتكلفة، فكان بارداً جداً، لا تحرك فيه معاناتي وحالة ابنتي ساكناً، كل ما يشغل ذهنه هو هل علاج الطفلة ضمن الحالات الإسعافية أم أني سأدفع تكاليفها وإن كان لم يقل ذلك صراحة، لكن تمتمته لمن حوله توحي بذلك وبروده لم يكن طبيعياً، ثم التفت إليّ قائلاً “لا يوجد طبيب مخول بطلب أشعة مقطعية!!” قلت له حسناً، اطلب من الإسعاف أن ينقلها إلى مستشفى آخر فلم أعد قادراً على القيادة وعائلتي معي وجميعنا في خطر، فرفض إعطائي إسعافاً مدعياً ان ذلك ممنوع وتارة أخرى يقول لابد من إرسال فاكس إلى مستشفى آخر وانتظار رد القبول فما هو المستشفى الذي تريد؟! صعقني ذلك البرود وعدم المبالاة فأخبرته ان ما سيحدث لي ولعائلتي ولهذه الطفلة البريئة في ذمته وفي ذمة من سمح له بتعريضنا للخطر. وحملت ابنتي وتوجهت إلى مستشفى الملك فهد للحرس الوطني ولا أخفيكم انني كنت معتقداً انه طالما لم يتفاعل معي مستشفى وزارة الصحة المخصص لعامة الناس ولا المستشفى الخاص فكيف سيقبلها مستشفى خُصص لقطاع عسكري لا أنتمي إليه؟! ولكنني أردت ان يشاركني في حمل أزر هذه الروح البشرية أكبر عدد ممكن وأن أبري ذمتي بعمل ما يجب.

وأمام بوابة الطوارئ في مدينة الملك عبدالعزيز للحرس الوطني شعرت بأن من استقبلوني يستقبلون ضيفاً عزيزاً، منهم من يثبت الطفلة بالأربطة الخاصة، ومنهم من يضع المحلول الوريدي ومنهم من يضع جهاز التنفس ولم أشعر إلا وابنتي على سرير خاص تعاود الإفاقة تدريجياً واستمرت إجراءات إسعاف منظمة قرابة ساعة ونصف قبل مجرد ذكر للأشعة المقطعية إلا بعد أن عمل ما هو أهم وهو إنقاذ الحياة بإذن الله، وبعد أن أصبح وجودي غير ضروري حضر إليّ رجل أمن الإسعاف بنفسه هامساً بلطف “ممكن نبعد السيارة” فسلمت المفتاح لأحدهم وأبعد سيارتي وبعد أن خرجت مع عائلتي نبحث عن السيارة جاءني رجل الحرس ليشكرني على تجاوبي بإبعاد السيارة عن البوابة!! ولم تحتج الطفلة إلى أشعة مقطعية إلا بعد حوالي ساعتين للتأكد من نوع الاصابة وبعد أربعة أيام خرجت الطفلة سليمة معافاة بفضل الله ثم بفضل الجهود المدروسة والتعامل الحريص العلمي في إسعاف متخصص خطط له بعناية وبناء على حاجة الوطن وأبنائه. وخرجنا ندعو لولي العهد بأن تكون هذه الجهود في ميزان أعماله الحافلة بالإنسانية ونشكو إليه ما واجهنا من المستشفيات المذكورة من إهمال وبرود وتقاعس.

يا ملاّك العيادات.. استتروا

قال له صاحبه ناصحاً: إذا أردت أن تبرئ ذمتك وتتجنب الوقوع في الشبهات ويكون دخلك من هذه العيادة حلالاً خالصاً فاجعل من الواضح لجميع المرضى ان مركز الاشعة المجاور يتبع لك وان الصيدلية والمختبر المجاورين أيضاً هما من مرفقات العيادة رغم اختلاف الأسماء وألوان اللوحات.

وحين لاحظ عدم اقتناع صاحبه بالفكرة، قال له: أضعف الإيمان أن لا تمتدح مركز الأشعة والمختبر والصيدلية لدى مرضاك وكأنهم جميعاً ليسوا لك وأن لا تبالغ في طلب الأشعة والتحاليل ووصف الدواء.

