اليوم: 9 سبتمبر، 2002

الصناعة بمفهوم الدجاج!!

نحن بلد حقق نقلة نوعية سريعة في مجال الصناعة بما فيها صناعة الدواء والغذاء، وهي نقلة تحققت بفعل الطفرة، لكننا على ما يبدو لم ننجح في ترسيخ مفاهيم أساسية لا بد أن تصاحب أي تطور صناعي ومن أهمها مفهوم أن الصناعة كجهد بشري مهما بلغت من الدقة والميكنة لا بد أن تكون عرضة للعيوب الصناعية في أي وقت من الأوقات، بمعنى أنه لا بد لأي مصنع أن يتعرض لفشل في إحدى التشغيلات يستلزم سحب التشغيلة من الأسواق.

هذا القصور في الفهم لا يقتصر على المستهلك بل يشمل الجهات الحكومية والقائمين على المصنع وهم أساس ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ لدى المستهلك باتباع سياسة التكتم والتستر على العيوب إلى حد جعل فشل تشغيلة واحدة أو منتج واحد يصنف على أنه فضيحة كبرى تستدعي التكتم شفقة على المنتج ومالك المصنع وأن الإعلان عنها يعني إعلان نهاية المصنع!!.

هذه إحدى السلبيات العديدة لغياب الشفافية في هذا الصدد!! وهو أمر خطير جداً تنطوي عليه أخطاء أكبر تهدد صحة وحياة المستهلك خاصة في مجال الغذاء والدواء.

ما قيمة المواصفات والمقاييس والرقابة النوعية وعلامة الجودة إذا لم يصاحبها اقتناع بإمكانية حدوث الخلل ومخالفة المواصفات؟!.

إننا نتوجه وبقوة نحو الصناعة الدوائية “أكثر من سبعة مصانع كبرى تنتج مئات الأصناف وربما الآلاف” وقطعنا شوطاً كبيراً في مجال الصناعات الغذائية بأنواعها “مئات المصانع وآلاف المنتجات” فهل من المعقول أن لا يصاحب هذا الكم الكبير في المنتجات الدوائية والغذائية فشل في تشغيلة واحدة يستلزم التنويه والتحذير والسحب من الأسواق؟! وإذا حدث هذا الفشل وهو أمر طبيعي ومتوقع، فهل سوف نمارس نفس أسلوب التستر البغيض الذي حدث مع الدجاج المسموم أو عبوات الماء؟!.

إن بلداً أصبح صناعياً مثلنا لا بد أن يغير مفاهيم القرن الماضي في هذا الصدد وأن تكون البداية الأهم في تصحيح الخلط لدى المسؤولين بين حماية المنتج والتستر على إحدى التشغيلات!! وتصحيح ترتيب الأولويات بين حماية التاجر وحماية المستهلك!! بل تصحيح الخطأ الشائع في الاعتقاد بأن الإعلان عن فشل تشغيلة يعني الحكم على المصنع بالإفلاس.

لو تعوّد المستهلك في الداخل والخارج على سحب تشغيلة “أو حتى منتج كامل” والتحذير منها مع استمرار تشغيلات أخرى مشابهة أو منتجات أخرى لنفس الشركة فإننا سوف ننمي لديه مفهوم الاحتمال الكبير في فشل كمية من منتج وأن هذا لا يعني فشل الجميع أو مقاطعة كل منتجات المصنع وفي الوقت ذاته نكوّن لديه الثقة في أن صحته وسلامته هي الأهم من كل اعتبار آخر وبالتالي فإن أي منتج لم يعلن عن فشله هو في الواقع مأمون وصالح للاستخدام.

أما بالمنظور الحالي أو ما أستطيع تسميته التعامل بمفهوم الدجاج أو بنفس أسلوب التعامل مع الدجاج والمياه المعبأة فإننا سنخسر ثقة المستهلك في الداخل والخارج وسوف نسبب الضرر لكل المنتجين بسبب منتج واحد أو صنف واحد ونترك “الساحة” لرواج الشائعات وسنجعل التاجر أو المصنع يعمل في أمن تام من التشهير بمنتجه مهما حدث وسط شعور عام بأن سمعته أهم من سلامة المستهلك الأمر الذي يجعل الرقابة الذاتية ورقابة جودة المنتج هي آخر اهتمامات المصانع.

والأهم من هذا وذاك هو أننا سنبقى نشعر بأننا نعيش بمفاهيم عفا عليها الزمن مما يوحي بأن تطورنا لم يشمل الإنسان نفسه.