هنا بدا واضحاً انه وضع إصبعه على الجرح، والجرح إذا لمسته الإصبع يحدث ألماً وانتفاضة وانفعالاً شديداً قد يخرج المجروح عن جادة الصواب!! رد الطبيب صاحب العيادة بانفعال: تطالبني بأن أكون مثالياً وكأنك لا تعرف مجتمعك؟!! وأردف قائلاً بمنتهى الفخر: يا أخي أنا من خيار الموجود، على الأقل استقلت وافتتحت عيادة ومركز أشعة ومختبراً وصيدلية بمشاركة زملاء استقالوا هم أيضاً قبل ان يخلطوا بين العمل الخاص والعمل الحكومي.

هل تعلم لمن المركز الطبي المجاور؟! إن ملكيته تعود لمسؤول لازال يعلو هرم المسؤولية عن خدمات طبية في أحد القطاعات ويستفيد من موقعه ومسؤولياته في التعاقد لهذا المركز وشراء الأجهزة له وربما أثّث بعض عياداته على حساب عمله!!، فهل يمكن مقارنتي بمثل هذا؟! بل كيف لي منافسته وقد وفر الكثير من التكاليف والاجراءات الادارية؟!

صاحبه أدرك ان الخلل يكمن في مقياس المقارنة ومرجعيته وبمن يقارن الإنسان أفعاله، ويقيس حجم مخالفاته.

هل يقارن أفعاله بالواقع السيئ فيعتبرها الحد الأدنى المقبول أم يقيسها بالتعاليم الأساسية فيدرك أن الفساد درجات وانه إنما يقع ضمن هذا السلم عندما يمارس مخالفة مهما صغرت مقارنة بالواقع من حولها.

الموقف يؤكد ان من يمارسون الفساد الاداري إنما يحملون على ظهورهم أزرين كبيرين، أزر سوء استغلال المال العام لمصالح خاصة وأزر لا يقل حجماً وهو تشجيع الغير على ممارسات يعتبرونها أقل خطورة وأهون مخالفة مما يشاهدونه عياناً بياناً ولذا فإن أضعف الإيمان أن نطالب من ابتلوا بإساءة استغلال المال العام أن يستتروا.

‘الفلاتر’ البشرية

الفلتر كلمة غير عربية، أستميحكم عذراً في استخدامها ذلك أن ترجمتها العربية “مرشح” لها معانٍ أخرى تعني عكس ما نريد هنا من الفلاتر البشرية، فهي لا ترشح بل تمنع، وهي لا تصفي لأن ما تمنعه ليس من الشوائب بل ربما أنقى كثيراً مما يمر عبر الفلاتر البشرية.

الفلاتر البشرية تتكون تلقائياً لتشكل حلقة محكمة تحيط بالشخص المهم صاحب القرار والنفوذ فتمنع غيرها من الوصول إليه خشية أن يفوزوا بنفس الحظوة أو يكتشف فيهم مواهب أفضل، وإمكانيات أعلى، ومؤهلات أقوى فيعجب بهم فيقربهم، والفلاتر لا تريد لأي أجسام كبيرة أن تقترب.

الفلاتر البشرية تتشكل حول كل مدير ووكيل ووزير ومسئول كل حسب أهميته، وغالباً تكون محكمة الغلق تحاول جاهدة منع الاتصال المباشر بالمسئول، وحجب “الكفاءات” عنه، وتحرص جاهدة على لعب دور الوسيط الناقل للمعلومة، دون إتاحة الفرصة لغيرها من الاقتراب!!

كم من الكفاءات والقدرات الوطنية والمؤهلين حجبوا بهذه الطريقة، حتى أصبح المجال وكأنه يخلو إلا من فاهم واحد أو محنك واحد أو مؤهل واحد!!

المشكلة ليست في القدرة العالية للفلتر البشري على منع وصول كل جسم كبير التأهيل والقدرات فحسب بل ثمة مشكلة أكبر وهي أن بعض المحيطين بالمدير أو المسئول يمارسون عملية قرصنة للأفكار والمقترحات وينسبونها إلى أنفسهم، وبذلك تجيّر ابداعات المبدعين للناقلين وهذه مشكلة كبيرة جداً أوجدتها صعوبة الوصول، واستخدام الوسيط.

حتى داخل الدائرة الواحدة أو المؤسسة الواحدة تفرض بعض طقوس البيروقراطية أن لا يكتب موظف إلى رئيس الدائرة إلا من خلال مديره المباشر، حتى لو كان يقدم مشروع اقتراح أو فكرة جديدة من إبداعه، فإنه لابد أن “يرفعها” من خلال رئيسه المباشر وهذا الأخير قد تسوّل له نفسه أن من حقه كرئيس أن يستبدل اسم صاحب المجهود باسمه هو كونه المخول بالكتابة، وكم من فكرة وإبداع جيّر لغير صاحبه بهذه الحجة.

هذه الممارسة الخاطئة تقتل روح الإبداع وتحبط الهمم من ناحية ومن ناحية أخرى تقتل الفكرة نفسها لأن صاحبها المزيف غير قادر على شرحها أو متابعتها ناهيك عن تفعيلها. وبين الفلاتر البشرية وقراصنة الأفكار يبقى الوضع صعباً للغاية ويصبح التحرك إلى الأمام بطيء جداً ويعم الجمود وتتوقف الصورة الاجتماعية عند نفس الأشخاص، نفس الشخصيات، نفس الإصرار على اعتبار المدير أو الوزير محمية لمجموعة من الأشخاص ممن يحملون لافتات “ممنوع الاقتراب”.

صيدلانيات الصحة.. الظلم ظلمات

لا أعتقد أن معالي وزير الصحة قد اطلع على وضع الصيدلانيات السعوديات العاملات في وزارة الصحة، وعلم عن ما تعرضن له من ظلم وإجحاف وإخلاف للوعد، فحسب معرفتنا بشخصية معاليه عن قرب فهو رجل ورع، يكره الظلم وينبذ هضم الحقوق ولا يقبل إخلاف الوعد، وأجزم انه لم ولن يقبل ما تعرضت له مجموعة من الصيدلانيات اللاتي خدمن وزارة الصحة على مدى ست سنوات على وظيفة فني صيدلة أو مساعد صيدلي وهي الوظيفة التي لا يشكل راتبها وبدلاتها نصف المرتب المستحق لصيدلانية تحمل درجة البكالوريوس في الصيدلة ولا ترقى واجباتها ووصفها الوظيفي لوظيفة صيدلي قانوني المستحقة لهن أسوة بغيرهن، لكن هؤلاء الصيدلانيات قبلن بوظيفة “فني صيدلة” مؤقتاً على وعد من الوزارة وديوان الخدمة المدنية “آنذاك” أن تتم ترقيتهن تباعاً حسب الأقدمية كلما توفر رقم وظيفي على وظيفة صيدلي.

وفعلاً تمت ترقية بعضهن تباعاً ببطء شديد حيث لا تتوفر الوظيفة إلا بعد طول انتظار وبالقطارة كما ذكرن، وكن صابرات مقدرات لظروف الوزارة ينتظرن على أحر من الجمر أن يأتي الفرج ويمارسن عملهن الذي درسن من أجله أكثر من ست سنوات ويحصلن على الراتب الذي كافحن من أجل الوصول إليه وأنهن أثناء فترة الانتظار هذه يعملن على أساس فني صيدلة بكل ما في هذه الوظيفة من إجحاف لهن في الوصف الوظيفي والواجبات والدوام والأجر الزهيد.

وقد فوجئن بحلول عام 1422هـ أن الوظائف أو الأرقام اللاتي كن ينتظرنها طوال السنوات الست أصبحت تذهب لغيرهن. تذهب لصيدلانيات متنقلات من مستشفيات أخرى كالتخصصي أو الملك فهد للحرس الوطني أو مستشفى القوات المسلحة أو مستشفى الأمن العام. أما لماذا؟! فلأن الوعد أخلف وأصبح إعطاء الأرقام في وزارة الصحة للصيدلانيات حسب المفاضلة وليس حسب الاستحقاق والأقدمية وهذه المفاضلة تعتمد اعتماداً تاماً على الحصول على دورات وبطبيعة الحال فإن الموظفات المتنقلات من تلك المستشفيات كان لديهن فرص الحصول على الدورات بحكم مرونة رؤسائهن المباشرين في حين كان حجم العمل وعقلية بعض رؤساء موظفات وزارة الصحة لا تتيح لهن فرصاً مشابهة.

إننا يا معالي الوزير مع التوجه لتشجيع التعليم المستمر للصيادلة وحثهم على تطوير معلوماتهم بعد التخرج وأنا كصيدلي من أشد المؤيدين لهذا التوجه لكن تطبيقه في حق من انتظرن الوعد ستاً أو خمساً أو حتى أربع سنوات على أمل تعيينهن على الوظيفة المستحقة أمر فيه كثير من الإجحاف فقد كان الأجدر بصاحب الفكرة أن يحقق العدالة أولاً بإعطائهن حقهن الوظيفي وتعويضهن انتظار هذه السنوات وتعيينهن على الوظيفة المستحقة الموعودة ثم مطالبتهن بالدورات لتطوير أنفسهن بعد ضمان تساوي الفرص في الدورات.

إن عملية حسابية لمنصف، عدل توضح أن هؤلاء الصيدلانيات خسرن مبالغ طائلة أثناء انتظار الوعد وخسرن سنوات خدمة في الوظيفة المستحقة وبقين عدة سنوات في الوظيفة الأقل مادياً ومعنوياً ثم بعد هذا تذهب الوظيفة “باردة مبردة” لموظفة قادمة من جهة أخرى بعد أن “غرفت” من معين العلم والمال والبدلات المجزية. كل هذا من أجل توفر شرط الحصول على دورات لم تكن مهيأة أصلاً. هذا أمر فيه من الإجحاف ما لا يرضاه الوزير وأجزم انه قد حُجب عنه!!.

ضحايا تفسير النظام

لا شك أن أحد أهم أسباب شيوع الانزعاج النفسي في المجتمع وغياب الابتسامة وتسيّد حالة عدم الاستقرارالنفسي وظهور العامة بمظهر الانشغال والقلق يعود إلى غياب النظم والإجراءات السلسة التي يفترض أن تحكم شؤون الناس ويحتكمون إليها وتسهل سير معاملاتهم اليومية دون انزعاج وبحث عن وسيط أو الركون لحالة إحباط تام عند أول عقبة غير مبررة بنص قرار أو فقرة من نظام واضح.

وفي الوقت ذاته وكما سبق أن ذكرنا فإن غياب قنوات تقديم الشكوى ضد أي جهة تمارس تعطيل مصالح الناس دون مبرر نظامي ونعني القنوات المحايدة التي لا تعيد الشكوى إلى الخصم ليصبح الحكم ولا تعطل الشكاوى أكثر من تعطيل الجهة للمعاملة، نقول إن عدم توفر قنوات استقبال الشكاوى والبت فيها يأتي سبباً ثانياً إلى وضع الانشغال الذهني وربما الكآبة المستمرة والشكوى الدائمة التي تشغل المساحات الأكبر في الصحف المحلية منذ زمن بعيد تشاركها فيه حالياً الشبكة العنكبوتية، وذلك كون الصحافة و”النت” هما القنوات الأسرع والأجدى للشكوى التي قد تحظى باستجابة أو على أقل تقدير تحقق تخفيف الضغط النفسي عن طريق “التنفيس”.

الأدهى والأمرّ من غياب النظم والإجراءات الواضحة في الجهات الحكومية هو تفسير هذه النظم إذا وجدت فالمراجع الساعي وراء متابعة شؤونه أو مصالحه عرضة للإعاقة من قبل أصغر موظف نتيجة تفسيرهذا الموظف للنظام على حسب فهمه المحدود لفقرة النظام وتمسكه بهذا الفهم أو استغلاله بقصد لتفسير خاطئ للنظام وغالباً ما ينتهي سعي بعض المراجعين الحثيث والطويل إلى نتيجة “تفسير خاطئ للنظام”، وهذا التفسير ليس من خبير أو عضو في لجنة تشريعية ولكن من موظف محدود الفهم يفسر الفقرة بناءً على فهمه الخاطئ.

بيت القصيد أنه سواء غابت الأنظمة والإجراءات التي تحكم علاقة المراجع بالدائرة الحكومية أو تواجدت هذه الأنظمة وأسيء تفسيرها فإن مصلحة المواطن عرضة للإهدار دون أن يتوفر سبيل سهل وحيادي للشكوى واستئناف الركض وراء الحق فليس أمام صاحب الحق إلا شكوى الجهة على وزيرها والذي بدوره سيعيد المعاملة إلى نفس القسم مثار الجدل.. أو أن يعمد إلى الشكوى للصحف عسى أن يجد من يستجيب أو أن يركن إلى الاستسلام للإحباط فيصبح عكر المزاج دائم الانفعال ومن غير المستبعد أن يمارس الشيء نفسه مع مراجع آخر إذا كان موظفاً .. وهكذا يستشري الأمر مع أن حلوله سهلة وممكنة بشيء من المرونة.

بيئة للأخطاء الطبية

لن تنتهي مآسي الأخطاء الطبية ومعاناة الناس منها ما لم يتم تطبيق تعويضات مالية مجزية تعد في خانة الملايين تقتطع من المستشفى المتسبب لصالح المريض المتضرر أو الأسرة المنكوبة، مثلما هي الحال في دول سبقتنا في هذا المجال بميزاته وعلاته.

هذا من ناحية العقوبة الرادعة التي تجعل كل مستشفى يسعى إلى وضع نظم وإجراءات واحتياطات دقيقة وحذرة يهدف منها إلى تلافي الخسارة المالية وبالتالي يحمي الناس من أخطائه.

ومن ناحية أخرى لابد من ترسيخ مفهوم “الرأي الثاني والثالث” لدى كل من المريض والطبيب كحق يجب أن لا يخجل المريض من طلبه ولا يمتعض الطبيب من قبوله.

إن مجتمعنا الصحي رغم كل ما يشهده من تطور، يعتبر وسطاً ملائماً جداً لشيوع الأخطاء الطبية القاتلة وذلك لعدة أسباب أهمها: أمن العقوبة، وبطء إجراءات البت في قضايا الأخطاء الطبية حتى تهدأ الأنفس ويقل الحماس وتزداد المخارج والأعذار، وعدم فرض تعويضات تعادل الآثار الجسدية والنفسية وتبعات الخطأ الطبي التي تمتد مع الضحية الحي حتى يموت ومع أسرة الضحية الذي مات حتى آخر فرد فيها!!

تأتي كل عوامل غياب المحاسبة الجادة متزامنة مع الانشغال بالمصالح الخاصة ومحاولة تحقيق أكبر دخل مادي ممكن من هذه المهنة الإنسانية النبيلة والمتمثل في عمل الطبيب في أكثر من مستشفى وتشتيت وقته وفكره بين عدة التزامات منها الرسمي ومنها خارج وقت الدوام ومنها الاستشارات ومنها التلميع الإعلامي. ووسط هذا الانشغال لكبار الأطباء يبقى صغارهم محرومين من الاحتكاك بالخبرات مهملين تماماً، يتلقون الاستشارة عبر الهاتف على أفضل الاحتمالات ويضطرون للتقرير في مواقف طبية تفوق خبرتهم وقدراتهم. وكأي إنسان فإن العامل في المجال الصحي وبحكم التعود والتأقلم مع الأحداث يصل إلى مرحلة يعتبر فيها بتر العضو وإزالة جزء حيوي وتقرير الاصابة بمرض عضال أو قرب الوفاة عادياً جداً بل روتيناً يومياً مثلما يتعود رجل الدفاع المدني على حمل الأشلاء أو رفع الجثث المتفحمة أو فصل قطع اللحم البشري من حديد السيارة.

نحن لا نطالب بمحاسبة العامل في المجال الصحي على تعوده على معايشة الأحداث المريعة وإنما نطالب بما يجعل هذا العامل يفكر ملياً قبل اتخاذ قراره وهذا لا يمكن ضمانه من الجميع على حد سواء دون فرض سبب مادي وملموس يحث على التريث مع عدم نبذ الجانب الإنساني أو تجاهله.

أما ترسيخ مفهوم طلب رأي آخر كحق من حقوق المريض فيقع على عاتق جهات عدة منها المستشفى والطبيب نفسه والإعلام (عندما تنصح مريضاً بأن يستأذن طبيبه باستشارة طبيب آخر، يخجل كثيراً ويرد بحياء “قله أنت”).

بقي أن نذكّر الزملاء الأطباء وغيرهم من العاملين في المجال الصحي ان أزمة الثقة بين المريض والمنشأة الصحية أو الطبيب ليس سببها ما يكتب من مقالات تهدف لمعالجة المشكلة فالسبب الفعلي هو كثرة الأخطاء الطبية، ولذا فإن مفهوم إن لم تكن معي فأنت ضدي مرفوض في كافة سبل الحياة بما فيها هذا الموضوع.